|
الصفحة |
|
|
الإهداء مقدمة الكتاب المقدمة الباب الأول: التفسير بالرأي والحرص على إقصاء السّنّة المطهرة 1) إنكار النسخ وإنكار حدّ الرجم على الزاني المحصن إنكار النسخ إنكار حدّ الرجم 2) ينفي د. أحمد نوفل أن يكون المراد بالحكمة هو السنة 3) نفيه صفتي السّاق والقدم وتهكّمه على البخاري 4) إنكار حادثة (معجزة) انشقاق القمر انشقاق القمر يوم القيامة مصير القمر يوم القيامة 5) ادعاء أنّ الآية: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) خاصة بالكفار 6) ردّه أحاديث الشفاعة الواردة في صحيحي البخاري ومسلم 7) ردّه الحديث الصحيح: (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ) ويقول أنّه بحاجة إلى تخريج سياسي 8) ينكرُ قتالَ الملائكةِ مع المؤمنين يوم بدر رغم ثبوته في القرآن والسّنة 9) يؤكد د. نوفل على عدم الوقوف على اسم الجلالة (اللَّهُ ۗ) في الآية: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) مُخالفاً التفسير الراجح وضبط المصحف. ويقول بعدم وجود آيات متشابهة في القرآن! 10) يفرد د. نوفل حلقة كاملة للطعن بالأحاديث ويدعو للتفسير بالعقل 11) يقول وبالعامّيّة: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال!" 12) يطعن في صحة كون اليهود سمّموا النبي؛ رغم ثبوت الرواية |
9 16 22 41 41 41 51 52 59 72 80 81 82 85 93
95
106 117 117 117
|
|
الموضوع |
الصفحة |
||
|
13) د. نوفل يطعن في حديث افتراق الأمة ويقول "أنه مزق الأمة، ولا يصحّ سنداً، وهذا الحديث مصيبة 14) د. نوفل ينكر لقاء الرسول بموسى (عليهما السلام) في رحلة المعراج 15) يحتجّ ويشنّع على قول توهّم أنه منسوب إلى علي رضي الله عنه: (بيننا وبينكم السّنّة). بينما القول الثابت: (بيننا وبينكُمْ كِتابُ اللهِ)! 16) الطّعن في الحديث بطريقة ملتوية؛ كقوله " ... عمره الحديث ما كان بمثل هذا الوضوح لا والله" 17) إدّعاؤه أنّ المتشابه يلازم قلّة العلم 18) يطعن د. نوفل في حديث نَفْي الشَّكِّ عن إبراهيم عليه السلام! 19) د. نوفل ينكر الخضر في قصة موسى عليهما السلام! 20) د. نوفل يستنكر على علماء الحديث تصحيح رواية فيها اسمي قابيلُ وهابيلُ؛ ويقول في دينّا (ديننا) ما فيه قابيلُ وهابيلُ 21) الطعن في الحديث الصحيح: (أَبْطَأَ جِبْرِيلُ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ ...) 22) د. نوفل يقدم ما يراه هو على أنه تفسير ولا يستشهد بالأحاديث النبوية مطلقاً! 23) يقول أنّ الأحاديث ظنيّة الثبوت وأنّ شبك السنة مع النص القرآني بجيب إشكال 24) د. نوفل يستشهد برواية واهية منكرة منقطعة السند: "اضرب ابن الأكرمين " 25) حادثة الإفك 26) السُّنّة وما أدراك ما السُّنّة 27) يبثّ الشائعات زاعماً أنّ العلماء تكلموا في ثلاثمائة حديث في البخاري 28) يُعلنُ وبلا مقدمات عن عزمه على نقض رواية عن أمنا عائشة، ولم يُشر إلى موضوع الرواية!
|
118
126
144
147 147 152 153
158
159 162
164 165 166 167 168
170
|
||
|
الموضوع |
الصفحة |
|
||
|
الباب الثاني: يَنْسبُ د. نوفل إلى السّنّة والتفاسير ما ليس فيهما 1) يقول وبالعامّيّة: (يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت... لماذا تسكت(! تقوّلٌ على التفاسير 1) تقوّلٌ على تفسير إبن عاشور 2) الآية الكريمة: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) (القلم: 13). 3) الآية الكريمة: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا ) (الإسراء: 45). الآية الكريمة: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) (طه 12 ) الباب الثالث: التفسير بالرأي المناقض للسّنّة وعلوم الكون والفيزياء 1) يلمز الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في بيان مناسبة نزول الآية: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) 2) الآيات الكريمة: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ...) (فصلت 9-12). د. أحمد نوفل يفسر الأرض في هذه الآيات بالكرة الأرضية! وهذا تفسير مرفوض علميا وفيزيائياً 3) الانتقاص من كمال القدرة الإلهية بزعم أنّ الآية: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ) [الزمر 67] على المجاز وليس على الحقيقة! 4) إنّ الحديث الشريف (الذي يقصيه د. نوفل) هو الذي كشف لنا عن معنى السّماء (العنان أي السّحاب) التي تسترق منها الشياطين السّمع: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) (الجنّ 8). 5) الآية الكريمة: (أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) الباب الرابع: يقدم مفاهيم خاطئة في قضايا لا يعلمها؛ ويعرضها على أنها من التفسير 1) الفيزياء 1.1) يقول د. نوفل أن الإلكترون والبروتون أزواج (زوجين)! 1.2) يقول د. نوفل أنّ الأرض تدور حول الشمس منذ 14 مليار سنة! |
170 170 175 175 176
181 182 185
185
188
190
194
198
201 201 201 202
|
|
||
|
الموضوع |
الصفحة |
|
||
|
1.3) على سبيل المثال لا الحصر يتناقض مع نفسه حين يجزم بأن احتمال وجود خليفة في مكان آخر (غير كرتنا الأرضية) من هذا الكون هو صفر 1.4) يجيب د. نوفل على أي سؤال يطرح عليه وحتى لو كان في غير اختصاصه ومجاله يتناقض مع قواعد يقترحها في معرض جوابه عن سؤال حول استنكار بعض المشايخ لكروية الأرض سجود الشمس تحت العرش يقول أنّ التقويم الشمسي مضبوط أكثر من التقويم الميلادي الآية الكريمة: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) البحر المسجور، والماء الثقيل أمواج الصوت الصادرة عن الجمادات 2) ملاحظات في العقيدة (يؤخذ من جزء العقيدة ملف Faith) 2.1) يقول د. نوفل: "كل ما سوى الله شيء أنا بالنسبة لي لا أقول ألله شيء". ثم يتابع ليقول: "عند غيري ما فيه مشكلة ما فيه مشكلة! يعني ما عنديش مشكلة إنه أمشيها لغيري! لكن أنا ما بقولهاش"! 2.2) يزعم د. نوفل أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج، ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم 2.3) خروج الدّابة: يقول د. نوفل" .. بعد العلامات الكبرى الإيمان لا ينفع. خرج الدخان خرجت الدّابة خلص قفلوا الدفاتر "! 2.3.1) الحديث: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: {لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا} [الأنعام: 158] ...). وبالتالي ينفع الإيمان زمن خروج الدّجال؛ كما وينفعُ أهلُ الكتابِ إيمانُهم بعيسى عليه السّلام عند نزوله. 2.3.2) الآية الكريمة: (...يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) (الأنعام 158 )؛ دليل على أنّ باب التوبة مفتوح حتى بعد ظهور بَعْض علامات السّاعة الكبرى |
204
205
206 208 211 213 218 220 222
223
226
234
235
237 |
|
||
|
الموضوع |
الصفحة |
|
2.4) توبة قتل العمد يُسألُ د. نوفل عن توبة القتل العمد، وعن التوفيق بين الآيتين: (النساء: 93)، (النساء - 48 ). فيقول على قناة حياة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ)، ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً.! 2.5) يقول بعدم بعث الحيوانات: "الحيوانات ليش تقوم". قوله هذا خلاف الثابت والصحيح؛ والأدلّة من آيات القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم 2.6) يزعم د. نوفل أنّ الوحي أزلي وأنّ القرآن أزلي2.7) د. نوفل لا يعتبر السّنّة وحياً 2.8) د. نوفل يعتبر طاقة عقله غير محدودة 2.9) د. نوفل يسمي الملأ حول فرعون بـ " ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ اللي حوالين فرعون " 2.10) الدكتور نوفل يتناقض في تفسيره مع بعض مسلمات الدين والعقيدة 3) أخطاء د. نوفل في الرياضيات: حديثه عن حل نظام من المعادلات الخطية البدهيات: د. نوفل يقدم فهما مغلوطاً على أنه بدهيات (بديهيات)! ويقول: "... المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات " الباب الخامس: فهم خاطئ لآية محكمة واضحة (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ...) (هود: 118). يستشهد بهذه الآية في معرض التبرير للاختلاف الفقهي! لكن الآية تتحدث عن اختلاف الأديان الباب السادس: التفسير بالعواطف والانفعالات ومن غير دليل! سورة الإسراء: د. أحمد نوفل يذكر رقمين: عدد آيات سورة الإسراء (111) وعدد آيات سورة يوسف (111)؛ ليصرح بحتمية زوال إسرائيل عام (2022 م)! |
241 241
241 243 244 246 246 247 259
260
270
271
271
|
|
الموضوع |
الصفحة |
|
2) في محاولته تفسير (حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ، قدّم د. أحمد نوفل ما يبدو أنه نوع من الدفاع عن الآية الكريمة! لكن بألفاظ تسيء إلى سماحة الإسلام، فكرّر عبارات مثل: (البسطار فوق راسه)، (الجزمة فوق راسه)، (رجله فوق راسه)، (داعس على راسه)! 3) يُسأل د. أحمد نوفل: "ما رأيك بالاستماع لمحاضرات الدكتور عدنان إبراهيم"، فيجيب: يسمع له لكن بحذر! 4) يطعن في التابعي الجليل كعب الأحبار الباب السابع: ملاحظات أخرى على تفسير د. أحمد نوفل 1) الآية الكريمة: (... قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 249). 2) الآية الكريمة: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ). 3) العالِمْ كوني بينما الرسالة عالمية! يقول مقدم البرنامج واصفاً د. نوفل بأنه: "اللقاء اليوم مع شخصية إنسانية، إسلامية. مع شخصية كونية!" 4) يطعن د. نوفل في حديث إسناده جيّد؛ وذلك أثناء حديثه عن التكاثر على الأرض في بداية الخليقة زمن آدم عليه السلام. 5) دعاء الرسول لابن عباس: (اللَّهُمَّ فقِّههُ في الدِّينِ وعلِّمهُ التَّأويلَ) كثيرا ما يحتج د. نوفل بعلم ابن عباس ليُسوّقَ وجهة نظره هو! 6) يطرح قضايا لا تمت للواقع بصلة. فمثلاً يهزأ بفكرة السّبايا في الجهاد 7) د. نوفل لا يأبه لقواعد التفسير الأخبار في النهي عن تأويل القرآن بالرأي 8) أسرار حروف فواتح السور في تنـزيه كلام الله وفي أسماء القرآن وإنـزاله وجعله عربيّاً 9) زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين عائشة 10) حلقات ما يسمى بـ (لقاء الأسبوع، تجربتي مع التفسير) الباب الثامن: وتحت عنوان: الأردن ... عالم تفسير يثير جدلا حول أحاديث الصحيحين |
274
278 278 279
279 280
286
288 289 289 291 291 292
298 301 309 310 |
|
الموضوع |
الصفحة |
|
الخلاصة: وماذا بعد أن أثار دكتور نوفل حفيظة المسلمين المدافعين عن السّنّة؟ هل غيّر د. نوفل في خطابه؟ الخاتمة |
318 352
|
أهدي هذا العمل إلى الحبيب الّذي صلى عليه الله والملائكة والمؤمنون؛ أفضل الخلق محمّد رسولِ الثقلين الذي أكرمه الله فأنزل عليه القرآن.
إلى الحبيب الذي حُبُّه إيمان: (لا، والذي نفسي بيدِه، حتى أكونَ أحبَّ إليك مِن نفسِك). إلى الحبيب الهادي: (لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يَكونَ هواهُ تبعًا لمَّا جئتُ بِهِ).
إلى صاحب الشرف والمكانة التي لا تنبغي لأحد من الخلق. أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ. ثم هُناكَ أزالَ اللهُ عنْهُ الحِجَابَ الذي يَمنعُ من سَماعِ كلامِ اللهِ. ثم هناك أيضاً أزَالَ عن قلبِهِ الحجابِ فرأى اللهَ تعالى بقلبِهِ أي جَعَلَ اللهُ له قوَّةَ الرُؤيةِ والنظَرِ بقلبه، فرأى اللهَ بقلبهِ.
إلى من شهد له الّذين قاتلوه وأخرجوه من مكة قبل إسلامهم: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ يَأْمُرُنَا يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ).
إلى الذي أكرمه الله بأعظم خُلق: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم 4)، والذي قَالَ: (إنَّما بُعِثْتُ لأُتممَ صالحَ الأخلاقِ). إلى الحبيب الذي بُعث رحمة للعالمين (الجنّ والإنس): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 107). وكانت بعثته للنّاس كافة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ 28). وقال النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (وبُعِثتُ إلى الناسِ عامةً).
أَيْ رَبِّ إلى الحبيب الذي جَعَلْتَه سيدَ وَلَدِ آدمَ وأَوَّلَ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرضُ وصاحب الحَوْض. إلى صاحب الوسيلة والشفاعة؛ الذي يُعاود مراجعة ربّه في أهل النّار حتى يقول سبحانه: (وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله).
إلى أَوَّلُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْجَنَّةِ، إلى الحبيب بيّن فضل من يعول يتيما. إلى مدخل الفرحة قلوب صحابته: (... قال أنسٌ: فما فرِحنا بعد الإسلامِ، فرحًا أشدَّ من قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " فإنك مع من أحبَبْتَ “. قال أنسٌ: فأنا أُحبُّ اللهَ ورسولَه. وأبا بكرٍ وعمرَ. فأرجو أن أكون معهم. وإن لم أعملْ بأعمالِهم.).
إلى الحبيب الذي سلّم عليه الحجر: (إنِّي لأعرفُ حجرًا بمكَّةَ كان يسلِّمُ عليَّ قبل أنْ أُبعثَ. إنِّي لأعرفهُ الآن). إلى الحبيب الذي حنَّ إليه جذع النخلة: (كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يخطبُ إلى جَذْعٍ، فلمَّا اتخذَ المنبرَ تحوَّلَ إليهِ فحنَّ الجذْعُ، فأتاهُ يمسحُ يدَهُ عليهِ). إلى الحبيب الذي كانت له معجزات كثيرة ما كانت لغيره من الأنبياء: أهمها القرآن، ورحلة الإسراء والمعراج، و رؤيته الجنة والنار، ومنها انشقاق القمر له، وحماية الملائكة له، ولقد عصمه الله من أن يصل إليه الكفار، ومنها سماعه لأهل القبور، ومخاطبته لقتلى بدر، واهتزاز جبل أحد. ومنها نبع الماء من بين أصابعه. ومن معجزاته سماعه وجبة لحجر ألقي في جهنّم.
إليك يا من هديت إلى عدل السماء: (وايمُ اللهِ لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سَرقَتْ لقطَعتُ يدَها). إلى المربي ومدرسة الزهد ومعلّم الأخلاق: (فإن أحببتم أن يُحِبَّكم اللهُ ورسولُه، فأدُّوا إذا ائتُمِنتم، واصدُقوا إذا حدَّثتم، وأحسِنوا جِوارَ من جاوركم).
إلى الحبيب الذي حذّر أمّته من الوهْن وحذّرها من عدوّها: (يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها. فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ).
إلى رسولنا الذي نبّه من ذئبا حُبِّ الشَّرفِ وحبِّ المالِ.
إلى الحبيب يحذر من أخذ شيء بغير حقّ: (أيُّما عاملٍ استعملناهُ وفرضْنا له رزقًا فما أصاب بعد رزقِه فهو غُلولٌ). إلى الحبيب يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يُسألُ شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشاء كثير بين جبلين، من شاء الصدقة قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة).
إلى الحبيب يُعلّمنا حفظ الجميل: (لو سلك الناسُ واديًا وسلكتِ الأنصارُ شعبًا لاَخترتُ شعبَ الأَنصار). وقوله: (آيةُ الإيمانِ حبُّ الأنصارِ، وآيةُ النِّفاقِ بغضُ الأنصار). وقوله في الخلفاء الرّاشدين: (لا يجتمِعُ حُبُّ هؤلاءِ الأربعةِ إلَّا في قلْبِ مُؤْمِنٍ: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعُثمانُ، وعليٌّ رضِيَ اللهُ عنهم).
إلى الحبيب الذي أمين سرّه على المنافقين حذيفة؛ (ولا نخرق على أحد سترا): ( ... فقال حرملة يا رسول الله إن لي إخوانا منافقين كنت فيهم رأسا ألا أدلك عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم من جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك ومن أصر على ذنبه فالله أولى به ولا نخرق على أحد سترا ).
إلى الحبيب الذي ترفّق برأس النّفاق (عبد الله بن أبي ابن سلول): لقد صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة رأس النّفاق رغم أنّ له ماله من باع وصولات في الكيد للإسلام ولمحمّد صلى اللّه عليه وسلّم؛ ولأهله.
إلى الحبيب الذي حذّر من أمراء السوء: (إنَّهُ سيَكونُ عليكم بعدي أُمَراءُ فَمن دخَلَ عليهِم فَصدَّقَهم بِكذبِهم وأعانَهم على ظُلمِهم فَليسُ منِّي ولستُ مِنهُ وليسَ بِواردٍ عليَّ الحوضَ ومَن لَم يصدِّقْهم بِكذبِهم ولم يُعْنهم على ظُلمِهم فَهوَ منِّي وأنا منهُ وسيَردُ عليَّ الحوضَ).
إلى الحبيب الذي الّذي أشفق على الإسلام وعلى مستقبل الأمّة يوم بدر (اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَة مِنْ أَهْل الْإِسْلَام فَلَا تُعْبَد فِي الْأَرْض أَبَدًا)، فنصره ربُّه: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وقاتل مع المسلمين يومَ بدر أفضلُ الملائكة (وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَة).
إلى الحبيب الذي ربّى أصحابه فاستحقّوا أروع المثل وأجلّه وأسماه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح 29).
إلى الحبيب الذي ربّى أصحابه المهاجرين؛ الّذين تركوا المال والأهل والوطن فراراً بدينهم. فحُقّ لهم قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشِروا يا معشرَ صعاليكِ المهاجرينَ بالنورِ التامِّ يومَ القيامةِ تدخلون الجنةَ قبلَ أغنياءِ الناسِ بنصفِ يومٍ وذلك خمسمائةُ سنةٍ). واستحقوا الثناء من اللّه: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100). وأنزل الله عز وجل: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة / 118-117] حتى بلغ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة /119]. قال كعب: والله ! ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم. أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد. وقال الله: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة / 96-95]. ...) .
إلى الحبيب الذي ربّى أصحابه فأخبَرَ أنّه لا يُحبُّهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق (حُبُّ الأنْصارِ آيَةُ الإيمانِ، وبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفاقِ). الأنصار الذين قاسموا إخوانهم من المهاجرين كلّ شيء.
إلى الحبيب القائل: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ، ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ.). والنَّصيحةُ لله تكون بالدَّعوةِ إلى الإيمانِ به، ونَفْي الشِّركِ وجميعِ النَّقائص عنه، وإخلاصِ العبادةِ كلِّها له سبحانه. والنَّصيحةُ للرَّسول تكونُ باتِّباعه وتصديقِه في كلِّ ما جاء به، وتنفيدِ أوامرِه، والانْتهاءِ عمَّا نَهى عنه، ومُراعاةِ هَدْيه وسُنَّته.
إلى الحبيب الذي تعجز الكلمات عن وصفه ولن يوفيه أحدٌ من الخلق حقّه. إلى رسول ربّي أهدي كتابي، مؤملا أن يجمعني الرّحمن الرحيم الكريم اللّطيف الودود المنّان مع حبيبه وصفوة خلقه محمد صلوات ربي وسلامه عليه (" فإنك مع من أحبَبْتَ “. قال أنسٌ: فأنا أُحبُّ اللهَ ورسولَه. وأبا بكرٍ وعمرَ. فأرجو أن أكون معهم. وإن لم أعملْ بأعمالِهم).
إلى رسول الثقلين الذي أكرمه الله فأنزل عليه القرآن أهدي كتابي
وفيما يلي تَقْريظُ هذا الكِتاب (وَصْفُ مَحاسِنِهِ وَمَزاياهُ):
في اليوم الثامن من أيلول 2022، وصلتني الرّسالة التالية من الأستاذ الدكتور محمد سعيد حوى تخصص الحديث الشريف\ كلية الشريعة – جامعة مؤتة، وفيما يلي نصّها: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأنتهيتُ اليومَ من قراءة كتابكم القيّم. وهذا جهد عظيم كبير، وهو درس بليغ في أن لا يتكلم الإنسان مهما بلغ من العلم فيما لا يحسن، وأن يخلص لله أوّلا ويتقي الله فيه، كما فيه من الدروس أنّ آيات الله لا تتناهى عظمة وجمالاً وقدرة وخلقاً وإعجازاً. وفي القرآن من الأسرار ما لا يتناهى ولا يحيط به البشر. وما يزالون يكتشفون من الكنوز ما يكتشفون، وجهودكم مشكورة مبرورة إن شاء الله."
وفي اليوم التاسع من أيلول 2022، وصلتني الرّسالة التالية من المحدّث الدكتور محمد عبدالله أبو صعيليك، وفيما يلي نصّها: (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وبعد: هذه مذاكرة علميّه ومناقشة أخويّه تجول في أبحُرِ كتابَيْن محفوظين بحفظ الله: كتاب الله المنظور (الكون) و كتاب الله المقروء (القرآن الكريم) أراد بها المؤلفُ الأستاذ الدكتور حسين العمري أستاذُ الفيزياء الفلكيّة المحبّ للقرآن الكريم والحريصِ على دينه وتصويبِ دراسات مُعلّمي القرآن والمختصين فيه ممثّلة في تفسيرات الدكتور أحمد نوفل المسموعة والمقروءة مستلهمةً طريقة الرّازي في الجمع بين علمين: علمِ القرآن وعلمِ الكون (الفيزياء الفلكية والكونية) مستدركاً عليهِ في وسائل ومشذّبا لأزهار روضه معيناً له على الوصول إلى الصّواب محيياً لسُننِ أهل العلمِ بأن العلمَ رحِمٌ بين أهله. أسالُ الله العظيم لصاحبِها تمامَ التوفيقِ وحسنَ الرّعايةِ ومزيدَ القبول).
وفي اليوم الحادي والعشرين من أيلول 2022، وصلتني الرّسالة التالية من ابنة شقيقي الأستاذ الدكتور فاطمة "محمد أمين" كلّية الآداب – قسم اللغة العربية– الجامعة الأردنية، وفيما يلي نصّها: "لا أنفعُ للعلمِ من المراجعاتِ التي يجريها أهلُ الاختصاصِ على ما يقدّمُهُ غيرُهم، ولا أجدرُ من الأستاذ الدكتور حسين العمري صاحبُ الباعِ الطويلِ في الأبحاثِ العلميّةِ في القرآنِ الكريمِ من مراجعةِ كلِّ ما يُكتبُ في هذا المجالِ.
لا ريبَ وهو يثبتُ للباحثينَ بالدليلِ القاطعِ والبرهانِ السّاطعِ في كتابه أنّ للعلمِ سدنةً لا تأخذُهمُ في الله لومةُ لائمٍ يُصوّبونَ الخطأ ويقيّمونَ المُعوَجَّ دون أن يَجْرِمَهم شنآنُ القومِ، غايتُهُمُ خدمةُ كتابِ الله وحفظهُ من خبطِ العشواءِ وأن يَهرِفَ فيه من يتوهَّمُ في نفسهِ أنه يعرِفُ.
سدّد اللهُ خطى مؤلّفِ هذا السِّفرِ العظيمِ وهيَّأ لسِفْرِه أسبابَ الانتشارِ كي لا يبْقى إلا ما ينفعُ الناسَ.
واللهُ من وراءِ القصدِ."
وفي اليوم الثالث والعشرين من أيلول 2022، وصلتني الرّسالة التالية من الأخت الفاضلة الدكتورة سناء فضل حسن عبّاس\ تخصّص التفسير – جامعة البلقاء التطبيقية، وابنة العالم الجليل أستاذ التفسير المرحوم الأستاذ الدكتور فضل حسن عبّاس، وفيما يلي نصُّها:
"الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؛ وبعد:
فقد أرسل إليّ الأستاذ الدكتور حسين العمري حفظه اللهُ كتابَه للاطلاع عليه، مشكوراً، وأسجِّلُ هنا للكاتبِ أمرينِ يُشكَرُ عليهما:
الأولَ: غيرَتَهُ على ما ثبتَ من حديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقديمَه على العقل البشريّ، فإنما هو وحيٌ يوحى إليه صلى الله عليه وسلم، وكلامُه هو المبيّن والموضّح لما أنزله اللهُ في القرآن الكريم، فالقرآنُ وعاءٌ والسّنةُ غطاءٌ كما قال الشافعي رضي الله عنه.
الثانيَ: إنّ القرآنَ كما يرى جمهورُ العلماءِ معجزةٌ علميّةٌ، وفهمُ الآيات التي حوت قضايا علميّة، لا بدّ له من متخصص في تلك القضايا العلمية، إلى جانب المتخصّصِ في التفسير؛ ذلك أن المتخصّصَ بالتفسير ليس إلا ناقلاً لما كتبَه غيرُه في هذا المجال، ومن هنا كان الواجبُ لمن يتصدّى لتفسيرِ الآياتِ المتحدِّثة عن قضايا علميّةٍ (بيولوجية أو فيزيائية أو كيميائية أو كونيّة) أن يكونَ عالماً بها يساندُ المفسِّرَ ويوجّهُه، وهذا ما أراد الكاتب جزاه الله خيراً أن يبيّنه في كتاب.
جزى الله الأستاذ الدكتور حسين المتخصص بعلم الفيزياء الفلكيّة عن كتاب الله وسنّةِ نبيّهِ خير الجزاء"
وفي اليوم الثالث والعشرين من أيلول 2022، وصلتني الرّسالة التالية من أخي وصديقي الشيخ الفاضل مشهور عودة العودات\ المقرئ الجامع للقراءات العشر (الكبرى والصغرى)، وفيما يلي نصّها:
"بسم الله والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الّذين اصطفى، وبعد؛ فتجمعني بالنّاقد والمنقود علاقة العنب بالعنقود، كلاهما عزيز على القلب، وله من الودّ ما لا يوصف؛ لكنّ القرآن أصّل لنا التزام الحقّ مع العدوّ قبل الصّديق، وبضِدِّها تُعرفُ الأشياء (ولا يجرمنّكم شَنَئان قوم على ألّا تعدلوا) كذلك لا تحملنّكم مودّةُ قومٍ على محاباتهم، والحديث أمرنا بنصرة أخينا حال ظلمه؛ بأن نردعه عن الظلم ونوقفه عند حدّه.
نعم يعجبني منهج الدكتور أبي عمر - أحمد نوفل - في التفسير ما لم يشطح إلى معارضة حديث صحيح أو قاعدة علمية لا باع له فيها، كما أعتزّ بمنافحة أبي حمزة – الأستاذ الدكتور حسين العمري - وذبِّهِ عن الكتاب والسُّنّةِ ضمن اختصاصه العلميّ المتميّز، وأنصح كلّاً منهما أن يُبدع في ميدانه ويرجع إلى الحقّ دون تمادٍ في باطل، وألّا ينسى لذي فضل فضله، والله من وراء القصد. أبو الأديب مشهور عودة العودات"
وفي اليوم الثالث والعشرين من أيلول 2022، وصلتني الرّسالة التالية من أخي وصديقي وشيخي الفاضل إبراهيم خريسات القرالة\ المقرئ الجامع للقراءات العشر (الكبرى والصغرى)، وفيما يلي نصّها:
" الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
فقد اطّلعت على كتابكم، وشاكراً للأستاذ الدكتور حسين العمري الجهد الذي بذله والمستند على الكتاب والسّنّة ثمّ علوم الفيزياء والكون في الرّدّ على د. أحمد نوفل، واستذكر ها هنا قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)، وقوله سبحانه (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ).
وكذلك فيما ذكره ابن حجر العسقلاني بقوله (من أتى بغير فنّه أتى بالعجائب).
ومِمّا ابتُليت به هذه الأمّةُ بعضٌ ممّن قدّم العقلَ على النّقل ضارباً بالنَّصّ عرضَ الحائط بمقتضى نهج أهل الكلام وبما أحدثوه في أصول الدّين من إثبات العقائد بالطرق التي ابتكروها، وأعرضوا عمّا جاء في الكتابِ والسّنة، وهنالك من اكتفى بالقرآنِ عن الحديثِ مدّعياً أنّه مدافع عن كتاب الله، وهو يطعنُ بأصول الدّين (تركتُ فيكم أمرينِ؛ لن تَضِلُّوا ما إنْ تمسَّكتُم بهِما: كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي، ولن يتفَرَّقا حتَّى يرِدا عليَّ الحوضَ)، ويقول بعضُهم ممّن ادعوا العِلم هم رجالٌ ونحنُ رجالٌ، وذلك ليُسوّغوا لأنفسهم تفسير القرآن بالرأي.
فجزى اللهُ خيراً الدكتور حسين العمري والّذي ما علمتُ منهُ إلّا أنّه مُحبٌّ لكتاب اللهِ، وقد آنستُ منه الضبطَ والإتقانَ فيه، وأنّه مُحبٌّ لسُنّةِ النّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو يرُدُّ وبناءً على ما آتاه الله من علمٍ وفهمٍ للنصّ وبالدليل القاطع."
وفي اليوم الثاني والعشرين من أيلول 2022، وصلتني الرّسالة التالية من أخي وصديقي وزميلي الدكتور محمود حسن أبو خرْمة \ كلّية العلوم – قسم الفيزياء– جامعة البلقاء التطبيقية، وفيما يلي نصّها:
"الحمد لله على توفيقه وامتنانه في كتابة هذا الكتاب والجهد الكبير الذي بذل في تأليفه.
"كُلُّ إنسانٍ يُؤخذُ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - كما ورد عن الإمام مالك. وفي الطبراني من حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - رفعه -: (ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع). وفي الإحياء للغزالي "ما من أحد إلا يؤخذ من علمه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم"
ويُروى عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: " إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط " ([1]) وهو رأي فقهاء الأمة الإسلامية.
ولا يجوز بحال أن نقبل أن يكون العقل حكماً على النصّ الثابت الصحيح، ولكن نحكّم العقل في فهم النصّ. وإذا أخذنا المنحى الأول فهناك الكثير من النّصوص في القران وفي السّنّة والتي لم تفهم حقّ الفهم إلا بعد تطور العلوم: الفيزياء، علم الكون، علم الأجنّة، علم الوراثة، وعلم الجيولوجيا .. فهل هذا مسوّغ لردّها من قِبَل أهلِ العصور السالفة لأنهم لم يفهموها؟!
ختاما الشّكر الجزيل لأخي أ. د. حسين العمري، ولا أقلّلُ من شأن دكتورنا الكبير أحمد نوفل، ولكنّ الحقَّ أحقُّ أن يُتّبع، وجزى اللهُ خيراً كُلَّ من يسهم في نصرة الدين.
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين، وأفضل الصّلاة وأتمُّ التّسليم على خير الخلق الرّسول الكريم، محمّد بن عبداللّه، خاتم الرّسل والنّبيّين، بعثه في الأميين (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). أللّهمّ آت سيِّدنا محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه اللّهمَّ مقاماً محموداً الّذي وعدته.
أمّا بعد، فقد تجمعت لي الملاحظات التالية من خلال سماعي تفسير د. أحمد نوفل على قناة حياة FM؛ حوالي خمسين حلقة في السنوات الأربع الأخيرة. وسماع حوالي نفس العدد تقريبا من خواطر ما بعد الفجر في مسجد حرز الله (عمان)؛ كان ذلك قبل أعوام.
بعض الملاحظات كنت قد كتبت في موضوعها ومجالها؛ وذلك من خلال كتابتي في الإعجاز الفيزيائي الكوني للقرآن الكريم. وبعض الملاحظات كانت بدافع من سماعي حلقات تفسير د. نوفل. وازداد حجم الملاحظات أثناء محاولتي سماع بعض التسجيلات بهدف التوثيق.
لقد أرشدني أخ فاضل إلى ضرورة الجلوس مع د. نوفل؛ أو أن يطّلع على هذا الكتاب من باب التناصح ومحاولة أن نتوصل سويا إلى الفهم الصحيح. وبناءً على توجيه هذا الأخ الفاضل أرسلتُ للدكتور نوفل مسودة هذا الكتاب؛ كما أُرْسِلَت إليه أيضاً بواسطة أخ كريم آخر.
فكان جواب د. نوفل من خلال الأخ الكريم د. بشار هو: "ردَّ الدكتور أحمد نوفل على بحثكم فقال: لكل وجهة و لا نحجر على أحد.. وإن أراد الكاتب نشر بحثه فهذا حقه" ([2]).
فذكّرني هذا الرّدُ بالآية الكريمة: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 148). وفي تفسيرها يقول الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا. قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: "ولكلّ"، ولكل أهل ملة، فحذف " أهل الملة " واكتفى بدلالة الكلام عليه، ... ).
هل أراد د. نوفل الإشارة إلى هذا أم لم يرد؟! لن أتوقف عنده فالله أعلم بالنوايا. وأتوقف عند قوله سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)؛ سائلا المولى عزّ وجل أن يرزقنا الإخلاص في كلّ عبادة وعمل وقول، وأسأله سبحانه لعملي هذا أن يكون خالصاً لوجهه الكريم أبتغي فيه مرضاته. وأسأله جلّ جلاله باسمه الأعظم؛ أسأله بأنه الله الرحمن الرحيم البرّ التواب الواحد الأحد الفرد الصمد أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ودفاعا عن القرآن وعن سنة الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه. مؤملا أن يجمعني الرّحمن الرحيم الكريم اللّطيف الودود المنّان مع حبيبه وصفوة خلقه محمد صلوات ربي وسلامه عليه. وأسأله سبحانه أن يكتب لي أجر السبق (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) في الرد على د. نوفل مواقفَه الإقصائية للسنة والتي أبينها في هذا الكتاب.
وإنّني لأتوجه بالشكر الجزيل لكل أخ يكملُ قراءة هذا الكتاب ويقدّم أيّ نصح من شأنه أن يُصوّب أيّة جزئية من هذا العمل أو أن يرفع من سويته؛ وأدعو الله أن يجزيه خير الجزاء. يا كرام لا تبخلوا على أخيكم؛ فإنّني ألتمس لدى كلّ واحدٍ منكم العلم والإفادة خدمةً للكتاب والسّنة أولاً؛ ثمّ عملاً تقدّموه لأنفسكم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
وأمّا الإخوة الذين لم يقرأوا هذا الكتاب؛ وتسمعهم يقولون: "ألا يغفر للدكتور نوفل ماضيه وجهاده؟". بل وتجد بعضهم يضع على صفحته صورة د. نوفل وخلفه قبة الصخرة. إلى هؤلاء يمكن القول: لا كنسية ولا صكوك غفران في ديننا الحنيف. ولا نسكن أحداً جنّة ولا ناراً، والأعمال بالخواتيم، وليس ثمة منهج قويم بغير سنة رسولنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم. ولا نقدّم قبة الصخرة على تحكيم سنة الحبيب في حياة الأمة. بل إنّ أمّة الكتاب والسنّة لهي الجديرة بأن تحرّر الأقصى؛ لا الأمّة التي تُقْصِي السّنّة. أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَقربُ للحقّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ؟ المدافع عن السّنّة أم المدافع عن الأشخاص؟!
بل وقد يهبُّ بعضهم للدفاع عن د. نوفل في مقابل دفاعي هذا عن سنة نبيّنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم واستنكاري التفسير من غيرما منهج مؤصّل؛ فأردّهم جميعاً إلى أمر الله ورسوله: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران 104). وأدعوهم ود. نوفل إلى العودة إلى جادّة الصّواب والاستغفار لقول الحبيب عليه أفضل الصلاةِ وأتمّ التّسليم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لهمْ.) ([3]).
يا كرام: لا تعتقدوا عِصمةَ البشرِ من الدُّعاة والعلماءِ الذين يفسّرون القرآن الكريم. وإنه منهج د. نوفل حين ينتقد تفاسير السّلف، فيأخذ منهم ويردّ عليهم، لا بل وهذا قوله كُلّما أراد تبرير صنيعه في ردِّ أحاديث في صحيحيّ البخاري ومسلم ومن غير دراية في علم الحديث! وأرجو أن لا يفوتني أن أكرّر التماسي لديكم: أسألكم بالله من وجد خللاً في هذا الكتاب فليسدي لي النّصحَ.
السّنة النّبويّة الشريفة كلامُ سيّد الخلقِ وأصدقهم الذي لا ينطق عن الهوى، كلامٌ صحيحٌ مُحقّقٌ مُدقّقٌ مرفوعٌ إليه بالسّند المتّصِلِ عن الرّواةِ الثّقاتِ الذين قلّ أن يجودَ الزّمانُ بمثلِهمِ. فلا يأتينَّ من لا يعرفُ علمَ الحديث فيُعمِلَ أداته التي لا تستندُ إلى أساس علميٍّ متين في علم الحديث ثمّ يُحكّمَ منهجه العقليّ الخاص - وأيّ منهج - ليرُدَّ من كلام سيّد الخلقِ وعلى هواه! فتضِلَّ بكلامِهِ قلوبٌ ضعيفةٌ ويتّبعَه من لا باع عنده في الأمر! فيُفسِدَ على النّشء من أمّةِ محمّدٍ - صلى الله عليه وسلّم- دينَها.
وفي معرض مناظرة القساوسة، قال العالم والداعية الربّاني الشيخ أحمد ديدات (رحمه الله) ([4]): " ... مَنْ كلُّ هؤلاء؟ مَنْ كلُّ هؤلاء؟ هل هؤلاء عيسى؟ لا إنّما كلّ هذا كلام بولص بولص بولص (كلام بشر). إنّني أودّ أن أعرف ماذا قال سيّدنا عيسى (رسول الله عليه السّلام)، إنّني أحبّه وأحترمه، وأرغبُ باتّباعه. لكنّني أودّ أن أعرف ماذا قال عيسى". أمّا نحن فكلامُ نبيّنا بيننا نعرفه حقّ المعرفةِ، ونؤمن به، ولانشكّ فيه مثقالَ ذرة، بل إنّ هوانا تبعٌ له، ونتعبّدُ باتّباعهِ، ونعْرِضُ عليه ما أشكلَ علينا من كتاب الله عزّ وجلّ لنجدَ ضالّتنا فتَقَرَّ به أعيُنُنا وترضى نفوسُنا؛ عملًا بقول سيّد الخلق عليه الصلاة والسّلام: (والَّذي نَفسي بيدِهِ، لا يؤمنُ أحدُكُم حتَّى يَكونَ هواهُ تبعًا لما جِئتُ بِهِ) ([5]). كما وإنّنا نسألُ الله الهداية لكلّ مسلم يضيق صدره من أحاديث الصحيحين، والله وليّ الذين آمنوا.
لقد تخيلت نفسي كما لو كنت زميلاً أو طالباً تتلمذ على يد الدكتور نوفل؛ فقلت لعلّ من الصعوبة بمكان أن يأتي الرّد على تفاسير د. نوفل من داخل كلّيات الشريعة؟! ولقد سألت صديقين اثنين من حملة درجة الدكتوراة في علم الحديث فالتمست انزعاجاً عندهما من بعض مواقف الدكتور نوفل من أحاديث الصحيحين. فكان هذا دافعاً لي على الكتابة حتى وإن كنت فيزيائياً؛ لست ضليعاً بعلوم الشريعة. وممّا كان يزيد حماستي في الكتابة أنني باحثٌ في التفسير العلمي وفي الإعجاز الفيزيائي الكوني؛ وكنت ابتداءً ومن قبلُ أقيّم بضاعة هؤلاء فقط من خلال فهمهم لآيات القرآن التي تتحدث عن الكون. وإنني موقنٌ أنّ سماعي محاضرات د. نوفل في السنوات الأخيرة كان بتقدير المولى سبحانه؛ فلقد كنت أساقُ إليه سوقاً. ولمّا أن تراكمت لديّ الملاحظات، قلتُ لا عذر لي أن لا أكتب.
أللهمّ إنَّ هذا الكتاب جهدُ عبدك المقلّ. وكيف لا؟ وأنت سبحانك القائل: (...وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) (الإسراء: 85). لك الحمدُ سبحانك، فلطالما أحسستُ بإلهامك واستشعرتُ توفيقك وتيسيرك وعنايتك، فاجعل اللّهمّ هذا الكتاب حقّاً دامغاً تقذف به على كلّ باطلٍ أو مبطلٍ ينتقص من سنّة رسولك محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم. والحمد لله ربّ العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
يتناول هذا البحث منهج الدكتور أحمد نوفل ([6]) في تفسير القرآن الكريم من خلال تتبّع مداخلاته في عددٍ من البرامج الإذاعية، ومناقشة آرائه وطروحاته التي يتعرّض فيها للحديث النبوي الشريف – ومن ضمنها صحيحي البخاري ومسلم - مشكِّكاً ومكذِّباً وداحضاً وناقداً لكلام سيِّد الخلقِ؛ بحجّة مخالفة العقل (عقله هو!) والمنطق (منطقه هو!). يقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([7]). ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([8]). بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([9]).
يقول د. نوفل في حديثه عن القرآن: "لن نفهم هذا الكلام العظيم إلاّ بالعقل، ورصيدنا من اللغة ورصيدنا من الفهم، والخبرة والتجربة والمطالعة. كل هذا الرصيد به نفهم كلام الله. من غير هذا الرصيد مش حنفهم هذا الكلام. رصيد من اللغة رصيد من القراءات: في الكون والتاريخ والجغرافيا والمعلومات حتى نستطيع أن نفهم هذا الكلام. لا بدّ من أرصدة تكون لديك وذخر في هذا العقل (مع وضع يده على رأسه)" ([10]).
يا للعجب! د. نوفل يريد رصيدا من مختلف جوانب المعرفة حتى يفسّر القرآن، ولم يذكر من ضمنها سنة الحبيب صلى الله عليه وسلّم! وهل خفي أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - مشرّع بأمر الله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟! ولا يشرع من عند نفسه. وهل خفي أنّ الدين الذي تعبَّدَنَا اللهُ به هو كلامه وكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط.
وفي معرض حديثه عن الآية: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)، يقول د. نوفل: وحتى يضيّع البعضُ بركة الفهم قالوا: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والسّنّة، بهذه الطريقة نكون قد قضينا على طريقة الفهم تماماً، وقطعنا دابره نهائياً. هل المراد بالحكمة في الآية في سورة الأحزاب السنة؟ قولاً واحداً لا، ...، انما الحكمة أحسنية الفهم... الحكمة الفهم والفهم المناسب للنص الذي يضع الأمور في نصابها ومعاييرها.) ([11]).
أقول: وأيُّ بطرٍ للحقّ وغمط للناس، أكثر من زعم الزاعمين المدّعين أنّ أفهامهم وعقولهم أعلى من مستوى حديث رسولنا عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم؟! يقول صاحب تفسير المنار: "وجملة القول أنّ الله تعالى أكمل الدين بالقرآن وبيان نبيه – صلى الله عليه وسلّم – للناس ما نزل إليهم فيه، فما صحّ من بيانه لا يُعْدلُ عنه إلى غيره، وما بعدَ سنّته نورٌ يهتدى به في فهم أحكامه للعالم بلغته مثل إجماع الصحابة أو عمل السواد الأعظم منهم وممن تبعهم في هداهم، فمن رغب عن سنّتهم ضلّ وغوى، ولم يسلم من اتّباع الهوى." (محمد رشيد رضا، تفسير المنار، جزء 6، ص 166).
وإنّ د. نوفل ليتّهم المحدّثين (الذين خدموا السنة) بأنّهم يركبُون سنداً للأحاديث؟! وإنّ د. نوفل يقول: "المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات". وفي غياب الدولة (الدول) التي تحكّم الشريعة الإسلامية في حياة المسلمين، يتهكم د. نوفل على حدّيّ: الرّجم على الزاني المحصن، والقتل للمرتدّ عن الإسلام! بل إنّ دكتور نوفل أحياناً يتناقض في طروحاته مع بعض مسلمات العقيدة!
وحيث أنّني أستدرك على د. نوفل ما تطرق إلى مسمعي من تفسيره للآيات الكونية، والتي كنت من قبل قد كتبت بحثاً في كلّ آية منها. وحيث أنّني أستدرك على دكتور نوفل تفسيره بعض الآيات التي تناقشها التفاسير القديمة والحديثة بفهم واحد متّسق لم يختلفوا عليه، لذا فإنّني سأكتفي ببيان مفهوم هذه الآيات من خلال بعض التفاسير القديمة، وكذلك بعض التفاسير الحديثة.
وستلاحظ معي أنّ ما يقدمه د. نوفل هي آراء مجتزأة أو مرجوحة تخالف إجماع المفسّرين! ولربّما لم يقل بها أحد! كما في حديثه عن الجزية (البسطار فوق راسه، الجزمة فوق راسه، رجله فوق راسه، داعس على راسه!). وكما الحال في حديثه عن يأجوج ومأجوج، وحديثه عن الآية: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ).
بل وإنّ د. نوفل يقدم أحيانا طرحاً أو رأياً يأخذه من هذا التفسير أو ذلك، ويكون هذا التقديم ممزوجا بالتعريض بهذه التفاسير والانتقاص منها! نعم يأخذ منها وينتقص من أصحابها متهما إياهم بمجانبة الحقّ والصواب، في تفاسيرهم! وأنّ الحقّ أحقُّ أن يتّبع! وأنّ الحقّ هو ما يراه! نعم فإنّ د. نوفل وللأسف، يرى في نفسه وإن جاز التعبير مدرسة علمية تستطيع أن تشق الطريق بالقرآن والقرآن فقط! وبمعزل عن الأحاديث وعن التفاسير وعن تراث الأمة! فهو وللأسف على حال من الاعتداد بالرأي ليرى أن الصواب بجانبه ولا يجانبه!
وحيث أنّه لا يوجد في المكتبات تفسير يعود إلى د. نوفل (سوى تفسير سورة يوسف) هذه الأمور مجتمعة دفعتني للبحث في محاضرات وتسجيلات د. نوفل فجعلت هذا الكتاب ردّاً على بعض طروحاته. وفي كلّ الأحوال لا بدّ من الرّدّ على هذه التسجيلات؛ حيث فيها إجحاف بحقّ السّنّة، وحيث أنّها مسموعة ولها من يتابعها، ولربّما هنالك من يعجب بها أو يخدع! لا بدّ من بيان الحقّ والصواب في معرض مناقشة هذه التسجيلات. سيّما وأنّ بعضها يتناقض مع مسلّمات علم الكون والفيزياء، بل إنّ دكتور نوفل أحياناً يتناقض في طروحاته مع بعض مسلمات العقيدة! هذا وإنّ الإنسان ليؤاخذ شرعاً بما يكتب وبما يقول. بل إنّ تفسير المرحوم الأستاذ الدكتور فضل حسن عبّاس هو تفريغ لحلقات كان قد قدّمها – من قبل أن يتوفاه الله - على قناة حياة FM. بل إنّ المفسّر لكتاب الله لا يُقبل منه أن يتناقض تفسيرُه المسموع مع تفسيره المكتوب! هذا وإنّ مما أستدرك فيه على نوفل أشياء مكتوبة، وأخرى معدّة ومكتوبة يقرؤها على المتابعين، بل وبعضها حلقات مسجلة قبل أيّام من عرضها على المشاهدين أو المستمعين. وأسأل الله أن يكون هذا العمل هو ردّ على تفسير نوفل قبل صدوره، إن كان الله تعالى قدّر له أن ينشر.
كلمات دالّة (مفتاحيّة): أحمد نوفل، القرآن الكريم، السُّنّة النبويّة، التفسير، الآيات الكونية، مسلّمات العقيدة.
لقد آثرت أن تكون مقدمة هذا الكتاب مأخوذة من مقالتين: أولاهما المقالة (الفتوى، إجابة على سؤال لسائل) الموسومة بعنوان: شبهات وجوابها حول الحديث والسنة وبعض الحدود، وهي ليست كتابتي وإنما مقتبسة من مقالة على موقع إسلام ويب (islamweb.net).
جاء في الفتوى: "فأما كون الإمام البخاري رحمه الله ألّف صحيحه بعد قرنين من موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يعقل أن تدوّن الأحاديث بعد هذه المدة كما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا وإن كان معقول المعنى إلا أن قائل هذا الكلام غفل عن الشروط الدقيقة التي وضعها المحدثون ولاسيما أمثال البخاري لقبول المرويات، فهم لا يقبلون إلا من الثقة، وهو الذي يجمع بين العدالة والضبط، ومع ذلك فلابد من خلو روايته من الشذوذ والعلة، وهذه مسالك في غاية الدقة لا يحسن تعاطيها إلا جهابذة أهل العلم ممن أفنوا أعمارهم في خدمة السّنة جمعا ودراسة وتمحيصا، ولا يمكن للمرء أن يقف على حقيقة هذا الأمر إلا إن درس علوم الحديث وعرف الجهود المضنية التي يسّر الله لها أهل الحديث من هذه الأمة، حيث وضعوا قواعد وضوابط في غاية الإتقان، وبذلوا في ذلك من الجهد ما يشهد لحفظ الله تعالى لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى قد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الله قد حفظ السنة كما حفظ القرآن، كما سبق التنبيه عليه في الفتويين: 28205، 19694. وهذا العلم الشريف بنقد الروايات وتمحيصها تفرد به المسلمون، فلا يوجد عند أمة من الأمم غيرهم، لذلك قال المستشرق المجري مارجيليوس: ليفتخرْ المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. اهـ.
والمقصود أن أصل الإشكال عند هذا المتكلم (السائل) أنه قاس حال المحدثين في قبول المرويات بحال غيرهم ممن يفتقد الضبط بل والعدالة.
ثم إننا ننبه أن صحيحي البخاري ومسلم من دون غيرهما من المصنفات الحديثية، لهما شأن خاص، فليس الأمر مجرد عناية بشرط الصحة والنظر في الأسانيد، بل الأهم من ذلك هو تلقي علماء الأمة لهما بالقبول والتسليم، وأن الأصل هو صحة روايتهما، وبذلك يعرف تهافت الاستدلال ببشرية البخاري فإن هذا ليس محلا للنزاع، ولكنه لا يصلح مطعنا في صحيحه بعد تلقي الأمة له بالقبول. وأما ما انتقد عليهما فغالبه متوجه للصناعة الحديثية وليس لمتون الأحاديث، وهذا مع الأسف لا يدركه أكثر المعاصرين الذين تناولوا هذه المسألة الخطيرة، وحتى الأحاديث النادرة التي ينتهض انتقاد المنتقد لها لا تنقض جلالة الصحيحين، وقد سبق أن بينا ذلك في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13678، 134033، 128476، 70192.
وننبه هنا على أمر مهم في هذا الشأن، وهو أن الطعن في أحاديث البخاري وحجيته من حيث الجملة، يختلف اختلافا جذريا عن انتقاد حديث أو أحاديث بعينها لأسباب علمية صرفة، ممن هو أهل لذلك من الراسخين في هذا العلم كالدارقطني ونحوه. وهذا الخلاف ليس من حيث الصورة والظاهر فقط، بل من حيث المقصد والغاية بالأساس، ففرق هائل بين من كان يقصد صيانة السنة والذب عن حياضها بالتحري والتثبت العلمي، وبين من يقصد هدمها وتقويض بنائها، والطعن في أصل ثبوتها وصحة نقلها.
وأما مسألة كتابة الحديث والنهي عنها، فقد صدق القائل (السائل، المُسْتَفتِي) بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر عبثا بعدم كتابة غير القرآن. ولكنه صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه لم يأذن عبثا لبعض أصحابه بالكتابة، فكلا الأمرين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعلة في ذلك أن لا يختلط القرآن بغيره، في عصر كانت أدوات الكتابة فيه قليلة ومحدودة، ولا يحسنها إلا نفر قليل، ومن تأمل هذه الحال، واستحضر ضرورة نقل القرآن بلفظه وحرفه، عرف أن مورد الإذن غير مورد المنع، وقد سبق لنا الكلام على كتابة الحديث وتدوينه في الفتويين: 8516، 13196.
وأما مسألة التعارض بين القرآن والسنة، فتناولُها بالطريقة المذكورة في السؤال لا يأتي فقط على السنة، بل يأتي على القرآن نفسه، فقد زعم كثير من الملحدين وأهل الملل الباطلة أن بين آيات القرآن نفسه تعارضا. فطريقة إبطال هذه الدعوى هي طريقة إبطال تلك، فإن السنة النبوية في مجال التشريع إنما هي وحي من الله تعالى، فكما نجمع بين آيات القرآن بحمل كل آية على المراد بها، فكذلك نفعل إذا كان بين ظاهر القرآن والسنة نوع اختلاف. وراجع الفتوى رقم: 113857.
وأما مسألة مخالفة السنة للعقل، فهذا أمر وارد، فإن العقول البشرية بضعفها وقصورها وضيق عطنها، لا يمكن أن تستوعب حكم التشريع، ولا أن تحيط بموارد الغيب، فإذا خالفت السنةَ كان الحكم للسنة بلا ريب، هذا مع أن هذا التعارض بين السنة والعقل، قد ذُكر مثله أيضا مع القرآن فهل نَردُّ القرآن كذلك لمخالفته بعض العقول السقيمة والآراء الساقطة؟! وهنا ننبه على أن العقل الصريح لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح، وأن الوحي وإن كان يأتي بما تحار فيه العقول، فإنه لا يمكن أن يأتي بما تحيله العقول (تقول باستحالته)، وقد سبق لنا بيان ذلك، وبيان أن تحكيم العقل في أحكام الشرع زيغ وضلال، فراجع الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 20458، 23028، 129696، 39932.
وأما مسألة نسخ السنة للقرآن، فمحل خلاف بين أهل العلم قديما وحديثا، والجمهور على أن القرآن يُنسخ بالسنة المتواترة. وراجع في ذلك الفتويين: 22660، 46669.
وأما حد الردة، فصحيح أنه لم يثبت في القرآن، إلا أن ذلك ليس بمطعن؛ لأنه ثبت بالسنة الصحيحة، ونقل العمل به منذ عصر الصحابة تواترا، بما يفيد العلم القطعي بثبوته. ثم إن هذا لا يعارض حرية الاعتقاد، لأنه صورة مستثناة لمصلحة عامة، ولا تعارض بين خاص وعام، فكل كافر لا يصح أن يكره على الدخول في الإسلام، ولكنه إن دخل فيه فلا يقبل منه الردة عنه، وراجع في تفصيل ذلك الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13987، 33562، 50846.
وأما حد الرجم فقد سبق أن بينا ثبوته بالكتاب والسنة للزاني المحصن، وراجع في ذلك الفتويين: 26483، 42939.
وأما الاستدلال بقوله تعالى: (يا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) (الأحزاب: 30). على عدم التفريق بين المحصن وغيره، توسلا لإبطال حد الرجم فهذا هو المضحك حقا، وليس كما يقول هذا القائل (السائل، المُسْتَفتِي): ثبوت حد الرجم مضحك جدا. فهذه الآية لا تتكلم أصلا عن عقوبة الدنيا، بل الآخرة، ولو قرأ هذا القائل الآية التي بعدها فضلا عن حفظها لتبين له ذلك، حيث يقول تعالى: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) {الأحزاب: 31}. فهل مضاعفة الأجر تكون هي الأخرى في الدنيا؟! ومما يبين ذلك أيضا أن في قراءة ابن كثير وابن عامر: (نُضعِّف لها العذابَ) بالنون وكسر العين وتشديدها، ونصب العذاب، فهي منسوبة إلى الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا في الآخرة. ومن المفسرين من فسر المضاعفة بالجمع بين عذاب الدنيا والآخرة، كما قال زيد بن أسلم: { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } في الدنيا والآخرة. اهـ.
وكذلك فإن الراجح في تفسير الفاحشة هنا أنها المعاصي الظاهرة كالنشوز وسوء المعاملة.
قال ابن الجوزي في زاد المسير: (بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي بمعصية ظاهرة، قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين. اهـ.
وبالجملة فكثير من المستشرقين والمستغربين وأذنابهم قد أثاروا الشبهات حول هذين الحدين على وجه الخصوص: حد الرجم، وحد الردة، وذلك لأن الكلام على الحدود الثابتة في القرآن كحد السرقة وحد القذف، فيه طعن ظاهر في القرآن، فلم يجترئ عليه المنتسبون للإسلام منهم. وقد تناول ذلك جمع من الباحثين بالرد والتفنيد والبيان، ومن ذلك بحث الدكتور عماد الشربيني (عقوبتا الزاني والمرتد ودفع الشبهات في ضوء القرآن والسنة) فيمكن الرجوع إليه للتوسع في ذلك. انتهى الموضوع الأوّل.
وقبل الشروع في بيان ملاحظاتي على تفسير الدكتور أحمد نوفل، اسمحوا لي طرح السؤال: هل يجب علينا اتباعُ السُّنّةِ أم يكفينا اتباعُ القرآن فقط؟
وفيما يلي أقدمُ جواباً أستوحيه من موقع الإسلام سؤال وجواب على الرابط ([13]).
دلالة القرآن الكريم على حُجّيّة السّنّة كثيرة ومنها:
- قال الله تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (النساء: 80)، فجعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته .
ثم قرن طاعته بطاعة رسوله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء: 59)
- لقد حذّر اللهُ عز وجل من مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتوعد من عصاه بالخلود في النار، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62) لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) ) (النور)
- جعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من لوازم الإيمان، ومخالفته من علامات النفاق، قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) (النساء). ومناسبة نزول الآية يبينها الحديث الشريف: (أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، في شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتي يَسْقُونَ بهَا النَّخْلَ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ، فأبَى عليهم، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إلى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قالَ: يا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حتَّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إنِّي لأَحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ في ذلكَ {فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} [النساء: 75[) ([14]).
ويربط ابن كثير بين هذه الآية وبين قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ...) (الأحزاب 6). فيقول في معرض تفسيره لآية الأحزاب: "قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: (فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ...) (النساء 65 ). وفي الصحيح: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ.) ([15]).
ويؤكد ابن عباس وجوبَ اتباع السّنّة: (عن طاوسٍ أنَّهُ كان يُصلِّي بعدَ العصرِ، فنهاهُ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما فقال طاوسُ: إنَّما نُهيَ عنها أن يتخذَها سُلَّمًا، قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ الآيةَ (الأحزاب 36)، وما أدري أتُعَذَّبُ علَيها أم تُؤجَرُ) ([16])
- قال الله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (آل عمران 31)
تفسير البغوي:
قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. قال الله تعالى: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: (ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).
يقول القرطبي: " وقال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلامة حب النبي - صلى الله عليه وسلم - حب السنة ..."
- قال الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران 132).
يقول القرطبي: وأطيعوا الله يعني أطيعوا الله في الفرائض والرسول في السنن: وقيل: أطيعوا الله في تحريم الربا والرسول فيما بلغكم من التحريم. لعلكم ترحمون أي كي يرحمكم الله.
- قال الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) المائدة 92)
تفسير السعدي: طاعة الله وطاعة رسوله واحدة، فمن أطاع الله، فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. وذلك شامل للقيام بما أمر الله به ورسوله من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، المتعلقة بحقوق الله وحقوق خلقه والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه كذلك. وهذا الأمر أعم الأوامر، فإنه كما ترى يدخل فيه كل أمر ونهي، ظاهر وباطن.
- أمر سبحانه وتعالى عباده بالاستجابة لله والرسول، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (الأنفال: 24).
- ثم أمرهم سبحانه برد ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرَّسُول، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء: 59).
وهنالك المزيد من الأدلة؛ ومعظمها من سورة النساء:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 60-65)
- قال الله تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء 80)
تفسير الطبري: قال أبو جعفر: وهذا إعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم، أيها الناس، محمدًا فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولنَّ أحدكم: " إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضَّل علينا "!
تفسير السعدي: أي: كل مَنْ أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه) فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (تعالى لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقا، فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله لم يأمر بطاعته مطلقا، ويمدح على ذلك.
(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء: 83)
(قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) (الأنعام 104). يقول ابن كثير: البصائر: هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
إنّ من بعض صفات أهل الكتاب الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلّم أنّهم: (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (التوبة: 29).
دلالة السنة النبوية على حجية السنة كثيرة ومنها:
تركتُ فيكم أمرينِ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما: كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي. وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث الشريف:
(إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم، ولكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم، فاحْذَروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا، كتابَ اللهِ، و سُنَّةَ نبيِّه) ([17])
شرح الحديث:
القرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النَّبويةُ هُمَا حَبْلُ اللهِ المتينُ، فمَن حفِظَهما وعمِلَ بما فيهما بِنِيَّةٍ صادقةٍ وقَلْبٍ مُتَيَقِّنٍ؛ فإنَّ له الجزاءَ الأوْفى عندَ اللهِ سُبحانه.
وفي هذا الحَديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ"، أي: أصابَه اليأْسُ بعدَ انتشارِ الإسلامِ، "بأرْضِكم" وهي جَزيرةُ العرَبِ، "ولكنْ رضِيَ أنْ يُطاعَ فيما سِوَى ذلك"، أي: رضِيَ بأنْ يَتَّبِعَه الناسُ فيما هو أقلُّ مِن الشِّركِ باللهِ، وهو "ممَّا تُحاقِرون مِن أعْمالِكم" مِن صَغائِرِ الذُّنوبِ والمعاصي، وهي اللَّمَمُ، "فاحْذَروا"، والمعنى: احْذَروا مِن طاعةِ الشيطانِ والوُقوعِ في الصغائرِ؛ لأنَّها لا تَزالُ بالعبدِ حتى تُهْلِكَه وهو لا يَدْري، "إني قد ترَكْتُ فيكم"، أي: ترَكْتُ لكم بعدَ مَوتي فيما بيْنكم، "ما إنِ اعتَصَمْتم به"، أي: تمَسَّكتم به وأخَذْتُم بالعملِ بما فيه، "فلنْ تَضِلُّوا أبدًا"، أي: فلنْ تَكونوا في ضَلالٍ وزَيْغٍ عن الحقِّ بعدَ تَرْكِي إيَّاه فيكم، أو بعدَ التَّمسُّكِ به والعمَلِ بما فيه، إنِ اعتصَمْتُم به، "كِتابَ اللهِ"، وهو القُرْآنُ الكريمُ، وهو أعظمُ وأفضلُ ما يَتأسَّى به الناسُ، ويَقتَدونَ به؛ لأنَّه كلامُ اللهِ سُبحانه وتَعالى؛ ولأنَّه يَهْدِيهم إلى الطَّريقِ المستقيمِ، وإلى الحقِّ، فلا يَضِلُّون، "وسُنَّةَ نَبِيِّه" وهي كُلُّ ما ورَدَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ مِن أقوالٍ، أو أفعالٍ، أو أُمورٍ أقَرَّها ووافَقَ عليها، وفي السُّنَّةِ بَيانٌ وتفصيلٌ لِمَا في القرآنِ الكريمِ، والكتابُ والسُّنَّةُ هما أصْلُ الدِّينِ، وفيهما النَّجاةُ لمَن تَمسَّك بهما.
وفي الحديثِ: التخويفُ والتَّحذيرُ مِن وسْواسِ الشَّيطانِ. وفيه: الحثُّ على التَّمسُّكِ بالكتابِ والسُّنَّةِ. ولدينا كذلك الأحاديث الشريفة:
(تركتُ فيكم أمرينِ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما: كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي، ولن يتفَرَّقا حتَّى يرِدا عليَّ الحوضَ) ([18]).
شرح الحديث: كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ نَبيِّه هما الأصلانِ اللَّذانِ لا عُدولَ عنهما، ولا هدْيَ إلَّا منهما، والعِصمةُ والنَّجاةُ لمَن تمسَّكَ بهما، واعتصَمَ بحَبْلِهما.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إنِّي قد خلَّفْتُ فيكم شَيئينِ"، أي: تَركْتُ لكم بعدَ وَفاتي ومماتي أمرينِ، "لنْ تَضِلُّوا بعدَهما أبدًا ما أخذْتُم بهما- أو عَمِلْتُم بهما-"، أي: هما سببٌ في الفوزِ في الآخِرةِ إذا أخَذَ بهما العبْدُ في الدُّنيا، "كِتابَ اللهِ، وسُنَّتي"، أي: بالاستِمساكِ والعمَلِ بالقرآنِ والسُّنةِ معًا؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، والمرادُ بسُنَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أقوالُه وأفعالُه وتَقريراتُه، "ولنْ يَتفرَّقَا"، أي: هما مَحفوظانِ باقيةٌ حُجَّتُهما على الأُمَّةِ، "حتَّى يَرِدَا عليَّ الحَوضَ"، أي: يَمُرَّا عليَّ وأنا على الحوضِ، والحوضُ هو نَهرُ الكَوثرِ الذي أعطاهُ اللهُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ الَّذي يَسْقِي منه الواردينَ عليه مِن المؤمنينَ.
وفي الحديثِ: بَيانُ أنَّ منزلةَ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ كمَنزلةِ القرآنِ. وفيه: إثباتُ وُجودِ الحَوضِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ
(تركتُ فيكم أمريْنِ لن تضلُّوا ما تمسَّكْتُم بهما: كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِه.) ([19]).
(ترَكْتُ فيكم أَمرينِ، لَن تضلُّوا ما تمسَّكتُمْ بِهِما: كتابَ اللَّهِ وسنَّةَ رسولِهِ) ([20])
وفي بيان أهمية السّنّة: (ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ)، وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث الشريف:
(لألفَينَّ أحدُكم متكئًا على متكَئِه يصلُ إليه عنِّي حديثٌ فيقولُ: لا نجدُ هذا الحكمَ في القرآنِ. ألا وإنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ) ([21])
(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ ألا يوشكُ رجلٌ شبعانُ على أريكتِهِ يقولُ عليكم بهذا القرآنِ فما وجدُتم فيهِ من حلالٍ فأحلوا وما وجدُتم فيهِ من حرامٍ فحرِّموا وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كما حرَّمَ اللهُ ألا لا يحلُّ لكم لحمُ الحمارِ الأهليِّ ولا كلُّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ ولا لُقطةُ معاهدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها ومن نزلَ بقومٍ فعليهم أن يقروهُ فإن لم يقروهُ فلهُ أن يعقبَهم بمثلِ قِراهُ) ([22])
(أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ) ([23]). (إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ) ([24]). (ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه) ([25]).
(ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلُه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانٌ على أريكتِه يقول: عليكم بهذا القرآنِ، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموهُ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ كما حرَّمَ اللهُ، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السباعِ، ولا لُقَطَةُ معاهدٍ إلا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزل بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوهُ، فإن لم يَقْرُوهُ، فله أن يُعْقِبَهُمْ بمثلِ قِرَاهُ) ([26])
(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ، ألا يوشِكُ رجلٌ شبعانٌ علَى أريكتِهِ يقولُ: عليكم بِهَذا القرآنِ، فما وجدتُمْ فيهِ من حلالٍ فأحلُّوا، وما وجدتُمْ فيهِ من حرامٍ فحرِّموهُ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - كما حرَّمَ اللَّهُ؛ ألا لا يحلُّ لَكُمُ الحمارُ الأَهْليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ ولا لقطةُ معاهَدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزلَ بقومٍ، فعليهم أن يُقروهُ، فإن لم يُقروهُ فلَهُ أن يُعْقِبَهم بمثلِ قِراهُ) ([27])
(ألَا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه [ وفي روايةٍ ]: ألا إنَّ ما حرَّم رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّم اللهِ) ([28]).
(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه) ([29]). (ألا إني أوتيت القرآنَ ومثلَه معه) ([30]).
(لا ألفينَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكتِهِ يأتيهِ الأمرُ من أمري ممَّا أمرتُ بِهِ أو نَهيتُ عنْهُ فيقولُ: لا أدري ما وجَدنا في كتابِ اللَّهِ اتَّبعناهُ رَواهُ التِّرمِذي وفي روايةٍ لغيرِهِ ما وجَدْنا فيه حرامًا حرَّمناهُ ألا وإنِّي أوتيتُ القُرآنَ ومثلَهُ معهُ. وفي أخرى ألا إنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ مثلُ ما حرَّمَ اللَّهُ) ([31])
(ألَا إنِّي أُوتيتُ الكِتابَ ومِثلَه معه، ألَا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه معه، ألَا يوشِكُ رجُلٌ يَنْثَني شَبْعانًا على أَريكتِه يقولُ: عليكم بالقُرآنِ، فما وجَدْتُم فيه مِن حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجَدْتُم فيه مِن حرامٍ فحَرِّموه! ألَا لا يَحِلُّ لكم لَحمُ الحِمارِ الأَهْليِّ، ولا كلُّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ألَا ولا لُقَطةٌ مِن مالِ مُعاهَدٍ إلَّا أنْ يَستَغنيَ عنها صاحِبُها، ومَن نزَلَ بقَومٍ فعليهم أنْ يَقْرُوهم، فإنْ لم يَقْرُوهم فلهم أنْ يُعْقِبوهم بمِثلِ قِراهُم.) ([32])
ويقول سبحانه: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء: 80)
وفي تفسير الطبري: قال أبو جعفر: وهذا إعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم، أيها الناس، محمدًا فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولنَّ أحدكم: " إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضَّل علينا "!
تفسير ابن كثير: يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني " .. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، عن الأعمش به
عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي
(أتينا العرباضَ بنِ ساريةَ، وهو ممن نزل فيه ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه فسلَّمنا، وقلنا: أتيناك؛ زائرين، وعائدين، ومقتبسِين. فقال العرباضُ: صلى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوبُ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! كأن هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى اللهِ والسمعِ والطاعةِ وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) ([33])
شرح الحديث:
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَدْعو أصْحابَه إلى الخيْرِ ويُحذِّرُهم منَ الشَّرِّ، ويَعِظُهم ويُذَكِّرُهم بين الحِينِ والآخَرَ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمْرٍو السُّلَمِيُّ، وحُجْرُ بنُ حُجْرٍ: "أتَينا العِرْباضَ بنَ سارِيَةَ"، أي: جِئنا إليهِ، "وهو ممَّن نزَلَ فيهِ" هذه الآيَةُ: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} [التوبة: 92]، أي: لا أجِدُ ولا أملِكُ منَ المراكِبِ من الفَرَسِ والإبِلِ ونحوِها المعَدَّةِ للجِهادِ؛ لأُعطِيَه لكم لتُجاهِدوا عليها، قالوا: "فسَلَّمْنا"، أي: ألْقَيْنا عليهِ السَّلامَ، وقلنا: "أتَيْناك زائرينَ وعائدِينَ"؛ منَ العيادَةِ للمَريضِ، "ومُقتبِسِين"، أي: مُحصِّلينَ نورَ العِلمِ مِنكَ، فقال العِرْباضُ: "صلَّى بِنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذاتَ يوْمٍ، ثمَّ أقبَلَ علينا"، أي: بوجْهِه، "فوَعَظنا موْعِظةً بلِيغَةً"، أي: حدَّثَنا وذكَّرَنا بقوْلٍ موجَزٍ وفيه مَعانٍ كثيرَةٌ، "ذرَفَتْ منها العُيونُ"، أي: سالَتْ منها الدُّموعُ، "ووجِلَتْ منها القُلوبُ"، أي: خافَت ورهِبَت.
قال: "فقال قائلٌ"؛ منَ الحاضِرين: "يا رسولَ اللهِ، كأَنَّ هذه موْعِظةُ مودِّعٍ"، أي: موعِظَةُ مُسافِرٍ عند الودَاعِ، "فماذا تَعْهَدُ إلَينا؟"، أي: بماذا تُوصِي إلينا؟ فقال: "أُوصِيكم بتَقْوى اللهِ"؛ وذلك بفِعلِ الواجِباتِ وترْكِ المحَرَّماتِ، "والسَّمْعِ والطَّاعةِ"، أي: للأُمراءِ، "وإنْ عبْدًا حبشِيًّا"، أي: وإن كان هذا الأَميرُ أو الوالي عبْدًا حبَشِيًّا؛ "فإنَّه مَن يعِش منكم بَعدي"، أي: بعدَ موْتي، "فسَيَرى اختِلافًا كثيرًا"؛ في الدِّينِ، وغيرِه، ثمَّ أَرشَدَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أنفعِ عِلاجٍ عندَ وقوعِ الاختلافِ الكثيرِ، فقال: "فعلَيكم بسُنَّتي"، أي: طريقَتي ونَهْجي، "وسُنَّةِ الخُلَفاءِ المَهديِّينَ الرَّاشِدينَ"، أي: الَّذين هَداهُم اللهُ وأرْشَدَهم إلى الحَقِّ، والمقصود بهم الخُلفاءُ الرَّاشِدون الأربعةُ: أبو بَكرٍ الصِّدِّيق، وعُمرُ بنُ الخَطَّاب، وعُثمانُ بنُ عفَّانَ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنهم أجمعين، "تمَسَّكوا بها"، أي: بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ، وأفْرَدَ لفظ (بها) مع أنَّها تعودُ على اثنَتَينِ؛ لأنَّهما كشيءٍ واحدٍ، "وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ"، أي: آخِرِ الأضْراسِ؛ يَعني بذلك الجِدَّ في لُزومِ السُّنَّةِ والتَّمسُّكِ بها، "وإيَّاكم"، أي: احْذروا واجْتَنِبوا، "ومُحْدَثاتِ الأُمورِ"، أي: الأُمورِ الَّتي تَحدُثُ بعد ذلك وتُخالِفُ أصْلَ الدِّينِ؛ "فإنَّ كلَّ مُحْدَثةٍ" في دِينِ اللهِ وشرْعِهِ، "بِدْعَةٌ"، أي: طَريقةٌ مخترَعةٌ في الدِّينِ، "وكلَّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ"، أي: موجِبَةٌ للضَّلالةِ والغِوايَةِ، ويَضِلُّ بها صاحِبُها.
وفي الحديث: الحَثُّ والتأكيدُ الشَّديدُ على التمسُّكِ بسنة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدين، والنَّهيُ عن الابتداعِ في الدِّينِ والتحذيرُ الشَّديدُ مِن ذلك.
(عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي، عضُّوا عليها بالنَّواجذِ) ([34])
(عليكم بسنتي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِييْنَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّوَاجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثَاتِ الأمورِ؛ فإِنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ.) ([35])
(عليكم بسُنَّتي وسنَّةَ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المهديِّينَ من بَعدي، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإيَّاكمْ ومُحدَثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) ([36])
(عليْكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المَهديِّينَ مِن بعدي تمسَّكوا بِها وعضُّوا عليْها بالنَّواجذِ وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمورِ) ([37])
(عليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المَهْديِّينَ) ([38]). (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشِدين الهادِين) ([39]). (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِينَ الهادِينَ عَضُّوا عليها بالنواجِذِ) ([40]). (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِين المهدِيِّينَ مِن بعدي) ([41]).
(عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين) ([42]). (عليكُمْ بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ.) ([43]) .
فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي
(عَنْ أَنَسٍ، أنَّ نَفَرًا مِن أَصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن عَمَلِهِ في السِّرِّ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَنَامُ علَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه. فَقالَ: ما بَالُ أَقْوَامٍ قالوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي.) ([44])
أي: مع كَوني أكثرَكم خشيةً للهِ وأكثرَكم تقوًى له، ولكنِّي مع ذلك لا أُبالغُ في العبادةِ ما تُريدونَ المبالغةَ فيها، ولكنْ أَصومُ وأُفطرُ وأتزوَّجُ النِّساءَ وأقومُ وأنامُ؛ وذلك لأنَّ المتشدِّدَ لا يأمَنُ مِنَ المَللِ بِخلافِ المقتصِدِ فإنَّه أمكنُ لِاستمرارِه، وخيرُ العملِ ما داوَمَ عليه صاحبُه، ثم حذَّرهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الغلوِّ والابتعادِ عَن سنَّتِه في العبادةِ، فقال لهم:"فمَن رغِبَ عَن سنَّتي فليس مِنِّي"، أي: فمَن أعرَضَ عَن نَهجي وطريقتي فإنَّه بعيدٌ كلَّ البُعدِ عَن متابعتِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.
ثالثاً: دلالة الإجماع على حجية السنة ([45]):
"قال الشافعي رحمه الله: ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدا أُخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قبل خبره، وانتهى إليه، وأثبت ذلك سنة.. وصنع ذلك الذين بعد التابعين، والذين لقيناهم، كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة، يحمد من تبعها، ويعاب من خالفها، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة."
يقول تعالى: (... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الحشر 7).
يقول ابن كثير: "وقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر.
يا ربِّ لك الحمد، أسألك بجلالك أن توفقنا لما يُرضي رسولَ اللَّهِ؛ فيا لخيبة من يُقْصِي سُنَّةَ رسولِ اللَّهِ.
رابعا: دلالة النظر الصحيح على حجية السنة ([46])
كون النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله، يقتضي تصديقه في كل ما يخبر به، وطاعته في كل ما يأمر به، ومن المُسلَّم به أنه قد أخبر وحكم بأمور زائدة على ما في القرآن الكريم، فالتفريق بينها وبين القرآن، في وجوب الالتزام بـها، والاستجابة لها، تفريق بما لا دليل عليه، بل هو تفريق باطل، فلزم أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم واجب التصديق، وكذا أمره واجب الـطـاعة .
يقول تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (التغابن 12).
يقول القرطبي: أي هونوا على أنفسكم المصائب، واشتغلوا بطاعة الله، واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول في العمل بسنته؛ فإن توليتم عن الطاعة فليس على الرسول إلا التبليغ.
وسؤال آخر: هل يعقل ترك الإستدلال بسنة صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله والأخذ برأي من يقدم العقل على السُّنّة؟!
رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (الإسراء 79).
(يجتمعُ المؤمنونَ يومَ القيامةِ فيُلْهَمُون ذلك فيقولون: لو استَشْفَعْنا إلى ربِّنا فأراحنا من مكانِنا هذا فيأتون آدمَ فيقولون: يا آدمُ أنت أبو الناسِ خلقك اللهُ بيدِه وأَسْجَد لك ملائكتَه وأَعْلَمَك أسماءَ كلِّ شيءٍ فاشفَعْ لنا عند ربِّك حتى يُرِيحَنا من مكانِنا هذا فيقولُ: لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ لهم ذنبَه الذي أصابه فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكِن ائْتُوا نوحًا فإنه أولُ رسولٍ بعثه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ فيأتُون نوحًا عليه السلامُ: فيقولُ: لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ سؤالَه ربَّه تبارك و تعالى ما ليس له به علمٌ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ فيأتون إبراهيمَ فيقول: لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ سؤالَه ربَّه تبارك وتعالى ما ليس له به علمٌ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا موسى عبدٌ كَلَّمَهُ اللهُ وأعطاه التوراةَ فيأتون فيقولُ لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ قَتْلَه النفسَ بغيرِ النفسِ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكَلِمَتُه ورُوحُه فيأتون فيقولُ: لَسْتُ هُنَاكم ولكنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عبدًا قد غفر اللهُ له ما تقدم من ذنبِه وما تأخر فيأتون فأنطلقُ - قال قتادةُ: وقال الحسنُ: فأَمْشِي بين سِمَاطَيْنِ من المؤمنينَ ثم رجع إلى حديثِ أنسٍ - فأستأذنُ على ربي فيأذَنُ لي فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يدَعَنِي ثم يقالُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشفعْ، تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأَحْمَدُه بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثم أشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجنةَ ثم أعودُ الثانيةَ فإذا رأيتُ ربي تعالى وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يَدَعَنِي ويقالُ ارفَعْ مُحَمَّدُ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ فأشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجنةَ ثم أعودُ الثالثةَ فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يَدَعَنِي فيقالُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشفَعْ تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأَحْمَدُ ربي بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثم أشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهم الجنةَ ثم آتِيهِ الرابعةَ أو أعودُ الرابعةَ فأقولُ: أَيْ رَبِّ ما بَقِيَ إلا مَن حبسه القرآنُ قال ابنُ أبي عَدِيٍّ: فيُدْخِلُهُمُ الجنةَ وقال فيُنْهَمُونَ أو يُلْهَمُونَ وقال: آتيه الرابعةَ أو أعودُ الرابعةَ) ([47]).
(يجتمعُ المؤمنون يومَ القيامةِ يُلْهَمُونَ أو يهمُّونَ - يهتمُّونَ - شكَّ سعيدٌ فيقولون لو تشفَّعْنا إلى ربنا فأراحَنا من مكاننا فيأتون آدمَ فيقولون أنت آدمُ أبو الناسِ خلقَك اللهُ بيدِه وأسجدَ لك ملائكتَه فاشفع لنا عند ربِّكَ يُرِحْنَا من مكاننا هذا فيقولُ لستُ هناكم ويذكرُ ويشكو إليهم ذنبَه الذي أصاب فيستحيي من ذلك ولكن ائتُوا نوحًا فإنَّهُ أولُ رسولٍ بعثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ويذكرُ سؤالَه ربَّهُ ما ليس له به علمٌ ويستحيي من ذلك ولكن ائتُوا خليلَ الرحمنِ إبراهيمَ فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ولكن ائتُوا موسى عبدًا كلَّمَه اللهُ وأعطاهُ التوراةَ فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ويذكرُ قتلَه النفسَ بغيرِ النفسِ ولكن ائتُوا عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمةُ اللهِ وروحُه فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ولكن ائتُوا محمدًا عبدًا غفر اللهُ له ما تقدم من ذنبِه وما تأخَّرَ قال فيأتوني فأنطلقُ قال فذكر هذا الحرفَ عن الحسنِ قال فأمشي بين السماطيْنِ من المؤمنينَ قال ثم عاد إلى حديثِ أنسٍ قال فأستأذنُ على ربي فيُؤذَنُ لي فإذا رأيتُه وقعتُ ساجدًا فيدَعُني ما شاء اللهُ أن يدَعَني ثم يقال ارفع يا محمدُ وقل تُسمعُ وسل تُعْطَهْ واشفع تُشفَّعُ فأحمدُه بتحميدٍ يُعلِّمَنِيهِ ثم أشفعُ فيحدُّ لي حدًّا فيُدخلهم الجنةَ ثم أعودُ الثانيةَ فإذا رأيتُه وقعتُ ساجدًا فيدعني ما شاء اللهُ أن يدعني ثم يقال لي ارفع محمدٌ قل تُسمعُ وسل تُعْطَهْ واشفع تُشفَّعُ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعلِّمَنِيه ثم أشفعُ فيحدُّ لي حدًّا فيُدخلهم الجنةَ ثم أعودُ الثالثةَ فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيدعني ما شاء اللهُ أن يدَعَني ثم يقال ارفع محمدٌ قل تُسمَعُ وسلْ تُعْطهْ واشفع تُشفَّعُ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعلِّمَنِيهِ ثم أشفعُ فيحدُّ لي حدًّا فيُدخلهم الجنةَ ثم أعودُ الرابعةَ فأقولُ يا ربِّ ما بقيَ إلا من حبسَه القرآنُ وحدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قال يخرجُ من النارِ من قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وكان في قلبِه مثقالُ شعيرةٍ من خيرٍ ويخرجُ من النارِ من قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وكان في قلبِه مثقالُ برَّةٍ من خيرٍ ويخرجُ من النارِ من قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وكان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ) ([48])
(وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (49) ) (الأعراف)
" أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ" قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس يَعْنِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف " اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس" قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ " الْآيَة. قَالَ فَلَمَّا قَالُوا لَهُمْ الَّذِي قَضَى اللَّه أَنْ يَقُولُوا يَعْنِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف لِأَهْلِ الْجَنَّة وَأَهْل النَّار قَالَ اللَّه لِأَهْلِ التَّكَبُّر وَالْأَمْوَال " أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " .
الأحاديث:
اللهم الرفيق الأعلى
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم الرفيق الأعلى، إذ علم أنه هو صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله. فاختار الرفعة على الحياة الدنيا الزائلة.
(كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ وهو صَحِيحٌ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ فَلَمَّا نَزَلَ به ورَأْسُهُ علَى فَخِذِي غُشِيَ عليه سَاعَةً، ثُمَّ أفَاقَ فأشْخَصَ بَصَرَهُ إلى السَّقْفِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى قُلتُ: إذًا لا يَخْتَارُنَا، وعَرَفْتُ أنَّه الحَديثُ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا به، قالَتْ: فَكَانَتْ تِلكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى.) ([49]).
(كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو صَحِيحٌ يقولُ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا -أوْ يُخَيَّرَ- فَلَمَّا اشْتَكَى وحَضَرَهُ القَبْضُ ورَأْسُهُ علَى فَخِذِ عَائِشَةَ، غُشِيَ عليه، فَلَمَّا أفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ في الرَّفِيقِ الأعْلَى، فَقُلتُ: إذنْ لا يُجَاوِرُنَا، فَعَرَفْتُ أنَّه حَديثُهُ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا وهو صَحِيحٌ.) ([50]) .
(كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ وَهو صَحِيحٌ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يُرَى مَقْعَدُهُ في الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ قالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ برَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَرَأْسُهُ علَى فَخِذِي غُشِيَ عليه سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فأشْخَصَ بَصَرَهُ إلى السَّقْفِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى. قالَتْ عَائِشَةُ: قُلتُ: إذًا لا يَخْتَارُنَا. قالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ الحَدِيثَ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا به وَهو صَحِيحٌ في قَوْلِهِ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ. قالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَوْلَهُ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى.) ([51])
المقامُ المحمودُ
وفضل محمد على سائر الرسل معلوم بيّن؛ فهو سيّد ولد آدم وصاحب الشفاعة، والمقام المحمود، وهو خير مخلوق.
(أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فخرَ، وبيدي لِواءُ الحمدِ ولا فخرَ، وما مِن نبيٍّ يَومئذٍ آدمَ فمَن سِواهُ إلَّا تحتَ لِوائي، وأَنا أوَّلُ مَن ينشقُّ عنهُ الأرضُ ولا فخرَ، قالَ: فيفزعُ النَّاسُ ثلاثَ فزعاتٍ، فَيأتونَ آدمَ، فيقولونَ: أنتَ أبونا آدمُ فاشفَع لَنا إلى ربِّكَ، فيقولُ: إنِّي أذنبتُ ذنبًا أُهْبِطتُ منهُ إلى الأرضِ ولَكِن ائتوا نوحًا، فيأتونَ نوحًا، فيقولُ: إنِّي دَعَوتُ علَى أهْلِ الأرضِ دَعوةً فأُهْلِكوا، ولَكِن اذهبوا إلى إبراهيمَ، فيأتونَ إبراهيمَ فيقولُ: إنِّي كذبتُ ثلاثَ كذباتٍ، ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: ما منها كذبةٌ إلَّا ما حلَّ بِها عن دينِ اللَّهِ. ولَكِن ائتوا موسَى، فيأتونَ موسَى، فيقولُ: إنِّي قد قتلتُ نفسًا، ولَكِن ائتوا عيسَى، فيأتونَ عيسَى، فيقولُ: إنِّي عُبِدتُ مِن دونِ اللَّهِ، ولَكِن ائتوا محمَّدًا صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ: فَيأتوني فأنطلِقُ معَهُم - قالَ ابنُ جُدعانَ: قالَ أنسٌ: فَكَأنِّي أنظرُ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - قالَ: فآخذُ بحلقةِ بابِ الجنَّةِ فأُقَعقِها فيُقالُ: مَن هذا؟ فيُقالُ: محمَّدٌ فيفتَحونَ لي، ويُرحِّبونَ بي، فيقولونَ: مرحبًا، فأخِرُّ ساجدًا، فيُلهِمُني اللَّهُ منَ الثَّناءِ والحمدِ، فيُقالُ لي: ارفَع رأسَكَ وسَلْ تُعطَ، واشفَعْ تُشَفَّع، وقُلْ يُسمَعُ لقَولِكَ، وَهوَ المقامُ المحمودُ الَّذي قالَ اللَّهُ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) ([52]).
(سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، يقولُ: إنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَومَ القِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يقولونَ: يا فُلَانُ اشْفَعْ، يا فُلَانُ اشْفَعْ، حتَّى تَنْتَهي الشَّفَاعَةُ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَذلكَ يَومَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ المَقَامَ المَحْمُودَ) ([53]).
(عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال قيل لهُ ما المقامُ المحمودُ قال ذاك يومَ ينزلُ اللَّهُ تعالى على كرسيِّهِ فيئطُّ كما يئطُّ الرحلُ الجديدُ من تضايقِهِ بهِ وهوَ يسعه ما بينَ السَّماءِ والأرضِ ويجاءُ بكم حفاةً عراةً غرلًا فيكونُ أوَّلُ من يُكسَى إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليهِ يقول اللهُ تعالى اكسوا خليلي فيؤتَى بربطتَينِ بيضاوَينِ من رباطِ الجنَّةِ ثمَّ أُكسَى على أثرِهِ ثمَّ أقومُ عن يمينِ اللَّهِ مقامًا يغبطُني الأولونَ والآخرونَ) ([54]).
(تُمدُّ الأرضُ يومَ القيامةِ مدًّا لعظمةِ الرحمنِ، ثم لا يكونُ لبشرٍ من بَني آدمَ إلا موضعَ قدميْهِ، ثم أُدْعى أولَ الناسِ، فأخِرُّ ساجدًا، ثم يؤذنُ لي فأقومُ، فأقولُ: يا ربِّ أخبرَني هذا لجبريلَ وهو عن يمينِ الرحمنِ، واللهِ ما رآهُ جبريلُ قبلَها قطُّ أنَّكَ أرسلْتَهُ إليَّ قال: وجبريلُ ساكتٌ لا يتكلمُ حتى يقولَ اللهُ صدقَ ثم يؤذنُ لي في الشفاعةِ فأقولُ: يا ربِّ عبادُك عبدوكَ في أطرافِ الأرضِ فذلكَ المقامُ المحمودُ) ([55]).
(عن سَلمانَ قالَ: تُعطى الشَّمسُ يومَ القيامةِ حرَّ عَشرِ سنينَ ثمَّ تُدنَى مِن جَماجِمِ النَّاسِ قالَ فذَكرَ الحديثَ قالَ فيأتونَ النَّبيَّ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - فيَقولونَ يا نبيَّ اللَّهِ أنتَ الَّذي فتحَ اللَّهُ بِك وغفرَ لَك ما تقدَّمَ مِن ذَنبِك وما تأخَّرَ وقد تَرى ما نحنُ فيهِ فاشفَع لنا إلى ربِّكَ فيقولُ أنا صاحبُكم فيخرُجُ يَجوسُ النَّاسَ حتَّى ينتَهيَ إلى بابِ الجنَّةِ فيأخذُ بحلقةٍ في البابِ مِن ذَهبٍ فيقرَعُ البابَ فيقولُ: مَن هذا فيقولُ محمَّدٌ فَفُتِحَ لَه حتَّى يقومَ بينَ يديِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فيسجُدُ فيُنادى: ارفَع رأسَك سَلْ تُعطَه واشفَعْ تُشَفَّعْ فذلِك المقامُ المَحمودُ) ([56]).
ملاحظاتي على تفسير الدكتور أحمد نوفل
الباب الأول: التفسير بالرأي والحرص على إقصاء السّنّة المطهرة
يرُدُّ الدكتورُ وجدي غنيم على طعن د. نوفل بحديث تخفيف عدد الصلوات المفروضة (من خمس إلى خمسين)، وعلى زعمه أنّ البخاري فيه الكثير من الأحاديث الضعيفة. فيخاطبُ الدكتورُ وجدي غنيم الدكتورَ نوفل محذّراً إياه من خصال منها: الكبر، التدليس، أن يكون سبباً في إظلال الشباب، الحديث في غير تخصّصه، وأن يجعل من عقله حكماً على النصّ. كما وقد حذّره من منهج المعتزلة الذين يجعلون العقل حكماً على نصوص القرآن والسّنّة ([57]).
1) إنكار النسخ وإنكار حدّ الرجم على الزاني المحصن ([58])
إنكار النسخ
قوله تعالى: ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا).
قال المفسرون ([59]): إن المشركين قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا؟! ما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضا فأنزل الله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ) الآية: وأنزل أيضا: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) الآية ([60]).
(عن ابنِ عباسٍ، في قولِه: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} وقال: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} الآية، وقال: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}. فأول ما نسخ من القرآنِ القبلةُ، وقال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} وقال: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ} فنسخ من ذلك قال تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا{) ([61]).
يرد على صفحة التعريف بالدكتور أحمد نوفل ([62]).
نسخ التلاوة بين النفي والإثبات. (ما ننسخ من آية أو ننسها): قراءة في آية. وعلى قناة حياة FM يصرح برفضه للنسخ؛ وعدم قبول فكرة النسخ.
الردّ عليه: القول بجواز النسخ عقلاً، ووقوعه شرعاً، هو قول عامة الأمم، ولم يخالف في هذا إلا طوائف من اليهود، ونسب إلى أبي مسلم الأصفهاني المعتزلي. وقيل: إن خلاف أبي مسلم الأصفهاني هو خلاف لفظي، وليس حقيقياً.
قال القاضى أبو بكر ابن العربى: "لقد أجمع المسلمون على جواز النسخ ووقوعه فعلاً؛ خلافاً لليهود الذين أنكروه ...".
(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 106)
يقول البغوي في تفسيره:
"قوله عز وجل (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) وذلك أن المشركين قالوا: إن محمدا ما يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلاف ما يقوله إلا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما أخبر الله (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النحل 101)، وأنزل (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) فبين وجه الحكمة من النسخ بهذه الآية .
والنسخ في اللغة شيئان أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ.
والثاني: يكون بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته. فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخا وبعضه منسوخا وهو المراد من الآية وهذا على وجوه، أحدها: أن يثبت الخط وينسخ الحكم مثل آية الوصية للأقارب. وآية عدة الوفاة بالحول وآية التخفيف في القتال وآية الممتحنة ونحوها، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ( ما ننسخ من آية ) ما نثبت خطها ونبدل حكمها، ومنها أن ترفع تلاوتها ويبقى حكمها مثل آية الرجم، ومنها أن ترفع تلاوته أصلا عن المصحف وعن القلوب كما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أن قوما من الصحابة رضي الله عنهم قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تلك سورة رفعت تلاوتها وأحكامها " وقيل: كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة، فرفع أكثرها تلاوة وحكما، ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه، كما أن القبلة نسخت من بيت المقدس إلى الكعبة، والوصية للأقارب نسخت بالميراث وعدة الوفاة نسخت من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، ومصابرة الواحد العشر في القتال نسخت بمصابرة الاثنين، ومنها ما يرفع ولا يقام غيره مقامه، كامتحان النساء. والنسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار.
أما معنى الآية فقوله (ما ننسخ من آية) قراءة العامة بفتح النون وفتح السين من النسخ، أي: نرفعها، وقرأ ابن عامر بضم النون وكسر السين من الإنساخ وله وجهان: أحدهما: أن نجعله كالمنسوخ .
والثاني: أن نجعله نسخة له] يقال: نسخت الكتاب أي كتبته، وأنسخته غيري إذا جعلته نسخة له [. (أو ننسها) أي ننسها على قلبك.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما، نتركها لا ننسخها، قال الله تعالى (نسوا الله فنسيهم) (التوبة 67) أي تركوه فتركهم وقيل ( ننسها ) أي: نأمر بتركها، يقال: أنسيت الشيء إذا أمرت بتركه، فيكون النسخ الأول من رفع الحكم وإقامة غيره مقامه، والإنساء يكون ناسخا من غير إقامة غيره مقامه .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أو ننسأها بفتح النون الأول والسين مهموزا أي نؤخرها فلا نبدلها يقال: نسأ الله في أجله وأنسأ الله أجله، وفي معناه قولان: أحدهما: نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كما فعل في آية الرجم فعلى هذا يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم، والقول الثاني: قال سعيد بن المسيب وعطاء: أما ما نسخ من آية فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من النسخة، أو ننسأها أي نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ ولا تنزل.
(نأت بخير منها) أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم، لا أن آية خير من آية؛ لأن كلام الله واحد وكله خير ( أو مثلها ) في المنفعة والثواب فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب أكثر ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) من النسخ والتبديل، لفظه استفهام، ومعناه تقرير، أي: إنك تعلم ."
وبعض المحْدَثين أنكروا النسخ؛ ومنهم د. أحمد نوفل، و أ. د. جمال أبو حسان، و أ. د. أمين البطوش؛ في رسالته لدرجة الدكتوراة تحت إشراف دكتور يهودي.
ومن العجب أنّ د. نوفل يكرّر طرح الموضوع الواحد في حلقات متباعدة؛ وقد يتناقض أحياناً. فمثلاً تفسيره للآية الكريمة: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا). يقول د. نوفل: "(ما ننسخ من آية أو ننسها). فيه اشي إسمه ننسها؟ لأ ... هذا من باب الإحتمال المحال ... ارجع للغة العربية. ... في بحثي ما ننسخ من آية أو ننسها؛ كتاب منشور... معاني "أو" في كتب اللغة قلك: "أو" ما قبلها مضمون!؛ بلغتي طبعاً؛ وما بعدها مظنون! ([63])."
الردّ على د. نوفل:
بناء على هذا الكلام للدكتور نوفل (معاني "أو" في كتب اللغة قلك: "أو" ما قبلها مضمون!؛ بلغتي طبعاً؛ وما بعدها مظنون!) فإنّ النسخ مضمون، لكن العجيب أنّ د. نوفل يقول في إحدى حلقاته على قناة حياة "ما فيه مشكلة إذا أنا لا أومن بالنسخ"! يا للعجب؛ ما هذا التناقض الصارخ؟! بل وفيما يلي بيان تناقض عبارته مع علم الإحصاء والاحتمالات.
مجموع احتمالات النتائج المتميزة داخل مساحة عينة ومغالطات د. نوفل
The sample space of a random experiment is the collection of all possible outcomes. An event associated with a random experiment is a subset of the sample space. The probability of any outcome is a number between 0 and 1.
For example, when you roll 1 die (حجر نرد), the sample space is 1, 2, 3, 4, 5, or 6. So the size of the sample space is 6. The probability of each outcome is 1/6. The probability of an even integer is 3/6. The probability of an odd integer is 3/6. The probability that the outcome is a positive integer less than 7 is 6/6 = 1. The sum of the probabilities of all possible outcomes is 1. Nothing can have a probability greater than 1.
The sum of the probabilities of all possible distinct outcomes within a sample space is 1.
مساحة العينة لتجربة هي مجموعة جميع النتائج المحتملة لتلك التجربة. بالنسبة لكل تجربة، فإن مجموع احتمالات كل النتائج هو 1. مجموع احتمالات النتائج المتميزة داخل مساحة عينة هو 1.
د. نوفل يقدّم الطّرح التالي باحتمالية تزيد على واحد!: احتمال مضمون (P=1) + احتمال مظنون (0<P<1)! ليكون الناتج أكبر من واحد!
تفسير د. نوفل للآية الكريمة: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا). يقول د. نوفل: "(ما ننسخ من آية أو ننسها). فيه اشي إسمه ننسها؟ لأ ... هذا من باب الإحتمال المحال ... ارجع للغة العربية. ... في بحثي ما ننسخ من آية أو ننسها؛ كتاب منشور... معاني "أو" في كتب اللغة قلك: "أو" ما قبلها مضمون!؛ بلغتي طبعاً؛ وما بعدها مظنون! ([64])."
احتمال مضمون (P=1) + احتمال مظنون (0<P<1)! فيكون الناتج أكبر من واحد؛ غير مقبول علميّاً وإحصائيّاً! بينما الآية الكريمة: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) تفيد أنّ هنالك آيات غير منسوخة. {أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106]، أي: نَمْحُها مِن الصُّدورِ ويَرتفِعْ حِفظُها، وقيل: نَنْسَأْها، أي: نُؤخِّرْها فلا تُنسَخُ، {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، أي: إلَّا أتَيْنا بما هو خيرٌ منها؛ وذلك لمصلحةِ النَّاسِ، وما يكونُ فيه نفعٌ للعبادِ، وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101]، أي: أزَلْنا تلاوةَ آيةٍ، وأثبَتْنا مكانَها آيةً أخرى، أو محَوْنا حُكْمَ آيةٍ بحُكْمِ آيةٍ غيرِها، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النحل: 101]، أي: إنَّ ما حصَل مِن تَبديلٍ هو لحِكمةٍ لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ سبحانه وتعالى. وعلى جميع أوجه تفسير الآية لا يوجد احتمال أكبر من واحد.
ولعلّ د. نوفل نسي الآية من سورة الأعلى: وأما قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ) (الأعلى 6)، فقد جاء بعدها قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ) (الأعلى 7). قال بعض أهل التفسير: أي إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه.
ولبيان فهمه المغلوط لدلالة الحرف "أو"؛ لنرجع إلى تفسير قوله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (الإسراء 23).
يقول الطبري: "واختلفت القرّاء في قراءة قوله (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا ) فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة، وبعض قرّاء الكوفيين (إِمَّا يَبْلُغَنَّ) على التوحيد على توجيه ذلك إلى أحدهما لأن أحدهما واحد، فوحدوا (يَبْلُغَنَّ) لتوحيده، وجعلوا قوله (أوْ كِلاهُما) معطوفا على الأحد. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين (حمزة، والكسائي، وخلف) (إِما يَبْلُغانِّ) على التثنية وكسر النون وتشديدها، وقالوا: قد ذكر الوالدان قبل، وقوله (يَبْلُغانّ) خبر عنهما بعد ما قدّم أسماءهما، قالوا: والفعل (يَبْلُغانّ) إذا جاء بعد الاسم (الْوَالِدَيْنِ) كان الكلام أن يكون فيه دليل على أنه خبر عن اثنين أو جماعة. قالوا: والدليل على أنه خبر عن اثنين في الفعل المستقبل الألف والنون. قالوا: وقوله (أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا) كلام مستأنف، كما قيل فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وكقوله وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ثم ابتدأ فقال الَّذِينَ ظَلَمُوا ." انتهى.
وأقول: قد يَبْلُغُ عِنْدَ شخصٍ ما الْكِبَرَ أَحَدُ والديه أَوْ كِلاهُمَا، أو قد يموتُ هو قبلَهما؛ أو قد يموت الوالدُ قبل أن يولد الطفلُ، ونعلم أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلّم قد أصابه اليُتم وهو طفل. وبالتالي فإنّ عبارة د. نوفل ليس لها نصيببٌ من الصّحة!
ولمزيد من الرّد؛ أورد الإستشهاد التالي من بحث بعنوان: نيابة (أو) عن حرف العطف الواو، للدكتور حجاج أنور عبدالكريم ([65]).
يقول: "وبمتابعة هذا المسلك في تحول دلالة (أو) ومجيئها بمعنى الواو في الأساليب القرآنية المختلفة نجد أن هذا التحول قد تحقق في كثير من الاستعمالات القرآنية بصورة تكاد تكون راجحة في بعض المواضع، وبصورة محتملة وعلى سبيل الجواز في بعض المواضع الأخرى. أما المواضع التي يترجح أو يكثر فيها أن تكون (أو) بمعنى الواو، فهي - على الجملة - تلك المواضع التي قد تشي بشيء من التلازم والاقتران أو المصاحبة بين المتعاطفين، أو تلك التي هي من قبيل عطف المرادِف والمؤكِّد، أو التي تقع فيها (أو) بعد النفي وشبهه، فهذه مواضع ثلاثة يكثر أن تعاقب (أو) فيها الواوَ[9].
فمن الأول - وهو ما يشي بشيء من التلازم والاقتران - قوله تعالى: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: 44]، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴾ ]طه: 113]؛ فالمعنى الراجح في الآيتين لدى كثيرين تقديره: لعله يتذكر ويخشى، ولعلهم يتقون ويُحْدِث لهم ذكراً، أي: عظة وعبرة؛ لأن كلاً من الخشية والتقوى لا يتنافى مع التذكر وحدوث الذكر؛ إذ لا تصح التقوى إلا مع الذكر، فهو من لوازمها، كما لا تصحَ الخشية إلا بالتذكر؛ لأن التذكّر أيضاً من لوازم الخشية، وعليه فالمعنى على الجمع والمصاحبة بين المعطوف والمعطوف عليه وعدم الإفراد، وهذا ما تفيده الواو وتدل عليه، بخلاف (أو) المبنية في الأصل على عدم الاشتراك، والدلالة على أحد الشيئين فقط[10].
وقريب من هذا قوله قال تعالى: ﴿ أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴾ [الصافات: 16 - 17] في قراءة من أسكن الواو من (أو)[11]؛ حيث تعدّ الآية على هذه القراءة - كما يرى الخليل بن أحمد[12] - من الشواهد القاطعة على تحول (أو) إلى معنى الواو؛ وذلك من جهة ما يدل عليه المعنى في الآية من ضرورة تسلط الاستفهام على كل من المعطوف والمعطوف عليه معاً؛ إذ هذا هو مناط القدرة الإلهية من جهة، وموضع زيادة الاستبعاد من قبل هؤلاء المنكرين من جهة أخرى؛ بدليل القراءة المشهورة للآية بالواو عند الجمهور. كما يقرب من ذلك أيضاً ما يراه بعضهم[13] في قوله تعالى: ﴿ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴾ [المرسلات: 5 - 6] من أن المعنى القريب للآية هو على تقدير: عذراً ونذراً؛ لأن الذكر الملقَى أو الموحَى به إنما هو لأجل الإعذار والإنذار معاً، وليس مقصوراً على أحدهما فقط، دون الآخر[14]. ولعل ما يرجح أنها بمعنى الواو ويقويه ما حُكِي من قراءة إبراهيم التيمي وقتادة للآية بالواو مكان (أو)[15].
ومن الثاني - وهو عطف المرادف أو المؤكّد - قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: 182]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 112]، فالراجح هنا - كما يرى ابن مالك وغيره[16] - أن (أو) في هذه الآيات ونحوها بمعنى الواو؛ لأن الإثم هو الجَنَف؛ ولأن ظلم النفس هو من عمل السوء، وكذلك الإثم فهو الخطيئة ذاتها، فلما كانت (أو) مبنية في الأصل على عدم التشريك من جهة، وكان كل من المعطوف والمعطوف عليه بمعنى واحد من جهة ثانية، وكان من المقرر لدى النحاة - من جهة ثالثة - أن عطف الشيء على مرادفه إنما هو من خصائص الواو التي تنفرد بها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86]، وكذلك قوله تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48] - ترجَّح لأجل كل هذا أن تكون (أو) بمعنى الواو في هذه المواضع.
ومن الثالث - وهو ما تقع فيه (أو) بعد النفي وشبهه - قوله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 24]؛ حيث يرى كثير من النحاة والمفسرين ان (أو) إذا وقعت بعد النفي وشبهه صارت في معنى الواو[17]، وصار الحكم المتعلق بطرفيها متسلّطاً على كلّ واحد منهما، وانصرف إلى كلّ من المعطوف والمعطوف عليه، سواء على سبيل الإفراد أو المعية والمصاحبة، ولمّا كان كل ذلك مراداً في الآية الكريمة ومقصوداً؛ إذ لا يعقل غيره - عُدِل عن الواو إلى (أو)؛ منعاً لتوهم تعليق النفي بالمجموع، لا بكل واحد، أو توهم اقتصاره على الجمع والمصاحبة بين المتعاطفين، دون الإفراد، قال الزركشي: "وإنما دُكِرت (أو) لئلا يتوهم أن النهي عن طاعة من اجتمع فيه الوصفان[18]. فالواقع أن استعمال (أو) في الآية هو أقوى في المعنى وأبلغ في الدلالة على المراد من الواو؛ لأنها تدل على ما تدل عليه الواو وتزيد في أنها تدفع ما قد تحتمله الواو في مثل هذا الموضع ويتنافى مع المعنى المراد في الآية، وهو احتمال تسلط النفي - فقط - على المعية والمصاحبة بين المتعاطفين؛ لأن من المقرر لدى محققي النحاة أن الواو بعد النفي وشبهه لا تكون نصاً في الدلالة على نفي كل واحد من المتعاطفين؛ إذ قد تحتمل أن يكون النفي متسلطاً على أحدهما دون الآخر، وذلك من جهة أنها تحتمل تسلط النفي على المعية أو المصاحبة فقط دون غيرها، أي: تعلقه بالمجموع، لا بكل واحد[19].".
ولمزيد من الرّد وبيان فهم د. نوفل الخاطئ لمعاني "أو"؛ فإنّ معاني "أو" في مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري هي ([66]): 1- الشّكّ، 2- الإبهام، 3- التخيير، 4- الإباحة، 5- الجمع المطلق كحرف الواو، 6- الإضراب، 7- التقسيم، 8- بمعنى إلاّ في الإستثناء، 9- بمعنى إلى، 10- التقريب، 11- الشّرطيّة، 12- التبعيض. وبالتالي، فإنّ ما ذهب إليه د. نوفل ليس من العربية في شيءٍ واللّهُ أعلمُ. إنّ معنى "أو" الذي يقول به د. نوفل شبه جديد! إلاّ إذا كان يقصد المعنى السّادس (الإضراب)، فهو يفيد العكس تماماً؛ أي النسخ مضرب عنه (يعني غير وارد) والنسيان (وارد)!
سؤال للدكتور نوفل: أين تفسيرك المظنون لمعاني الحرف "أو" من هذا القول المحكم المضمون؟!
وفيما يلي المزيد في مناقشة الآية الكريمة (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا)؛ أنسخه من موقع إسلام ويب ([67]) ([68]): وقوله تعالى: (أَوْ نُنْسِهَا) فقرئ على وجهين: " ننسأها وننسها ". فأما من قرأها: " ننسأها " بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه: نؤخرها. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننسئها) يقول: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها.
وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: (أَوْ ننسئها) نثبت خطها ونبدل حكمها. وقال عبيد بن عمير، ومجاهد، وعطاء: (أَوْ ننسئها) نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي: (أَوْ ننسئها) نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي مثله أيضا، وكذا [ قال ] الربيع بن أنس. وقال الضحاك: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننسئها) يعني: الناسخ من المنسوخ. وقال أبو العالية: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننسئها ) أي: نؤخرها عندنا .
وقال ابن حاتم: حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل يعني ابن مسلم عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خطبنا عمر، رضي الله عنه، فقال: يقول الله عز وجل: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) أي: نؤخرها.
وأما على قراءة: (أَوْ نُنْسِهَا) فقال عبد الرزاق، عن قتادة في قوله: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) قال: كان الله تعالى ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير: حدثنا سواد بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: (أَوْ نُنسِهَا) قال: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآنا ثم نسيه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج يعني الجزري عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله، عز وجل: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)
قال أبو حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جزري. وقال عبيد بن عمير: (أَوْ نُنسِهَا) نرفعها من عندكم. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: " مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ تنسها " قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرأ: " أَوْ تنسها ". قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله، جل ثناؤه: ((سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ) ( الأعلى: 6)، (واذكر ربك إذا نسيت) ( الكهف: 24 ) . ([69]).
وكذا رواه عبد الرزاق، عن هشيم وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، به. وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن محمد بن كعب، وقتادة وعكرمة، نحو قول سعيد.
وقال الإمام أحمد: أخبرنا يحيى، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: علي أقضانا، وأبي أقرؤنا، وإنا لندع بعض ما يقول أبي، وأبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فلن أدعه لشيء. والله يقول: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا). ([70]).
قال البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي، وذلك أن أبيا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا). وقوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا) يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
وقال أبو العالية: ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) فلا نعمل بها، ( أو ننسأها ) أي: نرجئها عندنا، نأت بها أو نظيرها.
وقال السدي: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه. وقال قتادة: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي .). وقال الشوكاني عند قوله تعالى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا): نأت بما هو أنفع للناس منها في العاجل والآجل، أو في أحدهما، أو بما هو مماثل لها من غير زيادة.
والله تعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض...علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم، وعلم بجانب هذا أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطا بحكمة وبمصلحة أخرى. ولا ريب أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس، وتتجدد بتجدد ظروفهم وأحوالهم.
ثم التعارض الذي يكون بين الآيات الناسخة والمنسوخة لا يسمى تعارضا؛ لأن التعارض إنما يكون لو كان كل من الناسخ والمنسوخ مأمورا بفعله. أما وقد علم أن هذا قد انتهى العمل به منذ نزول ذلك، فلا تعارض إذاً.
وأما قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ) (الأعلى 6)، فقد جاء بعدها قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ) (الأعلى 7). قال بعض أهل التفسير: أي إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه. وفي تفسير قوله تعالى (واذكر ربك إذا نسيت) (الكهف: 24)، يقول الطبري: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره، لأن أحد معاني النسيان في كلام العرب الترك.
وللمزيد أنظر: شبهات د. أحمد نوفل حول نسخ التلاوة عرضًا ونقدًا تأليف د. عليوي بن عبداالله الشمراني
إنكار حدّ الرجم
على قناة حياة FM يصرح برفضه حدّ الرجم على الزاني المحصن، ويتكرّر هذا كثيراً، ومراراً وبإصرار! ويعود لعرضه حديثاً ([71])؛ وبلا حجّة ومتجاهلاً لأنواع النسخ، أو جاهلاً بها!
الرد عليه: "اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أن آية الرجم كانت إحدى الآيات القرآنية المنزلة من عند الله تعالى، وأن الصحابة كانوا يعدونها آية من القرآن قرؤوها وعقلوها ووعوها ولم يؤمروا بكتابتها في المصحف. ثم نُسِخَ لفظ هذه الآية وبقي حكمها؛ وهو حكم الرجم. وأن النسخ لا يكون إلا بأمر الله تعالى وحكمه، وقد ثبث حكم حد الرجم بأدلة مستفيضة، وشواهد متعددة، ومنها حديث: عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: " قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَهو جَالِسٌ علَى مِنْبَرِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ اللَّهَ قدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عليه الكِتَابَ، فَكانَ ممَّا أُنْزِلَ عليه آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فأخْشَى إنْ طَالَ بالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ فَيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وإنَّ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ حَقٌّ علَى مَن زَنَى إذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كانَ الحَبَلُ، أَوِ الاعْتِرَافُ.) (رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 1691، صحيح.) ([72]). وجاء في شرح صحيح البخاري أن الخوارج وبعض المعتزلة أنكروا حد الرجم بحجة أنه لا يوجد في القرآن ما يدل على الرجم، ومن لازم هذا أنهم لم يحتجوا بالأحاديث النبوية، ولا بأقوال الصحابة.
وأقول: إنّه يكون قد تأسّى بالخوارج والمعتزلة من ينكر حدّ الرجم بحجة أنه لا يوجد في القرآن ما يدل على الرجم، ومن لازم هذا أنه لا يحتجّ بالأحاديث النبوية؛ بل ويهزأ بها أحياناً!
قَالَ الله تَعَالَى في حقّ اليهود: ﴿...وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ...) (البقرة 61). (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران 112)
من أسباب الذّلة والغضب على اليهود:
يقول البغوي: "(ذَلِكَ) أي الغضب. (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ): بصفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، وآية الرجم في التوراة، ويكفرون بالإنجيل والقرآن."
وأقول: آية الرجم عندنا في القرآن نسخت تلاوةً وبقيت حكماً، والذي ينكر حدّ الرجم على الزاني المحصن يكون قد اقتدى باليهود الذين أنكروا آية الرجم في التوراة.
وللمزيد أنظر الموضوع:
- حدّ الرجم للزاني المحصن ونبوءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ([73]).
جمع وترتيب: أ.د. حسين العمري، د. سائد الضمور
2) ينفي د. أحمد نوفل أن يكون المراد بالحكمة هو السنة
الآية الكريمة: (... وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). ينفي د. أحمد نوفل أن يكون المراد بالحكمة هو السنة ([74])؛ وذلك في معرض اللمز لبعض الأحاديث والتي منها حديث الشفاعة! وحديث نفي الشكّ عن إبراهيم!
الرّد على د. نوفل:
الآية الكريمة: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًاۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: 231)
قوله تعالى: واذكروا نعمة الله عليكم أي بالإسلام وبيان الأحكام. (وَالْحِكْمَةِ): هي السنة المبينة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد الله فيما لم يُنصّ عليه في الكتاب (القرطبي، ابن كثير، الطبري).
(وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ) أي: السنة (يَعِظُكُم بِهِ) أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم (ابن كثير).
و " الْحِكْمَةِ"، يعني: وما أنـزل عليكم من الحكمة، وهي السنن التي علمكموها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنها لكم (الطبري).
الحكمة تلازم الوحي والنبوة والسّنّة:
(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (البقرة: 129)
يقول الطبري: الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى: } وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ {. وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ الْقُرْآن. وَقَدْ بَيَّنْت فِيمَا مَضَى لِمَ سُمِّيَ الْقُرْآن كِتَابًا وَمَا تَأْوِيله. وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ: 1713 - حَدَّثَنِي يُونُس قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب، قَالَ: قَالَ ابْن زَيْد: }وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ{ الْقُرْآن. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْحِكْمَة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع، فَقَالَ بَعْضهمْ: هِيَ السُّنَّة. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ: 1714 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ، قَالَ: ثنا يَزِيد، قَالَ: ثنا سَعِيد، عَنْ قَتَادَة، وَالْحِكْمَة: أَيْ السُّنَّة. وَقَالَ بَعْضهمْ: الْحِكْمَة هِيَ الْمَعْرِفَة بِالدِّينِ وَالْفِقْه فِيهِ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ: 1715 - حَدَّثَنِي يُونُس، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب، قَالَ: قُلْت لِمَالِكِ: مَا الْحِكْمَة؟ قَالَ: الْمَعْرِفَة بِالدِّينِ، وَالْفِقْه فِي الدِّين، وَالِاتِّبَاع لَهُ. 1716 - حَدَّثَنِي يُونُس، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب، قَالَ: قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله: }وَالْحِكْمَة{ قَالَ: الْحِكْمَة: الدِّين الَّذِي لَا يَعْرِفُونَهُ إلَّا بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمهُمْ إيَّاهَا. قَالَ: وَالْحِكْمَة: الْعَقْل فِي الدِّين؛ وَقَرَأَ: }وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا {. 2 269 وَقَالَ لِعِيسَى: }وَيُعَلِّمهُ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَالتَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل {. 3 48 قَالَ: وَقَرَأَ ابْن زَيْد: }وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا {. 7 175 قَالَ: لَمْ يَنْتَفِع بِالْآيَاتِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَعَهَا حِكْمَة. قَالَ: وَالْحِكْمَة شَيْء يَجْعَلهُ اللَّه فِي الْقَلْب يُنَوِّر لَهُ بِهِ. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا فِي الْحِكْمَة، أَنَّهَا الْعِلْم بِأَحْكَامِ اللَّه الَّتِي لَا يُدْرَك عِلْمهَا إلَّا بِبَيَانِ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَعْرِفَة بِهَا، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ نَظَائِره. وَهُوَ عِنْدِي مَأْخُوذ مِنْ " الْحُكْم " الَّذِي بِمَعْنَى الْفَصْل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل بِمَنْزِلَةِ " الْجِلْسَة وَالْقَعْدَة " مِنْ " الْجُلُوس وَالْقُعُود "، يُقَال مِنْهُ: إنَّ فُلَانًا لَحَكِيم بَيِّن الْحِكْمَة، يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لَبَيِّن الْإِصَابَة فِي الْقَوْل وَالْفِعْل. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيل، الْآيَة: رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتك، وَيُعَلِّمهُمْ كِتَابك الَّذِي تُنَزِّلهُ عَلَيْهِمْ، وَفَصْل قَضَائِك، وَأَحْكَامك الَّتِي تُعَلِّمهُ إيَّاهَا. (الطبري).
الآية الكريمة: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (البقرة 269)
يقول البغوي:
قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ) قال السدي: هي النبوة وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه، وأمثاله وقال الضحاك: القرآن والفهم فيه وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن حتى يتعلموهن ولا تكونوا كأهل نهروان تأولوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنما أنزلت في أهل الكتاب جهلوا علمها فسفكوا بها الدماء وانتهبوا الأموال وشهدوا علينا بالضلالة فعليكم بعلم القرآن فإنه من علم فيم أنزل الله لم يختلف في شيء منه .
وهذا المعنى للحكمة يعيدنا إلى أقوال د. نوفل بأنّ كل آيات القرآن محكمة! وليس في القرآن آيات متشابهات! كما ويذكّرنا بقوله أنّ الآيات المنسوخة في القرآن ليست سوى حوالي ثلاث آيات! بل وله المقولة: (ما فيه مشكلة إذا أنا لا أومن بالنسخ)!
هذا وإنّ الآيات في كتاب الله التي تذكر الحكمة عشرون آية؛ ويمكن مراجعتها في كتاب الله وفي كتب التفاسير. وأكتفي هنا بالإشارة لبعضها:
يقول تعالى مخبراً عن عيسى عليه السلام: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ) (آل عمران 48). يقول الطبري:"والحكمة، وهي السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب". وفي تفسير السعدي: " والمراد بالحكمة - في هذه الآية- معرفة أسرار الشرع، ووضع الأشياء مواضعها ". ومن المعلوم بالضرورة، أنّ الرّسول المبلّغ عن ربّه هو المكلّف بأن يعلّم الناس الشرع وأسراره.
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) (آل عمران 164).
تفسير الطبري:
"قال أبو جعفر: "... (ويعلمهم الكتاب والحكمة)، يعني: ويعلمهم كتاب الله الذي أنـزله عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه (والحكمة)، ويعني بالحكمة، السُّنةَ التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيانَه لهم. (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، يعني: وإن كانوا من قبل أن يمنّ الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته (لفي ضلال مبين )، يقول: في جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقًّا، ولا يبطلون باطلا."
(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) (النساء 54)
يقول البغوي: أراد بآل إبراهيم: داود وسليمان، وبالكتاب: ما أنزل الله عليهم وبالحكمة النبوة
يقول ابن كثير: أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل - الذين هم من ذرية إبراهيم - النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب، وحكموا فيهم بالسنن - وهي الحكمة –
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء 113)
تفسير البغوي: قوله تعالى: (وأنزل الله عليك الكتاب) يعني: القرآن، (والحكمة) يعني: القضاء بالوحي (وعلمك ما لم تكن تعلم) من الأحكام، وقيل: من علم الغيب، (وكان فضل الله عليك عظيما) .
القرطبي: والحكمة القضاء بالوحي
يقول ابن كثير: وما أنزل عليه من الكتاب، وهو القرآن، والحكمة، وهي السنة
تفسير السعدي: والحكمة: إما السُّنَّة التي قد قال فيها بعض السلف: إن السُّنَّة تنزل عليه كما ينزل القرآن. وإما معرفة أسرار الشريعة الزائدة على معرفة أحكامها، وتنزيل الأشياء منازلها وترتيب كل شيء بحسبه. }وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ { وهذا يشمل جميع ما علمه الله تعالى. فإنه صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله قبل النبوة بقوله: { مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ } { وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى } ثم لم يزل يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله حتى ارتقى مقاما من العلم يتعذر وصوله على الأولين والآخرين، فكان أعلم الخلق على الإطلاق، وأجمعهم لصفات الكمال، وأكملهم فيها، ولهذا قال: { وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } ففضله على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من فضله على كل مخلوق وأجناس الفضل الذي قد فضله الله به لا يمكن استقصاؤها ولا يتيسر إحصاؤها
قوله تعالى: (ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا) (الإسراء 39).
يقول البغوي: (ذلك) الذي ذكرنا ( مما أوحى إليك ربك من الحكمة ) وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمة .
(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) (الأحزاب 34). يقول البغوي: قوله - عز وجل -: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) يعني: القرآن. (والحكمة) قال قتادة: يعني السنة وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه. وفي تفسير السعدي: (والمراد بآيات اللّه، القرآن. والحكمة، أسراره. وسنة رسوله.). وفي تفسير ابن كثير: إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة وهي السنة. يقول الطبري: " ويعني بالحكمة: ما أوحي إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من أحكام دين الله، ولم ينـزل به قرآن، وذلك السنة. ". وفي تفسير القرطبي: " قال أهل العلم بالتأويل: (آيات الله) القرآن. (والحكمة) السنة.
". وعليه فإننا نسترشد بقول أهل العلم بالتأويل، والحكمة: السنة.
وذكر العلامة فخرالدين الرّازي أنّ من أسماء القرآن ([75]) الحكمة: (حِكْمَةٌ بالِغَةٌ) (القمر: 5) (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) (الأحزاب: 34).
وقال الرّازي: "واختلفوا في معنى الحكمة، فقال الخليل: هو مأخوذ من الإحكام والإلزام، وقال المؤرخ: هو مأخوذ من حكمة اللجام، لأنها تضبط الدابة، والحكمة تمنع من السفه." ( [76]).
وعليه فإننا نسترشد بقول أهل العلم بالتأويل: "والحكمة السنة؛ ففيها الإحكام والإلزام وتمنع من السفه". وكلامُ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وحيٌ وليس عن هوىً والنبيُّ أعقل الخلق وأحكمهم، كلامُهُ ضابط مانع ملزم. وما لا نجدُ له تفسيراً في كتاب الله عزّ وجلّ، فإنّ سنّة النبي صلّى الله عليه وسلّم تشرحُهُ وتبيّنه، وهذا ماثلٌ في قوله تعالى: (... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل 44). فلزم أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم واجب التصديق، وكذا أمره واجب الـطـاعة.
ويقول سبحانه: (...وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء 113). والحكمة: إما السُّنَّة التي قد قال فيها بعض السلف: إن السُّنَّة تنزل عليه كما ينزل القرآن. وإما معرفة أسرار الشريعة الزائدة على معرفة أحكامها، وتنزيل الأشياء منازلها وترتيب كل شيء بحسبه (تفسير السعدي). ويقول ابن كثير: "والحكمة، وهي السنة".
الآية الكريمة: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل 125). يقول ابن كثير في التفسير: "يقول تعالى آمرا رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو الخلق إلى الله (بِالْحِكْمَةِ). قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة.
يقول تعالى عن داوود عليه السلام: يقول تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) ص 20).
(وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ). يقول البغوي: "يعني: النبوة والإصابة في الأمور ".
وفي تفسير ابن كثير: "وقوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) قال مجاهد: يعني: الفهم والعقل والفطنة. وقال مرة: الحكمة والعدل. وقال مرة: الصواب. وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه. وقال السدي: (الحكمة) النبوة ."
وفي تفسير الطبري:
وقوله (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني بها النبوة. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ، قوله (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ ) قال: النبوّة. وقال آخرون: عنى بها أنه علم السُّنَن. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ): أي السنة.
وفي تفسير القرطبي: قوله تعالى: وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: وآتيناه الحكمة أي النبوة، قاله السدي. مجاهد: العدل. أبو العالية: العلم بكتاب الله تعالى. قتادة: السنة. شريح: العلم والفقه.
ويقول سبحانه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة 2). يقول القرطبي: ويعلمهم الكتاب يعني القرآن. والحكمة السنة؛ قاله الحسن. ... وقال مالك بن أنس: الحكمة الفقه في الدين. “(وَالْحِكْمَةَ ) يعني بالحكمة: السنن" (تفسير الطبري). " (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) أي: علم القرآن وعلم السنة" (تفسير السعدي)
ينفي د. أحمد نوفل أن يكون المراد بالحكمة هو السنة ([77])؛ وذلك في معرض اللمز لبعض الأحاديث والتي منها حديث الشفاعة! وحديث نفي الشكّ عن إبراهيم! وأسأله: هل هنالك فهم أرقى من فهم الرسول (صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ)؟! وهل هنالك بلاغة فوق بلاغة الرسول القائل: (فُضِّلْتُ علَى الأنْبِياءِ بسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ،..)؟!. وأسأله: هل هنالك فهم أصح من فهم الرسول للقرآن؟! أليس الرسولُ هو المبلغُ عن ربّه؟ ألا يكفينا بياناً قوله تعالى: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل: 64).
يقول تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران 81).
تفسير السعدي: يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب الله المنزل، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه إن بعث الله رسولا مصدقا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان، فهم كالشيء الواحد، فعلى هذا قد علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم، فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وسلم لما قررهم تعالى { قالوا أقررنا } أي: قبلنا ما أمرتنا به على الرأس والعين { قال } الله لهم: { فاشهدوا } على أنفسكم وعلى أممكم بذلك، قال ( وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك ) العهد والميثاق المؤكد بالشهادة من الله ومن رسله.
وفي الحديث: (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قدْ جَعَلَ اللَّهُ لهنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ، والرَّجْمُ.) ([78])
(نَزَلَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} [النساء: 15]، إلى آخِرِ الآيةِ، قال: ففَعَلَ ذلك بهنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فبيْنما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ ونحن حَوله، وكان إذا نَزَلَ عليه الوَحيُ أعرَضَ عنَّا وأعرَضْنا عنه، وتَربَّدَ وَجهُه وكُرِبَ لذلك، فلمَّا رُفِعَ عنه الوَحيُ قال: خُذوا عنِّي، قُلْنا: نعمْ، يا رسولَ اللهِ، قال: قد جَعَلَ اللهُ لهنَّ سَبيلًا؛ البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِئةٍ ونَفيُ سَنةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلدُ مِئةٍ ثُمَّ الرَّجْمُ، قال الحَسنُ: فلا أدري أمِن الحديثِ هو أم لا؟ قال: فإنْ شَهِدوا ....) ([79])
وفي هذا الحديثِ بيانُ حدِّ الزَّاني إذا كانَ مُحْصَنًا أو بِكْرًا؛ ود. نوفل يعتقد بوجود حد واحد فقط هو الجلد حتى لو كان الزاني مُحْصَنًا! وحتى لو قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي. وللمزيد يمكن الرجوع للموضوع: (عمري وآخرون: حدّ الرجم للزاني المحصن ونبوءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه)
يا دكتور نوفل؛ لماذا هذا التهكم على السنّة؟! ولماذا كلّ هذا الإقصاء للسنّة؟! ولماذا الحكمة هي العقل؟! وحقّ لي أن أسأل وفي معرض الرّد من هذا الكتاب: عقلُ منْ وتعدادُ البشريّةِ اليوم يفوق ثماني مليارات نسمة؟! عقلُ منْ والقرآن يقول: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم: 32)، (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (المؤمنون: 53)، بل وأنتم تستشهدون بالآية: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) (البقرة 148)! ولو سلّمنا جدلاً بأنّ الحكمة هي العقل فأسأل د. نوفل هل هنالك عقل بشري فوق عقل الرسول المبلّغ عن ربّه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (المائدة 67)؟! أليس النبيُّ أعقل الخلق وأحكمهم كلامُهُ ضابط مانع ملزم (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي)؟ سؤال أريدك د. نوفل أن تجيب عليه، وتلتزم بمضمون الإجابة!
وفي حال لم يُسمع هذا السؤال، فلعلنا نستوحيه من عبارات أقتطعها من تفسير السعدي للآية الكريمة: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (آل عمران 101).
تفسير السعدي: " بينت الآية أنّ الكفر أقبح الأشياء وأنكرها (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ)! وذكر سبحانه وتعالى السبب الأعظم والموجب الأكبر لثبات المؤمنين على إيمانهم، وعدم تزلزلهم عن إيقانهم، فقال: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) أي: الرسول بين أظهركم يتلو عليكم آيات ربكم كل وقت، وهي الآيات البينات التي توجب القطع بموجبها والجزم بمقتضاها وعدم الشك فيما دلت عليه بوجه من الوجوه، خصوصا والمبيّنُ لها أفضل الخلق وأعلمهم وأفصحهم وأنصحهم وأرأفهم بالمؤمنين، الحريص على هداية الخلق وإرشادهم بكل طريق يقدر عليه، فصلوات الله وسلامه عليه، فلقد نصح وبلغ البلاغ المبين، فلم يبق في نفوس القائلين مقالا ولم يترك لجائل في طلب الخير مجالا، ثم أخبر أن من اعتصم به فتوكل عليه وامتنع بقوته ورحمته عن كل شر، واستعان به على كل خير ( فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) موصل له إلى غاية المرغوب، لأنه جمع بين اتباع الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله وبين الاعتصام بالله. ".
نفيه الساق والقدم وتهكّمه على البخاري
3) نفيه صفتي السّاق والقدم وتهكّمه على البخاري
الآية الكريمة: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) (القلم 42). يرد على صفحة التعريف بالدكتور أحمد نوفل: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) قراءة في آية. وسمعته أيضاً على قناة حياة FM يقول هو كناية عن الكرب والشدة.
وأقول: لا شك أن هنالك كرب وشدة؛ بدليل: (عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قرَأ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] يُريدُ القيامةَ والساعةَ لشِدَّتِها، قال: وأَنشَدني بعضُ العربِ لجَدِّ أبي طَرَفةَ: كَشَفَتْ لَهُم عن ساقِها وبَدا منَ الشَّرِّ البَراحُ.) ([80]). وأقول أيضاً أنّ الآية مفسّرة في الأحاديث الصحيحة: (يَكْشِفُ ربنا عن ساقِهِ).
ويقسم د. أحمد نوفل أنّ هذا (يَكْشِفُ ربنا عن ساقِهِ) غير صحيح ([81])! وفيما يلي بعض عبارات للدكتور نوفل: (ربط الآية بحديث قد يصح، لكنه ليس بالضرورة تفسيراً لهذه الآية: فالحديث صحيح، لكن أهو تفسير لهذه الآية؟ حديث قد يصح وقد لا يصح، لكن لا علاقة له بالآية، هذا الربط أشكل فهم الآية، مثل قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون). والدكتور نوفل يعيد ويكرّر طعنه في مجموعة من الأحاديث الصحيحة؛ فمثلا تجد نفس هذه العبارات والتي تطعن بهذه الرواية على رابط الموقع في الحاشية ([82]).
ويتابع د. أحمد نوفل قوله: (لقد كتبت حول هذه الآية حوالي 50 صفحة أناقش فيها روايات بعض الأحاديث، أرى أن الحديث الوارد في تفسيرها غير صحيح، ولئن صح فلا يصح تفسيراً للآية، فالحديث ليس له علاقة بالآية. والحديث « يَكْشِفُ ربنا عن ساقِهِ...»، نتحدث عن الأمة أولاً فنقول خذ نقطة نقد واحدة لتفسير الحديث لها. هي مكّي مبكّر، الناس وقتها لا يعرفون فهل آتي وأقول لهم سيكشف ربنا يا أهل مكة عن ساقه وهم يكفرون بربنا؟!!، إن ديننا دين منطق، فهل أقول للناس تعرفون ربنا من ساقه عندما يكشف عنها؟؟! هذا كلام غير مناسب، فكما قلنا الحديث في واد ـ ان صح ـ والآية في مكان آخر لا علاقة لها به.).
ويتابع د. أحمد نوفل قوله: (لقد ربط البخاري هذه الآية بالحديث، ولكن يحق لنا التساؤل هل البخاري معصوم؟ البخاري نِعْمَ العالم، لكنه إذا أخطأ في حديث فإنه لا يسقط من أعيننا، البخاري إمامنا ولكنه أخطأ في هذه المسألة، وذلك لا يخدش منزلته، نحن تعودنا أن نأخذ علماءنا بالتقديس لا بالتقدير، وحينها نخشى على أنفسنا من قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)، وهم شبكوا الآية مع الحديث وأنا في ظنّي أنه لا يوجد ارتباط، الآية تخاطب العرب بلسانهم وبلغتهم، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) ومعناها جدّ الجد، وما ثمّ ساق ولا قدم، وإنما هي كفاية (كناية) كما في قولهم حزمت الأمور، «شمّرت الحرب عن ساقها) وهل للحرب ساق؟. وهكذا...) ([83]). أنظر كذلك المحاضرة: ([84]).
الرّدُّ على د. أحمد نوفل: وأنا أرى وعلى طريقة د. نوفل؛ أنّ هذا الكلام للدكتور نوفل يثير الشبهات حول مصادر الشريعة التي تلقتها الأمة بالقبول؛ البخاري ومسلم! وبالتالي فإنني أوجه لشخص د. نوفل نفس العبارات التي وجهها للبخاري، فأقول: لقد نفى د. نوفل أن يكون هنالك ربط أو علاقة لهذه الآية بالحديث! ولكن يحق لنا القول أنّ د. نوفل يُفسِّرُ الآيات بمزاجه؛ هكذا هو يقول: (من عقلي، ومن راسي!). يُفسِّرُ من غيرما استرشاد بالحديث أو تفاسير السلف! وكثيراً ما يخطئُ، لكنه إذا أخطأ في تفسير فإنه لا يسقط من أعيننا؛ نعم هذه نفس عبارات د. نوفل والتي استخدمها بحقّ العالم الجليل الإمام البخاري؛ فيقول نوفل: (البخاري نِعْمَ العالم، لكنه إذا أخطأ في حديث فإنه لا يسقط من أعيننا!).
وأتساءل: أين قول د. نوفل (وما ثمّ ساق ولا قدم) من عقيدة أهل السنة والجماعة؟ّ!
ورد على موقع الإسلام سؤال وجواب ([85]) الآتي:
"من الصفات الثابتة لله عز وجل: الرِّجل أو القَدم. ودليل ذلك: ما روى البخاري (6661) ومسلم (2848) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ) .
وروى البخاري (4850) ومسلم (2847) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا ).
ولفظ مسلم: (فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا). فهذا يدل على إثبات القدم أو الرجل لله تعالى.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: " الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره " رواه ابن خزيمة في "التوحيد" (1/ 248 رقم: 154)، وابن أبي شيبة في "العرش" (61)، والدارمي في "الرد على المريسي"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة"، والحاكم في "المستدرك" (2/ 282)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "مختصر العلو" ص 102، وأحمد شاكر في "عمدة التفسير" (2/ 163)
وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: " الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل " رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة"، وابن أبي شيبة في "العرش" (60)، وابن جرير، والبيهقي، وغيرهم، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (8/ 47) والألباني في "مختصر العلو" ص 123-124
وهذان الأثران يدلان على إثبات القدمين لله تعالى، وعلى هذا درج أهل السنة. وبالتالي ليس من عقيدة أهل السنة ما يقوله نوفل: (وما ثمّ ساق ولا قدم)! وبالتالي فإنّني أرى وعلى طريقة د. نوفل: (تعوّد العوام أن يأخذوا أشباه العلماء بالتقديس لا بالتقدير، وحينها نخشى على أنفسنا من قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله). فالذي يترك صريح القرآن والأحاديث الثابتة الصحيحة لرأي سقيم فهو يعبد صاحب هذا الرأي!
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: " هذه الأحاديث التي يقول فيها: ضحك ربنا من قنوط عباده وقرْب غِيَره، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك قدمه فيها، والكرسي موضع القدمين، وهذه الأحاديث في الرواية هي عندنا حق، حملها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحدا يفسرها " رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (2/ 198)، وابن عبد البر في "التمهيد" (7/ 149)
وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (2/ 376): " الواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من اليدين والقدمين والأصابع وغيرها من الصفات الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بالله سبحانه، من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل؛ لقول الله سبحانه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، وقوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وهي حقيقة لا مجاز. وأما التنطع في إثبات ما لم يرد به الكتاب والسنة فالواجب تركه."
وإليك التناقض والاضطراب في كلام د. نوفل
- فتراه يقول الحديث صحيح وما يلبث أن يشكك في صحة الحديث! يقول متناقضاً: " ربط الآية بحديث قد يصح، لكنه ليس بالضرورة تفسيراً لهذه الآية: فالحديث صحيح، لكن أهو تفسير لهذه الآية؟ حديث قد يصح وقد لا يصح، لكن لا علاقة له بالآية ".
- يقول د. نوفل: "لقد ربط البخاري هذه الآية بالحديث ... لكن لا علاقة له بالآية"!!. وأقول متن الحديث ونصه الصريح الواضح هو الذي يربط الحديث بالآية وليس البخاري! إلا إذا كان د. نوفل يريد التلميح إلى أنّ البخاري غيّر متن الحديث ليربطه بالآية!
- تعلم الأمة المسلمة أنّ أي عالم من العلماء المحدثين لم ولن يقدم الخدمة التي قدمها البخاري للشريعة ولهذا الدين؛ كما وأنه مغبون من يترك رأي البخاري لرأي شخص يُفسّرُ القرآنَ الكريمَ بمزاجهِ ومن غيرما حجة أو برهان!؛ وذلك لقوله: (من عقلي، ومن راسي!). مغبون من يترك التفسير بالمأثور ليأخذ التفسير ممن يقول برأيه في القرآن، ويصرّ على إقصاء السنّة! فيقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([86]). ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([87]). بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([88]).
أسأل الله تعالى للدكتور نوفل أن يجلي من قلبه وصدره هذه المواقف المعادية لأحاديث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.
الحديث في صحيح البخاري: (يَكْشِفُ رَبُّنا عن ساقِهِ، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا.) ([89])
هذا الحديث بكل طرقه موضوعه رؤية المؤمنين لرَبّهم يَومَ القِيَامَةِ. وبالتال لماذا يستنكره د. نوفل؟! وهل يمكن للمؤمنين أن يروا ربهم إلا إذا كشف عن ذاته سبحانه؟! وفي الحديث:
- (أنَّ حَبرًا من اليهودِ سأل النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: أيُّ البقاعِ خيرٌ؟ فسكتَ عنهُ، وقال: أسكُتُ، حتَّى يجيءَ جبريلُ، فسكَت، ثمَّ جاء جبريلُ، فسألَه؟ فقال: “ما المَسؤولُ عنها بأعلَمَ من السَّائلِ، ولكن أسألُ ربِّي تبارك وتعالى؛ ثمَّ قال جبريلُ: يا مُحمَّدُ! إنِّي دَنوتُ من اللهِ دنُوًّا ما دَنوتُ مثلَه قطُّ؛ قال: كيفَ كان يا جبريلُ ؟، قال: كان بَيني وبينَه سَبعونَ ألفَ حِجابٍ مِن نورٍ، فقال: شرُّ البقاعِ أسواقُها، وخيرُ البقاعِ مَساجدُها) (.[90])
سؤال أوجهه للدكتور نوفل: إذا كان جبريل عليه السلام، وبعد أن دنى من ربّه غاية الدنوّ لم يستطع رؤية الله: (كيفَ كان يا جبريلُ ؟، قال: كان بَيني وبينَه سَبعونَ ألفَ حِجابٍ مِن نورٍ). فكيف نستطيع نحن البشر رؤية ساق الرحمن إذا لم يكشف حجب النور عن ذاته سبحانه وتعالى؟!
شرح الحديث
قُلْنَا يا رَسولَ اللَّهِ هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ: هلْ تُضَارُونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إذَا كَانَتْ صَحْوًا؟، قُلْنَا: لَا، قالَ: فإنَّكُمْ لا تُضَارُونَ في رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَومَئذٍ، إلَّا كما تُضَارُونَ في رُؤْيَتِهِما ثُمَّ قالَ: يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إلى ما كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أصْحَابُ الصَّلِيبِ مع صَلِيبِهِمْ، وأَصْحَابُ الأوْثَانِ مع أوْثَانِهِمْ، وأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مع آلِهَتِهِمْ، حتَّى يَبْقَى مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، مِن بَرٍّ أوْ فَاجِرٍ، وغُبَّرَاتٌ مِن أهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأنَّهَا سَرَابٌ، فيُقَالُ لِلْيَهُودِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ ولَا ولَدٌ، فَما تُرِيدُونَ؟ قالوا: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنَا، فيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ في جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فيَقولونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ، ولَا ولَدٌ، فَما تُرِيدُونَ؟ فيَقولونَ: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنَا، فيُقَالُ: اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ في جَهَنَّمَ، حتَّى يَبْقَى مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِن بَرٍّ أوْ فَاجِرٍ، فيُقَالُ لهمْ: ما يَحْبِسُكُمْ وقدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فيَقولونَ: فَارَقْنَاهُمْ، ونَحْنُ أحْوَجُ مِنَّا إلَيْهِ اليَومَ، وإنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بما كَانُوا يَعْبُدُونَ، وإنَّما نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، قالَ: فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ في صُورَةٍ غيرِ صُورَتِهِ الَّتي رَأَوْهُ فِيهَا أوَّلَ مَرَّةٍ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا، فلا يُكَلِّمُهُ إلَّا الأنْبِيَاءُ، فيَقولُ: هلْ بيْنَكُمْ وبيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فيَقولونَ: السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عن سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ، ويَبْقَى مَن كانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْما يَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بالجَسْرِ فيُجْعَلُ بيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، قُلْنَا: يا رَسولَ اللَّهِ، وما الجَسْرُ؟ قالَ: مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خَطَاطِيفُ وكَلَالِيبُ، وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وكَالْبَرْقِ وكَالرِّيحِ، وكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ والرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، ونَاجٍ مَخْدُوشٌ، ومَكْدُوسٌ في نَارِ جَهَنَّمَ، حتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا، فَما أنتُمْ بأَشَدَّ لي مُنَاشَدَةً في الحَقِّ، قدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ المُؤْمِنِ يَومَئذٍ لِلْجَبَّارِ، وإذَا رَأَوْا أنَّهُمْ قدْ نَجَوْا، في إخْوَانِهِمْ، يقولونَ: رَبَّنَا إخْوَانُنَا، كَانُوا يُصَلُّونَ معنَا، ويَصُومُونَ معنَا، ويَعْمَلُونَ معنَا، فيَقولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا، فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ دِينَارٍ مِن إيمَانٍ فأخْرِجُوهُ، ويُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ علَى النَّارِ، فَيَأْتُونَهُمْ وبَعْضُهُمْ قدْ غَابَ في النَّارِ إلى قَدَمِهِ، وإلَى أنْصَافِ سَاقَيْهِ، فيُخْرِجُونَ مَن عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فيَقولُ: اذْهَبُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ نِصْفِ دِينَارٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ مَن عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فيَقولُ: اذْهَبُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن إيمَانٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ مَن عَرَفُوا قالَ أبو سَعِيدٍ: فإنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَؤُوا: {إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء: 40]، فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ والمَلَائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، فيَقولُ الجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فيُخْرِجُ أقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا، فيُلْقَوْنَ في نَهَرٍ بأَفْوَاهِ الجَنَّةِ، يُقَالُ له: مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ في حَافَتَيْهِ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، قدْ رَأَيْتُمُوهَا إلى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، وإلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَما كانَ إلى الشَّمْسِ منها كانَ أخْضَرَ، وما كانَ منها إلى الظِّلِّ كانَ أبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فيُجْعَلُ في رِقَابِهِمُ الخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فيَقولُ أهْلُ الجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، ولَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فيُقَالُ لهمْ: لَكُمْ ما رَأَيْتُمْ ومِثْلَهُ معهُ.) ([91])
(إذا خلُص المؤمنون من النَّارِ وأمِنوا، ف [والَّذي نفسي بيدِه] ما مجادَلةُ أحدِكم لصاحبِه في الحقِّ يكونُ له في الدُّنيا بأشدَّ من مجادلةِ المؤمنين لربَّهم في إخوانِهم الَّذين أُدخِلوا النَّارَ. قال: يقولون: ربَّنا! إخوانُنا كانوا يُصلُّون معنا، ويصومون معنا، ويحُجُّون معنا، [ ويجاهدون معنا ]، فأدخلتهم النَّارَ ! قال: فيقولُ: اذهبوا، فأخرِجوا من عرفتم منهم. فيأتونهم؛ فيعرِفونهم بصوَرِهم، لا تأكُلُ النَّارُ صورَهم، [ لم تغْشَ الوجهَ ] فمنهم من أخذته النَّارُ إلى أنصافِ ساقَيْه، ومنهم من أخذته إلى كعبَيْه، [ فيُخرِجون منها بشَرًا كثيرًا ] فيقولون: ربَّنا ! قد أخرجنا من أمرتَنا. قال: ثمَّ [ يعودون فيتكلَّمون ف ] يقولُ: أخرِجوا من كان في قلبِه مثقالُ دينارٍ من الإيمانِ. [ فيُخرِجون خلقًا كثيرًا ] ثمَّ [ يقولون: ربَّنا ! لم نذَرْ فيها أحدًا ممَّن أمرتَنا ثمَّ يقولُ: ارجِعوا، ف ( من كان في قلبِه وزنُ نصفِ دينارٍ ) فأخرِجوه، فيُخرِجون خلقًا كثيرًا، ثمَّ يقولون: ربَّنا لم نذَرْ فيها ممَّن أمرتَنا. .. ]. . حتَّى يقولَ: أخرِجوا من كان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ [ فيُخرِجون خَلقًا كثيرًا ] قال أبو سعيدٍ: فمن لم يُصدِّقْ بهذا الحديثِ فليقرَأْ هذه الآيةَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا قال: فيقولون: ربَّنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبقَ في النَّارِ أحدٌ فيه خيرٌ ! قال: ثمَّ يقولُ اللهُ: شفَعت الملائكةُ، وشفَعت الأنبياءُ، وشفَع المؤمنون، وبقي أرحمُ الرَّاحمين. قال: فيقبضُ قبضةً من النَّارِ _ أو قال: قبضتَيْن _ ناسًا لم يعمَلوا للهِ خيرًا قطُّ، قد احتُرِقوا حتَّى صاروا حِمَمًا. قال: فيُؤتَى بهم إلى ماءٍ يُقالُ له: ( الحياةُ ) فيُصبُّ عليهم فينبُتون كما تنبُتُ الحبَّةُ في حَميلِ السَّيلِ، [ قد رأيتموها إلى جانبِ الصَّخرةِ، وإلى جانبِ الشَّجرةِ، فما كان إلى الشَّمسِ منها كان أخضرَ، وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبيضَ ]. قال: فيخرُجون من أجسادِهم مثلُ اللُّؤلؤِ، وفي أعناقِهم الخاتمُ، ( وفي روايةٍ: الخواتمُ ) عُتَقاءُ اللهِ. قال: فيُقالُ لهم: ادخُلوا الجنَّة؛ فما تمنَّيتم ورأيتم من شيءٍ فهو لكم [ ومثلُه معه ]، [ فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: هؤلاء عُتَقاءُ الرَّحمنِ، أدخلهم الجنَّةَ بغيرِ عملٍ عمِلوه، ولا خيرٍ قدَّموه ] قال: فيقولون: ربَّنا ! أعطيْتَنا ما لم تُعطِ أحدًا من العالمين! قال: فيقولُ: فإنَّ لكم عندي أفضلَ منه! فيقولون: ربَّنا! وما أفضلُ من ذلك؟ [قال:] فيقولُ: رضائي عنكم، فلا أسخَطُ عليكم أبدًا) ([92])
وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث:
(يَجْمَعُ اللهُ الأولِينَ والآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلومٍ قِيامًا أربعينَ سَنَةً، شَاخِصَةً أَبْصارُهُمْ إلى السَّماءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضَاءِ قال: ويَنْزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العرشِ إلى الكُرْسِيِّ ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ أيُّها الناسُ أَلْم تَرْضَوْا من رَبِّكُمُ الذي خلقَكُمْ ورَزَقَكُمْ وأمرَكُمْ أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بهِ شيئًا أنْ يُوَلِّيَ كلَّ أناسٍ مِنكمْ ما كانُوا يتولونَ ويعبدونَ في الدنيا، أَليسَ ذلكَ عَدْلا من رَبِّكُمْ؟ قالوا: بلى، فَيَنْطَلِقُ كلُّ قومٍ إلى ما كانُوا يعبدونَ ويَتَوَلَّوْنَ في الدنيا، قال: فَيَنْطَلِقُونَ، ويمثلُ لهُمْ أَشْباهُ ما كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إلى الشمسِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إلى القمرِ، والأوْثَانِ مِنَ الحِجَارَةِ وأشْباهِ ما كَانُوا يَعْبُدونَ، قال: ويمثلُ لِمَنْ كان يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى، ويمثلُ لِمَنْ كان يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، ويَبْقَى محمدٌ وأُمَّتُهُ، قال: فيتمثلُ الربُّ تباركَ وتعالى، فَيأتيهِمُ فيقولُ: ما لَكُمْ لا تَنْطَلِقُونَ كما انطلقَ الناسُ؟ قال: فَيقولونَ: إِنَّ لَنا إِلَهًا ما رَأَيْناهُ ( بَعْدُ ) فيقولُ: هل تَعْرِفُونَهُ إنْ رأيتُمُوهُ؟ فَيقولونَ: إنَّ بينَنا وبينَهُ عَلامَةٌ إذا رأيناهُ، عرفناهُ، قال فيقولُ: ماهيَ؟ فَيقولونَ: يَكْشِفُ عن ساقِهِ، ( قال: ) فعندَ ذلكَ يَكْشِفُ عن ساقِهِ، فَيَخِرُّ كلُّ مَنْ كان لِظهرِهِ طَبَقٌ ساجدًّا، ويَبْقَى قومٌ ظُهورُهُمْ كَصَياصِي البَقَرِ، يُرِيدُونَ السُّجُودَ فلا يَسْتَطِيعُونَ، ( وقد كَانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهُمْ سالِمُونَ ) ثُمَّ يقولُ: ارفعُوا رؤوسَكُمْ، فَيَرْفَعُونَ روؤسَهُمْ، فِيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ على قدرِ أَعْمالِهِمْ، فمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مثل الجَبَلِ العَظِيمِ، يَسْعَى بين أيديهِمْ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نورَهُ أَصْغَرَ من ذلكَ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى مثلَ النخلةِ بِيَمِينِهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى أَصْغَرَ من ذلكَ حتى يَكُونَ آخِرُهُمْ رجلًا يُعْطَى نُورَهُ على إِبْهامِ قَدَمِهِ، يُضِيءُ مرةً، ويطفأُ مرةً، فإذا أَضَاءَ قَدَمَهُ قدمٌ ( ومَشَى ) وإذا طُفِىءَ قامَ، قال: والربُّ تباركَ وتعالى أَمامَهُمْ حتى يَمُرَّ بِهَمْ إلى النارِ فَيَبْقَى أَثَرُهُ كَحَدِّ السَّيْفِ ( دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ) قال: فيقولُ: مُرُّوا، فَيَمُرُّونَ على قدرِ نُورِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كطرفةِ العَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالبَرْقِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كالسَّحابِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الكوكبِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الفَرَسِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرجلِ، حتى يَمُرُّ الذي يُعطَى نورَهُ على ظهرِ ( إبهِامِ ) قَدَمِهِ يَحْبُو على وجهِهِ ويديْهِ ورِجْلَيْهِ، تخرُّ يدٌ وتعلقُ يدٌ، وتخرُّ رجلٌ، وتعلقُ رجلٌ، وتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النارُ فلا يزالُ كَذلكَ حتى يَخْلُصَ فإذا خَلَصَ وقَفَ عليْها فقال: الحمدُ للهِ الذي أَعْطَانِي ما لمْ يُعْطِ أحدًا، إذْ أنجانِي مِنْها بعدَ إذْ رأيْتُها قال: فَيُنْطَلَقُ بهِ إلى غَدِيرٍ عندَ بابِ الجنةِ فَيَغْتَسِلُ، فَيَعُودُ إليهِ رِيحُ أهلِ الجنةِ وأَلْوَانُهُمْ، فيَرَى ما في الجنةِ من خِلالِ البابِ، فيقولُ: رَبِّ أَدْخِلْنِي الجنةَ فيقولُ اللهُ (لهُ): أَتَسْأَلُ الجنةَ وقد نَجَّيْتُكَ مِنَ النارِ؟ فيقولُ: رَبِّ اجعلْ بَيْنِي وبينَها حِجابًا حتى لا أَسْمَعُ حَسِيسَها قال: فَيدخلُ الجنةَ، ويَرَى أوْ يُرْفَعُ لهُ مَنْزِلٌ أَمامَ ذلكَ كأنَّ ما هو فيهِ بالنسبةِ إليهِ حُلْمٌ، فيقولُ: رَبِّ! أعطِنِي ذلكَ المَنْزِلَ فيقولُ (لهُ) لَعَلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَ تَسْأَلُ غيرَهُ؟ فيقولُ لا وعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غيرَهُ، وأنَّى مَنْزِلٌ أحسنُ مِنْهُ؟ فَيُعْطَاهُ، فَيَنْزِلُهُ، ويَرَى أَمامَ ذلكَ مَنْزِلًا، كأنَّ ما هو فيهِ بالنسبةِ إليهِ حُلْمٌ قال: رَبِّ أعطِنِي ذلكَ المَنْزِلَ فيقولُ اللهُ تباركَ وتعالى لهُ: لَعَلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَ تَسْأَلُ غيرَهُ؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ (لا أسألُكَ) وأنَّى منَزَلٌ أحسنُ مِنْهُ؟ فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ، ثُمَّ يسكتُ فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرهُ: ما لكَ لا تَسْأَلُ؟ فيقولُ: رَبِّ! قد سَأَلْتُكَ حتى اسْتَحْيَيْتُكَ، (أَقْسَمْتُ لكَ حتى اسْتَحْيَيْتُكَ) فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرهُ: ألمْ ترضَ أنْ أُعْطِيَكَ مثل الدنيا مُنْذُ خَلَقْتُها إلى يومِ أَفْنَيْتُها وعشرَةَ أَضْعَافِهِ؟ فيقولُ: أتهزأُ بي وأنتَ رَبُّ العزةِ؟ (فَيَضْحَكُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ من قولِهِ قال: فَرأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ إذا بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحَدِيثِ ضَحِكَ، فقال لهُ رجلٌ: يا أبا عَبْدِ الرحمنِ! قد سَمِعْتُكَ تُحَدِّثُ بهِذا الحَدِيثِ مِرَارًا، كلَّما بَلَغْتَ هذا المكانَ ضَحِكْتَ؟ فقال: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ يُحَدِّثُ هذا الحديثَ مِرَارًا كلَّما بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحَدِيثِ ضَحِكَ حتى تبدُو أضراسَهُ)، قال: فيقولُ الرَّبُّ جلَّ ذكرهُ: لا، ولَكِنِّي على ذلكَ قادِرٌ، فيقولُ: أَلْحِقْنِي بِالناسِ، فيقولُ: الحَقْ بِالناسِ. فَيَنْطَلِقُ يرملُ في الجنةِ، حتى إذا دَنا مِنَ الناسِ رُفِعَ لهُ قَصْرٌ من دُرَّةٍ، فَيَخِرُّ ساجِدًا، فيقولُ لهُ: ارفعْ رأسَكَ مالكَ؟ فيقولُ: رأيْتُ ربِّي أوْ تَرَاءَى لي ربِّي، فيقالُ إِنَّما هو مَنْزِلٌ من مَنازِلِكَ قال ثُمَّ يَلْقَى رجلًا فَيَتَهَيَّأُ للسجودِ لهُ فيقالُ لهُ: مَهْ! فيقولُ: رأيْتُ أنَّكَ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ، فيقولُ: إِنَّما أنا خَازِنٌ من خُزَّانِكَ، وعَبْدٌ من عَبيدِكَ، تَحْتَ يَدَيَّ أَلْفُ قَهْرَمانٍ على ( مثل ) ما أنا عليهِ قال: فَيَنْطَلِقُ أَمامَهُ حتى يَفْتَحَ لهُ بابَ القصرِ، قال وهوَ من دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ شقائقُها وأبوابُها وإغْلاقُها ومَفَاتِيحُها مِنْها، تَسْتَقْبِلُهُ جَوْهَرَةٌ خَضْرَاءُ مُبَطَّنَةٌ بِحمراءَ فيها سبعونَ بابًا، كلُّ بابٍ يُقضِي إلى جوهرةٍ خضراءُ، مبطنةٍ كلُّ جوهرةٍ تُفضِي إلى جَوْهَرَةٍ على غَيْرِ لَوْنِ الأُخْرَى، في كلِّ جَوْهَرَةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووَصائِفُ، أَدْناهُنَّ حَوْرَاءُ عَيْناءُ، عليْها سبعونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ ساقِها من ورَاءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرْآتُهُ، وكَبِدُهُ مِرْآتُها إذا أَعْرَضَ عَنْها إِعْرَاضَةً ازْدَادَتْ في عَيْنِهِ سبعينَ ضِعْفًا عَمَّا كانَتْ قبلَ ذلكَ فيقولُ لها: واللهِ لَقَدِ ازْدَدْتِ في عَيْنِي سبعينَ ضِعْفًا عما كُنْتِ قبلَ ذلكَ، وتَقُولَ لهُ وأنت ( واللهِ ) لقد ازددت في عيني سبعينَ ضعفا فيقالُ لهُ: أشرف، أشرف. فيشرف، فيقالُ لهُ: ملكُكَ مسيرةُ مِئةِ عامٍ، يُنْفِذُهُ بَصَرُكَ قال: فقال لهُ عمرُ: ألا تسمَعُ ما يحَدَّثُنا ابنُ أمِّ عبدٍ يا كعبُ عن أَدْنَى أهلِ الجنةِ منزلًا، فكَيْفَ أعلاهُمْ؟ قال: يا أَمِيرَ المؤمنينَ مالا عينٌ رأَتْ ولا أذنٌ سمَعَتْ، فذكرَ الحَدِيثَ) ([93]).
(يَجمَعُ اللهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ، قيامًا أربعين سَنَةً، شاخِصَةً أبصارُهم إلى السَّماءِ، ينتَظِرون فصلَ القضاءِ، قال: ويَنزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ من الغَمامِ من العَرشِ إلى الكُرسيِّ، ثم يُنادي مُنادٍ: أيُّها الناسُ، أَلَمْ تَرضَوْا من ربِّكُم الذي خَلَقَكم ورَزَقَكم وأَمَرَكم أنْ تَعبُدوه، ولا تُشرِكوا به شيئًا أن يُولِّيَ كُلَّ ناسٍ منكم ما كانوا يتوَلَّوْنَ ويَعبُدون في الدُّنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربِّكم؟ قالوا: بلى. قال: فينطَلِقُ كُلُّ قومٍ إلى ما كانوا يَعبُدون ويتوَلَّوْنَ في الدُّنيا، فينطَلِقون ويُمثَّلُ لهم أشباهُ ما كانوا يَعبُدون، فمنهم مَن ينطَلِقُ إلى الشَّمسِ، ومنهم مَن ينطَلِقُ إلى القَمَرِ، وإلى الأوثانِ من الحِجارَةِ وأشباهِ ما كانوا يَعبُدون، قال: ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عيسى شَيطانُ عيسى، ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عُزيرًا شَيطانُ عُزيرٍ. ويَبقى مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأُمَّتُه، فيأتيهم الرَّبُّ عزَّ وجلَّ، فيقولُ: ما لكم لا تنطَلِقون كما انطَلَقَ الناسُ؟ فيقولون: إنَّ لنا إِلَهًا ما رأيْناهُ بعدُ، فيقولُ: هل تعرِفونَه إذا رأيْتُموه؟ فيقولون: إنَّ بينَنا وبينَه علامةً إنْ رأيْناها عَرَفْناها، قال: فيقولُ: ما هي؟ فيقولون: يُكشَفُ عن ساقِه، قال: فعندَ ذلك يُكشَفُ عن ساقٍ فيَخِرون له سُجَّدًا، ويَبقى قومٌ ظُهورُهم كصياصيِّ البَقَرِ، يُريدون السُّجودَ فلا يَسْتَطيعون، وقد كانوا يُدعَوْنَ إلى السُّجودِ وهم سالِمون. ثم يقولُ: ارْفَعوا رُؤُوسَكم، فيَرفَعون رُؤُوسَهم، ويُعْطيهم نُورَهم على قدْرِ أعمالِهم، فمنهم مَن يُعطى نورَه مثلَ الجَبَلِ العَظيمِ، يَسْعى بين يديْهِ، ومنهم مَن يُعطى أصغَرَ من ذلك، ومنهم مَن يُعطى نورًا مثلَ النَّخلةِ بيَمينِه، ومنهم مَن يُعطى نورَا أصغَرَ من ذلك، حتى يكونَ آخِرُهم رَجُلًا يُعطى نورَه على إبهامِ قَدَمِه يُضيءُ مرَّةً، ويُطفَأُ مرَّةً، فإذا أضاءَ قدَّم قَدَمَه فمَشى، وإذا طُفِئَ قامَ، والربُّ تَبارك وتَعالى أمامَهم حتى يمُرَّ في النارِ، فيبقى أثَرٌ كحَدِّ السَّيفِ، قال: ويقولُ: مُرُّوا، فيَمُرُّون على قدْرِ نورِهم. منهم مَن يمُرُّ كطرْفِ العَينِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالبَرقِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالسَّحابِ، ومنهم مَن يمُرُّ كانقِضاضِ الكَوكَبِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالرِّيحِ، ومنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الفَرَسِ، ومنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الرَّحْلِ، حتى يمُرَّ الذي أُعطِيَ نورَه على إبهامِ قَدَمِه يَحْبو على وجْهِه ويديْهِ ورِجْليهِ، تَخِرُّ يَدٌ وتَعلَقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رِجلٌ وتَعلَقُ رِجلٌ، وتُصيبُ جوانِبَه النارُ، فلا يزالُ كذلك حتى يَخلُصَ، فإذا خَلَصَ، وَقَفَ عليها، وقال: الحمدُ للهِ، لقد أعْطانيَ اللهُ ما لم يُعطِ أحدًا؛ إذْ نجَّاني منها بعدَ إذْ رأيْتُها. قال: فيُنطَلَقُ به إلى غَديرٍ عندَ بابِ الجَنَّةِ، فيَغْتسِلُ، فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجَنَّةِ وألْوانُهم، فيَرى ما في الجَنَّةِ من خِلالِ البابِ، فيقولُ: ربِّ أدْخِلْني الجَنَّةَ، فيقولُ اللهُ تَبارك وتَعالى له: أَتَسأَلُ الجَنَّةَ وقد نَجَّيتُكَ من النارِ؟! فيقولُ: ربِّ اجعَلْ بيني وبينها حِجابًا لا أسَمُع حَسيسَها، قال: فيدخُلُ الجَنَّةَ، قال: ويَرى -أو يُرفَعُ له- مَنزِلٌ أمامَ ذلك كأنَّما الذي هو فيه إليه حُلمٌ، فيقولُ: ربِّ أعْطِني ذلك المَنزِلَ، فيقولُ: فلعلَّك إنْ أعطيتُكَهُ تَسأَلُ غيرَه، فيقولُ: لا وعِزَّتِك لا أَسأَلُك غيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه، فيُعطاه؛ فيَنزِلَه، قال: ويَرى أمامَ ذلك مَنزِلًا آخَرَ، كأنَّما هو فيه إليه حُلمٌ، فيقولُ: أَعْطِني ذلك المَنزِلَ، فيقولُ اللهُ جلَّ جلالُه: فلعلَّك إنْ أعطيتُكَهُ تَسأَلُ غيرَه؟ قال: لا وعِزَّتِك، لا أَسأَلُ غيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه؟ قال: فيُعطى؛ فيَنزِلَه، قال: ويَرى -أو يُرفَعُ له- أمامَ ذلك مَنزِلٌ آخَرُ، كأنَّما هو فيه إليه حُلمٌ، فيقولُ: أعْطِني ذلك المَنزِلَ، فيقولُ اللهُ جلَّ جلاله: فلعلَّك إنْ أعطيتُكَ إيَّاه تَسأَلُ غيرَه؟ قال: لا وعِزَّتِك لا أَسأَلُك غيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه، قال: فيُعطاه؛ فيَنزِلَه، ثم يَسكُتُ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: مالَكَ لا تَسأَلُ؟ فيقولُ: رَبِّ، لقد سَأَلْتُك حتى استَحْيَيتُكَ، وأقْسَمْتُ لك حتى استَحْيَيتُكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أَلَا تَرضَى أنْ أُعْطيَكَ مثلَ الدُّنيا مُذْ يومِ خَلَقتُها إلى يومِ أفْنَيتُها وعَشْرةَ أضعافِه؟ فيقولُ: أتَسْتهزِئُ بي وأنتَ رَبُّ العِزَّةِ، فيضحَكُ الربُّ عزَّ وجلَّ من قولِه. قال: فرأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ إذا بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضَحِكَ، فقال له رَجُلٌ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، قد سَمِعتُكَ تُحدِّثُ هذا الحديثَ مِرارًا، كُلَّما بَلَغتَ هذا المَكانَ ضَحِكتَ، فقال: إني سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحدِّثُ هذا الحديثَ مِرارًا، كُلَّما بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضَحِكَ حتى تبدُوَ أضراسُه. قال: فيقولُ الربُّ عزَّ وجلَّ: لا: ولكني على ذلك قادِرٌ، سَلْ، فيقولُ: ألْحِقْني بالناسِ، فيقولُ: الْحَقِ بالناسِ قال: فينطَلِقُ يرمُلُ في الجَنَّةِ حتى إذا دَنا من الناسِ، رُفِعَ له قصرٌ من دُرَّةٍ، فيَخِرُّ ساجِدًا، فيُقالُ له: ارفَعْ رأسَك، ما لَك؟ فيقولُ: رأيتُ ربي، -أو تراءَى لي ربي- فيُقالُ له: إنَّما هو مَنزِلٌ من منازِلِكَ، قال: ثم يَلْقى رَجُلًا، فيتهيَّأُ للسُّجودِ، فيُقالُ له: مَهْ، ما لَك؟ فيقولُ: رأيتُ أنَّك مَلَكٌ من الملائكةِ، فيقولُ: إنَّما أنا خازِنٌ من خُزَّانِكَ، عبدٌ من عَبيدِكَ، تحتَ يديَّ ألفُ قَهْرَمانٍ على مِثلِ ما أنا عليه. قال: فينطَلِقُ أمامَه حتى يُفتَحَ له القَصرُ، قال: وهو في دُرَّةٍ مُجوَّفةٍ، سقائِفُها، وأبوابُها، وأغلاقُها، ومفاتيحُها منها، تستقبِلُه جَوهرةٌ خَضراءُ مُبطَّنةٌ بحَمراءَ، كُلُّ جَوهرةٍ تُفضي إلى جَوهرةٍ فيها سَبعون بابًا، كُلُّ بابٍ يُفضي إلى جَوهرةٍ خَضْراءَ مُبطَّنةٍ بحَمراءَ، كُلُّ جَوهرةٍ تُفضي إلى جَوهرةٍ على غيرِ لَوْنِ الأخرى، في كُلِّ جَوهرةٍ سُرُرٌ وأزْواجٌ، ووصائِفُ أدناهُنَّ حَوراءُ عَيناءُ عليها سَبعون حُلَّةً، يُرى مُخُّ ساقِها من وراءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرآتُه، وكَبِدُه مِرآتُها، إذا أعرَضَ عنها إعراضةً ازدادتْ في عَينِه سَبعينَ ضِعفًا عمَّا كانتْ قبلَ ذلك، فيقولُ لها: واللهِ لقدِ ازْدَدتِ في عَيني سَبعين ضِعفًا، وتقولُ له: واللهِ وأنتَ، لقدِ ازْدَدتَ في عَيني سَبعينَ ضِعفًا، فيُقالُ له: أشْرِفْ، قال: فيُشرِفُ، فيُقالُ له: مُلْكُكَ مَسيرةُ مِئَةِ عامٍ يَنفُذُه بَصَرُه. قال فقال عُمَرَ: أَلَا تَسمَعُ إلى ما يُحدِّثُنا ابنُ أُمِّ عبدٍ يا كعْبُ، عن أدْنى أهلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا، فكيف أعْلاهم؟ قال كعبٌ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، ما لا عينٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعتْ، إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ دارًا فيها ما شاءَ من الأزواجِ، والثَّمَراتِ، والأشرِبَةِ، ثم أطْبَقَها، فلم يَرَها أحَدٌ من خَلْقِه، لا جِبريلُ ولا غيرُهُ من الملائِكَةِ. ثُمَّ قَرَأَ كعبٌ: { فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [السجدة: 17]. قال: وخَلَقَ دُون ذلك جَنَّتينِ، فزيَّنهما بما شاءَ، وأراهما مَن شاءَ من خَلْقِه، ثم قال: مَن كان في عِليِّينَ نَزَلَ تلك الدارَ التي لم يَرَها أحدٌ، حتى إنَّ الرَّجُلَ من أهلِ عِليِّينَ؛ لَيخرُجُ فيسيرُ في مُلْكِه، فما تَبقى خَيمةٌ من خِيَمِ الجَنَّةِ إلَّا دَخَلَها من ضَوءِ وجْهِه، فيَسْتبشِرون برِيحِه، فيقولون: واهًا لهذه الرِّيحِ، هذا رَجُلٌ من أهلِ عِليِّينَ قد خَرَجَ يَسيرُ في مُلْكِه. فقال: وَيحَك يا كعبُ! هذه القُلوبُ قد استَرْسَلَتْ فاقْبِضْها، فقال كعبٌ: والذي نفْسي بيَدِه، إنَّ لجهنَّمَ يومَ القيامَةِ لَزفرَةً ما يَبقى من مَلَكٍ مُقرَّبٍ ولا نَبيٍّ مُرسَلٍ إلَّا خَرَّ لرُكْبتيهِ، حتى إنَّ إبراهيمَ خليلَ اللهِ عليه السَّلامُ يقولُ: ربِّ نَفْسي نَفْسي، حتى لو كان لكَ عَمَلُ سَبْعينَ نبيًّا إلى عَمَلِكَ لظَنَنتَ أنَّك لا تَنْجو.) ([94])
(إذا جمع اللهُ تعالى العبادَ لِصعيدٍ واحدٍ نادى مُنادٍ لِيَلْحَقْ كلُّ أمةٍ ما كانوا يعبدونَ ويبقَى المسلمونَ على حالِهِم فيأتيهِم فيقولُ: ما بالُ الناسِ ذهبوا وأنتم ها هنا فيقولونَ نَنْتَظِرُ إلَهَنا فيقولُ: فتعرفونَه فيقولونَ إذا تَعَرَّف لنا عَرَفْناه قال: فَيَكْشِفُ لهم عن ساقٍ فَيَقَعُونَ سُجَّدًا وذلك قولُه تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ{) ([95]).
وللمزيد أنظر كذلك الأحاديث في الحاشية ([96]).
بعض التفاسير:
* تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل/ الخازن (ت 725 هـ) مصنف و مدقق
يستشهد بالأحاديث السابقة، فيقول: " ... لفظ مسلم والبخاري نحوه بمعناه. فصل في شرح ألفاظ الحديث وما يتعلق به أما الرؤية وما يتعلق بها فسيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله تعالى. قوله " حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها وفي رواية أبي هريرة فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه "
قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله وغيره اعلم أن هذا الحديث من أكبر أحاديث الصفات وأعظمها وللعلماء فيه وفي أمثاله قولان: أحدهما: وهو قول معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد أن لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوقين وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم وقال الخطابي هذا الحديث تهيب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا الباب. والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله (ليس من أهل العقول الفردية) فعلى هذا المذهب يقال في قوله صلى الله عليه وسلم فيأتيهم الله أن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه ... "
* تفسير زاد المسير في علم التفسير/ ابن الجوزي (ت 597 هـ) مصنف و مدقق
وهذا اليوم هو يوم القيامة. وقد روى عكرمة عن ابن عباس: «يوم يُكْشَفُ عن ساق» قال: يُكْشَفُ عن شِدَّةٍ. ... قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إِلى معاناته والجدّ فيه، شمّر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة، هذا قول الفراء، وأبي عبيدة، واللغويين. وقد أضيف هذا الأمر إِلى الله تعالى. فروي في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " يكشف عن ساقه "، وهذا إضافة إليه، لأن الكل له وفعله. وقال أبو عمر الزاهد: يراد بها النفس، ومنه قول علي رضي الله عنه: أقاتلهم ولو تلفت ساقي، أي: نفسي. فعلى هذا يكون المعنى: يتجلّى لهم.
* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق
"...قوله تعالى: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يعني اذكر ذلك اليوم ويقال معناه إن الثواب والعقاب الذي ذكر في يوم يكشف عن ساق قال ابن عباس يعني يظهر قيام الساعة، وروى سفيان عن مغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس قال عن ساق يعني عن أمر عظيم وقال مجاهد يوم يكشف عن ساق عن بلاء عظيم وقال قتادة يكشف الأمر عن شدة الأمر { وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } قال الفقيه حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا بن منيع حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة عن علي ابن زيد عن عمارة القرشي عن أبي بردة بن أبي موسى قال حدثنا أبي قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم كيف بقيتم وقد ذهب الناس فيقولون إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا ولم نره قال أوتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال لهم وكيف تعرفونه ولم تروه قالوا لا شبه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجداً ويبقى أقوام ظهروهم مثل صياصي البقر فيريدون السجود فلا يستطيعون فيقول الله تعالى عبادي ارفعوا رؤوسكم قد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار " ..."
4) إنكار حادثة (معجزة) انشقاق القمر
الآية الكريمة: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) (القمر 2-1) .
يرفض د. أحمد نوفل تصديق حادثة (معجزة) إنشقاق القمر فيقول مثلاً: (يعني حتؤلي انشق القمر، انشق القمر، ما انشقّ القمر، والله لو اجتمعت الإنس والجنّ ما اقتنعت!) ([97]). هذا كلامه رغم ثبوت وقوع هذه المعجزة كما أوضحت الأحاديث الصحيحة التي رويت من عدة طرق. والحديث في صحيح مسلم.
يقول القرطبي: " اِقْتَرَبَتْ " أَيْ قَرُبَتْ مِثْل " أَزِفَتْ الْآزِفَة " [ النَّجْم: 57 ]. فَهِيَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا مَضَى قَرِيبَة. عَنْ أَنَس قَالَ: خَطَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَادَتْ الشَّمْس تَغِيب فَقَالَ: (مَا بَقِيَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فِيمَا مَضَى إِلَّا مِثْل مَا بَقِيَ مِنْ هَذَا الْيَوْم فِيمَا مَضَى) وَمَا نَرَى مِنْ الشَّمْس إِلَّا يَسِيرًا. .... ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: " وَانْشَقَّ الْقَمَر " أَيْ وَقَدْ اِنْشَقَّ الْقَمَر. وَكَذَا قَرَأَ حُذَيْفَة " اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَقَدْ اِنْشَقَّ الْقَمَر " بِزِيَادَةِ " قَدْ " ([98]) وَعَلَى هَذَا الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء. وثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحي الْبُخَارِيّ ومسلم: ([99]).
ويقول القرطبي: "قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس فيها؛ لأنها كانت آية ليلية؛ وأنها كانت باستدعاء النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى عند التحدي. فروي أن حمزة بن عبد الباب حين أسلم غضبا من سب أبي جهل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب أن يريه آية يزداد بها يقينا في إيمانه. وقد تقدم في الصحيح أن أهل مكة هم الذين سألوا وطلبوا أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر فلقتين كما في حديث ابن مسعود وغيره. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت، وأن القمر قد انشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: هو على التقديم والتأخير، وتقديره انشق القمر واقتربت الساعة؛ قاله ابن كيسان. وقد مر عن الفراء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدم وتؤخر عند قوله تعالى: ثم دنا فتدلى."
يرُدُّ د. أحمد نوفل أحاديث إنشقاق القمر؛ رغم ثبوتها في الأحاديث الصحيحة التي رويت من عدة طرق ومنها:
(بيْنَما نَحْنُ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بمِنًى إذَا انْفَلَقَ القَمَرُ فِلْقَتَيْنِ، فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الجَبَلِ، وَفِلْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: اشْهَدُوا.) ([100])
(انفلقَ القمرُ علَى عَهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: اشهدوا) ([101])
(انتَهى أهلُ مكَّةَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ فقالوا هَلْ مِن آيةٍ نعرِفُ بها أنَّكَ رسولُ اللَّهِ فهبَط جَبْرائيلُ فقال يا محمَّدُ قُلْ لِأهلِ مكَّةَ أن يحتَفِلوا هَذِه اللَّيلَةَ فَسَيَرَوْا آيةً إِنِ انتَفَعوا بها فَأخبَرهمْ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بمقَالَةِ جَبرائيلَ فخرَجوا لَيلَةَ الشَّقِّ ليلَةَ أربَعَ عَشرَةَ فانشَقَّ القَمرُ نِصفَينِ نِصفًا على الصَّفا ونِصفًا على المرْوَةِ فنظَروا ثمَّ قالوا بأبصارِهِمْ فمَسحوها ثمَّ أعادُوا النَّظَر فنظروا ثمَّ مَسحوا أعينَهُمْ ثمَّ نظَروا فقالوا يا مُحمَّدُ ما هذا إلا سِحرٌ واهِبٌ (ذاهِبٌ) فأنزَل اللَّهُ { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ {) ([102]).
ذاهِبٌ؛ هكذا وردت في روايات أخرى للحديث. ومعنى (مُّسْتَمِرٌّ) أي: ذاهب (تفسير ابن كثير).
(سألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ آيةً فانشقَّ القمرُ بمَكَّةَ مرَّتينِ فنزلت اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ إلى قولِهِ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يقولُ ذاهِبٌ) ([103]). (سأل أهلُ مكةَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ آيةً فانشقَّ القمرُ بمكة مرتَين فقال اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) ([104]).
(عن أَنَسٍ: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ] {القمر: 1]، قال: قدِ انشقَّ.) ([105]).
(نزلنا من المدائنِ على فرسَخٍ، فلمَّا جاءت الجمعةُ حضرنا فخطَبنا حذيفةُ فقال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ، ألا وإنَّ السَّاعةَ قد اقتربت، ألا وإنَّ القمرَ قد انشقَّ، ألا وإنَّ الدُّنيا قد آذنت بفِراقٍ، ألا وإنَّ اليومَ المضمارُ، وغدًا السِّباقُ، فقلتُ لأبي: أيستبِقُ النَّاسُ غدًا؟ قال: يا بنيَّ إنَّك لجاهلٌ، إنَّما يعني: العملُ اليومَ والجزاءُ غدًا، فلمَّا جاءت الجمعةُ الأخرَى حضرنا فخطَبنا حذيفةُ فقال: إنَّ اللهَ يقولُ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، ألا وإنَّ الدُّنيا قد آذنت بفِراقٍ، ألا وإنَّ اليومَ المِضمارُ وغدًا السِّباقُ، ألا وإنَّ الغايةَ النَّارُ، والسَّابقَ من سبق إلى الجنَّةِ) ([106])
(كنا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بمنًى وانشقَّ القمرُ حتى صار فرقتيْنِ فرقةٌ خلف الجبلِ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ اشهَدُوا اشهَدُوا) ([107]). (بينما نحنُ معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بمنًى فانشقَّ القمرُ فَلقتينِ فلقةٌ من وراءِ الجبلِ وفلقةٌ دونَهُ فقالَ لَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ اشهَدوا - يَعني - اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) ([108]).
(انطلَقْتُ مع أبي إلى الجمُعةِ بالمدائنِ، وبيْنَنا وبيْنَها فَرْسَخٌ، وحُذَيْفةُ على المدائنِ، فحمِد اللهَ، وأثْنى عليه، ثمَّ قال: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ } [القمر: 1]، ألَا وإنَّ السَّاعةَ قدِ اقترَبتْ، ألَا وإنَّ القَمرَ قدِ انشقَّ.) ([109]).
يقول تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) (القمر 2-1).
يقول ابن كثير: "وقوله: (وَإِن يَرَوْا آيَةً) أي: دليلا وحجة وبرهانا (يُعْرِضُوا) أي: لا ينقادون له، بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم، (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) أي: ويقولون: هذا الذي شاهدناه من الحجج سحر سحرنا به. ومعنى (مُّسْتَمِرٌّ) أي: ذاهب. قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما، أي: باطل مضمحل، لا دوام له."
يقول تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) (الإسراء 59)
تفسير الطبري: "القول في تأويل قوله تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ". يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذّبة، سألوا ذلك مثل سؤالهم؛ فلما آتاهم ما سألوا منه كذّبوا رسلهم، فلم يصدّقوا مع مجيء الآيات، فعوجلوا فلم نرسل إلى قومك بالآيات، لأنَّا لو أرسلنا بها إليها، فكذّبوا بها، سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها. وبالتالي ألا يخشى المكذّبون لمعجزة انشقاق القمر تعجيل العذاب؟!
ويقول تعالى: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) (يونس 101)
التفسير الكبير ومفاتيح الغيب - الفخر الرازي -:
" ولمّا وقع الأمرُ قالوا بأنّه مثل خسوف الشمس، وظهور شئ في الجوّ على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في تواريخهم، والقرآن أدلّ دليل وأقوى مثبت له، وإمكانه (الانشقاق) لا يشكّ فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات." (جزء 29، ص 29)
تفسير القاسمي – محاسن التأويل -:
"... وذلك أنّ كفّار أهل مكة سألوه آية، فأراهم – صلى الله عليه وسلّم – انشقاق القمر حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته. فلما أراهم، أعرضوا وكذّبوا، وقالوا هذا سحرٌ مستمر، سحرنا محمد. ثم روي ذلك عن أنس وابن مسعود وابن عباس، وغير واحد من التابعين. ..." (صفحة 5592).
* تفسير انوار التنزيل واسرار التأويل/ البيضاوي (ت 685 هـ) مصنف و مدقق
"... روي أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر. وقيل معناه سينشق يوم القيامة ويؤيد الأول أنه قرىء «وقد انشق القمر» أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر، وقوله: { وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ } عن تأملها والإِيمان بها. { وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } مطرد وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخر مترادفة ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك."
* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق
"{ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } يعني دني قيام الساعة لأن خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - كان من علامات الساعة { وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علامة لنبوته فانشق القمر نصفين، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانشق القمر نصفين فرأيت حراء بين فلقتي القمر أي شقتي القمر، وعن جبير بن مطعم قال انشق القمر ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة وروى قتادة عن أنس قال سأل أهل مكة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية فانشق القمر بمكة وقال بعضهم اقتربت الساعة وانشق القمر يعني تقوم الساعة وينشق القمر يوم القيامة وأكثر المفسرين قالوا: إن هذا قد مضى،..."
يقول البغوي: (قل انظروا) أي: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا، ( ماذا في السماوات والأرض ) من الآيات والدلائل والعبر، ففي السماوات الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفي الأرض الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها، ( وما تغني الآيات والنذر ) الرسل، ( عن قوم لا يؤمنون ) وهذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون .
ويقول سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (النحل 13-10). في هذه الآيات من سورة النحل، إنّ الكلمات " لَآيَةً "، " لَآيَات" معناهما: لدلالة و لدلالات على قدرة الله الباهرة وسلطانه العظيم، لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه. ومن سورة النحل أيضاً قوله تعالى: ( وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ * وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 69-65). ومن نفس السوة أيضاً قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل: 79-78)
ويقول تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) (الإسراء 59).
ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا) (الإسراء 101). وكذلك الآيات 20-25 من سورة الروم.
وبالتالي، فإنّ هذه الآيات القرآنية وغيرها العديد من الآيات تؤكد أنّ قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) (القمر 1-2) يؤكد يقيناً حادثة انشقاق القمر: (وانْشَقَّ القَمَرُ) بصيغة الماضي، (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا): فحادثة انشقاق القمر معجزة (آيَةً) من الله لرسولنا عليه السلام، تدل على عظمة الرّبّ الخالق سبحانه، كما وتدلُّ على صدق هذا الرسول الكريم الذي أنزل عليه القرآن وأمره الله بتبليغ الرسالة.
وبالتالي هل يليق في مقام د. نوفل أن ينكر هذه المعجزة التي تأكدت مراراً: (وانْشَقَّ القَمَرُ)، (وَإِن يَرَوْا آيَةً)، وأكدتها الأحاديث المستفيضة؟!
وممن قرأوا لي هذا الكتاب؛ كان تعليق أحدهم على الروايات السابقة في انشقاق القمر: "هو (د. نوفل) ينكر رواية البخاري فهل سيأخذ بهذه الروايات؟!"
سورة القمر أكّدت التيسير الرباني للقرآن الرسالة الخاتمة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ). أي: ولقد يسرنا وسهلنا هذا القرآن الكريم، ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والعلم، لأنه أحسن الكلام لفظا، وأصدقه معنى، وأبينه تفسيرا، فكل من أقبل عليه يَسَّرَ اللهُ عليه مطلوبَه غاية التيسير، وسهله عليه (تفسير السعدي).
وبالتالي تشير السورةُ إلى وجوب الإيمان برسالة محمد (صلى الله عليه وسلّم)، وتحذّرُ من الكفر؛ وذلك من خلال عرض السورة لمصارع المكذبين بالرسل والآيات؛ ومع تكرار الآية الكريمة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)؛ فلا يمكن للبشر أن يعقل ويفهم المعجزة ما لم ييسرها الرّبُّ اللطيفُ سبحانه له الحمدُ أن يَسَّرَ الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ. وبالتالي فإنّ الحكمة والعقل والفهم السليم تُوجِبُ على المؤمن التصديق بالمعجزات والإيمان بها والتسليم لمجرد سماعه الخبر الصحيح؛ ولا يليق به أن يحاكم المعجزات للعقل البشري المحدود.
الآية الكريمة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) تقع في نهاية الآيات التي تبين مصرع كلّ أمة كذبت رسولها:
قوم نوح: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17)
قوم عاد: كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22)
ثمود: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (32).
قوم لوط: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34) نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (40)
آل فرعون وكفار قريش: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)
لقد انفلق البحرُ معجزةً لموسى عليه السلام: (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (الشعراء 63). (وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ) (الشعراء 65)، وأغرق فرعون وجنوده: (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) (الشعراء 66). ولقد انشقّ القمر معجزة لنبينا محمد عليه السلام: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (القمر 1). وكلا المعجزتين ثبتتا بنص الآيات القرآنية؛ فلا يعقل التكذيب بأيّ منهما: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ) (القمر (46.
محمد عليه السلام هو صاحب أعظم معجزة؛ صاحب المعجزة الخالدة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ). ولقد أيده اللهُ بمعجزات أخرى كثيرة. فمنها مثلا معجزة الإسراء والمعراج. ومنها كما تبين هذه السورة معجزة انشقاق القمر: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ). هذا وإن للقمر انشقاق آخر سيحصل يوم القيامة.
انشقاق القمر يوم القيامة:
يومَ القيامة يُظلمُ القمرُ؛ وذلك لأنّهُ يعكس ضياء الشمس والتي ستصبح نجم قزم أبيض: (إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ) (التكوير 2-1)، (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (القيامة 9): قَالَ مُجَاهِد كُوِّرَا. يوم القيامة يخسف القمر ويذهب ضوءه؛ كما توضح الآيات:
(يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (القيامة 9-6 ). (وَخَسَفَ الْقَمَرُ): أَيْ ذَهَبَ ضَوْءُهُ. (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ). قَالَ مُجَاهِد كُوِّرَا وَقَرَأَ اِبْن زَيْد عِنْد تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة " إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ ". فالجمع هو التكوير؛ فتضغط مادة الشمس مع توقف تفاعلات الإندماج النووي داخلها لتصبح نجم قزم أبيض. كما تضغط مادة النجوم مع توقف تفاعلات الإندماج النووي داخلها لتصبح ذات كثافة عالية (compact stars).
(وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (القيامة 9): صارا أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران. وقيل: يجمع بينهما في ذهاب الضياء. وقال عطاء بن يسار: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار. وقيل: يجمعان فيطلعان من المغرب. وهذا المعنى الأخير يفيد أنّ الشمس ستخطفُ القمرَ من الأرضِ فتصبح تبعيّتُه للشمس أكثرَ من كونه تابعاً للكرة الأرضية. وهذا ما تؤكّده الرواية: (عن ابنِ مسعودٍ في قولهِ تعالى { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ } قال: طلوعُ الشمسِ مع القمرِ من مغربِها كالبعيرَينِ القرِنَينِ) ([110]). وهذا ما تؤكّده المعاني اللغوية لكلمة الانشقاق.
تعريف ومعنى انشق ([111]):
في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي
اِنشَقَّ: (فعل)
انشقَّ ينشقّ، انْشَقِقْ / انْشَقَّ، انشقاقًا، فهو مُنشقّ
انشقَّ الشَّيءُ: انفلق، انصدع أو انقسم
اِنْشَقَّ الإِناءُ: أُصيبَ بِكَسْرٍ
اِنْشَقَّ الفَجْرُ: طَلَعَ، ظَهَرَ
اِنْشَقَّ البَرْقُ: لَمَعَ
اِنْشَقَّ الرَّأْيُ: تَفَرَّقَ اخْتِلافاً
اِنْشَقَّتْ عَصا الجماعَةِ: تَفَرَّقُوا
كانا لاَ يَفْتَرِقانِ فانْشَقَّ أَحَدُهُما عَنِ الآخَرِ: اِنْفَصَلَ عَنْهُ، وَابْتَعَدَ اِنْشَقَّ عَنْ جَماعَةٍ وَانْضَمَّ إلى جَماعَةٍ أُخْرَى
انشقّ الشّيء:
انفلق، انصدع أو انقسم "انشقّ الحائطُ- {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} - {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ{ ".
كانا لاَ يَفْتَرِقانِ فانْشَقَّ أَحَدُهُما عَنِ الآخَرِ: اِنْفَصَلَ عَنْهُ، وَابْتَعَدَ
اِنْشَقَّ عَنْ جَماعَةٍ وَانْضَمَّ إلى جَماعَةٍ أُخْرَى.
اِنْشَقَّ الحائِطُ: ظَهَرَتْ فيهِ شُقوقٌ، اِنْصَدَعَ.
انشقّ فلان: خرج عن قانون دولة أو جماعة وانضمّ إلى جماعةٍ مناهضة.
مصير القمر يوم القيامة (([112]، [113]):
هنالك احتمالان لمصير القمر:
الأول: طفرة الشمس وتحولها إلى عملاق أحمر توفر حجر عثرة كبير أمام ملاذ القمر، ومن المرجح أن تضمن أن تكون أيام القمر الأخيرة أشبه بالطريقة التي بدأ بها؛ كحلقة من حطام الأرض. إن الكثافة ودرجة الحرارة كلاهما يزدادان بسرعة بالقرب من السطح الظاهري (الغلاف المرئي) للعملاق المستقبلي للشمس" كما أوضحت ويلسون. وبما أن الأرض والقمر قريبان من هذه المنطقة الساخنة الحارقة، فإن السَحْب الناتج عن الغلاف الممتد من الشمس سوف يتسبب في انحدار مدار القمر. سيقترب القمر من الأرض إلى أن يصل إلى مسافة 11470 ميلاً (18470 كيلومتراً) فوق كوكبنا، وهي نقطة تسمى حدود روش. إن اقتراب القمر من الأرض ليصل إلى حدود روش يعني أن الجاذبية الذاتية التي تجمع مادة القمر معا أضعف من قوى المد والجزر التي تؤثر بها الأرض على القمر؛ والتي تعمل على فصل مادة القمر عن بعضها البعض"، كما قالت ويلسون.
سوف يتمزق القمر إلى قطع، وسوف يتم تشتيت كل فوهة، وجبل، و وادي، وبصمة أو معلم، ليشكل حلقة من الحطام بقطر 23000 ميل (37000 كلم) فوق خط استواء الأرض؛ أشبه بحلقات زحل. سوف تكون حلقات قصيرة الأجل. تفرض النظرية أنها سوف تمطر في نهاية المطاف على سطح الأرض: (وإذا الأرض مدت).
الثاني: يوم القيامة تدنو الشمس من الأرض؛ فتخطف بقوة جاذبيتها الهائلة القمر من الأرض: (وجمع الشمس والقمر). وذلك أن قوة الجاذبية بين جرمين سماويين تتناسب طردياً مع حاصل ضرب كتلتيهما، وعكسيّاً مع مربع المسافة الفاصلة بينهما.
وللمزيد من الرّد على تفسير د. نوفل؛ انظر: رد بتفصيل علمي على د. احمد نوفل بانكاره انشقاق القمر / د.عبدالسلام أبوسمحة. على الرابط ([114]). وشدد أبو سمحة في ردوده المكتوبة والمسجلة صوتيا، على أهمية التفريق بين ما يقال عن معارضة الأحاديث النبوية لصريح القرآن، وبين معارضتها لفهم فلان أو علان لآيات قرآنية، فيتوهم أن الأحاديث تتعارض مع القرآن، ما يوجب ردها وعدم الأخذ بها، وهي في الحقيقة تتعارض مع فهمه هو، وهذا ما يرى أبو سمحة أنه ينطبق تماما على انتقادات نوفل للأحاديث الصحيحة التي اعترض عليها.
5) ادعاء أنّ الآية: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) خاصة بالكفار
الآية الكريمة: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) (الانشقاق 19). يرى أنّ هذه الآية خاصة بالكفار؛ إذ يقول: " (طَبَقًا عَن طَبَقٍ) بالكفر بالمعاصي" ([115]). وفهمه هذا غير صحيح!
الردّ على نوفل: (عنِ ابنِ عباسٍ في قولِهِ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ قال محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم). وقرأ أهل مكة وحمزة والكسائي: " لَتَرْكَبَنَّ" بفتح الباء يعني لَتَرْكَبَنَّ يا محمد (طَبَقًا عَن طَبَقٍ) قال الشعبي ومجاهد: سماء بعد سماء (المعراج). قال الكلبي: يعني تصعد فيها. ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى والرفعة.
يرى د.نوفل أنّ هذه الآية خاصة بالكفار، وهذا غير صحيح بدليل الحديث: (قَالَ الْبُخَارِيّ أَخْبَرَنَا سَعِيد بْن النَّضْر أَخْبَرَنَا هُشَيْم أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْر عَنْ مُجَاهِد قَالَ: قَالَ اِبْن عَبَّاس " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " حَالًا بَعْد حَال قَالَ هَذَا نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ([116]) وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ مُحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عَبَّاس أَسْنَدَ هَذَا التَّفْسِير عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ قَالَ سَمِعْت هَذَا مِنْ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُون قَوْله نَبِيّكُمْ مَرْفُوعًا عَلَى الْفَاعِلِيَّة مِنْ قَالَ وَهُوَ الْأَظْهَر وَاَللَّه أَعْلَم كَمَا قَالَ أَنَس: لَا يَأْتِي عَام إِلَّا وَاَلَّذِي بَعْده شَرّ مِنْهُ سَمِعْته مِنْ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وشرح الحديث هو ([117]): لا شكَّ أنَّ اختلافَ القِراءات في اللَّفظةِ الواحدةِ أو في الضَّبطِ يؤثِّرُ في توجيهِ المعنى وتفسيرِه بحسَبِ تغيُّرِ اللَّفظِ أوِ الضَّبطِ، وفي هذا الحديثِ يفسِّرُ ابنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما قولَه تعالى: }لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: 19] حالًا بعد حالٍ، أي: تغيَّرَ الحالُ مِن حالٍ إلى أخرى، وذَكَرَ أنَّ المقصودَ بها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيكونُ المعنى تقَلُّبَ حالِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى النَّصْرِ والفَتْحِ بعدَ التَّكذيبِ والشِّدَّةِ، وفي رواية: (عنِ ابنِ عباسٍ في قولِهِ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ قال محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ([118]). أو يكونُ تنقُّلُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في رحلةِ المعراجِ مِن سماءٍ إلى سماءٍ، وتأويلُ ابنِ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما هذا صحيحٌ، وذلك أنَّ قراءتَه - وهي قِراءةُ غيرِ واحدٍ مِنَ القرَّاءِ العشرةِ المتواترةِ قراءتُهم – بفتْحِ البَاءِ مِن {لَتَرْكَبَنَّ} على أنَّ الِخطابَ للمفرَدِ، وفي قراءاتٍ أخرى متواترةٍ أيضًا – وهي قراءةُ حفصٍ عَن عاصمٍ – بضمِّ الباءِ على أنْ يكونَ الخطابُ لِلجمعِ، وبذلك يكونُ المعنى: تَغَيُّرُ حالِ النَّاسِ فيكونُ الواحدُ منهم رضيعًا ثُمَّ فَطيمًا ثُمَّ طفلًا ثُمَّ شابًّا ثُمَّ شيخًا، أو يكونُ المقصودُ الغِنَى بعد الفقرِ والفقرَ بعْدَ الغنَى، والصِّحَّةَ بعْدَ السَّقَمِ، والسَّقمَ بعدَ الصِّحَّةِ، وقيل في تفسيرِها غيرُ ذلك.
وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا هُشَيْم أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْر عَنْ مُجَاهِد أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَقُول " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " قَالَ يَعْنِي نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول حَالًا بَعْد حَال ([119])، وَهَذَا لَفْظه. وَقَالَ عَلِيّ اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " طَبَقًا عَنْ طَبَق " حَالًا بَعْد حَال وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَمُرَّة وَالطَّيِّب وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك وَمَسْرُوق وَأَبُو صَالِح وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " حَالًا بَعْد حَال قَالَ هَذَا يَعْنِي الْمُرَاد بِهَذَا نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُون مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّ هَذَا وَنَبِيّكُمْ يَكُونَانِ مُبْتَدَأ وَخَبَرًا وَاَللَّه أَعْلَم وَلَعَلَّ هَذَا قَدْ يَكُون هُوَ الْمُتَبَادِر إِلَى كَثِير مِنْ الرُّوَاة كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَغُنْدَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " قَالَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَيُؤَيِّد هَذَا الْمَعْنَى قِرَاءَة عُمَر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَامَّة أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة لَتَرْكَبَن بِفَتْحِ التَّاء وَالْبَاء. وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ الشَّعْبِيّ " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " قَالَ لَتَرْكَبُنَّ يَا مُحَمَّد سَمَاء بَعْد سَمَاء. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَمَسْرُوق وَأَبِي الْعَالِيَة" طَبَقًا عَنْ طَبَق " سَمَاء بَعْد سَمَاء " قُلْت " يَعْنُونَ لَيْلَة الْإِسْرَاء؟ (تفسير ابن كثير).).
وفي تفسير البغوي:
(لَتَرْكَبُنَّ) قرأ أهل مكة وحمزة والكسائي: " لَتَرْكَبَنَّ " بفتح الباء يعني لَتَرْكَبَنَّ يا محمد (طَبَقًا عَن طَبَقٍ) قال الشعبي ومجاهد: سماء بعد سماء. قال الكلبي: يعني تصعد فيها. ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى والرفعة.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال قال ابن عباس: " لتركبن طبقا عن طبق " حالا بعد حال، قال هذا نبيكم - صلى الله عليه وسلم -.
وقيل: أراد به السماء تتغير لونا بعد لون، فتصير تارة كالدهان وتارة كالمهل، وتنشق بالغمام مرة وتطوى أخرى. وقرأ الآخرون بضم الباء، لأن المعنى بالناس أشبه، لأنه ذكر من قبل: " فأما من أوتي كتابه بيمينه " " وشماله " وذكر من بعد: " فما لهم لا يؤمنون " وأراد: لتركبن حالا بعد حال، وأمرا بعد أمر في موقف القيامة، يعني: الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا. و " عن " بمعنى بعد.
وقال مقاتل: يعني الموت ثم الحياة] ثم الموت ثم الحياة [ .
وقال عطاء: مرة فقيرا ومرة غنيا. وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس: يعني الشدائد وأهوال الموت، ثم البعث، ثم العرض. وقال عكرمة: حالا بعد حال، رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وقال أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عمرو الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لتتبعن سنن من] كان [قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم " قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ .
ثمّ إن هذه الآية جاءت بعد ذكر مشاهد القيامة وأخذ الناس صحف أعمالهم ثم صيرورة الناس إما إلى الجنة أو إلى النار. وهذا الحشر كوني وللملائكة وللثقلين؛ فكيف بالله عليك يعذر من يفسر برأيه ليقول: هذه الآية خاصة بالكفار!
وللمزيد في بيان مدلولات الآية أنظر البحث: ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ ). حسين عمري ([120]).
6) ردّه أحاديث الشفاعة الواردة في صحيحي البخاري ومسلم؛ وقد فاته أنّ الكذب الوارد في الحديث ليس من الخطايا الممنوعة، وإنما هو من التعريض المباح، كما قال ابن العربي في الأحكام، وابن تيمية في الفتاوى، والسرخسي في السير، وابن حجر، وابن عاشور، وغيرهم.
- (أُتِيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَوْمًا بلَحْمٍ، فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّراعُ، وكانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْها نَهْسَةً فقالَ: أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القِيامَةِ، وهلْ تَدْرُونَ بمَ ذاكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ يَومَ القِيامَةِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والْكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ، وما لا يَحْتَمِلُونَ، فيَقولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ألا تَرَوْنَ ما أنتُمْ فِيهِ؟ ألا تَرَوْنَ ما قدْ بَلَغَكُمْ؟ ألا تَنْظُرُونَ مَن يَشْفَعُ لَكُمْ إلى رَبِّكُمْ؟ فيَقولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيَقولونَ: يا آدَمُ، أنْتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، ونَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ، وأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى إلى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ آدَمُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه نَهانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فيَقولونَ: يا نُوحُ، أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى الأرْضِ، وسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهمْ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ كانَتْ لي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بها علَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى إبْراهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَيَأْتُونَ إبْراهِيمَ، فيَقولونَ: أنْتَ نَبِيُّ اللهِ وخَلِيلُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى إلى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهمْ إبْراهِيمُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وذَكَرَ كَذَباتِهِ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فيَقولونَ: يا مُوسَى، أنْتَ رَسولُ اللهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ برِسالاتِهِ، وبِتَكْلِيمِهِ علَى النَّاسِ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهمْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بقَتْلِها، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولونَ: يا عِيسَى أنْتَ رَسولُ اللهِ، وكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ، وكَلِمَةٌ منه ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ورُوحٌ منه، فاشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهمْ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ له ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِّي فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ، أنْتَ رَسولُ اللهِ، وخاتَمُ الأنْبِياءِ، وغَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ، وما تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى ما قدْ بَلَغَنا؟ فأنْطَلِقُ، فَآتي تَحْتَ العَرْشِ، فأقَعُ ساجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ ويُلْهِمُنِي مِن مَحامِدِهِ، وحُسْنِ الثَّناءِ عليه شيئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقالُ: يا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرْفَعُ رَأْسِي، فأقُولُ: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيُقالُ: يا مُحَمَّدُ، أدْخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عليه مِنَ البابِ الأيْمَنِ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ، وهُمْ شُرَكاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذلكَ مِنَ الأبْوابِ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، إنَّ ما بيْنَ المِصْراعَيْنِ مِن مَصارِيعِ الجَنَّةِ لَكما بيْنَ مَكَّةَ وهَجَرٍ، أوْ كما بيْنَ مَكَّةَ وبُصْرَى.) ([121]).
- (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ بلَحْمٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ، وكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ منها نَهْشَةً، ثُمَّ قالَ: أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ، وهلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذلكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ، فيَقولُ النَّاسُ: ألَا تَرَوْنَ ما قدْ بَلَغَكُمْ، ألَا تَنْظُرُونَ مَن يَشْفَعُ لَكُمْ إلى رَبِّكُمْ؟ فيَقولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: علَيْكُم بآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السَّلَامُ فيَقولونَ له: أنْتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، ونَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ، وأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، ألَا تَرَى إلى ما قدْ بَلَغَنَا؟ فيَقولُ آدَمُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فيَقولونَ: يا نُوحُ، إنَّكَ أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ، وقدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي عزَّ وجلَّ قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ كَانَتْ لي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا علَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى إبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ فيَقولونَ: يا إبْرَاهِيمُ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وخَلِيلُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فيَقولُ لهمْ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أبو حَيَّانَ في الحَديثِ - نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى مُوسَى فَيَأْتُونَ، مُوسَى فيَقولونَ: يا مُوسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ برِسَالَتِهِ وبِكَلَامِهِ علَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولونَ: يا عِيسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ عِيسَى: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلى غيرِي اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ رَسولُ اللَّهِ وخَاتِمُ الأنْبِيَاءِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فأنْطَلِقُ فَآتي تَحْتَ العَرْشِ، فأقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عزَّ وجلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِن مَحَامِدِهِ وحُسْنِ الثَّنَاءِ عليه شيئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ علَى أحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرْفَعُ رَأْسِي، فأقُولُ: أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسَابَ عليهم مِنَ البَابِ الأيْمَنِ مِن أبْوَابِ الجَنَّةِ، وهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذلكَ مِنَ الأبْوَابِ، ثُمَّ قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّ ما بيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كما بيْنَ مَكَّةَ وحِمْيَرَ - أوْ كما بيْنَ مَكَّةَ وبُصْرَى -) ([122])
كذبات سيدنا إبراهيم ليست من الخطايا الممنوعة، وإنما هي من التعريض المباح (رقم الفتوى: 256372) ([123])
"فهذا الكذب المذكور هنا لا يعني به ما جاء في آية الأنعام، وإنما يعني به ما في آيتي الأنبياء، والصافات، وقصة سارة، كما في الصحيحين، وغيرهما عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ عليه السَّلَامُ إلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ منهنَّ في ذَاتِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، قَوْلُهُ {إنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]. وقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} [الأنبياء: 63]. وقالَ: بيْنَا هو ذَاتَ يَومٍ وسَارَةُ، إذْ أَتَى علَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فقِيلَ له: إنَّ هَا هُنَا رَجُلًا معهُ امْرَأَةٌ مِن أَحْسَنِ النَّاسِ، فأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقالَ: مَن هذِه؟ قالَ: أُخْتِي، فأتَى سَارَةَ قالَ: يا سَارَةُ: ليسَ علَى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غيرِي وغَيْرَكِ، وإنَّ هذا سَأَلَنِي فأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي، فلا تُكَذِّبِينِي، فأرْسَلَ إلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عليه ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقالَ: ادْعِي اللَّهَ لي ولَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقالَ: ادْعِي اللَّهَ لي ولَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقالَ: إنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بإنْسَانٍ، إنَّما أَتَيْتُمُونِي بشيطَانٍ، فأخْدَمَهَا هَاجَرَ، فأتَتْهُ وهو قَائِمٌ يُصَلِّي، فأوْمَأَ بيَدِهِ: مَهْيَا، قالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، في نَحْرِهِ، وأَخْدَمَ هَاجَرَ قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلكَ أُمُّكُمْ يا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.) ([124])
جاء في شرح الحديث: "... وإنَّما قال عن ثِنتَينِ فقط إنَّها في ذاتِ الله؛ لأنَّ الثالِثةَ فإنَّها وإنْ كانتْ في ذاتِ اللهِ لكنَّ فيها حَظًّا لنَفسِهِ، وإنَّما أُطلِقَ الكذِبُ على هذِه الأمورِ لكونِهِ قالَ كلامًا يظُنُّهُ السامِعُ كذبًا لكنَّ حقيقةَ الأمرِ أنَّهُ لم يكنْ كذلِكَ لأنَّهُ مِن المَعاريضِ فليسَ بكذِبٍ مَحضٍ ... ".
إن الكذب الوارد هنا ليس من الخطايا الممنوعة، وإنما هو من التعريض المباح، كما قال ابن العربي في الأحكام، وابن تيمية في الفتاوى، والسرخسي في السير، وابن حجر، وابن عاشور، وغيرهم.
قال ابن العربي: قوله تعالى: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } اختلف الناس في ظاهر المقصود به، فمنهم من قال: هذا تعريض، وفي التعاريض مندوحة عن الكذب، ومنهم من قال: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون؛ فشرط النطق في الفعل، والأول أصح: لأنه عدده على نفسه، فدل على أنه خرج مخرج التعريض.. اهـ
وقال ابن حجر في فتح الباري عند شرحه لحديث الشفاعة قال: وفي رواية همام: إني كنت كذبت ثلاث كذبات. زاد شيبان في روايته قوله: إني سقيم، وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله لامرأته: أخبريه أني أخوك. وفي الحقيقة أنها ليس خطيئات؛ لأنه صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما منها كَذِبَةٌ إلا ما حَلَّ بها عن دِينِ اللهِ."
(أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ، وبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ ولا فَخْرَ، وما من نبيٍّ يَوْمَئِذٍ، آدمُ فَمَن سِوَاهُ إلا تَحْتَ لِوَائِي، وأنا أَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عنه الأرضُ ولا فَخْرَ. قال: فيَفْزَعُ الناسُ ثلاثَ فَزَعاتٍ، فيَأْتُونَ آدمَ فيقولونَ: أنت أَبُونا آدمُ فاشْفَعْ لنا إلى ربِّكَ، فيقولُ: إني أَذْنَبْتُ ذَنْبًا أُهْبِطْتُ منه إلى الأرضِ، ولكِنِ ائْتُوا نوحًا، فيَأْتُونَ نُوحًا فيقولُ: إني دَعَوْتُ على أهلِ الأرضِ دَعْوَةً فأُهْلِكُوا، ولكِنِ اذْهَبُوا إلى إبراهيمَ، فيَأْتُونَ إبراهيمَ فيقولُ: إني كَذَبْتُ ثلاثَ كَذِباتٍ. ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما منها كَذِبَةٌ إلا ما حَلَّ بها عن دِينِ اللهِ، ولكِنِ ائْتُوا موسى، فيَأْتُونَ موسى فيقولُ: إني قد قَتَلْتُ نَفْسًا، ولكِنِ ائْتُوا عيسى، فيَأْتُونَ عيسى فيقولُ: إني عُبِدْتُ من دونِ اللهِ، ولكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فيَأْتُونِي فأَنْطَلِقُ معهم. قال ابنُ جُدْعَانَ: قال أَنَسٌ: فكَأَنِّي أنظرُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: فآخُذُ بحَلْقَةِ بابِ الجنةِ فأُقَعْقِعُها فيُقالُ: مَن هذا؟ فيُقَالُ: مُحَمَّدٌ، فيَفْتَحُونَ لي ويُرَحِّبُونَ بي، فيقولون: مَرْحَبًا، فأَخِرُّ ساجدًا، فيُلْهِمُنِي اللهُ من الثناءِ والحمدِ، فيُقالُ لي: ارْفَعْ رأسَكَ وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وقُلْ يُسْمَعْ لقولِكَ، وهو المَقامُ المحمودُ الذي قال اللهُ: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) ([125]).
"وقال ابن حجر في الفتح أيضًا: قال ابن عقيل: دلالة العقل تصرف ظاهر الكذب على إبراهيم، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون موثوقًا به؛ ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه؟ إنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليه السلام - يعني إطلاق الكذب على ذلك - إلا في حال شدة الخوف لعلو مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعًا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات، فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب وإن كان قبيحًا مخلًا، لكنه قد يحسن في مواضع، وهذا منها.
يقول تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)) (سورة هود). جاء في تفسير القرطبي: " ... قال أبو جعفر: ... وإنما كان جدالُه الرُّسلَ على وجه المحاجَّة لهم. ومعنى ذلك: " وجاءته البشرى يجادل رسلنا "... ". أقول إن كان يجوز ردّ الرواية بالعقل (كما يفعل د. نوفل) ومن دون منهجيّة المحدّثين؛ فأيهما أغرب مجادلةُ إبراهيمَ رسُلَ ربّه في عذاب قوم لوط (أوّل من مارسوا الشذوذ الجنسي) أم كذباتُه الواردة في الحديث؟!
وأما آيات الأنعام التي ابتدأها الله تعالى بقوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) ]الأنعام: 76]، وآخرها قوله تعالى: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ]الأنعام: 79[ .
فقد اختلف العلماء في تفسيرها على عدة أقوال، وقد لخصها العلامة صديق حسن القنوجي في تفسيره فتح البيان بقوله: ثم اختلف في تأويل هذه الآية، فقيل: أراد إقامة الحجة على قومه، كالحاكي لما هو عندهم، وما يعتقدونه، لأجل إلزامهم، وقيل: معناه، أهذا ربي؟ أنكر أن يكون مثل هذا ربًّا، ومثله قوله تعالى: (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) [الأنبياء:34]، أي: أفهم الخالدون؟ وقيل المعنى: وأنتم تقولون: هذا ربي، فأضمر القول، وقيل المعنى: على حذف مضاف، أي هذا دليل ربي. انتهى
وقال ابن كثير في تفسيره: اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة، فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلاً بقوله (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) ... والحق أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- كان في هذا المقام مناظرًا لقومه مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام. اهـ
وقال ابن حجر في فتح الباري: قاله في حال الطفولية فلم يعدها؛ لأن حال الطفولية ليست بحال تكليف، وهذه طريقة ابن إسحاق، وقيل: إنما قال ذلك بعد البلوغ، لكنه قاله على طريق الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ، وقيل: قاله على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهًا على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية، وهذا قول الأكثر إنه قال توبيخًا لقومه، أو تهكمًا بهم، وهو المعتمد؛ ولهذا لم يعد ذلك في الكذبات، وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولاً يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبًا؛ لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذب محض. انتهى."
ومن معاني الكلمة كَذَبَ في اللغة: أَخْطأ؛ كما في الأحاديث التالية.
الحديث: (سَأَلْتُ أنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عنْه عَنِ القُنُوتِ، قَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَقُلتُ: إنَّ فُلَانًا يَزْعُمُ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: كَذَبَ، ثُمَّ حَدَّثَنَا، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّه قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو علَى أحْيَاءٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: بَعَثَ أرْبَعِينَ - أوْ سَبْعِينَ يَشُكُّ فيه - مِنَ القُرَّاءِ إلى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَرَضَ لهمْ هَؤُلَاءِ فَقَتَلُوهُمْ، وكانَ بيْنَهُمْ وبيْنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَهْدٌ، فَما رَأَيْتُهُ وجَدَ علَى أحَدٍ ما وجَدَ عليهم.) ([126]) .
فقالَ أَنَسٌ: كَذَبَ، أي: أخْطَأَ.
أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ * وكل نعيم لامحالة زائل
وفي الحديث: (أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ، وكادَ أُمَيَّةُ بنُ أبِي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ.) ([127]). (أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيدٍ ألا كلُ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ فقالَ عثمانُ إلا نعيمُ الجنةِ) ([128]).
(..... ولَبِيدُ بنُ رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ يُنْشِدُهُمْ فَأَخَذَ الوَلِيدُ بِيَدِ عُثْمَانَ فَأَتَى بِهِ قُرَيْشًا فقال إِنَّ هذا غَلَبَنِي وحَمَلَنِي على أنْ أَنْزِلَ إليه عن جِوَارِي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ فَجَلَسَا مع القَوْمِ وأَخَذَ لَبِيدٌ يُنْشِدُهُمْ فقال أَلَا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلَا اللهَ باطِلُ فقال عُثْمَانُ صَدَقْتَ ثمَّ إِنْ لَبِيدًا أَنْشَدَهُمْ تَمَامَ البَيْتِ فقال وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زَائِلُ فقال كذَبْتَ فَسَكَتَ القَوْمُ ولَمْ يَدْرُوا ما أَرَادَ بِكَلِمَتِهِ ثمَّ أَعَادَهَا الثَّانِيَةَ وأَمَرَ بِذَلِكَ فَلمَّا قالهَا قال مثلَ كَلِمَتِهِ الأُولَى والْأُخْرَى صَدَقْتَ مَرَّةً وكَذَبْتَ مَرَّةً وإِنَّمَا يُصَدِّقُهُ إِذَا ذَكَرَ كُلَّ شَيْءٍ يَفْنَى وإِذَا قال كُلُّ نَعِيمٍ ذَاهِبٌ كَذَّبَهُ عِنْدَ ذَلِكَ؛ إِنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ لا يَزُولُ ...) ([129])
أعاذكِ اللَّهُ من عذابِ القَبْرِ: (أنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا، فَقالَتْ لَهَا: أعَاذَكِ اللَّهُ مِن عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُعَذَّبُ النَّاسُ في قُبُورِهِمْ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عَائِذًا باللَّهِ مِن ذلكَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ ظَهْرَانَيِ الحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وقَامَ النَّاسُ ورَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ وانْصَرَفَ، فَقالَ ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ، ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَتَعَوَّذُوا مِن عَذَابِ القَبْرِ.) ([130]).
(أنَّ يهوديَّةً كانت تدخلُ على عائشةَ فتحدَّثُ عندَها فإذا قامت قالت أعاذكِ اللَّهُ من عذابِ القبرِ فلمَّا جاءَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أخبرتُهُ بذلكَ فقالَ كذبتْ إنَّما ذلكَ لأهلِ الكتابِ فكسفتِ الشَّمسُ فقالَ أعوذُ باللَّهِ من عذابِ القبرِ ثمَّ كبَّرَ فقامَ فأطالَ القيامَ ثمَّ ركعَ فأطالَ الرُّكوعَ ثمَّ رفعَ رأسَهُ فقامَ وأطالَ القيامَ ثمَّ ركعَ فأطالَ الرُّكوعَ وهوَ دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ ثمَّ ركعَ ركعتَينِ وسجدَ سجدتَينِ يقولُ فيهما مثلَ قيامِهِ ويركعُ مثلَ ركوعِهِ) ([131]).
(سألَتْها امرَأةٌ يَهوديَّةٌ فأعْطَتْها، فقالت لها: أعاذَكِ اللهُ مِن عَذابِ القَبرِ، فأنكَرَتْ عائِشةُ ذلك، فلمَّا رَأتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَتْ له، فقال: لا، قالَتْ عائِشةُ: ثم قال لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعد ذلك: إنَّه أُوحِيَ إليَّ أنَّكم تُفتَنونَ في قُبورِكُم.) ([132])
(بعث إليَّ عبدُ اللهِ بنُ زيادٍ فأتيتُه فقال: ما أحاديثُ تُحدثُ بها وترويها عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا نجدُها في كتابِ اللهِ تحدثُ أن له حوضًا في الجنةِ. قال: قد حدثناه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووعدناه. فقال: كذبتَ، ولكنك شيخٌ قد خَرِفتَ. قال: إني قد سمعته أذنايَ ووعاه قلبِي من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: من كذَب علَيَّ متعمِّدًا فليتبوأْ مقعدَه من النارِ وما كذبتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ([133]).
(بَعَثَ إليَّ عُبَيدُ اللهِ بنُ زيادٍ، فأتَيتُه فقال: ما أحاديثُ تُحدِّثُها وتَرويها عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا نَجِدُها في كِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ؟! تُحدِّثُ أنَّ له حَوضًا في الجنَّةِ، قال: قد حَدَّثَناه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ووَعَدَناه، قال: كَذَبتَ؛ ولكنَّكَ شَيخٌ قد خَرِفتَ، قال: إنِّي قد سَمِعَتْه أُذُنايَ، ووَعاه قَلبي مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: مَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا، فليَتبوَّأْ مَقعدَه مِن جَهنَّمَ. وما كَذَبتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. وحَدَّثَنا زَيدٌ في مَجلسِه قال: إنَّ الرَّجُلَ مِن أهلِ النَّارِ ليَعظُمُ للنَّارِ حتى يَكونَ الضِّرسُ مِن أضراسِه كأُحُدٍ.) ([134])
وأما د. أحمد نوفل، فيردّ حديث (الشفاعة) مبرراً بأن اتهام الراوي أولى من اتهام الرسول: (وذَكَرَ كَذَباتِهِ) ([135]). وفي حقيقة الأمر ليس هنالك اتهام للرسول (إبراهيم عليه السلام)؛ حيث تبيّن أنّ من معاني الكلمة كَذَبَ في اللغة: أَخْطأ. ود. أحمد نوفل نفسه يجوز الخطأ وعدم العصمة للرسل من الوقوع في الذنوب، أنظر الرابط ([136])! وهذا من تناقضات د. نوفل إذ يقول: "فيش تجميع فيه لخبطيشن مختصر الكلام الأنبياء لو كانوا معصومين بمعنى المنع الإلهي أن يقعوا في الذنوب من فوق لانتهت الأسوة " ([137]).
هذا ولا يصحّ قبول الرّواية أو ردّها بمجرد إعمال عقل فردي، وغير مختص في الحديث! هذا وكيف يقبل د. نوفل لموسى عليه السلام أن يقتل نفساً بغير حقّ (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (القصص: 19)، لكنّه لا يقبل لإبراهيم عليه السلام التورية في ثلاثة مواقف؟! أيهما أعظم عند الله، قتل النفس بغير حقّ أم التورية؟! هل الهدف هو مجرّد الطّعن في حديث صحّحه الشيخان؟! وأرُدُّ عليه عبارته: "فيش تجميع فيه لخبطيشن".
7) ردّه الحديث الصحيح: (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ) ويقول أنّه بحاجة إلى تخريج سياسي
يقول د. نوفل: "الحديث (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) من خرجه؟! وإن صحّ؛ فهو بحاجة إلى تخريج سياسي"! ([138]). يقول هذا مع العلم أنّه ومنذ عقود طويلة لا يوجد كيان سياسي للأمة المسلمة؛ والشريعة الإسلامية أقصيت ولا تحكم واقع الأمة المسلمة. ومعلومٌ أن إقامة الحدود منوطة بالحاكم المسلم (أو القاضي يحكم بأمر الله). وبالتالي أقول: ليتنا نعرف هدف د. نوفل من مناقشة هذا الحديث في ضوء علمه بالحال! فلعلّ هدفه محصور في التّشكيك في حديث نبويّ ثابت أورده الإمام البخاريّ في صحيحه. فلا يعقل أن يكون هدفه إثارة المنظمات الدولية لحقوق الإنسان بهدف محاكمة التشريع!
(مَن بدَّل دينَه فاقتُلوه) ([139]).
(أُتِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، بزَنادِقَةٍ فأحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذلكَ ابْنَ عبَّاسٍ، فقالَ: لو كُنْتُ أنا لَمْ أُحْرِقْهُمْ، لِنَهْيِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تُعَذِّبُوا بعَذابِ اللَّهِ ولَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ.) ([140])
(أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عنْه، حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقالَ: لو كُنْتُ أنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: لا تُعَذِّبُوا بعَذَابِ اللَّهِ، ولَقَتَلْتُهُمْ كما قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ.) ([141])
شرح الحديث: نهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ التَّعذيبِ بالنَّارِ بقولِه: لا يُعذِّبْ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ، وفي هذا الحديثِ أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه حرَّق قومًا بالنَّار، وهم السَّبَئِيَّةُ أتباعُ عبدِ اللهِ بن سَبَأٍ عليه مِن اللهِ ما يستحِقُّ، وكانوا يزعُمون أنَّ عليًّا ربُّهم! تعالى اللهُ وتقدَّس عن مقالتِهم، وقد جمَعهم علِيٌّ رضي الله عنه وأحرَقهم بالنَّارِ؛ مُبالَغةً في إذلالِهم على ما ادَّعَوْه مِن الشِّركِ والبهتانِ، وهذه حادثةُ عينٍ واجتهادُ من عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه خالفه فيه بعضُ الصحابةِ ومنهم عبدُ اللهِ بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما فلمَّا بلَغه ذلك، قال: لو كُنتُ مكانَه لَمَا أحرَقْتُهم، ثمَّ ذكَر قولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لا تُعذِّبوا بعذابِ اللهِ»، ولقتَلْتُهم؛ كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن بدَّل دِينَه فاقتُلوه».
وفي الحديثِ: فضْلُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وسَعة عِلْمه وفِقهه بأحاديثِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وفيه: أدبُ الإنكارِ على المخالِف.
يقول د. نوفل: "الحديث (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) من خرجه؟! وإن صحّ؛ فهو بحاجة إلى تخريج سياسي"! ([142]).
الرّد عليه: يعلم د. نوفل أنّه ومنذ عقود طويلة لا يوجد كيان سياسي للأمة المسلمة؛ والشريعة الإسلامية أقصيت ولا تحكم واقع الأمة المسلمة. ويعلم أن إقامة الحدود منوطة بالحاكم المسلم (أو القاضي يحكم بأمر الله). وبالتالي أسأل د. نوفل ما هدفكم من مناقشة الحديث: (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)؟! هل الهدف محصور بالتشكيك في هذا الحديث الثابت في صحيح البخاري؟! د. نوفل في تسجيلاته على اليوتيوب يناقش أمور معظمها لا يمت للواقع! جزء من تسجيلاته كما رأيتم وسترون في ثنايا هذا الكتاب هو بهدف التشكيك في أحاديث صحيحة؛ بل وأحياناً في البخاري ومسلم! ولله درُّ الشاعر إذ يقول:
أَهلُ الحَدِيثِ هُمُو أَهلِي وَالعِزُّ كُلُّ العِزِّ عِندَ حَدثَنَا
وَقَولِهِم فِي ذَا إِنَّهُ ثِقَةٌ وَذَاكَ وَضَّاعٌ وَهَذَا كَيِّسٌ فَطِنَا
وَيَعلُوا بِهم مِقدَارُ مَادِحَهُم وَيَسفُلُ مَن عَادَاهُمُوا حَسَدَا
أحاديث الصحيحين في حرب المرتدين:
لقد أصرّ خليفةُ رسول الله أبو بكر على حرب المرتدين إنطلاقاً من قول رسول الله (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ). واليوم يخرج د. نوفل ليقول: "الحديث (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) من خرجه؟! وإن صحّ؛ فهو بحاجة إلى تخريج سياسي"!
سؤال: هل سمع د. نوفل بحرب الرّدّة؟! هل سمع قولَ أبي بكر (واللَّهِ لو مَنَعُونِي عَناقًا كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِها): هل سمع قولَ عمر: (فَواللَّهِ ما هو إلَّا أنْ رَأَيْتُ أنْ قدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ لِلْقِتالِ، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ). أنتظر جواب د. نوفل؛ إن كان يسمح له كبرياؤه.
سؤال: هل يخيل للدكتور نوفل أنّ الخير للأمة في تجاهل حديث رسول الله وتجاهل موقف خليفتيه الّذيْن زكاهما الله؟! لينشدوا الصواب عند د. نوفل؟! هل يُؤمِنُ د. نوفل بخيرية القرون الثلاثة الأول؟:
(خيرُ القرونِ قرني الذي بعثتُ فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ([143]). (خيرُ القُرونِ قرني، ثُمَّ الذين يلونَهم ثُمَّ الذين يلونَهم ثُمَّ يفشو الكَذِبُ) ([144]).
8) ينكرُ قتالَ الملائكةِ مع المؤمنين يوم بدر رغم ثبوته في القرآن والسّنة
الآيات الكريمة: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)) (الأنفال).
ينفي د. أحمد نوفل أن تكون الملائكة قاتلت مع المؤمنين يوم بدر ([145]). ولعلّه تبنّى في ذلك رأي محمد رشيد رضا في تفسيره المنار. ويُنظر كذلك في الحلقة التي يقول فيها نوفل وبالعامّيّة: "المعجزات بمعنى الملائكة تقاتل عنا فهذا مش وارد وعمره ما كان وارد، كلامي واضح، فيقول لي البعض حيلك أين أنت من قوله تعالى {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} {أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ}." ([146]).
المقدم: مردفين
كلام الضيف (د. نوفل): (لا اعتراض على كلام ربي، أعوذ بالله، لكن مع احترامي للسائل، أنت ماذا فهمت من كلام الله عز وجل، أنا راح أقولك المعنى {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ} ما مهمة الآلاف، هم ألف وثلاثة وخمسة من الملائكة، ما مهمتهم، مهمتهم التثبيت فقط، إذن هل نحن بحاجة إلى خوارق، لا يا أخي، خوارق ليه، هل نحن بحاجة إلى ملائكة تقاتل عنا أو معانا الجواب لا، القانون {لَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } الناس تدفع الناس، وبعدين عدونا الخسيس هذا بدو ملائكة تقاتله، لا، ملائكة ليه، ملائكة تثبتنا روح الله معنا.)
الرّد على د. نوفل:
ينكر قتال الملائكة مع المؤمنين يوم بدر وبالرغم من ثبوت ذلك في الحديث الذي يرويه مسلم: (لَمَّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إلى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ القِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ برَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هذِه العِصَابَةَ مِن أَهْلِ الإسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ، فَما زَالَ يَهْتِفُ برَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، حتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ، فأتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فأخَذَ رِدَاءَهُ، فألْقَاهُ علَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ التَزَمَهُ مِن وَرَائِهِ، وَقالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فإنَّه سَيُنْجِزُ لكَ ما وَعَدَكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بأَلْفٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ{ فأمَدَّهُ اللَّهُ بالمَلَائِكَةِ. قالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحدَّثَني ابنُ عَبَّاسٍ، قالَ: بيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَومَئذٍ يَشْتَدُّ في أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الفَارِسِ يقولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إلى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإِذَا هو قدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذلكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الأنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بذلكَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: صَدَقْتَ، ذلكَ مِن مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَقَتَلُوا يَومَئذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. قالَ أَبُو زُمَيْلٍ، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: ما تَرَوْنَ في هَؤُلَاءِ الأُسَارَى؟ فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: يا نَبِيَّ اللهِ، هُمْ بَنُو العَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ منهمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً علَى الكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلَامِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ما تَرَى يا ابْنَ الخَطَّابِ؟ قُلتُ: لا وَاللَّهِ يا رَسولَ اللهِ، ما أَرَى الذي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِن فُلَانٍ نَسِيبًا لِعُمَرَ، فأضْرِبَ عُنُقَهُ، فإنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ما قالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ ما قُلتُ، فَلَمَّا كانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مِن أَيِّ شيءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فإنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِن أَخْذِهِمِ الفِدَاءَ، لقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِن هذِه الشَّجَرَةِ، شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِن نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكونَ له أَسْرَى حتَّى يُثْخِنَ في الأرْضِ} إلى قَوْلِهِ {فَكُلُوا ممَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} فأحَلَّ اللَّهُ الغَنِيمَةَ لهمْ.) ([147])
شرح الحديث: ويَحكي ابنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما: بينما رجُلٌ، أي: أنصاريٌّ مِن المُسلِمينَ يومَئذٍ يشتَدُّ، أي: يُسرِعُ ويَعْدو في أثَرِ رجُلٍ، أي: في عقِبِ رجُلٍ مِن المُشركين أمامَه، أي: واقعٌ قُدَّامَه، إذ سَمِعَ، أي: المُسلمُ، ضربةً، أي: صوتَ ضربةٍ بالسَّوطِ فوقه، أي: فوق المُشركِ، وصوتَ الفارسِ يقولُ: أقدِمْ، أي: اعزِمْ حَيْزومُ، أي: يا حَيْزومُ، وهو اسمُ فرَسِه، إذ نظَر المُسلمُ إلى المُشركِ أمامه خرَّ مُستلقيًا، أي: سقَط على قفاهُ، فإذا هو، أي: المُشركُ، قد "خُطِمَ أنفُه"، وهو الأثَرُ على الأنفِ، أي: كُسِرَ، فهو أثَرُه، وشُقَّ وجهُه، أي: قُطِعَ طُولًا، كضربةِ السَّوطِ، فاخضَرَّ ذلك أجمعُ، أي: صار موضعُ الضَّربِ كلُّه أخضرَ، أو أسودَ؛ فإنَّ الخُضرةَ قد تُستعمَلُ بمعنَى السَّوادِ، فجاء الأنصاريُّ، فحدَّث رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: صدَقْتَ، ذلك مِن مَدَدِ السَّماءِ الثَّالثةِ، فقتَلوا، أي: المُسلِمون، يَومَئذٍ سَبعين وأسَروا سبعين مِن المشرِكين.
يرى د. أحمد نوفل أنّ الإمداد بالملائكة وقتالهم يوم بدر مع المؤمنين يتعارض مع الآية: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
الرّد عليه:
(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران 126)
يقول السعدي في تفسيره:
( وما جعله الله ) أي: إمداده لكم بالملائكة (إلا بشرى) تستبشرون بها وتفرحون (ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله ) فلا تعتمدوا على ما معكم من الأسباب، بل الأسباب فيها طمأنينة لقلوبكم، وأما النصر الحقيقي الذي لا معارض له، فهو مشيئة الله لنصر من يشاء من عباده، فإنه إن شاء نصر من معه الأسباب كما هي سنته في خلقه، وإن شاء نصر المستضعفين الأذلين ليبين لعباده أن الأمر كله بيديه، ومرجع الأمور إليه، ولهذا قال ( عند الله العزيز ) فلا يمتنع عليه مخلوق، بل الخلق كلهم أذلاء مدبرون تحت تدبيره وقهره ( الحكيم ) الذي يضع الأشياء مواضعها، وله الحكمة في إدالة (غلبة، ظفرة) الكفار في بعض الأوقات على المسلمين إدالة غير مستقرة، قال تعالى: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ).
لعلّ هنالك بعض المفسرين الأفاضل والذين يرون أنّ الملائكة لم تقاتل يوم بدر. وأقول إنّ النصر من عند الله وحتى في حال إعداد كامل العدة وبذل غاية الجهد والوسع على أرض المعركة: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (آل عمران: 160). ويقول سبحانه في سورة الأنفال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( (الأنفال: 17). يقول البغوي في تفسيره: قوله تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) قال مجاهد سبب هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال (يوم بدر) كان الرجل يقول: أنا قتلت فلانا ويقول الآخر مثله، فنزلت الآية. ومعناه: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم، ولكن الله قتلهم بنصره إياكم وتقويته لكم. وقيل: لكن الله قتلهم بإمداد الملائكة.
النصر من عند الله في كل الأحوال والأمكنة والأزمنة؛ وهذا لا ينافي الإعداد الواجب والمفروض شرعا وعقلا: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (الأنفال: 60). النصر من عند الله سواء أكان هنالك إمداد بالملائكة كما ثبت يوم بدر؛ أم لم يكن كما الحال في بداية غزوة حنين: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) (التوبة 25).
يقول تعالى: (ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (التوبة 26).
الله سبحانه وتعالى لا يُسألُ عما يفعلُ، وأمره وحكمه نافذان: وذلك من خلال سنن أودعها في هذا الكون أو بدونها أحياناً: خلق اللهُ آدمَ من طين، وخلق حواء من آدم، وخلق عيسى بن مريم من دون أبٍ، ويخلق الذرية من خلال التزاوج. ولقد أمدّ اللهُ المؤمنين يوم بدر بالملائكة تقاتل معهم؛ وهو قادرٌ على نصرهم بدون ملائكة؛ لكنه أراد سبحانه لهذا الإمداد أن يكون بشرى للمؤمنين وليستيقنوا معية الله وحفظه ورعايته لهم يشاهدون آثارها عياناً. ونعلم أنّ جنود الله كثر.
جنود ربك كثر: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ) (المدثر: 31).
ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ: اللَّهُ سبحانه هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) (الحشر: 2). يعني: يهود بني النضير. (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ).
(فُضِّلْتُ علَى الأنْبِياءِ بسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، وخُتِمَ بيَ النَّبِيُّونَ.) ([148])
(بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وبيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأرْضِ فَوُضِعَتْ في يَدِي، قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَلْغَثُونَهَا، أَوْ تَرْغَثُونَهَا، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا.) ([149]).
شرح الحديث: فَضَّلَ الله سبحانه نَبيَّه مُحمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم على سائرِ الأنبياءِ والرُّسُل، وخَصَّه بخصائصَ كثيرةٍ، ومِنها ما في هذا الحَديثِ، حيثُ يُخبِرُ أبو هُريرَةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: بُعِثتُ، أيْ: أُرسِلتُ بجَوامعِ الكَلِمِ، أيْ: بالقُرآنِ؛ جَمَعَ اللهُ تَعالى في الْألْفاظِ اليَسيرةِ مِنهُ المَعانيَ الكَثيرَةَ، وَكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَتكلَّمُ بجَوامعِ الكَلمِ قَليلةِ الْألْفاظِ كَثيرَةِ المَعاني. ونُصِرتُ بالرُّعبِ، أيِ: الْخَوفِ وَالفَزعِ، فَكانَ يَقعُ ذلِك في قُلوبِ أعدائِه مَسيرةَ شَهرٍ.
أقوال المفسرين في قتال الملائكة يوم بدر:
يقول ابن كثير: (وروى الإمام أبو جعفر بن جرير، ومسلم، من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك بن وليد الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر، الحديث المتقدم. ثم قال أبو زميل حدثني ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: " أقدم حيزوم " إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيا قال: فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. ([150])
قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، أي: وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى، (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ)؛ وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم بدون ذلك، ولهذا قال: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ) كما قال تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) ] محمد: 4 - 6 [ وقال تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) ] آل عمران: 140، 141 [ فهذه حِكَمٌ شرعَ اللهُ جهادَ الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها).
ويقول القرطبي: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ) نبه على أن النصر من عنده جل وعزّ لا من الملائكة؛ أي لولا نصره لما انتفع بكثرة العدد بالملائكة. والنصر من عند الله يكون بالسيف ويكون بالحجة.
ويقول القاسمي (محاسن التأويل): “... ثمّ علمهم تعالى كيفية الضرب بقوله تعالى: (فاضربوا) أمرٌ للمؤمنين أو للملائكة. وعليه، ففيه دليل عل أنهم قاتلوا (فوق الأعناق) أي أعالي الأعناق التي هي المذابح، تطييراً للرؤوس. أو أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق..." (الجزء الثامن، صفحة 2961)
ويقول الطبري: وما تُنصرون على عدوكم، أيها المؤمنون، إلا أن ينصركم الله عليهم، لا بشدة بأسكم وقواكم، بل بنصر الله لكم، لأن ذلك بيده وإليه، ينصر من يشاء من خلقه. "إن الله عزيز حكيم" يقول: إن الله الذي ينصركم، وبيده نصرُ من يشاء من خلقه. "عزيز"، لا يقهره شيء، ولا يغلبه غالب، بل يقهر كل شيء ويغلبه، لأنه خلقه. "حكيم"، يقول: حكيم في تدبيره ونصره من نصر، وخذلانه من خذل من خلقه، لا يدخل تدبيره وهن ولا خَلل.
وفي شأن بني قُريظةَ لدينا الحديث: (أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لما رجع من طلبِ الأحزابِ رجع فلبِسَ لَأْمَتَه واستجمَر زاد دُحَيمٌ في حديثه قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فنزل جبريلُ عليه السلامُ فقال: عُذَيرُك من مُحارِبٍ، ألا أُراكَ قد وضعْتَ الَّلأْمَةَ وما وضعْناها بعد؟ فوثَب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فزعا، فعزم على الناسِ ألا يُصلُّوا العصرَ إلا في بني قُريظةَ فلبِسوا السِّلاحَ وخرجوا فلم يأْتوا بني قُريظةَ حتى غَربتِ الشمسُ واختصم الناسُ في صلاةِ العصرِ فقال بعضُهم صَلُّوا فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يُرِدْ أن تتركوا الصلاةَ وقال بعضُهم عزَم علينا أن لا نُصَلِّيَ حتى نأتيَ بني قُريظةَ وإنما نحنُ في عزيمةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فليس علينا إثمٌ فصَلَّت طائفةٌ العصرَ إيمانًا واحتسابًا وطائفةٌ لم يُصلُّوا حتى نزلوا بني قُريظةَ بعد ما غَربتِ الشمسُ فصلَّوها إيمانًا واحتسابًا فلم يُعَنِّفْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واحدةً من الطائفتَينِ) ([151]).
سؤال: قول جبريل عليه السلامُ: (عُذَيرُك من مُحارِبٍ، ألا أُراكَ قد وضعْتَ الَّلأْمَةَ وما وضعْناها بعد؟)؛ ألا يدل على قتال الملائكة مع المؤمنين؟
(قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ الأحْزَابِ: لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ فأدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حتَّى نَأْتِيَهَا، وقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذلكَ، فَذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا منهمْ.) ([152])
الشرح: كانَ الرَّسولُ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم هو المَرجِعَ للصَّحابةِ في كُلِّ شُؤونِهم؛ فإذا حَدَث اختِلافٌ ردُّوه إليه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم؛ ليُبيِّنَ لهُم ما أَشْكَلَ عليهم، أو يُقرَّهم على ما اجتَهدوا فيه.
وفي هذا الحديثِ: قالَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يَومَ الأحزابِ: "لا يُصلِّينَّ أحدٌ العَصرَ إلَّا في بني قُرَيظةَ"، أي: أرادَ الحثَّ على الاستعجالِ في الذَّهابِ إلى بني قُرَيظة لا حقيقةَ تَركِ الصَّلاةِ؛ فإنَّه أرادَ إزعاجَ النَّاسِ (تحرُّكهم) إليها لِمَا كان أَخبَره جِبريلُ أنَّهُ لم يَضَع السِّلاحَ بَعدُ، وأَمَره ببني قُرَيظة، "فأَدرَك بَعضُهم العَصرَ في الطَّريقِ، فقالَ بَعضُهم: لا نُصلِّي حتَّى نَأتيَها"، "لا نُصلِّي حتَّى نَأتيَها" عَملًا بظاهِر قولِه: "لا يُصلِّينَّ أَحدٌ"؛ لأنَّ النُّزولَ مَعصيةٌ للأمرِ الخاصِّ بالإسراعِ؛ فخصُّوا عُمومَ الأمرِ بالصَّلاةِ أوَّلَ وقَتهِا بما إذا لم يَكُن عُذرٌ، وأن يُمتَثل أَمرُ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، وإن تأخَّرت الصَّلاةُ عن فَضيلتِها في أوَّلِ الوقتِ تَمسُّكًا بحُدودِ نُطقِ رسولِ اللَّه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم، "وقال بعضُهم: بل نُصلِّي"؛ نظرًا إلى المعنى لا إلى ظاهِرِ اللَّفظِ، "لم يُرِدْ منَّا ذلك"، أي: إنَّ وصيَّته صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم بذلك إنَّما هي على سَبيلِ الحَثِّ لهُم في السَّير كما فُهِمَ بامتثالٍ ما أَمَرَ به، فلمَّا دَخَل عليهم وقتُ العَصرِ، وعَرَفوا مَقصودَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم مِن ذلك، رَأوا أن يَنالوا فَضيلةَ الصَّلاةِ في وقتِها، وأنْ يَذهبوا إلى بَني قُرَيْظةَ مُمتَثلينَ أمْرَ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم في الوُصولِ إليها، "فذُكِرَ ذلك" الفِعلُ المَذكورُ مِن فِعلِ الطَّائفتين "للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم فلَم يُعنِّف واحدًا منهُم"، لا التَّاركينَ ولا الَّذين فَهِموا أنَّهُ كنايةٌ عن العَجَلةِ؛ لأنَّهُم مُجتهِدون. وفي هذا الحَديثِ: إثابةُ المجتهِدِ في كُلِّ ما يُسوَّغُ الاجتِهادُ فيه.
* تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن/ الطبرسي (ت 548 هـ) مصنف و مدقق
"واختلف في أن الملائكة هل قاتلت يوم بدر أم لا فقيل: ما قاتلت، ولكن شجعت وكثرت سواد المسلمين وبشرت بالنصر عن الجبائي. وقيل: إنها قاتلت قال مجاهد: إنما أمدهم بألف مقاتل من الملائكة ... وعن ابن عباس أن الملائكة قاتلت يوم بدر وقتلت. (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ) معناه أنه لم يكن النصر من قبل الملائكة وإنما كان من قبل الله لأنهم عباده ينصر بهم من يشاء كما ينصر بغيرهم ويحتمل أن يكون المعنى ما النصر بكثرة العدد، ولكن النصر من عند الله ينصر من يشاء قل العدد أم كثر: {إن الله عزيز} لا يمنع عن مراده {حكيم} في أفعاله يجريها على ما تقتضيه الحكمة."
* تفسير انوار التنزيل واسرار التأويل/ البيضاوي (ت 685 هـ) مصنف و مدقق
" ... واختلف في مقاتلتهم وقد روي أخبار تدل عليها."
* تفسير فتح القدير/ الشوكاني (ت 1250 هـ) مصنف و مدقق
"والضمير في { وما جعله الله } راجع إلى الإمداد المدلول عليه بقوله { أَنِّي مُمِدُّكُمْ } { إِلاَّ بُشْرَىٰ } أي إلا بشارة لكم بنصره، وهو استثناء مفرّغ، أي ما جعل إمدادكم لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بالنصر. {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ} أي بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمدّ الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم وتثبيتها"
* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق
"... وقال بعضهم: إن الملائكة لم يقاتلوا وإنّما كانوا مبشرين. وروي عن ابن عباس أنه قال: قاتلت الملائكة يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ولا يوم حنين، {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} يعني مدد الملائكة إلاَّ بُشْرَى { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } يعني لتسكن إليه (بِهِ) قلوبكم {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} يعني ليس النصر بقلة العدد ولا بكثرة العدد ولكن النصرة من عند الله {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} عزيز بالنقمة، حكيم حكم بالنصرة للنبي - صلى الله عليه وسلم – وللمؤمنين".
* تفسير النكت والعيون/ الماوردي (ت 450 هـ) مصنف و مدقق
"واختلفوا في قتال الملائكة معهم على قولين. أحدهما: لم يقاتلوا وإنما نزلوا بالبشرى لتطمئن به قلوبهم، وإلا فملك واحد يهلك جميع المشركين كما أهلك جبريل قوم لوط. الثاني: أن الملائكة قاتلت مع النبي صلى الله عليه وسلم."
* تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل/ الخازن (ت 725 هـ) مصنف و مدقق
"... {وما جعله الله إلا بشرى} يعني وما جعل الله الإرداف بالملائكة إلا بشرى {ولتطمئن به قلوبكم} وهذا يحقق أنهم إنما نزلوا لذلك لا للقتال والصحيح هو الأول وأنهم قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا فيما سواه من الأيام. وقوله تعالى: {وما النصر إلا من عند الله} يعني أن الله هو ينصركم أيها المؤمنون فثقوا بنصره ولا تتكلوا على قوتكم وشدة بأسكم وفيه تنبيه على أن الواجب على العبد المسلم أن لا يتوكل إلا على الله في جميع أحواله ولا يثق بغيره فإن الله تعالى بيده النصر والإعانة {إن الله عزيز} يعني أنه تعالى قوي منيع لا يقهره شيء ولا يغلبه غالب بل هو يقهر كل شيء ويغلبه ..."
* تفسير الكشاف/ الزمخشري (ت 538 هـ) مصنف و مدقق
يُدلل الزمخشري على قتالهم بالحديث في صحيح مسلم: (..بيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَومَئذٍ يَشْتَدُّ في أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الفَارِسِ يقولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إلى المُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإِذَا هو قدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذلكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الأنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بذلكَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: صَدَقْتَ، ذلكَ مِن مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ...) ([153]). ويذكر أيضاً حديثاً إسناده لا يصح ([154]). ويذكر الرأي الآخر: "وقيل لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم، فإنّ جبريل عليه السلام أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح بصيحة واحدة..."
الخلاصة:
الآية: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [8:10]. (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) لا تفيد عدم قتال الملائكة؛ وإنما هي تأكيد على أنّ النصر من عند الله سبحانه؛ وليس حتى من أخذكم بالأسباب والذي هو مطلب شرعي وضروري. لكن يجب علينا أن نؤمن بأنّ الأسباب بذاتها لا تعمل (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، لا بل إنّ الاعتماد على ذات الأسباب شركٌ. وهذا ما يؤكده القرآن في آيات عديدة؛ ومنها ما هو في نفس سورة الأنفال:
(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [8:17]
(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [8:26]
بل لا يوجد نصر بدون معيّة الله حتى وإن توافرت الأسباب المادية: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) [8:12]
إن هذه الآية وحي الله إلى الملائكة قبيل تنزل جبريل بها على قلب وسمع رسولنا الكريم محمد، وبالتالي فالمخاطب بها قبل البشرية هم الملائكة التي نزلت يوم بدر: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ). ولا أدل من هذه الآية على قتال الملائكة يوم بدر. الآية وحي الله إلى الملائكة كما أوحى سبحانه إلى النحل (وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ (النحل 68). أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، فالنحل هو المأمور في هذا الوحي ومنذ بداية الخليقة، وبالتالي من قبل تنزل هذه الآيات على قلب وسمع رسولنا الكريم محمد.
الآية هي وحي الله إلى الملائكة كما أوحى سبحانه إلى أم موسى (وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ) (القصص 7). أُمُّ موسى هي المخاطبة أو المأمورة في وحي هذه الآية ومن قبل تنزلها قرآنا على قلب محمد بألفي سنة ويزيد.
الآية (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) هي وحي الله إلى الملائكة كما أوحى سبحانه إلى الجبال؛ يا جِبَالُ أَوِّبِي معه والطير: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ 10 ). يقول الطبري: " وقوله عز وجل: (يا جبال أوبي معه) ويقرأ: (أوبي معه) أي بضم الهمزة. فمن قرأ أوبي معه بفتح الهمزة، وشد الواو المكسورة فمعناه: يا جبال سبحي معه، ورجعة التسبح لأنه قال: سخرنا الجبال معه يسبحن. ومن قرأ (أوبي معه) أي بضم الهمزة، فمعناه: عودي معه في التسبيح كلما عاد فيه. “ الملائكة مأمورة بوحي الآية (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)، وبالتالي فقد شاركت الملائكة بالجهاد وضرب الأعناق يوم بدر.
يقول تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) [8:11]. كما أنّ النُّعَاسَ فعل فعله المادّي الحسّي والمعنوي فكان أَمَنَةً، وكما أنّ الماء الطاهر المطهر فعل فعله المادّي الحسّي والمعنوي، وكما أنّ النصر يوم بدر كان مادّياً حسّيّا ملموساً عياناً ومعنويّاً أيضاً، فلقد كان للإمداد بالملائكة أثره المادّي الحسّي من قتل المشركين (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)، كما وقد كان له أيضاً فعله المعنوي (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ).
لقد مرّ بنا العديد من أحاديث الصحيحين، والتي يردّها د. نوفل من غيرما منهجية! وبالتالي أستكملُ الردّ الحاسم من أقواله! كيف لا وقد اعتدنا على تناقضاته! يقول د. نوفل: " العلماء قد يناقشوا العلماء مش من هبّ ودبّ، بعض الأحاديث ثلاثة أربعة خمسة أيّاً كان، يناقشونها سنداً ومتناً ما فيه مشكلة ما فيه مشكلة قد يكون تسرب إلى البخاري فيه بعض الإسرائيليات مثلاً! بعض الأحاديث متنا ومعنى تحتاج إلى مراجعة، لكن أن يأتي من يقول البخاري كتابٌ متخلّف، يعني وصف متخلّف فيه ذوق فيه علم فيه أدب؟! فيه مسحة من أخلاق؟! لا والله ولا وفاء ولا دين، ولا شيء من هذا القبيل، ولا علم طبعاً، كتاب متخلّف! أولا هل موضوع القائل أو القائلة العلم الديني أو العلم الشرعي، شغالة بعلم الإجتماع، اشتغلي أو اشتغل بعلم الإجتماع تاعك ما تتعداش على اختصاص ليس من اختصاصك! ولا الهجمة مرتبة على أن تهدموا أصول الدين شيئاً شيئاً. أن يناقش العلماء المختصون حديث البخاري ويردوه سنداً، بعض الأحاديث اثنين ثلاثة أربعة مثلاً مثلا تناقش متنا تناقش سنداً هذا شغل علماء متخصّصين ([155])".
سؤالي هو: هل مجال اختصاص د. نوفل هو علم الحديث؟! فلقد ردّ العديد من أحاديث الصحيحين! وهل التزم د. نوفل هذه الأخلاقيات التي يدعونا إليها الآن؟! أم أنه يطرح أي كلام وفي مجالات علوم لا يعرف أبجدياتها؟! الجواب تجده في هذا الكتاب، وفي غيره ([156])
9) يؤكد د. نوفل على عدم الوقوف على اسم الجلالة (اللَّهُ ۗ) في الآية: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) مُخالفاً التفسير الراجح وضبط المصحف. ويقول بعدم وجود آيات متشابهة في القرآن!
الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران 7).
يؤكد د. نوفل على عدم الوقوف على اسم الجلالة (اللَّهُ ۗ) فيطلب الوصل في قراءة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ). ويقول للإمام حبذا لو قرأت بالوصل. بل ويؤكد على عدم وجود آيات متشابهة في القرآن؛ محتجّاً بأن ابن عباس يعلم كلّ آية فيما أنزلت! ([157]). أنظر كذلك المحاضرة ([158])؛ إذ يقول وبالعامّيّة: "(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ)؛ (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) غلط! إذاً شو استفدنا من القرآن". ويصرُّ على نفي وجود المتشابه في آي القرآن ([159]). ويقول مشيراً بكلتا يديه إلى صدره "ابن عباس كان يقول أنا من الراسخين في العلم أعلم تأويله اسألوني. ما فيه آية كان يقول أنا بعرفهاش والله!... في القرآن ما فيه متشابه على أولي العلم، فيه متشابه على اللي ما عنده علم! ما فيه متشابه. ... ابن عباس عنده المتشابه صفر.! " هذا الكلام وبالعامّيّة وبالحرف هو كلام د. نوفل ([160]). وهذا القول الذي يستشهد به وينسبه لإبن عباس لا يرتقي سنده إلى الصحيح ([161])! لكن د. نوفل الذي غالباً ما يردّ أحاديث متفق على صحتها! يستشهدُ به كثيراً!
الرّد على د. نوفل: أقول والحقّ والصواب هو تماماً عكس المفهوم الذي يقدّمه د. نوفل، وإليك بيانه الجليّ من خلال التفاسير التي يعتمدها د. نوفل (الرازي؛ تفسير المنار). وأستشهد هنا بنص أنقله من تفسير المنار (جزء 3، ص 168-172): "وههنا يأتي السؤال: لِمَ كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلاّ اللهُ والراسخون في العلم؟ ولِمَ لمْ يكن كله محكماً يستوي في فهمه جميع الناس، وهو قد نزل هادياً والمتشابه يحول دون الهداية بما يوقع اللبس في العقائد، ويفتح باب الفتنة لأهل التأويل؟ أقول وقد ذكر الرازي هذا السؤال مفصّلاً وذكر للعلماء خمسة أجوبه عنه... وهاك أيها القارئ ما قاله الأستاذ الإمام (الرازي) في بيان أجوبة العلماء، وهي عنده ثلاثة:
1- إنّ الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به ... 2- جعل اللهُ المتشابه في القرآن حافزاً لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت فإنّ السهل الجلي جداً لا عمل للعقل فيه. والدين أعزّ شيء على الإنسان فإذا لم يجد فيه مجالاً للبحث يموت فيه وإذا مات فيه لا يكون حيّاً بغيره فالعقل شيء واحد إذا قوي في شيء قوي في كلّ شيء، وإذا ضعف ضعف في كلّ شيء ولذلك قال (والراسخون في العلم). ... فمن رحمته تعالى أن جعل في الدين مجالاً لبحث العقل ([162]) بما أودع فيه من المتشابه فهو يبحث أولاً في تمييز المتشابه من غيره وذلك يستلزم البحث في الأدلة الكونية والبراهين العقلية ([163]) وطرق الخطاب ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدي إلى تأويله. وهذا الوجه لا يأتي إلا على قول من عطف (والراسخون) على لفظ الجلالة، وليكن كذلك.
إنّ الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامّة الناس وخاصّتهم سواء. ... فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجهة إلى العالم والجاهل والذكي والبليد والمرأة والخادم، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كل مخاطب عامياً كان أو خاصيّاً ألا يكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمرُ العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والوقوف عند حدّ المحكم، فيكون لكلّ نصيبه على قدر استعداده. مثال ذلك: إطلاق لفظة (كلمة الله) و (روح من الله) على عيسى؛ فالخاصة يفهمون من هذا ما لا يفهمه العامة. ولذلك فتن النصارى بمثل هذا التعبير إذ لم يقفوا عند حدّ المحكم، وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله جنس أو أم أو ولد، والمحكم عندنا في هذا قوله تعالى: (إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم) (آل عمران: 59). ...
وهذا النوع من المتشابه من أجلّ نعم الله تعالى ولا سبيل إلى الاعتراض على اشتمال الكتاب عليه.
(وما يتذكّر إلا أولوا الألباب) قال الأستاذ الإمام وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا أرباب القلوب النيرة والعقول الكبيرة، وإنّما وصف الراسخون بذلك لأنهم لم يكونوا راسخين إلا بالتعقل والتدبر لجميع الآيات المحكمة التي هي الأصول والقواعد، حتى إذا عرض المتشابه بعد ذلك يتسنى لهم أن يتذكروا تلك القواعد المحكمة وينظروا ما يناسب المتشابه منها فيردونه إليه" إنتهى.
يبيّن هذا الرأي الراجح والعميق حكمة وجود المتشابه في القرآن، بينما د. نوفل ينفي وجود المتشابه لظنه أنْ لا فائدة من وجود آيات متشابهات! بل ويخيّل إليه أنّ بعض الناس (كشخصه مثلاً) يفهم جميع آيات القرآن الكريم وعلى مراد الله، وحتى الآيات الكونية منها! وبالتالي أين هو من مقولة أنّ إعجاز القرآن متجدّد وسنبقى أبداً نكتشف أسراره وكنوزه؟! أين هو من مقولته: "وراء كل لفظة مخزون ومكنون من المعاني لا ينتهي ولا ينضب مدٌّ وبحرٌ بلا ساحل ". ([164]).
ويمكن الرّد على د. نوفل من خلال الحديث الصحيح: (كانَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما يقرؤها وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ (ويقولُ) الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بهِ) ([165]). كانَت هذه القراءةُ التفسيرية لابن عبَّاسٍ والذي غالبا ما يشيد بعلمه د. نوفل!
ويمكن الرّد على د. نوفل من خلال تفسير ابن كثير:
يقول ابن كثير: "وَقِيلَ فِي الْمُتَشَابِهَات: الْمَنْسُوخَة وَالْمُقَدَّم وَالْمُؤَخَّر وَالْأَمْثَال فِيهِ وَالْأَقْسَام وَمَا يُؤْمَن بِهِ وَلَا يُعْمَل بِهِ رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقِيلَ هِيَ الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة فِي أَوَائِل السُّوَر قَالَهُ مُقَاتِل بْن حَيَّانَ وَعَنْ مُجَاهِد الْمُتَشَابِهَات يُصَدِّق بَعْضها بَعْضًا وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي تَفْسِير قَوْله " كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ " هُنَاكَ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُتَشَابِه هُوَ الْكَلَام الَّذِي يَكُون فِي سِيَاق وَاحِد وَالْمَثَانِي هُوَ الْكَلَام فِي شَيْئَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ كَصِفَةِ الْجَنَّة وَصِفَة النَّار وَذِكْرِ حَال الْأَبْرَار وَحَال الْفُجَّار وَنَحْو ذَلِكَ. وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمُتَشَابِه هُوَ الَّذِي يُقَابِل الْمُحْكَم وَأَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّد بْن إِسْحَق بْن يَسَار رَحِمَهُ اللَّه حَيْثُ قَالَ ([166])" مِنْهُ آيَات مُحْكَمَات " فَهُنَّ حُجَّة الرَّبّ وَعِصْمَة الْعِبَاد وَدَفْع الْخُصُوم الْبَاطِل لَيْسَ لَهُنَّ تَصْرِيف وَلَا تَحْرِيف عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَالْمُتَشَابِهَات فِي الصِّدْق لَيْسَ لَهُنَّ تَصْرِيف وَتَحْرِيف وَتَأْوِيل اِبْتَلَى اللَّه فِيهِنَّ الْعِبَاد كَمَا اِبْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَال وَالْحَرَام أَلَّا يُصْرَفْنَ إِلَى الْبَاطِل وَيُحَرَّفْنَ عَنْ الْحَقّ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ زَيْغ " أَيْ ضَلَال وَخُرُوج عَنْ الْحَقّ إِلَى الْبَاطِل " فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ " أَيْ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ بِالْمُتَشَابِهِ الَّذِي يُمْكِنهُمْ أَنْ يُحَرِّفُوهُ إِلَى مَقَاصِدهمْ الْفَاسِدَة وَيُنْزِلُوهُ عَلَيْهَا لِاحْتِمَالِ لَفْظه لِمَا يَصْرِفُونَهُ فَأَمَّا الْمُحْكَم فَلَا نَصِيب لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ دَافِع لَهُمْ وَحُجَّة عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى " اِبْتِغَاء الْفِتْنَة " أَيْ الْإِضْلَال لِأَتْبَاعِهِمْ إِيهَامًا لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتهمْ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ حُجَّة عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ كَمَا لَوْ اِحْتَجَّ النَّصَارَى بِأَنَّ الْقُرْآن قَدْ نَطَقَ بِأَنَّ عِيسَى رُوح اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاج بِقَوْلِهِ " إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْد أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ " وَبِقَوْلِهِ " إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون " وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات الْمُحْكَمَة الْمُصَرِّحَة بِأَنَّهُ خَلْق مِنْ مَخْلُوقَات اللَّه وَعَبْد وَرَسُول مِنْ رُسُل اللَّه. ...". انتهى كلام ابن كثير.
وهنالك فرق بين التَأْوِيل والتفسير. وأقتبس أيضاً من تفسير ابن كثير: "التَّأْوِيل يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ فِي الْقُرْآن مَعْنَيَانِ أَحَدهمَا التَّأْوِيل بِمَعْنَى حَقِيقَة الشَّيْء وَمَا يَئُول أَمْرُهُ إِلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ مِنْ قَبْل " وَقَوْله " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيله يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله " أَيْ حَقِيقَة مَا أُخْبرُوا بِهِ مِنْ أَمْر الْمَعَاد فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ هَذَا فَالْوَقْف عَلَى الْجَلَالَة لِأَنَّ حَقَائِق الْأُمُور وَكُنْهَهَا لَا يَعْلَمهُ عَلَى الْجَلِيَّة إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَيَكُون قَوْله " وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم " مُبْتَدَأ وَ " يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ " خَبَره وَأَمَّا إِنْ أُرِيد بِالتَّأْوِيلِ الْمَعْنَى الْآخَر وَهُوَ التَّفْسِير وَالْبَيَان وَالتَّعْبِير عَنْ الشَّيْء كَقَوْلِهِ " نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ " أَيْ بِتَفْسِيرِهِ فَإِنْ أُرِيد بِهِ هَذَا الْمَعْنَى فَالْوَقْف عَلَى " وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم " لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ وَيَفْهَمُونَ مَا خُوطِبُوا بِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَار وَإِنْ لَمْ يُحِيطُوا عِلْمًا بِحَقَائِق الْأَشْيَاء عَلَى كُنْهِ مَا هِيَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُون قَوْله " يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ " حَال مِنْهُمْ وَسَاغَ هَذَا وَأَنْ يَكُون مِنْ الْمَعْطُوف دُون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ " لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ - إِلَى قَوْله - " يَقُولُونَ رَبّنَا اِغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا " الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى " وَجَاءَ رَبّك وَالْمَلَك صَفًّا صَفًّا " أَيْ وَجَاءَ الْمَلَائِكَة صُفُوفًا صُفُوفًا.
وَقَوْله تعالى:" هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيله يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله ". يقول ابن كثير أَيْ حَقِيقَة مَا أُخْبرُوا بِهِ مِنْ أَمْر الْمَعَاد فَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ هَذَا فَالْوَقْف عَلَى الْجَلَالَة لِأَنَّ حَقَائِق الْأُمُور وَكُنْهَهَا لَا يَعْلَمهُ عَلَى الْجَلِيَّة إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. وهذا التفسير تشهد له الآيات القرآنية. فلو استعرضنا القرآن لوجدنا أن كلمة يوم متبوعة بفعل مضارع (يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله) هي دوماً حديث عن يوم القيامة أو عن الانقلابات الكونية بين يدي الساعة (أنظر البحث العمري، حسين يوسف راشد، دخان السّماء المتوعدُ به ([167]).
العبارة القرآنيّة (يَوْمَ تَأْتِي) أو (يَوْمَ يَأْتِي) هي حديث عن اليوم الآخر أو أماراته الكبرى؛ ويشهد لذلك الآيات القرآنيّة التالية:
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأعراف 53]. قَالَ " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيله" أَيْ مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ الْعَذَاب وَالنَّكَال وَالْجَنَّة وَالنَّار قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد وَقَالَ مَالِك: ثَوَابه وَقَالَ الرَّبِيع لا يَزَال يَجِيء مِنْ تَأْوِيله أَمْر حَتَّى يَتِمّ يَوْم الْحِسَاب حَتَّى يَدْخُل أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار فَيَتِمّ تَأْوِيله يَوْمئِذٍ وَقَوْله " يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة قَالَهُ اِبْن عَبَّاس " يَقُول الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل " أَيْ تَرَكُوا الْعَمَل بِهِ وَتَنَاسَوْهُ فِي الدَّار الدُّنْيَا" قَدْ جَاءَتْ رُسُل رَبّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاء فَيَشْفَعُوا لَنَا " أَيْ فِي خَلاصنَا مِمَّا صِرْنَا إِلَيْهِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ " أَوْ نُرَدّ " إِلَى الدَّار الدُّنْيَا " فَنَعْمَل غَيْر الَّذِي كُنَّا نَعْمَل (ابن كثير.م 2 ص 294).
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) [الأنعام 158]. وَذَلِكَ كَائِن يَوْم الْقِيَامَة " أَوْ يَأْتِي بَعْض آيَات رَبّك يَوْم يَأْتِي بَعْض آيَات رَبّك لا يَنْفَع نَفْساً إِيمَانهَا" وَذَلِكَ قَبْل يَوْم الْقِيَامَة كَائِن مِنْ أَمَارَات السَّاعَة وَأَشْرَاطهَا كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ فِي تَفْسِير هَذِهِ الآيَة حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد حَدَّثَنَا عُمَارَة حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" لا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاس آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَلِكَ حِين لا يَنْفَع نَفْساً إِيمَانهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل (ابن كثير.م 2 ص 259).
(يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)) [هود 105]. أي: يَوْم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة أَيّهَا النَّاس، وَتَقُوم السَّاعَة لا يتكلّم أحدٌ إِلا بِإِذْنِ اللّه (ابن كثير،.م 2 ،ص 603) .
(وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) [إبراهيم 44]. وَأَنْذِرْ يَا مُحَمَّد النَّاس الَّذِينَ أَرْسَلْتُك إِلَيْهِمْ دَاعِياً إِلَى الإسْلام مَا هُوَ نَازِل بِهِمْ، يَوْم يَأْتِيهِمْ عَذَاب اللَّه فِي الْقِيَامَة (الطبري).
(يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [النحل 111].
اذْكُر "يَوْم تَأْتِي كُلّ نَفْس تُجَادِل" تُحَاجّ "عَنْ نَفْسهَا" لا يُهِمّهَا غَيْرهَا وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة "وَتُوَفَّى كُلّ نَفْس" جَزَاء "مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ" شَيْئاً (الجلالين).
(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [مريم 38]. مَا أَسْمَعهمْ وَمَا أَبْصَرهمْ "يَوْم يَأْتُونَنَا" فِي الآخِرَة (الجلالين).
العبارة القرآنيّة (يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) في الآية التالية (فقط) هي حديث عن عذاب قد لا يكون خاصّا بيوم القيامة: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [هود 8]. قد يقال بأنّ العذاب هنا قد لا يكون خاصّا بيوم القيامة، وهنا شاهده (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ). وفي تفسير الطبري: (معنى الكلام: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى مجيء أمة وانقراض أخرى قبلها. وبنحو الذي قلنا من أن معنى" الأمة "في هذا الموضع، الأجل والحين، قال أهل التأويل.)
وَقَدْ رَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: أَنَا مِنْ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيله ([168]). هذه العبارة لا يرتقي سندها إلى الصحيح؛ لكن كثيراً ما يستشهد بها د. نوفل (المحاضرة ([169]) والتي يشير فيها بكلتا يديه إلى صدره ويقول ابن عباس كان يقول أنا من الراسخين في العلم أعلم تأويله إسألوني.). والغريب أنّك تجد د. نوفل يردّ أحاديث متفق على صحتها!
وَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَعْلَمُونَ تَأْوِيله وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وَكَذَا قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس. وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَق عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر: وَمَا يَعْلَم تَأْوِيله الَّذِي أَرَادَ مَا أَرَادَ إِلَّا اللَّه وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ثُمَّ رَدُّوا تَأْوِيل الْمُتَشَابِهَات عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ تَأْوِيل الْمُحْكَمَة الَّتِي لَا تَأْوِيل لِأَحَدٍ فِيهَا إِلَّا تَأْوِيل وَاحِد فَاتَّسَقَ بِقَوْلِهِمْ الْكِتَاب وَصَدَّقَ بَعْضه بَعْضًا فَنَفَذَتْ الْحُجَّة وَظَهَرَ بِهِ الْعُذْر وَزَاحَ بِهِ الْبَاطِل وَدَفَعَ بِهِ الْكُفْر. وَفِي الْحَدِيث دعاء الرسول لإبن عباس: (أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ له وضُوءًا قالَ: مَن وضَعَ هذا فَأُخْبِرَ فَقالَ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ.) ([170]). "
ومن العلماء من فصل في هذا المقام، فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان، أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يئول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا) ] يوسف: 100 [ وقوله ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ) ] الأعراف: 53 [ أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على (اسم) الجلالة، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل، ويكون قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) مبتدأ و (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) خبره.
ويقول سبحانه: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (يونس: 39). (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)، يقول: ولما يأتهم بعدُ بَيان ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذي توعّدهم الله في هذا القرآن، (الطبري). ويقول القرطبي: "وقوله (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) أي ولم يأتهم حقيقة عاقبة التكذيب من نزول العذاب بهم. أو كذبوا بما في القرآن من ذكر البعث والجنة والنار، ولم يأتهم تأويله أي حقيقة ما وعدوا في الكتاب؛ قاله الضحاك. وقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن " من جهل شيئا عاداه " قال نعم، في موضعين: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) وقوله: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم.".
وأقول: د. أحمد نوفل يصرُّ على القراءة بالوصل مع أنه يمايز بين التأويل والتفسير! ([171])!. ويقول ابن كثير: وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء كقوله تعالى: ( نبئنا بتأويله ) ] يوسف: 36 [ أي: بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) حالا منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ) إلى قوله: ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) الآية ] الحشر: 8 - 10 [، وكقوله تعالى: ( وجاء ربك والملك صفا صفا) ) ] الفجر: 22 [ أي: وجاءت الملائكة صفوفا صفوفا.
وقوله إخبارا عنهم أنهم (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) أي: بالمتشابه (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ] النساء: 82 [ ولهذا قال تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة ."
وهذا رأي معتبر؛ وهو أنّ المتشابه ما احتاج إلى تأمل ونظر؛ ويمكن معرفته. ومن أراد المزيد من البيان يمكنه الرجوع إلى كتاب اتقان البرهان في علوم القرآن للمرحوم الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس والذي ناقش الآية الكريمة نحوياً وبلاغياً.
الأحاديث:
(تَلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}. قالَتْ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعون ما تَشابَه منه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحذَروهم ) .) ([172])
شرح الحديث: المحكَمُ مِن آياتِ القرآنِ: ما اتضَّحَتْ دِلالتُه وظَهَرَ معناه، والمتشابهُ: ما احتمَلَ أكثرَ مِن معنًى، واحتاجَ إلى نظرٍ وتخريجٍ، وقيل: المتشابِهُ ما استأثرَ اللهُ بعلمِه، وقد قيل في مَعنى المحكَمِ والمتشابِه أقوالٌ كثيرةٌ أخرى.
وفي هذا الحديثِ تروي عائشةُ رضِي اللهُ عنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قرأَ قولَه تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...} إلى آخِر الآية [آل عمران: 7]، وفي هذه الآيةِ تحذيرٌ مِنَ اللهِ سبحانَه وتعالى للأمَّةِ مِن أهلِ الزَّيغِ والضَّلال الَّذين يَتحرَّونَ الآياتِ المتشابهةَ ويتركونَ المحكَم منها؛ يُريدون بذلك فتنةَ النَّاسِ في دِينِهم، أمَّا الراسخونَ في العِلمِ فإنَّهم يعلمون المرادَ مِن هذا المتشابه على وجهِه الصَّحيحِ، ويُؤمنون به؛ لأنَّه مِن عندِ الله تعالى.
وقد حذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه مِن هؤلاءِ الَّذين يتَّبعونَ المتشابِهَ ويتحرَّوْنَه، وأخبرَ أنَّهم همُ الَّذين وصَفَهمُ اللهُ بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}، أي: الَّذين في قلوبِهم ضلالٌ وعِوجٌ عَنِ الصِّراطِ المستقيمِ، هم الَّذين يَتَّبعونَ هذا المتشابهَ؛ بغَرضِ الصَّدِّ عَن سبيلِه، ونشْرِ الفتنةِ بَيْنَ المؤمنينَ.
(تلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [ 3 / آل عمران / 7 ]. قالت: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " إذا رأيتُم الذين يتَّبِعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى اللهُ، فاحْذَروهم " .) ([173])
(إذا رأيتُم الَّذين يتَّبعونَ ما تشابهَ منه فأولئكَ الَّذين سمَّى اللهُ فاحذَروهُم) ([174])
(قرأَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ إلى قولِهِ: أُولُو الْأَلْبَابِ فإذا رأيتُمُ الَّذينَ يجادِلون فيهِ فَهُمُ الَّذينَ عَنى اللَّهُ فاحذَروهم) ([175])
(قَرَأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، فإذا رَأيتُم الذين يُجادِلونَ فيه، فهم الذين عَنى اللهُ عزَّ وجلَّ؛ فاحْذَروهم.) ([176])
(إذا رأيْتُموهم فاحْذَروهم، وإذا رأيْتُموهم فاحْذَروهم، ثم نَزَعَ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7] إلى قَولِه عزَّ وجلَّ: {إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]، ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الراسِخونَ في العِلْمِ همُ الذين آمَنوا بمُتَشابِهِه، وعَمِلوا بمُحكَمِه.) ([177])
(كان ابنُ عبَّاسٍ يقرأُ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ) ([178]). (كانَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما يقرؤها وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ (ويقولُ) الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بهِ) ([179]). (كانَ ابنُ عبَّاسٍ يقرأُ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ، ويقولُ الرَّاسخونَ: آمَنَّا بِهِ) ([180]).
وفي الحديث الشريف: (لَمَّا نَزَلَتْ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ {لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأَرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ به اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284]، قالَ: فاشْتَدَّ ذلكَ علَى أصْحابِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فأتَوْا رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ثُمَّ بَرَكُوا علَى الرُّكَبِ، فقالوا: أيْ رَسولَ اللهِ، كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ، الصَّلاةَ والصِّيامَ والْجِهادَ والصَّدَقَةَ، وقدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِه الآيَةُ ولا نُطِيقُها، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولوا كما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ سَمِعْنا وعَصَيْنا؟ بَلْ قُولوا: سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ، قالوا: سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَها القَوْمُ، ذَلَّتْ بها ألْسِنَتُهُمْ، فأنْزَلَ اللَّهُ في إثْرِها: {آمَنَ الرَّسُولُ بما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ باللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ} [البقرة: 285]، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلكَ نَسَخَها اللَّهُ تَعالَى، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها لها ما كَسَبَتْ وعليها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا} [البقرة: 286] قالَ: نَعَمْ {رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عليْنا إصْرًا كما حَمَلْتَهُ علَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا} قالَ: نَعَمْ {رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لنا بهِ} قالَ: نَعَمْ {واعْفُ عَنَّا واغْفِرْ لنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا علَى القَوْمِ الكافِرِينَ} قالَ: نَعَمْ.) ([181])
يبين الحديث مثالا للنسخ والذي لا يرتضيه د. نوفل. ويبين الحديث أنّ إيمان الرسل أعلى مرتبة من إيمان سائر الناس. وبالتالي كيف نساوي بين علم الله المطلق واللانهائي في شرفه وقدره وإحاطته وعلم "الراسخون في العلم"؟! إنْ كنا حقاً ننزه الله عن مشابهة الخلق فلا يليق أن نؤكد على ضرورة القراءة بالوصل؛ وأنْ نقول بأنّ القراءة بالوقف غلط ([182]). وما هذا إلا لأنّ د. نوفل لا يرى أنّ هنالك متشابه في القرآن! ([183]). وتسمعه يتناقض أحياناً مع نفسه ويعترف بوجود نصوص متشابهة ([184])!
وكان هنا سؤال طرحه أحد الذين قرأوا لي الموضوع وهو: "ولِمَ لا يفتح اللهُ تعالى على بعض عباده فيفهم معنى المتشابه؟"
الجواب: بالتأكيد قطعاً. لكن لا أتصور أنّ الله سيفتح على شخص واحد ليفهم كلّ الآيات المتشابهة. وبالتالي لا يجوز لأحد مهما بلغ من العلم أن يزعم أنّه يعلم تأويل كلّ آيات القرآن المتشابهة. وأقول أيضاً نعم لقد منّ الله عليّ بتفسير الآية (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق 12)؛ وذلك بعد أن أخذت من وقتي أربع سنوات. كما وقد منّ الله عليّ وبمساعدة علماء أفاضل بفهم أسرار حروف فواتح السور وذلك خلال خمس سنوات من الجهد والتفكير المتواصل.
ويمكن الرّد على د. نوفل من خلال حديثه وكلامه هو:
على سبيل المثال - لا الحصر - قوله في القرآن الكريم: "وراء كل لفظة مخزون ومكنون من المعاني لا ينتهي ولا ينضب مدٌّ وبحرٌ بلا ساحل ". ([185]). ويقول في نفس الحلقة: "كل كلمة تحتاج مثل ما بنقول دائماً إلى وقفة وتأمل وتدبر وطول نظر..." (الزمن: 4: 57).
أقول هل تتفق هذه العبارات مع الزعم بأنّ آيات القرآن كلّها محكمة، ويعلم تأويلَها كلّها ابنُ عباس رضي الله عنه، أو د. نوفل؟! لماذا هذا التناقض؟!
ويمكن الرد من خلال الآية الكريمة: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (الأعراف: 53).
يقول ابن كثير: "(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) أي: ما وعد من العذاب والنكال والجنة والنار. قاله مجاهد وغير واحد. وقال مالك: ثوابه. وقال الربيع: لا يزال يجيء تأويله أمر، حتى يتم يوم الحساب، حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ. ( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي: يوم القيامة، قاله ابن عباس - ( يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ) أي: تركوا العمل به، وتناسوه في الدار الدنيا: (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا) أي: في خلاصنا مما نحن فيه، ( أَوْ نُرَدُّ) إلى الدار الدنيا ( فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) كما قال تعالى: ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) [ الأنعام: 27، 28 ] كما قال هاهنا: ( قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: قد خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيه، ( وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله فلا ينصرونهم، ولا يشفعون لهم ولا ينقذونهم مما هم فيه ."
يقول القرطبي: " ... أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب. وقيل: ينظرون من النظر إلى يوم القيامة. فالكناية في تأويله ترجع إلى الكتاب. وعاقبة الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب. وقال مجاهد: تأويله جزاؤه، أي جزاء تكذيبهم بالكتاب. قال قتادة: تأويله عاقبته. والمعنى متقارب. يوم يأتي تأويله أي تبدو عواقبه يوم القيامة. ... "
تفسير الطبري:
" هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ"، قال: " تَأْوِيلَهُ "أي: عاقبته، ثوابه، جزاؤه، عواقبه، مثل وقعة بدر، والقيامة وما وعد فيها من موعد. " تَأْوِيلَهُ "أي: حقيقته، فلا يزال يقع من تأويله أمرٌ بعد أمر، حتى يتم تأويله يوم القيامة، ففي ذلك أنـزل: " هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ "، حيث أثابَ الله تبارك وتعالى أولياءَه وأعداءه ثواب أعمالهم. يقول يومئذ الذين نسوه من قبل: قد " قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ "، الآية.
10) يفرد د. نوفل حلقة كاملة للطعن بالأحاديث ويدعو للتفسير بالعقل ([186])
وهذا الأمر له خطورته؛ وخاصة عند إعجاب كلّ ذي رأيٍ برأيه!! فنستبدلُ الهوى بالإسترشاد بالسنة النبوية المطهرة.
11) يقول وبالعامّيّة: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال!" ([187]).
12) يطعن في صحة كون اليهود سمّموا النبي ([188])؛ رغم ثبوت الرواية
- (أنَّ امرأةً منَ اليَهودِ أَهدت إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ شاةً مسمومةً) ([189]).
(أنَّ امرأةً من اليهودِ أَهْدتْ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شاةً مسمومةً فأرْسَلَ إليها فقال: ما حَمَلَكِ على ما صنعتِ قالت: أَحْبَبْت أو أَرَدْتُ إنْ كنتَ نبيًّا فإنَّ اللهَ سيُطْلِعُكَ عليهِ وإنْ لم تكن نبيًّا أُرِيحُ الناسَ منك قال: وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا وجد من ذلك شيئًا احتجمَ قال: فسافرَ مرةً فلمَّا أَحْرَمَ وجد من ذلك شيئًا فاحتجمَ) ([190])
(أنَّ امرأَةً من اليهودِ أهدَتْ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شاةً مسمومةً فأرْسَلَ إليها فقال ما حملَكِ على ما صنعْتِ قالَتْ أحبَبْتُ أوْ أردتُّ إنْ كنتَ نبيًّا فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سيُطْلِعُكَ وإنْ لم تَكُ نبيًّا أُريحُ الناسَ منكَ قال وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا وجد من ذلكَ شيئًا احتجمَ قال فسافَرَ مَرَّةً فلَمَّا أحْرَمَ وجَدَ من ذلِكَ شيئًا فاحْتَجَمَ ([191])
(عنِ ابنِ عباسٍ أنَّ امرأةً من اليهودِ أهدَت لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شاةً مسمومةً فأرسل إليها فقال ما حمَلكِ على ما صنعتِ قالت أحببتُ أو أردتُ إن كنتَ نبيًّا فإنَّ اللهَ سيُطلِعك عليه وإن لم تكن نبيًّا أُريحُ الناسَ منك قال فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا وجد من ذلك شيئًا احتجم قال فسافر مرةً فلما أحرم وجَد من ذلك شيئًا فاحتجَم) ([192]).
بل إنّ من حلقات د. نوفل ما هو طعن في السنة وبامتياز. وفيما يلي مناقشة لإحدى هذه الحلقات
لقاء الأسبوع، تجربتي مع التفسير 3، د. أحمد نوفل ([193])
13) د. نوفل يطعن في حديث افتراق الأمة ويقول "أنه مزق الأمة، ولا يصحّ سنداً، وهذا الحديث مصيبة ([194])
ويُصدِرُ كلّ هذه العبارات وبالرغم من أنه حديث حسن: (ألا إنَّ مَن قبلَكم من أهلِ الكتابِ افتَرقوا على ثِنتين وسبعين مِلَّةً، وإنَّ هذهِ المِلَّةَ ستَفترِقُ على ثلاثٍ وسبعين: ثِنتانِ وسبعونَ في النَّارِ، وواحدةٌ في الجنَّةِ، وهيَ الجماعةُ وإنَّهُ سيخرجُ من أُمَّتي أقوامٌ تَجارى بِهم تلكَ الأهواءُ كما يَتَجارى الكَلبُ لصاحِبِه، لا يَبقى منه عِرْقٌ ولا مِفصلٌ إلَّا دخلَه) ([195]).
شرح الحديث:
الاعتِصامُ بكتابِ اللهِ تعالَى وبسُنَّةِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سبيلُ النَّجاةِ، والأمْنِ مِنَ الفِتَنِ، وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ مُعاويةُ بنُ أبي سفيانَ رضِيَ اللهُ عنه: "ألَا إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قام فينا"، أي: خَطَبَنا، فقال: "ألَا إنَّ مَنْ قبْلَكم مِنْ أهلِ الكتابِ افْتَرقوا على ثِنتينِ وسبعينَ مِلَّةً"، أي: اليهودَ والنَّصارى، وقيل: إنَّ المرادَ بهم النَّصارى، وقد ذُكِرَ في اليهودِ أنَّها ستَفترِقُ على إحْدَى وسبعينَ فِرقةً.
وإنَّ هذه المِلَّةَ"، أي: إنَّ تلك الأُمَّةَ وهي أُمَّةُ الإسلامِ، "ستَفترِقُ على ثلاثٍ وسبعينَ، ثِنتانِ وسبعون في النَّارِ"، أي: إنَّ تلك الفِرَقَ الَّتي ستَنشأُ وتتكوَّنُ في تلك الأُمَّةِ هم مَنْ يُخالِفُ أهلَ الحقِّ في أصولِ التَّوحيدِ وفي تقديرِ الخيرِ والشَّرِّ، وجزاؤُهم بذلك النَّارُ، "وواحِدةٌ في الجَنَّةِ وهي الجماعةُ"، أي: إنَّ الفِرقةَ النَّاجيةَ بَيْن هؤلاءِ هم الجَماعةُ مِن أهلِ العِلْمِ والفقهِ والمجاهِدينَ في سَبيلِ اللهِ والآمِرين بالمَعروفِ والنَّاهينَ عنِ المُنكرِ، الَّذين اجتَمعوا على الاعتِصامِ بكِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ واتِّباعِ آثارِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وسُنَّتِه، وابْتَعَدوا عن البِدعِ والتحريفِ والتَّغييرِ.
ثم قال صلَّى الله عليه وسلَّم: "وإنَّه سيَخرُجُ مِن أُمَّتي أقوامٌ"، أي: سيكونُ مِن بَيْنِ تِلك الفِرَقِ أقوامٌ، "تَجَارَى بهم تلك الأهواءُ"، أي: يكون اتِّباعُهم للهوى والبِدَعِ، "كما يَتَجَارَى الكَلَبُ لصاحِبِه"، أي: كما يَسْري داءُ الكَلْبِ بالجسدِ الَّذي يُصيبُه، وداءُ الكلبِ: هو عَضَّتُه الَّتي تَصِلُ إلى جميعِ الجسدِ، "لا يَبْقى منه عِرْقٌ ولا مِفْصَلٌ إلَّا دخَلَه"، أي: إنَّ حِرصَهم في اتِّباعِ الهوى يكون مِثلَ سُرعةِ انتشارِ المرضِ بين العُروقِ ومَفاصِلِ الجسمِ، وهي إشارةٌ إلى تشبُّعِ نفْسِه بما اتَّبعَتْ مِنَ الأهواءِ والبِدَعِ.
وفي هذا الحَديثِ: معجزةٌ من دَلائلِ نُبوَّتِه الشَّريفةِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه: تَحذيرٌ مِنِ اتِّباعِ الأهواءِ وترْكِ الاعتِصامِ بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
الرد على الدكتور أحمد:
د. نوفل يطعن في الحديث السابق ويقول: "أنه مزق الأمة ... ولا يصحّ سنداً ... وهذا الحديث مصيبة ([196])؛ وبالرغم من أنه حديث حسن.
يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام 159).
جاء في تفسير الطبري: عن قتادة وعن السدي وعن الضحاك: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء)، هؤلاء اليهود والنصارى. وقال آخرون: عنى بذلك أهلَ البدع من هذه الأمة، الذين اتبعوا متشابه القرآن دون محكمه. هم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة.
ويربط البغوي في تفسيره هذا الحديث الشريف: (إن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا واحدة) مع هذه الآية الكريمة.
وكانت ملاحظة شخص قرأ الكتاب عند هذا الحديث: "لا بدّ من ذكر كلام د. نوفل". وجوابي على هذه الملاحظة هو: لقد ذكرت فيما سبق كلام د. نوفل وتبين لي أن أضيف أنّ من الأسباب التي جعلت د. نوفل يرد الحديث هو تسلسل الرقمين (72، 73) في العبارة التالية من نصّ الحديث ": (ألا إنَّ مَن قبلَكم من أهلِ الكتابِ افتَرقوا على ثِنتين وسبعين مِلَّةً، وإنَّ هذهِ المِلَّةَ ستَفترِقُ على ثلاثٍ وسبعين "!
واستكمالاً للرّد: بين الحديث سبب دخولهم النار رغم أنه قد أثبت لهم ابتداءً أنهم من أمة محمد (أمة الإسلام)؛ إذا الحديث لم يكفرهم؛ وهو ما ذكره د. نوفل (الدقيقة: 02:00). والمقصود بدخول النار هنا ليس الخلود بالتأكيد؛ لأنه وفي المآل يخرج من النار كل من قال لا إله إلا الله. وأما دخول الجنة ابتداءً ومن غير سابقة عذاب أو حساب فلا يكون إلا للسابقين المقربين. بل ونعلم أنّ العبور على الصراط هو الطريق إلى الجنة؛ والصرط منصوب فوق النار؛ والأدلة كثيرة:
الآية الكريمة: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) (مريم: 71-72).
يقول ابن كثير: وقوله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا) أي: إذا مر الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم. فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقا كثيرا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم - وهي مواضع السجود - وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه حتى يخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ثم يخرج الله من النار من قال يوما من الدهر: " لا إله إلا الله " وإن لم يعمل خيرا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).
رحمة الله والشفاعة والجهنميون
(إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بالذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار) ([197])
(لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة، ولا يجير من النار، و لا أنا إلا برحمة الله) ([198]).
(يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين) ([199]).
(يخرج قوم من النار بشفاعة محمد، صلى الله عليه وسلم، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين) ([200]).
(يخرج قوم من النار بشفاعة محمد، فيدخلون الجنة، و يسمون الجهنميين) ([201]).
(إن أقواما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة) ([202]).
(يخرج قوم من النار بعدما محشتهم النار، فيدخلون الجنة، فيسمون الجهنميون) ([203]).
(ليخرجن الله من النار قوما بعدما محشتهم النار فيدخلون الجنة بشفاعة الشافعين، يسمون فيها الجهنميون) ([204]).
(قال أنس يلقى الناس يوم القيامة ما شاء الله أن يلقوا من الحزن فيقولون انطلقوا بنا إلى آدم فيشفع لنا إلى ربنا فينطلقون إليه فيقولون: يا آدم اشفع لنا إلى ربك فيقول لست هناك و لكن انطلقوا إلى خليل الله إبراهيم فينطلقون إليه فيقولون يا إبراهيم اشفع لنا إلى ربنا فيقول لست هناك و لكن انطلقوا إلى من اصطفاه الله برسالاته و بكلامه قال: فينطلقون إلى موسى فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول: لست هناك و لكن انطلقوا إلى كلمة الله و روحه فينطلقون إليه فيقولون: يا عيسى اشفع لنا إلى ربك فيقول: لست هناك ولكن انطلقوا إلى من جاء اليوم مغفورا له ليس عليه ذنب قال فينطلقون إلى محمد فيقولون يا محمد اشفع لنا إلى ربك قال: فيقول: أنا لها و أنا صاحبها قال: فانطلق حتى استفتح باب الجنة فيفتح لي فأدخل و ربي على عرشه فأخر ساجدا فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد قبلي قال: أحسبه قال: و لا يحمده بها أحد بعدي قال: فيقال: يا محمد ارفع رأسك اشفع تشفع قال فأقول يا رب ! فيقول أخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة قال: فأخر ساجدا فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد من قبلي قال: أحسبه قال: ولا يحمده بها أحد بعدي قال: فيقال: يا محمد! ارفع رأسك اشفع تشفع قال: فأقول: يا رب يا رب! فيقول أخرج من كان في قلبه أدنى شيء قال فأخرج أناسا من النار يقال لهم الجهنميون وإنهم لفي الجنة قال فقال رجل: يا أبا حمزة فسمعت هذا من رسول الله؟ فتغير وجهه واشتد عليه فقال: ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله و لكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا) ([205]). نعم: (ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا)! إذا فليحذر امرؤٌ أن يردّ حديث رسول الله؛ ولتحذر الأمة من كل شخص يردّ حديث رسول الله.
وأقتبس من موقع إسلام ويب ([206]): " الحديث الذي أشرت إليه رواه أبو داود والترمذي وغيرهم عن معاوية بلفظ: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة.
وله شواهد من حديث عبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وهو حديث عظيم القدر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ضعفه فقد أبعد، وقد صححه الترمذي والحاكم والذهبي وابن كثير والحافظ ابن حجر والشاطبي. قال ابن تيمية: هو حديث صحيح مشهور. وقال الحاكم: حديث كبير في الأصول.
وضعفه ابن حزم في الفصل، وكذلك الشوكاني في الفتح الرباني رسالة (2).
وقد رد الألباني على من ضعف زيادة (كلها في النار إلا واحدة) من وجهين: الأول: النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة تلك الزيادة (كلها في النار إلا واحدة).
ثانيا: أن الذين صححوها أكثر وأعلم من ابن حزم، لاسيما وهم معروفون عند أهل العلم بالتشدد في النقد. (راجع السلسلة الصحيحة رقم: 204 فإنه هام ومفيد.)
أما ابن حزم: فلا زال العلماء من بعده ينقلون تصحيحه وتضعيفه للأحاديث، قال الحميدي: كان حافظاً للحديث مستنبطاً للأحكام، وقال الذهبي إنه رأس في علوم الإسلام متحر في النقل حافظ، إلا أنه لم تكن عنده ملكة المحدثين."
د. نوفل يرد الحديث مستنكراً كيف أنّ الفرق واحد: ثِنتين وسبعين مِلَّةً اليهود، وإنَّ هذهِ المِلَّةَ ستَفترِقُ على ثلاثٍ وسبعين. وفيما يلي بيان لنبوءة الفرق واحد
لماذا العددان متتاليان (اثنتان وسبعون وثلاث وسبعون فرقة)
اليهود هم أساس ومحور المكر والكيد لدين الإسلام وللمسلمين. إنّ الصراع مع اليهود صراع عقيدة؛ بيّنت مفاصلَهُ سورةُ الإسراء (سُورَة بني إسرائيل) والعديد من سور القرآن. وحدّدتها أيضاً أحاديث الإسراء. فالإسراء والمعراج معجزة خالدة نؤمن بها؛ فهي من عقيدتنا التي ربطتنا ببيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين. الصراعُ مع اليهود يقودهُ أولو العزم من الرّسل: لقد همّت يهود بقتل المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلام فرفعه اللهُ إليه. وفي صدر الإسلام بدأ تآمر اليهود وكيدُهم للإسلام وللمسلمين ولنبيّ هذه الأمة خيرُ رسول محمد صلى الله عليه وسلم. وكان يقود الصراعَ ضدّ اليهود محمدٌ صاحب أعظم معجزتين: معجزة القرآن الخالدة ثم معجزة الإسراء والمعراج. وسيُحسمُ هذا الصراعُ بقيادة المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام. الذي خصّه اللهُ بمعجزات عظيمة وكثيرة، والتي منها: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا، ورفْعهُ إلى اللهُ، ثم عودتُه وقتْلُه الدّجال. وسيقوم المسيح عيسى بنشر الإسلام ومقاتلة اليهود؛ ليُحسم آخر حلقات الصراع مع قوى البغي والكفر. إنّه صراعُ عقيدة كما أبرزتهُ سورة الحشر (سُورَة بَنِي النَّضِير). وإنّه صراعُ عقيدة كما أبرزتهُ سورةُ الإسراء. إنّهُ صراعٌ بين الإيمان والكفر، كما أنّه صراعٌ على بيت المقدس مهبط الديانات أولى القبلتين وثالث الحرمين. لقد أسري بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس حيث أمّ الأنبياء؛ لتكون الوصاية لأمّته على بيت المقدس، ولتكون رسالة الإسلام ناسخة ومهيمنة على باقي الرسالات. وعُرِجَ بنبينا محمد من بيت المقدس إلى السماوات السبع فالجِنان، وارتقى لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام حيث فرضَ علينا ربُّ العزة والجلال الصلاةَ بوحيٍ مباشر من الله إلى رسوله؛ من غير واسطة جبريل عليه السلام. سيُحسمُ الصراعُ مع اليهود بقيادة عيسى بن مريم بين يدي السّاعة؛ كما أوضحت بعضُ روايات أحاديث الإسراء والمعراج: (فقال عيسَى: أمَّا وجْبَتُها فلا يعلمُ بها أحدٌ إلَّا اللهُ، عزَّ وجلَّ، وفيما عهِد إليَّ ربِّي، عزَّ وجلَّ، أنَّ الدَّجَّالَ خارجٌ، قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوبُ الرَّصاصُ، قال: فيهلكُه اللهُ، عزَّ وجلَّ، إذا رآني، حتَّى إنَّ الحجرَ والشَّجرَ يقولُ: يا مسلمُ، إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتُلْه. قال: فيهلكُهم اللهُ، عزَّ وجلَّ، ثمَّ يرجعُ النَّاسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم) ([207]).
إنّه صراع الحق يقوده أولو العزم من الرسل معهم صفوة الصفوة في مجابهة أعداء الله وأعداء الإنسانية وأعداء الفضيلة وأعداء العدالة والحرية، بل وأعداء الطفولة. بدأ الصراع بقيادة خير الرسل محمد صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار. ويستمر الصراع ليتسلم قيادته بين يدي الساعة عيسى عليه السلام؛ ومعه النخبة: (عِصابَتانِ من أُمتِي أحْرَزَهُما اللهُ من النارِ، عِصابَةٌ تَغزُو الهِندَ، وعِصابةٌ تَكونُ مع عِيسَى بنِ مَرْيَمَ) ([208] ). وفي الحديث الآخر: (ليدركنَّ الدجالُ قومًا مثلكمْ أو خيرًا منكمْ، ولنْ يخزيَ اللهُ أمةً أنا أولَها، وعيسى بنُ مريمَ آخرَها) ([209]).
والصراع مستمرٌ:
(لا تَزالُ طائِفةٌ من أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ ظاهِرينَ إلى يومِ القيامَةِ. قال، فيَنْزِلُ عيسَى ابنُ مَريَمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولُ أميرُهُم: تَعالَ صَلِّ لنا. فيقول: لا. إن بَعضَكُم علَى بعضٍ أُمَراءُ. تَكرِمَةَ اللهِ هذه الأُمَّةَ) ([210]).
(لا تَزالُ طائفةٌ مِن أمَّتي مَنصورينَ لا يَضرُّهم مَن خذلَهُم حتَّى تقومَ السَّاعةُ) ([211])
(لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرينَ على الحقِّ لا يضرُّهُم من خذلَهم حتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ وهُمْ كذلك) ([212])
(لا يَزالُ مِن أُمَّتي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بأَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَهُمْ أمْرُ اللَّهِ وهُمْ علَى ذلكَ.) ([213]).
بعد هذه التقدمة، يمكننا القول أنّ في بيت المقدس طائفة على منهاج النبوة. وهذه الطائفة وكما يعلم دكتور نوفل يحاول الكيان الصهيوني أن يخنقها. ويتآمر عليها من تخلّقوا بأخلاق اليهود (حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه). يتآمر عليها ويصفها بالإرهاب اليهودُ ومعهم قلّةٌ من يهود يلبسون ثياب العروبة؛ ومنهم في داخل فلسطين وفي خارجها. المتآمرون (ولا أعني المتخاذلين) ولاؤهم لليهود؛ فهم كما اليهود في المسلك والخلق يمثلون عدد الفرق التي افترقت عليها اليهود. والطائفة المرابطة الصابرة المؤمنة هي أنموذج للطائفة التي بينها الرسول عليه السلام بقوله: (ما عليه أنا وأصحابي). وبالتالي ينكشف لنا سرّ الفرق واحد بين عدد فرق اليهود وبين عدد الفرق التي تفترق عليها أمة الإسلام في آخر الزمان. وسبق القول: إنَّ الفِرقةَ النَّاجيةَ هم أيضاً الجَماعةُ مِن أهلِ العِلْمِ والفقهِ والمجاهِدينَ في سَبيلِ اللهِ والآمِرين بالمَعروفِ والنَّاهينَ عنِ المُنكرِ، الَّذين اجتَمعوا على الاعتِصامِ بكِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ واتِّباعِ آثارِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وسُنَّتِه، وابْتَعَدوا عن البِدعِ والتحريفِ والتَّغييرِ. أما الذين يتسابقون في التطبيع مع الكيان الصهيوني والذين يسابقون اليهود في اضطهاد الشعب الفلسطيني وقهره؛ والذين قدموا لقاءهم مع الصهاينة على اللقاء مع مناصري قضية تحرير المسجد الأقصى فهم إلى طوائف اليهود أقرب. و د. نوفل هو من بعض علماء الشريعة الذين يُبرزوا هذه القضية. وأمّا أنّ عدد طوائف أهل الكتاب كثيرة، فيبرزه كون عدد ترجمات الإنجيل (المختلفة) إلى اللغة الإنجليزية يزيد على 450: (Partial Bible translations into languages of the English people can be traced back to the late 7th century, including translations into Old and Middle English. More than 450 translations into English have been written.) ([214]).
يقول تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (المائدة 51)
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (المائدة 55).
يقول البغوي: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) ] روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول حين تبرأ عبادة من اليهود، وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فنزل فيهم من قوله: " ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء "، إلى قوله: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا " يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال جابر بن عبد الله: جاء عبد الله بن سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا رسول الله رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء ". ... وقال جويبر عن الضحاك في قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ) قال: هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) نزلت في المؤمنين، فقيل له: إن أناسا يقولون إنها نزلت في علي رضي الله عنه، فقال: هو من المؤمنين.
14) د. نوفل ينكر لقاء الرسول بموسى (عليهما السلام) في رحلة المعراج
يقول د. نوفل: أنّ هذا الحديث متنا ما بصح (الزمن 5:50؛ من نفس الحلقة السابقة)، ويحتج على الحديث (الذي يشير إلى مراجعة الرسول لربه من أجل تخفيف عدد الصلوات) بالآية الكريمة: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) (ق 29).
وتفسير الآية من القرطبي هو: (يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله للمشركين وقرنائهم من الجنّ يوم القيامة، إذ تبرأ بعضهم من بعض: ما يغير القول الذي قلته لكم فى الدنيا، وهو قوله لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ولا قضائي الذي قضيته فيهم فيها.). ونعلم أن أحاديث لقاء الرسول بإخوانه الرسل في السماوات ثابتة في الصحيحين ([215]).
وكانت ملاحظة شخص قرأ لي الكتاب عند هذه النقطة السؤال: "ما العلاقة بين لقاء الرسول بالأنبياء وهذه الآية؟". طبعاً هذا السؤال موجه للدكتور نوفل؛ فهو الذي يحتج على الحديث بالآية الكريمة: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ).
وللمزيد أنظر بحث: معجزات الإسراء والمعراج؛ عمري ([216]) .
كما ويحتج د. نوفل على الحديث بالآية الكريمة: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).
الرّد على د. نوفل: هذه الآية وردت في حديث الرسول عن النسخ والذي ينكره د. نوفل، والحديث هو: (عن ابنِ عباسٍ، في قولِه: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } وقال: { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} الآية، وقال: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ {. فأول ما نسخ من القرآنِ القبلةُ، وقال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} وقال: { وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ } فنسخ من ذلك قال تعالى: { ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا{) ([217]).
(عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }، وقال: { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } الآية، وقال: { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }. فأول ما نسخ من القرانِ القبلةُ، وقال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} إلى قولِه: { إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا }. وذلك بأن الرجلَ كان إذا طلق امرأتَه فهو أحقُّ برجعتِها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك وقال: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ{) ([218])
الشرح: كان ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما مِن عُلماءِ الصَّحابةِ الأجلَّاءِ رغمَ صِغَرِ سِنِّه؛ فقدْ دعا له النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بالعِلمِ والفِقهِ في الدِّينِ؛ فاستجابَ اللهُ سُبحانَه وتعالى له، فكان مِن آثارِ تلك الدَّعوةِ أنْ سُمِّيَ الحَبْرَ؛ لسَعةِ عِلمِه.
وفي هذا الحديثِ يقولُ ابنُ عبَّاسٍ في قولِه تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106]: النَّسخُ هو الإزالةُ والمَحْوُ، والمقصودُ مِن الآيةِ: ما نَمْحُو ونُزيلُ حُكْمَ آيةٍ، والنَّسخُ أنواعٌ، إمَّا أن يُنسَخَ الحُكمُ والتِّلاوةُ، وإمَّا أن يُرفَعَ حُكمُ الآيةِ ويَبقى لفظُها، وإمَّا أنْ يَبقى حُكمُها ويُرفَعَ لفظُها، وهو ما يُعرَفُ بنَسْخِ التِّلاوةِ، {أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106]، أي: نَمْحُها مِن الصُّدورِ ويَرتفِعْ حِفظُها، وقيل: نَنْسَأْها، أي: نُؤخِّرْها فلا تُنسَخُ، {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، أي: إلَّا أتَيْنا بما هو خيرٌ منها؛ وذلك لمصلحةِ النَّاسِ، وما يكونُ فيه نفعٌ للعبادِ، وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101]، أي: أزَلْنا تلاوةَ آيةٍ، وأثبَتْنا مكانَها آيةً أخرى، أو محَوْنا حُكْمَ آيةٍ بحُكْمِ آيةٍ غيرِها، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النحل: 101]، أي: إنَّ ما حصَل مِن تَبديلٍ هو لحِكمةٍ لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ سبحانه وتعالى، وقولُه تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39]، أي: إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يُزيلُ مِن الأحكامِ ما يَشاءُ بمَحْوِها، ويُبقِي على غيرِها، وقيل: المرادُ مِن المَحْوِ والإثباتِ هو ما يَكتُبُ الملائكةُ المُوكَّلونَ بحِفظِ أعمالِ بني آدَمَ وكتابتِها، فيأمُرُ اللهُ الملائكةَ الحفظَةَ بمَحْوِ ما لا ثوابَ فيه ولا عقابَ، أو مَحْوِ السَّيِّئاتِ الَّتي تاب العبدُ منها، وتَبديلِها حَسَناتٍ، {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]؛ أي: اللَّوحُ المحفوظُ.
ثمَّ ذَكَر ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنهما بعضَ أمثلةِ النَّسْخِ، فقال: "فأوَّلُ ما نُسِخَ مِن القُرآنِ القِبلةُ"، أي: نُسِخَ استقبالُ بيتِ المقدِسِ باستِقبالِ الكَعبةِ في الصَّلاةِ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أوَّلَ ما هاجَرَ إلى المدينةِ كانَتِ القِبلةُ في الصَّلاةِ ناحيةَ بيتِ المقدِسِ، وكانَتْ هي قِبلةَ اليهودِ، فكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يَرغَبُ في أن تكونَ قِبلتُه إلى بَيتِ اللهِ الحرامِ، الكَعْبةِ، فاستجاب اللهُ سُبحانَه وتعالَى له، وذلك في قولِه تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144[.
قال ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنهما: والآيةُ الأخرى الَّتي نُسِخَتْ قولُه تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، أي: النِّساءُ اللَّاتي طُلِّقْنَ، وقد دخَل بهنَّ أزواجُهنَّ ينتظِرْنَ ثلاثَ حَيْضاتٍ، وقيل: ثلاثةَ أطهارٍ، {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ} [البقرة: 228]، أي: لا يجوزُ لهنَّ {أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، أي: أن يُخْفِينَ ما خَلَقَ اللهُ في أرحامِهنَّ مِن الأولادِ، أو دمِ الحَيْضِ؛ وذلك أنَّ بعضَ المُطلَّقاتِ يَدَّعِينَ كذِبًا أنَّ فَترةَ الحَيْضِ طالَتْ، فتكونُ مطالبتُهنَّ بالنَّفقةِ عن تلك الفترةِ، {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 228]، أي: إذا كُنَّ صادقاتٍ في إيمانِهنَّ باللهِ ويومِ القيامةِ، {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228]، أي: والزَّوجُ أحَقُّ برَدِّ امرأتِه في وقتِ عِدَّتِها، {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، أي: إذا قصَد الزَّوجُ إصلاحَ ذاتِ البَيْنِ، وحُسْنَ المُعاشَرةِ.
ثمَّ قال ابنُ عبَّاسٍ: "وذلك بأنَّ الرَّجلَ كان إذا طلَّقَ امرأتَه فهو أحَقُّ برَجْعتِها، وإنْ طلَّقَها ثلاثًا"، أي: إنَّ الرَّجُلَ أحَقُّ برَجْعةِ زوجتِه، ولم يكُنْ هناك حدٌّ لعدَدِ الطَّلقاتِ الَّتي تُمنَعُ بها زوجتُه منه، وكان هذا في أوَّلِ الإسلامِ، "فنَسَخَ ذلك"، أي: نَسَخَ هذا الحُكْمَ، فقال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]، أي: الطَّلاقُ الَّذي يملِكُ الزَّوجُ فيه الرَّجعةَ بعده يكونُ مرَّتينِ، والمقصودُ أنَّه إذا طلَّقَها المرَّةَ الأُولى فله مراجعتُها، وإن طلَّقَها في الثَّانيةِ فله مُراجعتُها، فإذا وقَع ثلاثًا، فلا تَحِلُّ له حتَّى تنكِحَ زوجًا غيرَه، {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229]، أي: يُحسِنُ عِشْرتَها وصُحبتَها، {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، أي: يترُكُها ويُطلِّقُها ويُعطيها حقَّها، فلا يكونُ ظالِمًا لها.
وفي
الحديثِ:
إثباتُ وقوعِ
النَّسخِ في
القُرْآنِ
الكريمِ.
وفيه:
مَنقبَةٌ
لابنِ
عبَّاسٍ
رَضِي اللهُ عَنهما
وبيانُ
عِلمِه
بالناسخِ والمنسوخِ.
وأقول: كثيراً ما يشيد د. نوفل بعِلْمِ ابن عباس. وبالتالي ألا يرتضي د. نوفل هذا القول أو الأثر عن ابن عباس في الناسخِ والمنسوخِ؟!
يقول ابن باز رحمه الله تعالى: " وهكذا يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخها ويثبت ما يشاء في وقت الرسول الذي بعثه الله مثل ما شرع الله لنا أولا استقبال بيت المقدس ثم شرع الله بعد ذلك أن نستقبل الكعبة، يمحو الله ما يشاء ويثبت جل جلاله من الشرائع ومن الذنوب والأوامر والنواهي. " ([219]).
تفسير ابن كثير: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ { (الرعد: 39)
وقوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) اختلف المفسرون في ذلك، فقال الثوري، ووكيع، وهشيم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت. وفي رواية: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) قال: كل شيء إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما
وقال مجاهد: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران. وقال منصور: سألت مجاهدا فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم، إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم واجعله في السعداء. فقال: حسن. ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك، فقال: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ) ] الدخان: 3، 4 [ قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابت لا يغير .
وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء: اللهم، إن كنت كتبتنا أشقياء فامحه، واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. رواه ابن جرير.
وقال ابن جرير أيضا: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي; أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي: اللهم، إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.
وقال حماد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عن ابن مسعود أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا.
ورواه شريك، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، عن ابن مسعود، بمثله.
ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الرَّجلَ ليُحرَمُ الرِّزقَ بالذَّنبِ يُصيبُه ولا يرُدُّ القدرَ إلَّا الدُّعاءُ ولا يزيدُ في العمرِ إلَّا البِرُّ ". ([220]).
وروي عن سعيد بن جبير: أنها بمعنى: (فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 284) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، (وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل، وما يثبت كل ذلك في كتاب.
وقال قتادة في قوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) كقوله (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (البقرة: 106)
يطعن د. نوفل في حديث المعراج وفرض الصلاة الذي يرويه البخاري! ([221]). ويقول: "أنا بالنسبة إلي متن هذا الحديث ما بيمشي" (الدقيقة 9:25). وفيما يلي متن الحديث: (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: فُرِجَ عن سَقْفِ بَيْتي وأَنَا بمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وإيمَانًا، فأفْرَغَهُ في صَدْرِي، ثُمَّ أطْبَقَهُ، ثُمَّ أخَذَ بيَدِي، فَعَرَجَ بي إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قالَ جِبْرِيلُ: لِخَازِنِ السَّمَاءِ افْتَحْ، قالَ: مَن هذا؟ قالَ هذا جِبْرِيلُ، قالَ: هلْ معكَ أحَدٌ؟ قالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ علَى يَمِينِهِ أسْوِدَةٌ، وعلَى يَسَارِهِ أسْوِدَةٌ، إذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والِابْنِ الصَّالِحِ، قُلتُ لِجِبْرِيلَ: مَن هذا؟ قالَ: هذا آدَمُ، وهذِه الأسْوِدَةُ عن يَمِينِهِ وشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فأهْلُ اليَمِينِ منهمْ أهْلُ الجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ الَّتي عن شِمَالِهِ أهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عن يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى حتَّى عَرَجَ بي إلى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقالَ له خَازِنِهَا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُ: فَفَتَحَ، - قالَ أنَسٌ: فَذَكَرَ أنَّه وجَدَ في السَّمَوَاتِ آدَمَ، وإدْرِيسَ، ومُوسَى، وعِيسَى، وإبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم، ولَمْ يُثْبِتْ كيفَ مَنَازِلُهُمْ غيرَ أنَّه ذَكَرَ أنَّه وجَدَ آدَمَ في السَّمَاءِ الدُّنْيَا وإبْرَاهِيمَ في السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قالَ أنَسٌ - فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإدْرِيسَ قالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ، فَقُلتُ مَن هذا؟ قالَ: هذا إدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بمُوسَى فَقالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَ: هذا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بعِيسَى فَقالَ: مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنبيِّ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَ: هذا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بإبْرَاهِيمَ، فَقالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والِابْنِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَ: هذا إبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ ابنُ شِهَابٍ: فأخْبَرَنِي ابنُ حَزْمٍ، أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وأَبَا حَبَّةَ الأنْصَارِيَّ، كَانَا يَقُولَانِ: قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ثُمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أسْمَعُ فيه صَرِيفَ الأقْلَامِ، قالَ ابنُ حَزْمٍ، وأَنَسُ بنُ مَالِكٍ: قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَفَرَضَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ علَى أُمَّتي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بذلكَ، حتَّى مَرَرْتُ علَى مُوسَى، فَقالَ: ما فَرَضَ اللَّهُ لكَ علَى أُمَّتِكَ؟ قُلتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قالَ: فَارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، قُلتُ: وضَعَ شَطْرَهَا، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلَيْهِ، فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقالَ: هي خَمْسٌ، وهي خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بي، حتَّى انْتَهَى بي إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وغَشِيَهَا ألْوَانٌ لا أدْرِي ما هي؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ وإذَا تُرَابُهَا المِسْكُ.) ([222])
ويتابع د. نوفل حديثه عن تردد رسولنا بين الله ربنا وموسى فيقول د. نوفل: "تسع مرات يرجع (محمد) لربنا وينطز!". نعم لقد تكرّر طعن د. نوفل في هذا الحديث؛ فمثلا يوم الأربعاء الحادي عشر من آذار 2020 من خلال برنامجه على قناة حياة يطعن في هذا الحديث؛ بل ويزعم أنه يتكلّم عن علم إذ يقول أنّه درس هذا الحديث لمدة خمس سنوات!
الرّد على د. نوفل: لم يقرأ د. نوفل الحديث! يقول الحديث: (فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، قُلتُ: وضَعَ شَطْرَهَا، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلَيْهِ، فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقالَ: هي خَمْسٌ، وهي خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ). يبين الحديث أن الرسول راجع ربه ثلاث مرات؛ فمن أين أتى د. نوفل بالعدد تسع؛ وهل يليق أن نصف رسولنا بكلمة: "وينطز"؟!
مراجعة رسولنا لربّه طلباً للتخفيف متواترة: (عُرِجَ به إلى السماواتِ، وفُتِحَت له أبوابُها حتى جاوز السماءَ السابعةَ، فكلَّمه ربُّه سبحانَه بما أراد، وفرض عليه الصلواتِ الخمسَ، وكان اللهُ سبحانَه فرضها أولًا خمسينَ صلاةً، فلم يزلْ نبيُّنا محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يراجعُه ويسألُه التخفيفَ، حتى جعلها خمسًا، فهي خمسٌ في الفرضِ، وخمسونَ في الأجرِ) ([223])
يصر د. نوفل على طرح رأيه وفهمه (عقلي، العقل يابويه)؟!؛ في حين أنّ إنصاف القرآن يتطلب عمل مؤتمر لكل آية حتى نحقق الفهم اللائق، لا بل تسمعه أحياناً يصرح بعدم الحاجة للتفاسير القديمة من أجل فهم آية ما ([224]).!. بل ويزعم أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([225]). هل د. نوفل يطعن في منهجية الأمة في حفظها مصادر دينها؟!؛ فقال رجل: (يا أبا حمزة فسمعت هذا من رسول الله؟ فتغير وجهه و اشتد عليه فقال: ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله و لكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا) ([226]).
مراجعةُ رسولنا لربّه طلباً للتخفيف ثابتة بدليل القرآن (فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ)
يقول تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ۖ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ) (السجدة 23).
وفي الحديث الشريف: (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي علَى مُوسَى بنِ عِمْرانَ عليه السَّلامُ، رَجُلٌ آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، ورَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والْبَياضِ، سَبْطَ الرَّأْسِ، وأُرِيَ مالِكًا خازِنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ في آياتٍ أراهُنَّ اللَّهُ إيَّاهُ، }فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ] { السجدة: 23[) ([227])
(رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي مُوسَى رَجُلًا آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا، كَأنَّهُ مِن رِجَالِ شَنُوءَةَ، ورَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعًا، مَرْبُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَيَاضِ، سَبِطَ الرَّأْسِ، ورَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ في آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إيَّاهُ؛ }فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ{ (السجدة: 23). قالَ أَنَسٌ، وأَبُو بَكْرَةَ: عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: تَحْرُسُ المَلَائِكَةُ المَدِينَةَ مِنَ الدَّجَّالِ.) ([228])
شرح الحديث رقم 10735
يَحكي النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا الحديثِ جُزءًا من قصَّةِ الإسراء؛ حيثُ يقولُ صلَّى الله عليه وسلَّم: (رأيتُ ليلةَ أُسرِي بي)، أي: من المسجِدِ الحرامِ إلى المسجِدِ الأقصَى، والإسراءُ هو السَّيرُ ليلًا، (موسى) بنَ عِمرانَ نبيَّ الله عليه السَّلامُ، وصِفتُه: (آدَم) مِن الأُدْمَةِ، وهي في النَّاسِ السُّمرةُ الشَّديدة، (طُوَالًا)، أي: طويلًا، (جَعْدًا) مِن جُعُودَةِ الجِسمِ، أي: شَديدَ الخَلْقِ، وهي اكتنازُه واجتماعُه، وقيل: مِن جُعودةِ الشَّعَر، أي: غيرَ سَبِطِ الشَّعَرِ، والشَّعرُ الجَعْدُ هو ما فيه الْتِواءٌ وتقبُّض، وعلى المعنيينِ فالجُعودةُ صِفةُ مَدْحٍ في مُوسَى عليه السَّلام، (كأنَّه من رجالِ شَنُوءَةَ)، أي: في طولِه وسُمرتِه، وهي قبيلةٌ معروفةٌ، (ورأيتُ عيسى) ابنَ مريمَ عليهما السَّلامُ نبيَّ الله، (رجلًا مَرْبُوعًا)، أي: وسَطًا لا قصيرًا ولا طويلًا، (مَرْبُوعَ الخَلْقِ)، أي: مُعتدِلَ الخِلقةِ، مائلًا إلى الحُمرة، (سَبِطَ الرَّأسِ) مُسترسِلَ الشَّعرِ وليس جَعْدًا، (ورأيتُ مالِكًا خازنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ)، أي: ورأيتُ الدَّجَّالَ أيضًا، (في آياتٍ)، أي: في علاماتٍ ودلائلَ أُخرى (أراهُنَّ اللهُ إيَّاه)، أي: النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقولُه تعالى: {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ} [السجدة: 23]، أي: في شكٍّ، {مِنْ لِقَائِهِ} [السجدة: 23]، أي: لقاءِ نبيِّ الله موسى عليه السَّلامُ، وقيل غيرُ ذلك، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ بعضُ الرُّواةِ قد ذكَرَ هذه الآيةَ للاستشهادِ بها على أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لقِي موسى عليه السَّلام؛ على سبيلِ الإدراجِ.
ثمَّ روَى أنسٌ وأبو بَكْرَةَ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: (تحرُس الملائكةُ المدينةَ من الدَّجَّال)، أي: تَحفَظُ الملائكةُ المدينةَ من دخولِ الدَّجَّالِ إليها؛ لأنَّ اللهَ تعالى حرَّم عليه دخولَ المدينةِ- كما ذكَر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في نصوصٍ أُخرى صحيحة
يقول تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) (يوسف 93). يقول البغوي في تفسيره: " (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا) أي: يعد مبصرا. وقيل: يأتيني بصيرا لأنه كان قد دعاه. قال الحسن: لم يعلم أنه يعود بصيرا إلا بعد أن أعلمه الله عز وجل.".
هذه الآية من سورة يوسف؛ ونعلم أنّ د. نوفل قد تميّز في تفسيرهذه السورة. هل أنكر د. نوفل أنّ يعقوب عليه السّلام سيعود إليه بصره الذي فقده عندما يُلقى عليه قميصُ يوسف عليه السّلام؟! وبالتالي أليست حادثة المعراج معجزة لرسولنا محمد كما أنّ هذه الحادثة معجزة أكرم الله بها يوسف ويعقوب عليهما السّلام؟ لماذا يقبل د. نوفل أن يعود يعقوب مبصراً؛ بل ويقبل أن يعرف يوسفُ إخوتَه العشرة؛ بينما هم مجتمعين لم يتمكّنوا من معرفته؟ وفي المقابل لماذا لا يقبل أن يُمكّنَ اللهُ رسولَنا من هذا التردّد على الله من أجل تخفيف الصلاة؟! أللهمّ لا فرق إلا أنّ القرآن الكريم أخبرنا عن يوسف ويعقوب عليهما السّلام، والسّنة المطهرة هي التي أخبرتنا عن تردّد رسولنا محمد على الله من أجل تخفيف الصلاة. أليس الله هو الواحد الأحد الفرد الصمد والذي أجرى هاتين المعجزتين؟! فلماذا يقبل عقل د. نوفل إحداهما؛ بينما لا يستسيغ عقله المعجزة الثانية؟!
إنّ الله سبحانه الذي أعلم يوسف وأباه يعقوب عليهما السلام أنّ يعقوب سيعود بصيرا: (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (يوسف 96)، هو الله الأحد الفرد الصمد الّذي كلّف موسى لمهمة القول لرسولنا محمد ارجع إلى ربّك وسله التخفيف.
هذا الحديث الشريف يذكر تماماً نفس المواضيع التي بينتها الآيات من مطلع سورة الإسراء!: الآية الأولى تذكر الإسراء، والآية الثانية تذكر موسى عليه السلام، وتبدأ الآيات مباشرة بالحديث عن إفساد بني إسرائيل! ولعلّ د. نوفل قد أجاد في تفسيره لمعظم (لا كلّ) آيات هذه السورة. وبالتالي أوجه إليه السؤال: لمَ القولُ بأن الحديث لا يصح متناً، والحديث يعزز ويؤكّد معاني الآيات من مطلع سورة الإسراء؟! ولماذا قولك برفض هذا الحديث مطلقاً؟! الذي ذكره الحديث وما لم يُذكر في الآيات الأول من سورة الإسراء هو التخفيف على هذه الأمة لاغير. وهذا التخفيف وكما هو معلوم لدى الجميع منسجمٌ تماما مع أسماء الله وصفاته والتي منها أنّه سبحانه هو الرحمن الرحيم اللطيف الودود الرؤوف الجواد الكريم يضاعف الحسنات ولا يكلف نفساً إلاّ وسعها. وإذا كان د. نوفل يستنكر هذا التخيف!، فهل هو كذلك يستنكر التخفيف الوارد في قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال 66) ؟!
وأرجِعُ د. نوفل إلى قصة العبد الصالح (خضر) مع موسى عليهما السلام:
يقول تعالى في سورة الكهف: (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74)).
الجواب الشافي إذا أراده د. نوفل؛ فهو في قوله سبحانه على لسان الخضر مخاطباً موسى: (... وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ) (الكهف 82). وبنفس الكيفية؛ فإنّ موسى عليه السلام الذي تعلم من خضر؛ تعلّم منه: (... وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) (82). فلقد كان يقول لرسولنا محمد ارجع إلى ربك واسأله التخفيف بأمر ووحيٍ من الله سبحانه. هذا هو حال الرسل مع ربّهم سبحانه: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء 27). يقول القرطبي: لا يسبقونه بالقول أي لا يقولون حتى يقول، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم. وهم بأمره يعملون أي بطاعته وأوامره. ثمّ إنّ هؤلاء الرّسل الذين قابلوا محمداً صلى الله عليه وسلّم في رحلة المعراج قد كانوا مستقبلين له وبأمر وتكليف من الله سبحانه! وإلاّ فأين الحديث من ذكر باقي الرّسل والأنبياء؟!
وعليه فإنني أدعوك يا د. نوفل إلى الصبر مع أحاديث الحبيب محمد؛ فهي وحيٌ من الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلّم! وأيّ عقل هذا الذي يجعل من نفسه حكما على وحي الله إلى رسوله؛ ليقبل أحياناً أو يردّ بهواه غالباً؟! نعم يا د. نوفل: (ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) من أحاديث الصحيحين! فليكن لك عبرة في قصة نبيّ الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح خضر.
يقول سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء 1).
إنّ أبرز حكمة في معجزة الإسراء والمعراج هي: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا). والإنسان الحكيم يقابل آيات الله الدالة على عظمته بالإيمان والتسليم؛ ولا يخضعها لعقل بشري قاصر يريد محاكمة الكمال الرباني المطلق الذي لن تدركه العقول المحدودة. يقول الشعراوي: "فربّك لم يقُل: سَرَى محمد، بل أُسْرِي به. فالفعل ليس لمحمد ولكنّه لله، وما دام الفعل لله فلا تُخضعْه لمقاييس الزمن لديك..." (تفسير الشعراوي، ص 8310)
موسى في السماء السادسة، وليس في الثانية كما توهّم د. نوفل
(... قال أنس: فذكر: أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر: أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة ([229]).
(... ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه ... ثم فرض عليّ خمسون صلاة كل يوم، فرجعت، فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، ... فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قلت: سألت ربي حتى استحييت منه، ولكن أرضى وأسلم، فلما جاوزت ناداني مناد، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي) ([230])
(... ثم صعد بي حتى إذا أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى ([231]).
(ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة: أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب، محشوا إيمانا وحكمة، فحشي به صدره ولغاديده، يعني عروق حلقه، ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبا به وأهلا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم وقال: مرحبا وأهلا بابني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ( ما هذان النهران يا جبريل ). قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر، عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو أمسك أذفر، قال: ( ما هذا يا جبريل ). قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا مرحبا به وأهلا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع علي أحدا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه: خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد ماذا عهد إليك ربك؟ قال: ( عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة ). قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: ( يا رب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا ). فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: (يا رب إن أمتي ضعفاء، أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا). فقال الجبار: يا محمد، قال: (لبيك وسعديك). قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: (خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها ). قال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه). قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام. ) ([232]).
(... وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بفضل كلام الله ) ([233]).
(... فعرج بي حتى أتى السماء السادسة، فقال: من هذا؟ فقال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد – صلى الله عليه وسلم -، قال: وقد أرسل إليه: قال نعم، ففتح، فإذا موسى ...) ([234])
(... فأتينا على السماء السادسة، قيل: من هذا، قيل: جبريل، قيل: من معك، قيل: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد أرسل إليه، مرحبا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت على موسى فسلمت عليه ) ([235])
(... ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السماء السادسة. فأتيت على موسى عليه السلام فسلمت عليه ... ([236])
سرعة البراق (معجزات الإسراء والمعراج وسرعة البراق) ([237]):
(أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فلم نزايل ظهره أنا و جبريل، حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لنا أبواب السماء، و رأيت الجنة و النار) ([238])
قوله: (يضع خَطوه) بفتح المعجمة أوله المرة الواحدة، وبضمها الفعلة. قوله: (عند أقصى طرْفه) بسكون الراء. أي نظره، أي يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره. (فتح الباري / شرح صحيح البخاري).
أقرب مجرة إلينا تبعد عنّا أكثر من مليوني سنة ضوئية. ويمكن رؤيتها بالعين المجرّدة. هذه المسافة إلى المجرة أندروميدا يحتاج الضوء أكثر من مليوني سنة حتى يقطعها. أما البراق الذي يضع خَطوه عند أقصى طرفه، فيستطيع أن يصل إلى هذه المجرّة في جزء من الثانية (فهو يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره).
إذن سرعة البراق في العروج إلى السماء قد تصل إلى مليارات أضعاف سرعة الضوء، c:
V = 2.2*1000000*365*24*60*60*c = 69379200000000 c
وإذا هالك هذا الرقم واستكثرته؛ فإليك برقم آخر أقل من عشره:
"The farthest star we can see with our naked eye is V762 Cas in Cassiopeia at 16,308 light-years away. Its brightness is magnitude 5.8 or just above the 6th magnitude limit."
هذه المسافة (16,308 سنة ضوئيّة) يقطعها البراق في حوالي خُمْسِ ثانية. فتكون سرعة البراق حوالي
V = (16,308 c) (365.25) (24)(60)(60)(5) = 2,573,206,704,000 c
2.6 تريليون مرة ضعف سرعة الضوء!
وهذا يعني ببساطة أن المسير في رحلة المعراج قد استغرق فقط بضع ثوان. أما الذي استغرق الزمن فهو مقابلة الرّب سبحانه، وكذلك الاستقبال والترحاب والسلام على الأنبياء.
إنّ سرعة الانتقال هذه هائلة، وهي غير فيزيائية؛ حيث إن سرعة الضوء هي أعظم سرعة انتقال ولا يستطيع أن يبلغها أي جسم ماديّ. وبالتالي فإنّ سرعة البراق تخالف القوانين والنواميس المعهودة. وهذا ينسجم مع كون رحلة المعراج معجزة. نعم معجزة يريد د. نوفل وللأسف أن يخضعها لقوانين الفيزياء التي يجهلها هي الأخرى؛ ولا يعرف منها شيئاً. نعم هي معجزة أجراها الله لرسوله؛ وهل نستكثرٌ شيئاً على الله القدير؟! لقد عرجَ به ربُّهُ سبحانه: (لما عرجَ بي ربِّي مررتُ بقومٍ لَهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمُشونَ وجوهَهم وصدورَهم فقلتُ من هؤلاءِ يا جبريلُ قالَ هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهم) ([239]).
المعجزة أمرُ خارق للقوانين والنواميس يجريه الله لرسول من رسله الكرام. فكيف يريد د. نوفل أن يخضع معجزة المعراج لعقله؟! وهل هو أيضا يريد أن يخضع معجزات عيسى عليه السلام؛ والتي ذكرها القرآن لعقله؟! والتي منها إحياء الموتى بإذن الله ويخلق من الطين طيراً بإذن الله، وكلّم الناس في المهد .... وبعض هذه المعجزات ذكرتها الآية الكريمة: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) (المائدة 110). هل الخطوة اللاحقة للدكتور نوفل أن يقاضي هذه الآية؟! أم أنّ الأمر فقط هو التشكيك في السّنّة؛ ولن يجاوزه إلى القرآن؟!
يقول تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (مريم 64). يقول الطبري: ذُكر أن هذه الآية نـزلت من أجل استبطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل بالوحي. على أية حال معلوم أنّ القرآن وحي الله إلى رسوله بواسطة جبريل؛ وقد نزل منجماً ومفرقاً، ولم يكن جبريل يملك أن يحدّد موعداً لنزوله؛ فكلّ شيء يتمُّ بأمر الله. وكذا معجزة المعراج، وكذا معجزة مراجعة رسولنا صلى الله عليه وسلم ربَّه من أجل التخفيف؛ فكلُّ هذا يتمُّ بأمر الله ولا يحكمه شيء من سلطان البشر، فكيف ينبري اليوم د. نوفل ليقاضي المعجزات؟!
هل كان نوح عليه السلام يملك شيئاً من أمره وهو في رحلته الأرضية على السفينة؟! الجواب في الآية الكريمة: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) (المؤمنون 30-28). ويقول سبحانه: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) (العنكبوت 15). يقول الغوي: (فأنجيناه وأصحاب السفينة) يعني من الغرق. (وجعلناها) يعني السفينة، (آية) أي: عبرة (للعالمين) فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة. وقيل: جعلنا عقوبتهم للغرق عبرة.
ومن باب أولى أن لا يملك نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم شيئاً من الأمر وهو في رحلة المعراج الملكوتية!
ومثال أقربه للدكتور نوفل: عندما يسافر شخص برحلة طويلة عبر القارات، فإنّه ليس له أن يقرر خط سير الرحلة؛ فهذا محدّد من قَبْلُ ومن قِبَلِ ما يمكن أن نطلق عليه الإدارة العالمية للملاحة الجوية (Global Air Navigation Administration)، ومنوطٌ بقبطان الطائرة أن يُسيّرَ الطائرةَ على مسارها المحدّد؛ وفقاً للزمن المحدّد. فما بالك بمعجزة رحلة المعراج؟! فهل كان رسولنا عليه السلام من ذاته وجهده وتلقاء نفسه يعاود ربّه؟! أم أنّ مراجعة رسولنا هذه لربه من أجل التخفيف هي ضمن دائرة المعجزة والتي لا تحكم بقدرة رسولنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم؟ هل نسي د. نوفل أنّ المعراج معجزة؟! وإذا لم ينس، فهل فاتَهُ أنّ المعجزة لا تحاكم للعقل؟!
ودليل هذا واضح نصّاً في حديث المعراج: (...قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: (يا رب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا). فوضع عنه عشر صلوات ...)
وعندما اكتمل التخفيف، خمسٌ بأجر خمسين صلاة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه ). قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام .).
سؤال: هل نزول الرسول ليجد نفسه بعد لحظات في مسجد الحرام كان بقوته وإراته، أم أنّه نزول المعجزة التي لا تكون إلا بأمر الله؟! إن كان نزول المعجزة: (فاهبط باسم الله)، فكذلك مراجعته ربّه من أجل التخفيف على الأمة كانت بأمر الله، هذا وإنْ كنّا نقرأ في الحديث أنّ الله الرحمن الرحيم اللطيف والرؤوف بعباده قد أمر موسى ليعرض على رسولنا طلب التخفيف والذي وجد قبولاً عند محمد الرسول الرؤوف بالمؤمنين: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة 128).
يرُدُّ الدكتورُ وجدي غنيم على طعن د. نوفل بحديث تخفيف عدد الصلوات المفروضة (من خمس إلى خمسين)، وعلى زعمه أنّ البخاري فيه الكثير من الأحاديث الضعيفة. فيخاطبُ الدكتورُ وجدي غنيم الدكتورَ نوفل محذّراً إياه من خصال منها: الكبر، التدليس، أن يكون سبباً في إظلال الشباب، الحديث في غير تخصّصه، وأن يجعل من عقله حكماً على النصّ. كما وقد حذّره من منهج المعتزلة الذين يجعلون العقل حكماً على نصوص القرآن والسّنّة ([240]).
والأهم من كلّ ما ورد من ردّ داحض على د. نوفل، هنالك الردّ الفصل، وهو يقول سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء 1).
إنّ أبرز حكمة في معجزة الإسراء والمعراج هي: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا). والإنسان الحكيم يقابل آيات الله الدالة على عظمته بالإيمان والتسليم؛ ولا يخضعها لعقل بشري قاصر يريد محاكمة الكمال الرباني المطلق الذي لن تدركه العقول المحدودة.
وأردّ د. نوفل إلى قصّة يوسف عليه السلام " إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "
(فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) (سورة يوسف)
(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، يقول عزّ وجلّ: قال يعقوب لمن كان بحضرته حينئذ من ولده: ألم أقل لكم يا بني إني أعلم من الله أنه سيردّ عليَّ يوسف، ويجمع بيني وبينه، وكنتم لا تعلمون أنتم من ذلك ما كنت أعلمه، لأن رؤيا يوسف كانت صادقة، وكان الله قد قضى أن أخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا، فكنت مُوقنًا بقضائه. (تفسير الطبري)
14) د. نوفل لديه عدد وكمّ من الأحاديث يتهكم عليها وبشكل دوريّ؛ ولمرّات.
فلطالما تهكم د. نوفل على حديث المعراج وتخفيف عدد الصلوات. فمثلا لا حصراً عاد من جديد ليكرّر الطرح الساخر من هذا الحديث؛ فيقول (تسع مرات رايح جاي حتى استقرت على خمسة؛ هذا الحديث عُمْرِي ما رويته ولن أرويه! لأنه متناً خارج عن المنطق! وعن الدين وعن العقل! موه الدين مش بالعقل يا شيخ. حجّي! والدين أيضاً يجب أن يكون منسجماً مع العقل ...) ([241]).
واستكمالاً للردّ على د. نوفل أقول: وكوني ليس لي اطلاع بعلم الحديث؛ فقد بحثت عن تعريف الراوي؛ فوجدتُ: " راوي الحديث، هو مصطلح إسلامي يشير إلى الشخص الذي يروي الحديث النبوي عن من سبقه من طبقات الرواة إلى من يليه. ويُشترط فيه شروطًا مهمة للتأكد من ضبطه وعدالته."
وبالتالي لا يجوز لي مطلقاً أن أحكم على عدالة أو ضبط أحد؛ فهو وكما ترى علمٌ له رجاله وأدواته. لكنّني أجزم أنّ الشخصَ الذي يتهكّمُ على أحاديث حكمَ الرّواةُ بصحتها؛ لا ولن يكون راوٍ للحديث حسب هذا التعريف للراوي. فرواية الحديث تأتي من منطلق الحرص على السّنّة لا من منطلق إقصائها ولن يتشرّف بها شخصٌ يتّهم البخاري بأنّه يركّب سند لأحاديث تقوّلها على رسولنا صلّى الله عليه وسلّم:
يقول د. نوفل: (الخضر موجود بالحديث أنا بالنسبالي (بالنسبة لي) لا أجعل الظني مع القطعي اليهودية فيها خضر والنصرانية فيها خضر واحنا عندنا خضر! أخشى تكون من الإسرائيليات وركبولها سند! ([242]).
يقول تعالى: (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل 40)
تفسير البغوي: (قال الذي عنده علم من الكتاب) واختلفوا فيه فقال بعضهم هو جبريل. وقيل: هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان عليه السلام. وقال بعضُ المفسرين: هو آصف بن برخياء، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. ... واختلفوا في الدعاء الذي دعا به " الذي عنده علم من الكتاب “.... وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان، قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفهما: (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) قال سليمان: هات، قال: أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك، فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، فقال: صدقت، ففعل ذلك، فجيء بالعرش في الوقت .
وأقول: نحن نعلمُ كرامة رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وميزته على سائر الرسل. ونحن نؤمن يقيناً أنّه عند الله أفضل من الملائكة. ونحن نعلم مكانة الصلاة عند الله؛ فهي عمود الإسلام وركنه الأوّل بعد الشهادتين. وهي أعزُّ من أن تقارن بعرش سبأ أو بملكة سبأ.
وبالتالي السؤال الموجه لدكتور نوفل هو: كيف نقبل السرعة غير الفيزيائية لنقل عرش ملكة سبأ؛ إكراماً لسليمان عليه السلام، ولا نقبل السرعة غير الفيزيائية للرسول الخاتم في تردّده بين الله ربنا وبين نبيّ الله موسى؟! كيف لا نقبل السرعة غير الفيزيائية لرسول خير أمة أخرجت للناس؛ وذلك في أفضل الأماكن والأزمنة والتي كان يعلوها ويشرفها الفصل والقضاء الرباني في أكرم وأعز فريضة افترضها الله على خير رسول وعلى خير أمّة؟!
الآية الكريمة: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) (القلم 42).
يقول د. نوفل: "ربط البخاري هذه الآية بالحديث، ولكن يحق لنا التساؤل هل البخاري معصوم؟ البخاري نِعْمَ العالم، لكنه إذا أخطأ في حديث فإنه لا يسقط من أعيننا!" ... ويقسم د. أحمد نوفل أنّ هذا غير صحيح ([243])! ويقول متناقضاً: (ربط الآية بحديث قد يصح، لكنه ليس بالضرورة تفسيراً لهذه الآية: فالحديث صحيح، لكن أهو تفسير لهذه الآية؟ حديث قد يصح وقد لا يصح، لكن لا علاقة له بالآية!).
بل إنّ د. نوفل يحرصُ دوماً على تهميش السّنة ويدّعي أنّها ليست الحكمة. فهو ينفي أن يكون المراد بالحكمة هو السنة في الآية الكريمة: (...وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
أنا أستغرب أنّ الدكتور نوفل يستخدم كلمتي شيخ وحجّي عندما يتخيّل أنّه يخاطبُ جهةً يريد أن يحقّر فهما؛ وكذلك عندما يقحمُ فهمه وطرحه الذي يردّ أحاديث صحيحة! ويتكرّر هذا منه! ارجع على سبيل المثال لقوله: " ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج"، ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم، فيقول: "يأجوج ومأجوج محبوسين تحت الطاولة! أين هم شيل الطاولة خلينا نشوف حجي (نظرات في سورة الكهف - الحلقة 29)"! وقوله أيضاً: "كلّه شغل شغل هيه حجّي" ([244]). ... وغيرها. يا دكتور نوفل: إنّ الحجّ فريضة وركن أحمدُ الله سبحانه أن منّ عليّ بأدائها. وبحمد الله كانت المرّة الأولى برفقة وإشراف عالمين جليلين ربانيين أسأل الله تعالى لهما واسع الرحمة؛ أذكرك بصحبتهما؛ وهما: الأستاذ الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، والشيخ المجاهد الشهيد عبدالله عزام دكتور الحديث الشريف. واسمح لي يا دكتور نوفل أن أقول لك: إنّ هذا الحديث وكلّ الأحاديث الثابتة الصحيحة التي تطعن بها! أتشرف بقبولها والإيمان بها، فهي تنير عقلي طيلة حياتي وبالأخص في آخر خمسة وعشرين عاما تشرفت خلالها في سبر غور الآيات الكونية تفسيراً وبياناً لإعجازها. وهذا من كرم الله وفضله سبحانه؛ فلهُ الحمدُ والثناءُ أنّني أنالُ اليوم شرف السبق في الرّد على تفسيرٍ من عقلك الذي لايستند إلى منهج؛ والذي إن ذكرت خلاله حديثاً صحيحاً فإنّما تذكره فقط من أجل الطعن والتشكيك فيه!
15) يحتجّ ويشنّع على قول توهّم أنه منسوب إلى علي رضي الله عنه: (بيننا وبينكم السّنّة). بينما القول الثابت: (بيننا وبينكُمْ كِتابُ اللهِ)!
د. نوفل يحتج على قول توهم أنه منسوب إلى علي رضي الله عنه ([245]): (بيننا وبينكم السنة)؛ ثمّ يشنّع على هذا القول! والصواب أن القول المنسوب لعلي هو: (بيننا وبينكُمْ كِتابُ اللهِ)! وكنت أود أن يكون د. نوفل لديه اطلاع وعلم يمنعه من هذا الخطأ. وفيما يلي متن الحديث: (هؤلاءِ القومِ الذينَ قتلهُمْ عليٌّ قال قُلْتُ فِيمَ فَارَقُوهُ؟ وفِيمَ اسْتَحَلُّوهُ؟ وفِيمَ دعاهُمْ؟ وبِمَ اسْتَحَلَّ دماءَهُم قال إنَّه لمَّا اسْتَحَرَّ القَتْلُ في أَهْلِ الشَّامِ بِصِفِّينَ اعْتَصَمَ هو وأَصْحابُهُ بِجَبَلٍ فقال لَهُ عَمْرُو بنُ العَاصِ أَرْسِلْ إليه بِالْمُصْحَفِ فلا واللهِ لا نَرُدُّهُ عليك قال فجاء رجلٌ يَحْمِلُهُ يُنَادِي بيننا وبينكُمْ كِتابُ اللهِ أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا من الكِتابِ الآيَةَ قال عَلِيٌّ نَعَمْ بيننا وبَيْنَكُمْ كِتابُ اللهِ أَنَا أَوْلَى بِه مِنْكُمْ فَجَاءَتِ الخَوَارِجُ وكُنَّا نُسَمِّيهِمْ يَوْمَئِذٍ القُرَّاءَ وجَاءُوا بِأَسْيافِهِمْ على عَوَاتِقِهِمْ. ... ) ([246]).
نقد مقولة (القرآن حمال أوجه) ([247])
يقول الكاتب: "فلم نقف على سند يوثق به في نسبة العبارة المذكورة إلى عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب، وقد وقفنا على كلام نفيس للشيخ القرضاوي ـ حفظه الله ـ في تلك العبارة ننقله هنا، لما فيه من الفائدة، قال: تمسك بعض الناس بالكلمة التي رويت عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ حين وجه ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لمحاجة الخوارج، فقال له: لا تجادلهم بالقرآن فإنه حمال أوجه وخذهم بالسنن ـ ولا أدري مدى صحة نسبة هذه الكلمة إلى علي فقد بحثت عنها في مظان كثيرة فلم أجدها بهذه الصيغة رغم اشتهارها، لكن الشهرة ليست دليل الصحة ولقد اتخذ بعض الناس من كلمة أمير المؤمنين علي تكأة يعتمدون عليها في دعوى عريضة: أن القرآن يحتمل تفسيرات مختلفة وأفهاما متباينة بحيث يمكن أن يحتج به على الشيء وضده، ولو صح ما ادعوه على القرآن الكريم لم يكن هناك معنى لإجماع الأمة بكل طوائفها على أن القرآن هو المصدر الأول للإسلام عقيدة وشريعة ولم يكن هناك معنى لوصف الله تعالى القرآن بأنه نور وكتاب مبين، فكيف يكون الكتاب المبين الهدى والفرقان والنور غامضا أو قابلا لأي تفسير يشرق صاحبه أو يغرب وقد قال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ـ وقد أجمع المسلمون على أن الرد إلى الله يعني الرد إلى كتابه وأن الرد إلى الرسول بعد وفاته يعني الرد إلى سنته، فإذا كان الكتاب حمال أوجه ـ كما يقال ـ فكيف أمر الله تعالى برد المتنازعين إليه؟ وكيف يعقل أن يرد التنازع إلى حكم لا يرفع التنازع، بل هو نفسه متنازع فيه؟. "".
د. أحمد نوفل توهم أنّ عبارة (القرآن حمال أوجه) موجودة في كتب السنة؛ وهو ينقضها من هذا المنطلق ([248])؛ وقد أشرت إلى أن هذه العبارة ليست في كتب الحديث ([249]). وكنت أود أن يكون د. نوفل لديه اطلاع وعلم يمنعه من هذا الخطأ!
ويمكن الرد على هذه المواقف بالحديث الشريف:
(يوشِكُ أنْ يقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقولُ: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فما وجدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ) ([250]). (يوشِكُ الرَّجلُ متَّكئًا علَى أريكتِهِ يُحَدَّثُ بحديثٍ من حديثي فيقولُ بينَنا وبينَكُم كتابُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ما وجَدنا فيهِ من حلالٍ استحلَلناهُ وما وجدنا فيهِ من حرامٍ حرَّمناهُ ألَّا وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مثلُ ما حرَّمَ اللَّهُ) ([251])
(حَرَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ خَيْبرَ أشياءَ، ثمَّ قال: يوشِكُ أحَدُكم أنْ يُكَذِّبَني وهو مُتَّكِئٌ على أَريكتِه يُحَدَّثُ بحَديثي، فيقولُ: بيْننا وبيْنكم كِتابُ اللهِ، فما وجَدْنا فيه مِن حلالٍ استَحلَلْناه، وما وجَدْنا فيه مِن حرامٍ حَرَّمْناهُ! ألَا وإنَّ ما حَرَّم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِثلُ ما حَرَّم اللهُ.) ([252])
الحديت الشريف: (قرأ عمرُ بنُ الخطَّابِ عَبَسَ وَتَوَلَّى فلمَّا أتى على هذهِ الآيةَ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا قال: عرَفنا ما الفاكِهَةُ، فما الأَبُّ؟ فقال: لعَمرُك يا ابنَ الخطَّابِ إنَّ هذا لهوَ التَّكَلُّفُ) ([253])
(كنَّا عند عمرَ رضِي اللهُ عنه وفي ظَهرِ قميصِه أربعُ رِقاعٍ فقرأ } وَفَاكِهَةً وَأَبًّا{ ]عبس: 31 ] فقال: ما الأَبُّ؟ ثمَّ قال: إنَّ هذا لهو التَّكلُّفُ فما عليك أن لا تَدريه) ([254])
يقسم د. نوفل أن هذا الحديث غير صحيح! ويرى المحدث الدكتور محمد عبدالله أبوصعيليك أنّ هذا الحديث لا ينزل عن مرتبة الحسن.
16) الطّعن في الحديث بطريقة ملتوية؛ كقوله " ... عمره الحديث ما كان بمثل هذا الوضوح لا والله"
أحياناً يطعن الدكتور نوفل في الحديث بطريقة ملتوية؛ كقوله: (العالم كله تكالب علينا. فعلاً صدَق الحديث الشريف: (يوشك أن تداعى) عمره الحديث ما كان بمثل هذا الوضوح لا والله!) ([255]).
17) إدّعاؤه أنّ المتشابه يلازم قلّة العلم:
قبيل نهاية حلقة الطعن بالسنة يتحدث د. نوفل عن المتشابه فيقول (الزمن: (26:12) ): "ابن عباس أبو بكر عائشة الرسول من باب أولى؛ هؤلاء عندهم العلم وبالتالي ليس عندهم متشابه". المتشابه يلازم قلّة العلم. وهذا كلام رائع وجميل؛ وحبذا لو ذكر د. نوفل الفاروق عمر وعلي وعثمان رضي الله عنهم؛ فقد شهد لهم الرسول بالعلم. لكن ليعلم د. نوفل أن علماء التفسير المعاصرين كلهم علمهم متواضع: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا). آينشتاين الفيزيائي الشهير ما أتصور أنه يعقل أكثر من واحد بالمائة من علوم الفيزياء. وبالتالي لا أتصور أحداً بلغ كمال العلم؛ ولا تشتبه عليه بعض الآيات؛ ورحم الله الصحابة ورضي الله عنهم. ومن علامات الساعة أن يقبض العلم بموت العلماء.
وكانت ملاحظة أحد الذين قرأوا لي الموضوع في هذا المكان من الكتاب هي: "لا أجد ترابط بين الموضوعات".
جوابي على الملاحظة هو: في هذا الجزء من الكتاب أقوم بالردّ على كلام د. نوفل وبالتسلسل الذي جاء في حلقته المسجلة، وبالتالي لا أدري لمن سينسب عدم الترابط؟!
ذكر د. نوفل قامات العلم زمن الرسول والصحابة. وأسأله: لم يغب عنك اسم الفاروق عمر عندما رددت القول: (ما الأَبُّ؟ ثمَّ قال: إنَّ هذا لهو التَّكلُّفُ فما عليك أن لا تَدريه) فلماذا لم تذكر علمه؟! كذلك لم يغب عنك اسم الفاروق عمر عندما رددت حديثه في آية الرجم!:
"اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أن آية الرجم كانت إحدى الآيات القرآنية المنزلة من عند الله تعالى، وأن الصحابة كانوا يعدونها آية من القرآن قرؤوها وعقلوها ووعوها ولم يؤمروا بكتابتها في المصحف. ثم نُسِخَ لفظ هذه الآية وبقي حكمها؛ وهو حكم الرجم. وأن النسخ لا يكون إلا بأمر الله تعالى وحكمه، وقد ثبث حكم حد الرجم بأدلة مستفيضة، وشواهد متعددة، ومنها حديث: عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: " قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَهو جَالِسٌ علَى مِنْبَرِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ اللَّهَ قدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عليه الكِتَابَ، فَكانَ ممَّا أُنْزِلَ عليه آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فأخْشَى إنْ طَالَ بالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ فَيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وإنَّ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ حَقٌّ علَى مَن زَنَى إذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كانَ الحَبَلُ، أَوِ الاعْتِرَافُ.) (رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 1691، صحيح.). فلماذا لم تذكر علمه؟! الجواب: يكفي الفاروقَ عمر تزكيةُ الرسول (صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) له بالعلم والدين:
عمرُ الملهمُ: (إنَّه كان قد كان فيما مضى قبلَكم من الأممِ مُحدَّثونَ، وإنَّه إن كان في أمَّتي هذه منهم فإنَّه عمرُ بنُ الخطَّابِ) ([256]).
(قد كان في الأُمَمِ مُحدَّثونَ، فإنْ يكُنْ من أُمَّتي فعُمَرُ.) ([257]) .
(قدْ كانَ يَكونُ في الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فإنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أحدٌ فعُمرُ بنُ الخطَّابِ) ([258])
شهادةُ الرسولِ لعمرَ بالعلمِ: (بَيْنا أنا نائِمٌ أُتِيتُ بقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ منه، ثُمَّ أعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قالوا: فَما أوَّلْتَهُ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: العِلْمَ.) ([259])
(بَينما أنا نائمٌ إذ أُتيتُ بقدحِ لبنٍ فشَرِبْتُ منهُ، ثمَّ أعطَيتُ فضلي عمرَ بنَ الخطَّابِ. قالوا: فما أوَّلتَهُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: العِلمَ) ([260])
(بينا أنا نائمٌ إذْ أُتيتُ بقدَحِ لبنٍ، فشرِبتُ منه، حتَّى لأرى الرِّيَّ يجري في أظفاري، ثمَّ أَعطيتُ فَضلي عمرَ بنَ الخطَّابِ قالوا: فما أوَّلْتَه يا رسولَ اللهِ قال: العِلمَ) ([261])
رسولُ اللهِ يشهدُ لعمرَ بالدينِ:
(بَيْنا أنا نائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ، وعليهم قُمُصٌ، فَمِنْها ما يَبْلُغُ الثَّدْيَ، ومِنْها ما يَبْلُغُ دُونَ ذلكَ، وعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وعليه قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ، قالوا: فَما أوَّلْتَهُ يا رَسولَ اللَّهِ قالَ: الدِّينَ.) ([262])
(بيْنَما أنا نائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وعليهم قُمُصٌ، مِنْها ما يَبْلُغُ الثَّدْيَ، ومِنْها ما يَبْلُغُ دُونَ ذلكَ، ومَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وعليه قَمِيصٌ يَجُرُّهُ قالوا: ما أوَّلْتَهُ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الدِّينَ) ([263])
(بَيْنا أنا نائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وعليهم قُمُصٌ، فَمِنْها ما يَبْلُغُ الثَّدْيَ، ومِنْها ما يَبْلُغُ دُونَ ذلكَ، وعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وعليه قَمِيصٌ يَجْتَرُّهُ قالوا: فَما أوَّلْتَهُ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الدِّينَ.) ([264])
(بينا أنا نائمٌ، رأيتُ الناسَ يُعرضون عليَّ وعليهم قُمُصٌ، منها ما يَبلُغُ الثُّدِيَّ، ومنها ما دون ذلك، وعُرِضَ عليَّ عمرُ بنُ الخطابِ وعليه قَمِيصٌ يَجُرُّه. قالوا: فما أوَّلتَ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: الدينُ.) ([265])
فلم أَرَ عَبْقَرِيًّا من الناسِ يَفْرِي فَرْيَهُ (عمر): (بَيْنا أنا على بِئْرِ أَنْزِعُ منها إذ جاء أبو بكرٍ وعمرُ، فأخذ أبو بكرٍ الدَّلْوَ، فنَزَع ذَنُوبًا أو ذَنُوبَيْنِ، وفي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، فغفر اللهُ له، ثم أخذها ابنُ الخَطَّابِ من يدِ أبي بكرٍ، فاسْتَحَالَتْ في يَدِهِ غَرْبًا، فلم أَرَ عَبْقَرِيًّا من الناسِ يَفْرِي فَرْيَهُ، حتى ضرب الناسُ بعَطَنٍ) ([266])
وأسأل د. نوفل: لم يغب عنك اسم عليّ رضي الله عنه عندما ناقشت العبارة المتوهمة (بيننا وبينكم السنة)؛ وكذلك عندما رددت الحديث (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ): (أُتِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، بزَنادِقَةٍ فأحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذلكَ ابْنَ عبَّاسٍ، فقالَ: لو كُنْتُ أنا لَمْ أُحْرِقْهُمْ، لِنَهْيِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تُعَذِّبُوا بعَذابِ اللَّهِ ولَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ.)
السؤال: لماذا لم تذكر عِلمَ عليّ؟! الجواب: يكفيه تزكيةُ الرسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (بينما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالسٌ في المسجدِ قد أطاف به أصحابُه إذ أقبل عليُّ بنُ أبي طالبٍ فوقف وسلَّم ونظر إلى مكانِه يستحِقُّ أن يجلِسَ فيه فنظر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في وجوهِ أصحابِه أيُّهم يُوسِعُ له وكان أبو بكرٍ جالسًا عن يمينِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فتزحزح له عن مجلسِه وقال ها هنا يا أبا الحسنِ فجلس بين النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبين أبي بكرٍ قال أنسُ بنُ مالكٍ فرأيتُ السُّرورَ في وجهِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ أقبل على أبي بكرٍ فقال يا أبا بكرٍ إنَّما يعرِفُ الفضلَ لأهلِ الفضلِ ذوو الفضلِ) ([267])
(خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي “.) ([268])
(لمَّا خرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، في غَزوةِ تَبوكَ، خَلَّفَ علِيًّا، فقال له: أتُخَلِّفُني؟ فقال له: أمَا تَرضى أنْ تَكونَ مِنِّي بِمَنزِلةِ هارونَ مِن موسى، إلَّا أنَّهُ لا نَبيَّ بَعدي؟) ([269])
(بعثني أبو بكرٍ في تلك الحجةِ في مؤذنينَ بعثهم يومَ النحرِ يؤذنون بمنًى: ألا لا يحجُّ بعدَ العامِ مشركٌ ولا يطوفُ بالبيتِ عريانٌ، ثم أردف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعليِّ بنِ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنه فأمره أن يُؤذِّنَ ببراءةَ، فأذَّن عليٌّ معَنا يومَ النحرِ في أهلِ منًى ألَّا يَحُجَّ بعدَ العامِ مشركٌ ولا يطوفَ بالبيتِ عريانٌ. وروَى الناسُ عن أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليٍّ أنه قال: لما نزلت براءةُ على رسولِ اللهِ عليه السلامُ كان بعث أبا بكرٍ ليقيمَ للناسِ الحجَّ، قيل له: يا رسولَ اللهِ لو بعثت به إلى أبي بكرٍ؟ فقال: لا يؤدِّي عني إلا رجلٌ من أهلِ بيتي، ثم دعا عليًّا فقال له: اخرجْ بهذه القصةِ من صدرِ براءةَ، وأذِّنْ في الناسِ يومَ النحرِ إذا اجتمعوا بمنًى أنه لا يحجُّ بعدَ العامِ مشركٌ ولا يطوفُ بالبيتِ عريانٌ، ومَن كان له عندَ رسولِ اللهِ عهدٌ فهو له إلى مُدَّتِه، فخرج على ناقةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى أدركَ أبا بكرٍ، فقال له أبو بكرٍ حينَ رآه: أميرٌ أم مأمورٌ؟ فقال: بل مأمورٌ، ثم مضَى) ([270])
(بَعَثَنِي أبو بَكْرٍ في تِلكَ الحَجَّةِ في مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَومَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بمِنًى، أنْ لايَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ ولَا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، قالَ حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أرْدَفَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَلِيِّ بنِ أبِي طَالِبٍ، وأَمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ ببَرَاءَةَ، قالَ أبو هُرَيْرَةَ: فأذَّنَ معنَا عَلِيٌّ يَومَ النَّحْرِ في أهْلِ مِنًى ببَرَاءَةَ، وأَنْ لا يَحُجَّبَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولَا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ.) ([271])
- (عن ابن عمر قال كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي و أبو بكر و عمر و عثمان و لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن يكون لي إحداهن أحب إلي من أن يكون لي الدنيا و ما فيها: تزويجه فاطمة، وولدت له و غلق الأبواب، والثالثة يوم خبير) ([272])
- وللمزيد في فضل الخلفاء الراشدين يمكن الرجوع إلى:
http://eijaz.mutah.edu.jo/KholafaRashedoan.htm
وللمزيد في فضل أم المؤمنين عائشة يمكن الرجوع إلى:
http://eijaz.mutah.edu.jo/Aishah.htm
في الحادي عشر من آذار 2020 وأثناء حلقته على قناة حياة سئل د. نوفل عن تفسير الآية الكريمة: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ) (الأعراف: 172). فكان جوابه لا نعلم ما إذا كان هذا على الحقيقة أم على المجاز! وبالتالي فإنّ هذه الآية من المتشابهة بالنسبة للدكتور نوفل. وبالتالي من العجب العجاب أن ينكر د. نوفل وجود آيات متشابهة! وأتسآءل: كيف يغيب عن باله أنّ كيفية الأمر لا يمكن أن يدركها المخلوق؛ فعقيدة أهل السنّة إثبات الصفة أو الفعل لله سبحانه ومن غير تكييف أو تشبيه أو تعطيل. وإنّ الأحاديث التي وردت في شرح هذه الآية الكريمة قد ذكرها المحدثون في باب: الأسماء والصفات ([273]). وتبيّن هذه الأحاديث: أنَّ الإيمانَ بالقَدرِ لا يُنافِي العَملَ، وفيها الردُّ على من يُعلِّقُ تَقْصيرَه عليه؛ لأنَّ اللهَ خَلَق الإنسانَ وهَداه إلى مَعرفةِ الخيرِ والشَّرِّ.
وفيها: إثباتُ أنَّ للهِ تعالى يَمينًا، وهي تَليقُ بذاتِه وكمالِه سُبحانَه (ليس كمِثلِه شيءٌ وهو السَّميعُ البَصيرُ).
18) يطعن د. نوفل في حديث نَفْي الشَّكِّ عن إبراهيم عليه السلام!
عند تفسيره الآية الكريمة: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ. .) (البقرة: 260)؛ يطعن د. نوفل في حديث نَفْي الشَّكِّ عن إبراهيم؛ بالرغم من أنّ الحديث في صحيح البخاري. يتهجم د. نوفل ومقدمه على الحديث؛ فيقول: "الحديث في نفسي منه شيء " ([274]). وأقول: لعلّه لم يطلع على نص الحديث وشرحه ومناسبته. الحديث ينفي الشك عن إبراهيم – عليه السلام - ولا ينسب إليه الشك كما يفهم خطأً كل من د. نوفل ومقدمه! بل إنّ دكتور نوفل لم يطّلع حتى على تفاسير هذه الآية، وإليك الدليل:
تفسير القاسمي (محاسن التأويل):
يقول المؤلف: (قال ابن عطية ... فمعناه أنّه لو كان - إبراهيم - شاكّاً كنّا نحن أحقُّ به. ونحن لا نشكّ فإبراهيم أحرى أن لا يشكّ. فالحديث مبنيٌّ على نفي الشّكّ عن إبراهيم) (جزء 3، ص 672)
تفسير المنار (محمد رشيد رضا): (وقد ورد في حديث الصحيحين "نحن أولى بالشكّ من إبراهيم" أي أننا نقطع بعدم شكّه كما نقطع بعدم شكّنا أو أشدّ قطعاً. نعم ليس في الكلام ما يشعر بالشّكّ، فإنّه ما من أحد إلا وهو يؤمن بأمور كثيرة إيمانا يقينيّا وهو لا يعرف كيفيتها ويودّ لو يعرفها ....) (جزء 3، ص 54).
19) د. نوفل ينكر الخضر في قصة موسى عليهما السلام!
يقول د. نوفل وبالعامّيّة: (الخضر موجود بالحديث أنا بالنسبالي (بالنسبة لي) لا أجعل الظني مع القطعي اليهودية فيها خضر والنصرانية فيها خضر واحنا عندنا خضر! أخشى تكون من الإسرائيليات وركبولها سند! ([275]).
الرّدّ على د. نوفل:
مرة أخرى وفي نفس الحلقة يتهم د. أحمد نوفل علماء الحديث بالتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم! وذلك بقول نوفل: (أخشى تكون من الإسرائيليات وركبولها سند!). وهذا الإتهام للرواة يكرّره د. نوفل؛ أنظر مثلاً قوله: (من علمائنا من قال إن أسباب النزول تعين على فهم النص، وهذا كلام صحيح، لكن عندما يكون سبب النزول ملفّقاً تلفيقاً يصبح معيقاً ولا يكون معيناً على فهم النص)، على رابط الموقع في الحاشية ([276]).
يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب 58). ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مَن كذَبَ عليَّ فلْيتبَوَّأْ مَقعَدَه منَ النَّارِ مُتعمِّدًا، قاله مرَّتيْنِ، وقال مرَّةً: مَن كذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا.) ([277])
(مَن كَذَبَ عليَّ فليَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النَّارِ، مُتعمِّدًا، حدَّثَنا به هكذا مرَّتينِ، وحدَّثَنا به مرةً أخرى، فقال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا فليَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النَّارِ.) ([278])
هذا وإنَّ الخضر في قصة موسى عليهما السلام ثابت في صحيحي البخاري ومسلم!
الخضر مع موسى ثابت في صحيحي البخاري ومسلم:
الخضر مع موسى ثابت في صحيحي البخاري ومسلم؛ وهذا لا يعارض القرآن كما يحاول د. نوفل أن يوهم المستمع؛ حين يقول في نفس التسجيل: فالقرآن ذكر ابني آدم ولم يذكر اسميهما: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27). وأهل الحقّ مجمعين أنّ في السنة الخير العظيم فهي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم.
من أحاديث الخضر:
( إنما سمي الخضر أنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء ) ([279]).
(إن الله قال لموسى: بلى عبدنا خضر) ([280])
وعند مسلم: (قُلتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسَى عليه السَّلَامُ، صَاحِبَ بَنِي إسْرَائِيلَ ليسَ هو مُوسَى صَاحِبَ الخَضِرِ، عليه السَّلَامُ، فَقالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ يقولُ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: قَامَ مُوسَى عليه السَّلَامُ خَطِيبًا في بَنِي إسْرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقالَ: أَنَا أَعْلَمُ، قالَ فَعَتَبَ اللَّهُ عليه إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فأوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أنَّ عَبْدًا مِن عِبَادِي بمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أَعْلَمُ مِنْكَ، قالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ كيفَ لي بهِ؟ فقِيلَ له: احْمِلْ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ معهُ فَتَاهُ، وَهو يُوشَعُ بنُ نُونٍ، فَحَمَلَ مُوسَى عليه السَّلَامُ، حُوتًا في مِكْتَلٍ وَانْطَلَقَ هو وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَقَدَ مُوسَى عليه السَّلَامُ وَفَتَاهُ، فَاضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ، حتَّى خَرَجَ مِنَ المِكْتَلِ، فَسَقَطَ في البَحْرِ، قالَ وَأَمْسَكَ اللَّهُ عنْه جِرْيَةَ المَاءِ حتَّى كانَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَكانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَومِهِما وَلَيْلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى عليه السَّلَامُ، قالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَبًا، قالَ وَلَمْ يَنْصَبْ حتَّى جَاوَزَ المَكانَ الذي أُمِرَ به، قالَ: أَرَأَيْتَ إذْ أَوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ، فإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَما أَنْسَانِيهُ إلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا، قالَ مُوسَى: {ذلكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا علَى آثَارِهِما قَصَصًا}، قالَ يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ، فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عليه بثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عليه مُوسَى، فَقالَ له الخَضِرُ: أنَّى بأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قالَ: أَنَا مُوسَى، قالَ: مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: إنَّكَ علَى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا علَى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ، قالَ له مُوسَى عليه السَّلَامُ: (هلْ أَتَّبِعُكَ علَى أَنْ تُعَلِّمَنِي ممَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. وَكيفَ تَصْبِرُ علَى ما لَمْ تُحِطْ به خُبْرًا. قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لكَ أَمْرًا) قالَ له الخَضِرُ }فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فلا تَسْأَلْنِي عن شيءٍ حتَّى أُحْدِثَ لكَ منه ذِكْرًا}، قالَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَ الخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ علَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَمَرَّتْ بهِما سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُما بغيرِ نَوْلٍ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إلى لَوْحٍ مِن أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فَقالَ له مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بغيرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لقَدْ جِئْتَ شيئًا إمْرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ لا تُؤَاخِذْنِي بما نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِن أَمْرِي عُسْرًا}، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبيْنَما هُما يَمْشِيَانِ علَى السَّاحِلِ إذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مع الغِلْمَانِ، فأخَذَ الخَضِرُ برَأْسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بيَدِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسَى: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بغيرِ نَفْسٍ لقَدْ جِئْتَ شيئًا نُكْرًا. قالَ أَلَمْ أَقُلْ لكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) قالَ: وَهذِه أَشَدُّ مِنَ الأُولَى، {قالَ إنْ سَأَلْتُكَ عن شيءٍ بَعْدَهَا فلا تُصَاحِبْنِي، قدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا حتَّى إذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَهَا فأبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فأقَامَهُ} يقولُ مَائِلٌ، قالَ الخَضِرُ بيَدِهِ هَكَذَا فأقَامَهُ، قالَ له مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لو شِئْتَ لَتَخِذْتَ عليه أَجْرًا، قالَ: هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عليه صَبْرًا قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْتُ أنَّهُ كانَ صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِن أَخْبَارِهِمَا، قالَ: وَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: كَانَتِ الأُولَى مِن مُوسَى نِسْيَانًا، قالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ حتَّى وَقَعَ علَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ نَقَرَ في البَحْرِ، فَقالَ له الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلَّا مِثْلَ ما نَقَصَ هذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ. قالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: وَكانَ يَقْرَأُ: وَكانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَكانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الغُلَامُ فَكانَ كَافِرًا.) ([281]).
وعند البخاري: (قُلتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسَى صَاحِبَ الخَضِرِ، ليسَ هو مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إسْرَائِيلَ، فَقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حدَّثَني أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ: أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أعْلَمُ، فَقالَ: أنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عليه إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فأوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ إنَّ لي عَبْدًا بمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنْكَ، قالَ مُوسَى: يا رَبِّ فَكيفَ لي به، قالَ: تَأْخُذُ معكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ، فَحَيْثُما فقَدْتَ الحُوتَ فَهُوَ، ثَمَّ فأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ معهُ بفَتَاهُ يُوشَعَ بنِ نُونٍ، حتَّى إذَا أتَيَا الصَّخْرَةَ وضَعَا رُؤُوسَهُما فَنَامَا، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ، فَخَرَجَ منه فَسَقَطَ في البَحْرِ، {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا}، وأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ عليه مِثْلَ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بالحُوتِ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَومِهِما ولَيْلَتَهُما حتَّى إذَا كانَ مِنَ الغَدِ، قالَ مُوسَى {لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَبًا}، قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حتَّى جَاوَزَا المَكانَ الذي أمَرَ اللَّهُ به، فَقالَ له فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إذْ أوَيْنَا إلى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسَانِيهِ إلَّا الشَّيْطَانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا)، قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسَى ولِفَتَاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسَى: (ذلكَ ما كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا علَى آثَارِهِما قَصَصًا)، قالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُما حتَّى انْتَهَيَا إلى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى ثَوْبًا فَسَلَّمَ عليه مُوسَى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنَّى بأَرْضِكَ السَّلَامُ، قالَ: أنَا مُوسَى، قالَ: مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ، أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي ممَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا، قالَ: (إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا)، يا مُوسَى إنِّي علَى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأَنْتَ علَى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، فَقالَ مُوسَى: {سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، ولَا أعْصِي لكَ أمْرًا}، فَقالَ له الخَضِرُ: }فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فلا تَسْأَلْنِي عن شيءٍ حتَّى أُحْدِثَ لكَ منه ذِكْرًا}، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ علَى سَاحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُمْ بغيرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلَّا والخَضِرُ قدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْوَاحِ السَّفِينَةِ بالقَدُومِ، فَقالَ له مُوسَى: قَوْمٌ قدْ حَمَلُونَا بغيرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا (لِتُغْرِقَ أهْلَهَا لقَدْ جِئْتَ شيئًا إمْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا قالَ لا تُؤَاخِذْنِي بما نَسِيتُ ولَا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا)، قالَ: وقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: وكَانَتِ الأُولَى مِن مُوسَى نِسْيَانًا، قالَ: وجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ علَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ له الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلَّا مِثْلُ ما نَقَصَ هذا العُصْفُورُ مِن هذا البَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ فَبيْنَا هُما يَمْشِيَانِ علَى السَّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مع الغِلْمَانِ، فأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ له مُوسَى: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بغيرِ نَفْسٍ لقَدْ جِئْتَ شيئًا نُكْرًا). (قالَ ألَمْ أقُلْ لكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) قالَ: وهذِه أشَدُّ مِنَ الأُولَى، قالَ: {إنْ سَأَلْتُكَ عن شيءٍ بَعْدَهَا فلا تُصَاحِبْنِي، قدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا حتَّى إذَا أتَيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَهَا فأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ} - قالَ: مَائِلٌ - فَقَامَ الخَضِرُ فأقَامَهُ بيَدِهِ، فَقالَ مُوسَى: قَوْمٌ أتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا ولَمْ يُضَيِّفُونَا، {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عليه أجْرًا}، قالَ: {هذا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ} إلى قَوْلِهِ: {ذلكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عليه صَبْرًا} فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ودِدْنَا أنَّ مُوسَى كانَ صَبَرَ حتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِن خَبَرِهِما قالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: فَكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ (وَكانَ أمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا) وكانَ يَقْرَأُ: (وَأَمَّا الغُلَامُ فَكانَ كَافِرًا وكانَ أبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) ([282])
وفي صحيح البخاري: (إنا لعند ابن عباس في بيته، إذ قال: سلوني، قلت: أي أبا عباس، جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل، أما عمرو فقال لي: قد كذب عدو الله، وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( موسى رسول الله عليه السلام، قال: ذكر الناس يوما، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، فعتب عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، قيل: بلى، قال: أي رب، فأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: أي رب، اجعل لي علما أعلم ذلك به، فقال لي عمرو: قال: حيث يفارقك الحوت، وقال لي يعلى: قال: خذ نونا ميتا، حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كثيرا، فذلك قوله جل ذكره { وإذ قال موسى لفتاه }. يوشع بن نون، - ليست عن سعيد - قال: فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان، إذ تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر، حتى كأن أثره في حجر. قال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر - وحلق بين إبهاميه واللتين تليانهما - لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، قال: قد قطع الله عنك النصب - ليست هذه عن سعيد - أخبره فرجعا، فوجدا خضرا. قال لي عثمان بن أبي سليمان: على طنفسة خضراء على كبد البحر، قال سعيد بن جبير: مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلام، من أنت: قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى، إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال: والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله، إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا، تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل الساحل الآخر، عرفوه، فقالوا: عبد الله الصالح - قال: قلنا لسعيد: خضر، قال: نعم - لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتدا، قال موسى: أخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئا إمرا - قال مجاهد: منكرا - قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا، كانت الأولى نسيانا، والوسطى شرطا، والثالثة عمدا، قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا، لقيا غلاما فقتله. قال يعلى: قال سعيد: وجد غلمانا يلعبون، فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، قال: أقتلت نفسا زكية بغير نفس - لم تعمل بالحنث، وكان ابن عباس قرأها: زكية زاكية مسلمة، كقولك غلاما زكيا - فانطلقا فوجدا جدارا يريد أن ينقض فأقامه - قال سعيد بيده هكذا، ورفع يده - فاستقام - قال يعلى: حسبت أن سعيدا قال: فمسحه بيده فاستقام - لو شئت لا تخذت عليه أجرا - قال سعيد: أجرا نأكله - وكان وراءهم - وكان أمامهم، قرأها ابن عباس: أمامهم ملك. يزعمون عن غير سعيد: أنه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور - ملك يأخذ كل سفينة غصبا، فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها - ومنهم من يقول سدوها بقارورة، ومنهم من يقول بالقار - كان أبواه مؤمنين وكان كافرا، فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا، أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة، لقوله أقتلت نفسا زكية، وأقرب رحما، هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر ). وزعم غير سعيد: أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال: عن غير واحد: إنها جارية.) ([283]).
الخضر ثابت في كتب التفسير الأرجى أن يرجع إليها د. نوفل:
تفسير القاسمي (محاسن التأويل): "(قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) (الكهف 64). (قَالَ) أي موسى (ذَلِكَ) أي المكان الذي اتخذ فيه - الحوت – سبيله هرباً (مَا كُنَّا نَبْغِ) أي نطلب فيه الخضر." ويقول أيضاً: " (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (الكهف 65). (فَوَجَدَا) أي فأتيا الموضع المنسيّ فيه الحوت، فَوَجَدَا (عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا) التنكير للتفخيم، والإضافة فيه للتشريف. والجمهور على أنّه الخضر." (جزء 11، ص 4078)
20) د. نوفل يستنكر على علماء الحديث تصحيح رواية فيها اسمي قابيلُ وهابيلُ؛ ويقول في دينّا (ديننا) ما فيه قابيلُ وهابيلُ ([284])!
الرّد على د. نوفل: إن وجود اسمي قابيل وهابيل ثابت في حديث إسناده جيد رجاله ثقات رجال مسلم وهذا لا يعارض القرآن كما يحاول د. نوفل أن يوهم المستمع!؛ فالقرآن ذكر ابني آدم ولم يذكر اسميهما: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27).
قابيلُ وهابيلُ في الأحاديث: (عنِ ابنِ عبَّاسٍ وعن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ. أنَّهُ كانَ لا يولَدُ لآدَمَ مولودٌ إلا وُلِدَ معهُ جارِيةٌ، فكان يُزَوَّجُ غلامُ هذا البَطنِ جاريةَ هذا البَطنِ الآخَرِ، ويزوَّجُ جاريةُ هذَا البَطنِ غلامَ هذا البَطنِ الآخَرِ، حتَّى وُلِدَ له ابنَانِ يقال لهما: قابيلُ وهابيلُ. وكان قابيلُ صاحبَ زَرعٍ، وكانَ هابيلُ صاحبَ ضَرعٍ. ... فلمَّا قَرَّبا قرَّبَ هابيلُ جَذَعةً سمينَةً، وقرَّبَ قابيلُ حِزمَةُ سُنبُلٍ، ... فنزَلتِ النَّارُ فأكلت قُربانَ هابيلَ، وترَكَت قُربانَ قابيلَ، فغضِبَ وقال: لأَقتُلَنَّكَ. فقال هابيلُ: إنما يتقبَّلُ اللَّهُ منَ المتَّقينَ.) ([285]).
د. نوفل يتّهم علماء الحديث بأنّ منهم من يصحح رواية فيها اسمي قابيلُ وهابيلُ؛ فيقول د. نوفل: "في دينّا ما فيه قابيلُ وهابيلُ" ([286])! وأقول: إن وجود اسمي قابيل وهابيل في حديث إسناده جيد رجاله ثقات رجال مسلم لا يعارض القرآن كما يحاول د. نوفل أن يوهم المستمع! فالقرآن ذكر ابني آدم ولم يذكر اسميهما: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27). وأهل الحقّ مجمعين أنّ في السنة الخير العظيم فهي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم. السنة هي التي فصلت لنا العبادات وبينت أركانها و واجباتها وسننها وزمانها.
21) الطعن في الحديث الصحيح: (أَبْطَأَ جِبْرِيلُ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ ...).
يقول د. نوفل: (مش ما ودعك ربّك بانقطاع الوحي عنك. ..." how to understand the نصّ ". مش معناه تأخر الوحي. كلّ ست أشهر جولة من الآيات؛ ربما كل شهرين. ليسا (كلمة عاميّة من معانيها انتظر سماع المزيد) فيه رواية أنيل (كلمة عاميّة يستخدمها نوفل في معرض الاستهزاء والتحقير) ...) ([287]).
الرّد على د. نوفل:
وفي الحديث الصحيح: (اشْتَكَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً - أوْ لَيْلَتَيْنِ - فأتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ ما أُرَى شيطَانَكَ إلَّا قدْ تَرَكَكَ، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَالضُّحَى واللَّيْلِ إذَا سَجَى ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلَى{) ([288]).
(قالتِ امْرَأَةٌ: يا رَسولَ اللَّهِ ما أُرَى صَاحِبَكَ إلَّا أبْطَأَكَ فَنَزَلَتْ: }ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلَى{) ([289]) .
(أَبْطَأَ جِبْرِيلُ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلَى} [الضحى: 1-3[.) ([290])
)احْتَبَسَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالتِ امْرَأَةٌ مِن قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عليه شيطَانُهُ، فَنَزَلَتْ: {وَالضُّحَى واللَّيْلِ إذَا سَجَى، ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلَى{ (الضحى: 2)) ([291]).
يقول تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (مريم 64). يقول الطبري: (ذُكر أن هذه الآية نـزلت من أجل استبطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل بالوحي.
ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا عبد الله بن أبان العجلي، وقبيصة ووكيع؛ وحدثنا سفيان بن وكيع قال: ثنا أبي، جميعا عن عمر بن ذرّ، قال: سمعت أبي يذكر عن سعيد بن جيبر، عن ابن عباس، أن محمدا قال لجبرائيل: " ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثرَ مِمَّا تَزُورُنا " فنـزلت هذه الآية ( وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) قال: هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم.) ([292]) .
(قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِجِبْرِيلَ: ألَا تَزُورُنَا أكْثَرَ ممَّا تَزُورُنَا؟، قالَ: فَنَزَلَتْ: {وَما نَتَنَزَّلُ إلَّا بأَمْرِ رَبِّكَ له ما بيْنَ أيْدِينَا وما خَلْفَنَا} [مريم: 64] الآيَةَ.) ([293]). (قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ لجبريلَ: ما يمنعُكَ أن تزورَنا أَكْثرَ مِمَّا تزورُنا؟ قالَ: فنزلت هذِهِ الآيةَ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا إلى آخرِ الآيةِ) ([294]). (قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لجبريلَ: ما يمنعك أن تزورنا أكثرَ مما تزورنا قال: فنزلت { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } قال: وكان ذلك الجوابُ لمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) ([295]). (قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِجِبريلَ: ما يَمنَعُكَ أنْ تَزورَنا أَكثَرَ ممَّا تَزورُنا؟ قال: فنزَلَت: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] قال: وكان ذلك الجَوابُ لِمحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.) ([296]) .
وفي تفسير القاسمي (محاسن التأويل): (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (مريم 64). "أي لا ينسى شيئاً، بل لا يفيض علماً ولا ينزل ملكاً إلا لحكمة يستعدّ لها الحال، أي فليس عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن (تأخر النزول) لتركه تعالى لك وتوديعه إيّاك". (جزء 11، ص 4155)
وأنقل هنا من موقع شبكة الإسلام سؤال وجواب ([297]): " فتر [انقطع] الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة في أول نزول الوحي، ثم نزلت بعده سورة المدثر، ومرة بعد نزول عدة سور من القرآن، ثم نزلت بعده سورة الضحى.
فعن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (ثُمَّ فَتَرَ عَنِّى الْوَحْىُ فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِى قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِىٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنْهُ، حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) إِلَى ( فَاهْجُرْ ) .
رواه البخاري (3238)، ومسلم (161).
قال النووي رحمه الله: " قوله ( ثم تتابع الوحى ) يعنى بعد فترته، فالصواب أن أول ما نزل ( اقرأ ) وأن أول ما نزل بعد فترة الوحى ( يا أيها المدثر ) انتهى .
وروى البخاري (4953) حديث عائشة في بدء الوحي وفيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم ورقة بما رأى، وقول ورقة له: " إِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا " قالت عائشة: " ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ “. وهذه هي المرة الأولى.
وروى البخاري (4950)، ومسلم (1797) عن جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: (اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ - أَوْ ثَلاَثًا -، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ - أَوْ ثَلاَثَةٍ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) . وهذه هي المرة الثانية.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " الْفَتْرَة الْمَذْكُورَة فِي سَبَب نُزُول (وَالضُّحَى): غَيْر الْفَتْرَة الْمَذْكُورَة فِي اِبْتِدَاء الْوَحْي، فَإِنَّ تِلْكَ دَامَتْ أَيَّامًا، وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا “.. انتهى من "فتح الباري" (8/710) ".
22) د. نوفل يقدم ما يراه هو على أنه تفسير ولا يستشهد بالأحاديث النبوية مطلقاً!
تجده دائماً بعيداً عن الاسترشاد بالحديث الشريف عندما يقدم برامجه وحلقاته. أللهمّ إلا حديثاً واحداً وفي معرض إنكاره وجود المتشابه في آي القرآن ([298])! يقول وبالعامّيّة (مشيراً بكلتا يديه إلى صدره): "ابن عباس كان يقول أنا من الراسخين في العلم أعلم تأويله اسألوني! ([299])". وهذا القول الذي يستشهد به دائماً وينسبه لإبن عباس لا يرتقي سنده إلى الصحيح ([300])! بل الثابت عن ابن عباس خلافُ ذلك: (كانَ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما يقرؤها وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ (ويقولُ) الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بهِ) ([301]) !
وأمّا الأحاديث في كتب الصحاح؛ وخاصّة في صحيحي البخاري ومسلم، فهو إن ذكرها فإنّما يذكرها فقط في معرض الطعن والسخرية وليس على سبيل الاستدلال! فالأحاديث عنده ظنيّة الثبوت؛ وقد تناسى أنّ الصّحابة الذين سخّرهم اللهُ لحفظ القرآن هم نفسُ الصّحابة الذين نقلوا لنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم! نعم هو يصرّحُ أنّ الأحاديث ظنيّة الثبوت: فيقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([302]). ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([303]). بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([304]).
د. نوفل ينكر الخضر في قصة موسى عليهما السلام، ويتهم الإمام البخاري! يقول د. نوفل: الخضر موجود بالحديث. أنا بالنسبالي (بالنسبة لي) لا أجعل الظني مع القطعي اليهودية فيها خضر والنصرانية فيها خضر واحنا عندنا خضر! أخشى تكون من الإسرائيليات وركبولها سند! ([305])، مُوجّهاً اتّهامَهُ هذا للإمام البخاري!
يقول صاحب كتاب (إيثار الحقّ على الخلق): المرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السّنّة الصحيحة. ويقول ابن حجر: المرجع في الأحكام إنما هو إلى النيّ صلى الله عليه وسلم. وفي هذا آيات كريمات منها قوله تعالى:
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء 65)
يقول ابن كثير في التفسير: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا؛ ولهذا قال: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، ويستدلّ بالحديث الشريف: (والَّذي نَفسي بيدِهِ، لا يؤمنُ أحدُكُم حتَّى يَكونَ هواهُ تبعًا لما جِئتُ بِهِ) ([306]). وفي رواية: (لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يَكونَ هواهُ تبعًا لمَّا جئتُ بِهِ) ([307]).
شرح الحديث: أي: لا يَستكمِلُ أحدُ المسلِمين إيمانَه، "حتَّى يكونَ هَواهُ تبعًا لما جِئتُ به" بمعنى أنْ يكونَ طبْعُه وقلْبُه مُتابِعًا لما جاءَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن هذه الشَّريعةِ المطهَّرةِ الكاملةِ؛ كما يَهْوى المُحبُّ محبوبَه، فإنَّ مَن أحَبَّ شيئًا تَبِعَهُ هوَاهُ، ومالَ عن غيره إليهِ ووالاه؛ ولأنَّه عليه أفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ إِنَّما جاءَ بشرائِعِ الدِّينِ الكامِلَةِ، مِن الإيمانِ والإسلامِ والإحسانِ، والنُّصحِ العامِّ والخاصِّ، والاستقامَةِ؛ فإذا كان هَواهُ تبعًا لِمَا جاءَ به الشَّارعُ مِن الدِّينِ، فهو المؤمِنُ حقًّا.
ويستشهد ابن كثير بالحديث الشريف: قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة قال: (خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ في شَرِيجٍ مِنَ الحَرَّةِ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ المَاءَ إلى جَارِكَ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حتَّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ المَاءَ إلى جَارِكَ، واسْتَوْعَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ حِينَ أحْفَظَهُ الأنْصَارِيُّ، وكانَ أشَارَ عليهما بأَمْرٍ لهما فيه سَعَةٌ، قالَ الزُّبَيْرُ: فَما أحْسِبُ هذِه الآيَاتِ إلَّا نَزَلَتْ في ذلكَ: }فلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ{ ([308]) .
23) يقول أنّ الأحاديث ظنيّة الثبوت وأنّ شبك السنة مع النص القرآني بجيب إشكال
يزعم د. نوفل أنّ الأحاديث ظنيّة الثبوت؛ وقد تناسى أنّ الصّحابة الذين سخّرهم اللهُ لحفظ القرآن هم نفسُ الصّحابة الذين نقلوا لنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم !. نعم هو يصرّحُ أنّ الأحاديث ظنيّة الثبوت: فيقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([309]). ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([310]). بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([311]).
وأحياناً يطعن د. نوفل في الحديث بطريقة ملتوية؛ كمثل قوله: (العالم كله تكالب علينا. فعلاً صدَق الحديث الشريف: (يوشك أن تداعى) عمره الحديث ما كان بمثل هذا الوضوح لا والله!) ([312]).
يقول تعالى: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور 63). يقول ابن كثير: وقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي: عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته ] وسنته [ وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنا ما كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " .
ويقول تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب 21). يقول البغوي: "كذلك أيضا واستنوا بسنته (لمن كان يرجو الله )".
24) د. نوفل يستشهد برواية واهية منكرة منقطعة السند: "اضرب ابن الأكرمين "
يستشهد برواية واهية منكرة منقطعة السند تزعم ضرب ابن عمرو بن العاص لابن أحد النصارى، وقول عمر، للنصراني: " اضرب ابن الأكرمين ". ([313])
الردّ على د. نوفل: أستغربُ كيف أنّ د. نوفل يرُدّ أحاديث اتفق على صحتها الشيخان، بينما تجده هنا يستشهد بقصة واهية منكرة تزعم ضرب ابن عمرو بن العاص لابن أحد النصارى، وقول عمر، للنصراني: " اضرب ابن الأكرمين ". والقصة أخرجها ابن عبدالحكم في "فتوح مصر “ (ص 290)، قال: حُدِّثنا عن أبي عبدة، عن ثابت البناني، وحميد، عن أنس، قال: أتى رجل ... (فذكر القصة). والسند منقطع بين ابن عبدالحكم، وأبي عبدة. وهذه القصة فيها ظلم لعمرو بن عاص، ولا تدل على عدل عمر بن الخطاب كما يظن البعض، ولكنها قصة واهية منكرة ... ([314]).
أنظر أيضاً موقع إسلام ويب رقم الفتوى: 378439، تاريخ النشر: الأحد 18 شوال 1439 هـ - 1-7-2018 م ([315]).
السؤال: أشكركم على جهدوكم المبذولة. قرأت في كتب تاريخية بطلان قصة سيدنا عمر وابن سيدنا عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- سندًا ومتنًا، وأن سندها منقطع بقول ابن عبد الحكم: حُدثَنا عن أبي عبدة. وبالعودة إلى موقعكم في الفتوى رقم: 36194 تم ذكر القصة في كتاب "الولاية على البلدان"، فأرجو منكم شرح ذلك لي، ولكم جزيل الشكر.
الإجابــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
فالفتوى التي أشرت إليها ذكرنا فيها القصة ومصدرها، ولم نتطرق للحكم عن سندها، والقصة رواها ابن عبد الحكم أبو القاسم المصري (المتوفى: 257هـ) في كتابه فتوح مصر والمغرب فقال: حدّثنا عن أبي عبدة، عن ثابت البناني، وحميد، عن أنس، إلى عمر بن الخطّاب، فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذًا، قال: سابقت ابن عمرو بن العاص، فسبقته، فجعل يضربني بالسّوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه، ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصريّ؟ خذ السوط، فاضرب، فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين، قال أنس: فضرب، فوالله، لقد ضربه ونحن نحبّ ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنّينا أنه يرفع عنه، ثم قال عمر للمصريّ: ضع على ضلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني، وقد اشتفيت منه، فقال عمر لعمرو: مذ كم تعبّدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا؟ قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم، ولم يأتني. اهــ.
وفي إسناده سقط، كما يدل عليه قوله: "حُدِّثنا"، ثم إن أبا عبدة -واسمه يوسف بن عبدة بن ثابت- وثقه بعضهم، وضعفه آخرون، قال الحافظ في تهذيب التهذيب: وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يوسف بن عبدة أبو عبدة، كيف هو؟ قال: له أحاديث مناكير عن حميد، وثابت، وكأنه ضعفه، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي، ضعيف، وقال العقيلي: له مناكير .. اهــ. وهو يروي هذه القصة عن ثابت، وحميد. والله تعالى أعلم.
25) حادثة الإفك
يقول د. نوفل: " ... رجعت (عائشة) إلى خيمتها، فيش خيمة، فإذا الجيش قد ارتحل. ماذا تفعل؟ ما فيه حلّ، تقعد محلها هذا هو الحلّ، فقعدت محلها، غلبتها عينها فنامت، بمنتهى البساطة. صحابي قشّاش، ما معنى قشّاش؟ يظل عقب الجيش بقش ما نسي الجيش، إبريق وضوء، درع، خُرْجْ ولاّ غيره. قشّاش. فوجد زول إمرأة ملفّعة أو، فأناخ الجمل كلكم يحفظون القصة، فأدار ظهره، يا أم المؤمنين اركبي، اركبي أو دار ظهره، فركبت الجمل.
الهودج حمله من خفة وزنها ما عرفوش موجودة مش موجودة، فربطوا الهودج على الجمل أو مشوا، يظنونها في الهودج، قصة منتهى البساطة، يعني مش مشكلة. شوف السوس لمّا ينخر في المجتمع، آه مجتمع قائده النبي أو فيه سوس، إفهمها لوحدك عاد، كمّل الباقي يعني. المهمّ آه ... التقطها عبدالله بن سبأ، الخسيس يبقى خسيس ... فإذا اللغط ينتشر ككرة الثلج. ... " ([316])
الردّ على د. نوفل: لقد بحثت عن كلمة قشّاش على موقع الدّرر السّنية، فلم أجدها في أي نصّ أو حديث، لا في نصّ صحيح، أو ضعيف أو منكر، أو موضوع!
ثمّ إنّ د. نوفل قدّم وأخّر في عرضه للحادثة، فذكر العثور على أم المؤمنين ثمّ ذكر تحرك الجيش ونسيانهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها!
ثمّ إنّ د. نوفل عرض القصة بلغة ركيكة، وكان بوسعه أن يعرضها من خلال حديث شريف ثابت صحيح بلغة رسولنا الذي أوتي جوامع الكلم!
العبارة: " شوف السوس لمّا ينخر في المجتمع، آه مجتمع قائده النبي أو فيه سوس، إفهمها لوحدك عاد، كمّل الباقي يعني " (الزمن: 4:50).
سؤال موجه للدكتور نوفل من فحوى عبارته السّابقة: ما رأي د. نوفل لو قيل له: " شوف السوس لمّا ينخر في متابعي حلقاتك التفسيرية وأتباع مدرستك التفسيرية، آه فِكْرٌ ومنهج تفسيري يصدع فيه شخصُكم أو فيه سوس، إفهمها لوحدك عاد، كمّل الباقي يعني ". أقول: إذا تنكّر شخصُكم لهذا السؤال فاعلم أنّكم ممن يشوّه صورة مجتمع الصحابة الكرام.
د. نوفل يستنكر وفي نفس الحلقة وبطريقة مريبة على الحديث الصحيح: (تزوَّجَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأنا ابنةُ ستِّ سِنينَ بمكَّةَ، مُتَوَفَّى خَديجةَ، ودخَلَ بي وأنا ابنةُ تِسعِ سِنينَ بالمدينةِ.) ([317]). ويزعم أنّ زواجها كان في سنّ الثامنة عشرة من عمرها، في حين أنه يقول عن عائشة وفي بداية نفس الحلقة: "صغيرة السّن قليلة التجربة "! (الزمن - 3: 24).
26) السُّنّة وما أدراك ما السُّنّة:
إن هنالك آيات يستحيل فهمها بدون الرجوع للسنة؛ وأتحدى. وإليك مثالين اثنين من سورة الفلق:
الآية في قوله تعالى من سورة الفلق: (ومِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ). يدرك الباحث أن كلمة (وَقَبَ) بذاتها وتقليباتها لم ترد في آية أخرى من كتاب الله.
وعليه فإنه لابدّ من العودة إلى ما هو خارج النص (القرآني) لتفسيره، وقد تصح العودة إلى معاجم اللغة لتبيان المعنى اللغوي، لكن دلالة المعنى المقصودة تتضح بجلاء في الحديث الشريف: (أخذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيدي فنظرَ إلى القمرِ فقالَ: يا عائشةُ استعيذي باللَّهِ من شرِّ غاسقٍ إذا وقبَ هذا غاسقٌ إذا وقبَ) ([318]). ولمعرفة التفسير العلمي للآية وللحديث أنظر البحث: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ)، عمري ([319]).
الآية في قوله تعالى في سورة الفلق: (ومِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ). يدرك الباحث أن كلمة (النَّفَّاثَاتِ) بذاتها وتقليبات جذرها لم ترد في آية أخرى من كتاب الله، بالإضافة إلى متعلّقها المتمثل في الجار ومجروره (فِي الْعُقَدِ).
وعليه فإنه لابدّ من الرجوع إلى ما هو خارج النص (القرآني) لتفسيره، وقد يستعانُ بمعاجم اللغة لتبيان المعنى اللغوي، لكن دلالة المعنى تتضح من خلال أحاديث الرسول عليه السلام، ولا أدلّ على ذلك من أن أصحاب المعاجم والقواميس فسّروا دلالات الألفاظ ومنها -هذه- بالرجوع إلى الحديث النبوي الشريف.
وللمزيد ارجع إلى البحث بعنوان: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ
على الرابط: http://eijaz.mutah.edu.jo/kinkjets.htm
وفي بيان أهمية السّة؛ يقول السعدي في معرض تفسيره سورة الأعراف: (والقياس إذا عارض النص، فإنه قياس باطل، لأن المقصود بالقياس، أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص، يقارب الأمور المنصوص عليها، ويكون تابعا لها. فأما قياس يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاءُ النصوص، فهذا القياس من أشنع الأقيسة.).
27) يبثّ الشائعات زاعماً أنّ العلماء تكلموا في ثلاثمائة حديث في البخاري!
يوم الأربعاء الحادي عشر من آذار 2020 من خلال برنامجه على قناة حياة يقول د. نوفل: (عندما كنّا في كلية الشريعة إلتقينا نحن التفسير مع الحديث وكان في حينها عميد الكلية تخصصه حديث وسألت ما تقولوا في البخاري؟ فيزعم د. نوفل أنّ العميد أجابه يومها: "بصراحة العلماء تكلموا في ثلاثمائة حديث. " فيقول د. نوفل أنّه سأل العميد هل كفّرك أحد؟! فأنّا تكلمت في ثلاثة أحاديث وكفّروني!!!!!.)
الرّد على د. نوفل:
د. نوفل يطعن في الكثير من الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم؛ وليس طعنه مقصوراً فقط على ثلاثة أحاديث في البخاري! لقد حضرت العديد والكثير من المحاضرات أو الفيديوهات التي سجلها د. نوفل ولم أسمع له سوى استشهاد مريب بحديث واحدٍ فقط؛ وذلك لقوله: (العالم كله تكالب علينا. فعلاً صدَق الحديث الشريف: (يوشك أن تداعى) عمره الحديث ما كان بمثل هذا الوضوح لا والله!) ([320]).
د. نوفل يسيء إلى كلية الشريعة حين يفتري على عميدٍ لها مقولة تنقض صحيح البخاري؛ حيث نسب إليه القول بأنّ العلماء تكلموا في ثلاثمائة حديث في البخاري!
د. نوفل يسيء إلى هذا الدين وينقض مصادره حين يبثّ الشائعات ويزعم أنّ العلماء تكلموا في ثلاثمائة حديث في البخاري!
سألت البعض فقيل لي لم يستلم عمادة الكلية د. من الحديث أثناء وجودهم في الكلية. ثمّ سألت إخوة آخرين فقيل لي أنّ الدكتور أمين القضاة هو الوحيد من تخصص الحديث الذي أصبح عميدا لكليّة الشريعة. وإن شاء الله تتاح لي فرصة اللقاء بالدكتور أمين القضاة والتأكد من براءته من هذا القول الذي ينسبه إليه د. نوفل ظلماً وعدواناً! كما وأرجو أن يكون د. نوفل لم يفهم كلام العميد يومها؛ لا أن تكون القصة كلّها من نسج خيال د. نوفل! فإنّ الذي يفتري على البخاري أنّه يأتي بالإسرائيليات ويركب لها سنداً ليصححها ([321])، ليس بمستبعد عليه أن يتقوّل على زميل!
في اليوم الأول من تشرين الثاني 2020 أرسلت رسالة بهذا الخصوص للأستاذ الدكتور أمين القضاة فأجابني في اليوم التالي بالرسالة الآتية:
"وعليكم السلام.
أنا لا اذكر هذا الجواب‼️
أذكر أنا جلسنا معه
وقال بأنني لا أطعن في صحيح البخاري، والناس يفهمون غلط.
ووعد بأن لا يطعن في البخاري..
ومع ذلك فقد أرسلت لعدد من (أساتذة الحديث) رسالتك للاستفسار.
وسيأتيك الجواب إن شاء الله.”.
وأرجو التأكيد على حقيقة أنّ المسلمين في هذا البلد ولله الحمد والمنّةُ سبحانه يحرصون على أن يكونوا قريبين من سماحة الإسلام واعتداله و وسطيته. وبالتالي فلن يَحْكُموا على كفر شخص لتضعيفه ثلاثة أحاديث في البخاري كما يزعم د. نوفل! لكنهم ولا شك يحكمون بفسق من يكرّسُ الجهد والوقت للطعن في الأحاديث النبوية الثابتة الصحيحة ويلغيها في مقابل فهمه الشخصي؛ وعن هوى (لا عن فنّ ودراية في علم الحديث) كأمثال عدنان ابراهيم!
28) يُعلنُ وبلا مقدمات عن عزمه على نقض رواية عن أمنا عائشة، ولم يُشر إلى موضوع الرواية!
يقول د. نوفل: "أو فيه رواية عن أمنا عائشة بدنا نتكلم عنها وننقضها إن شاء الله ننقضها آه (مع عبوس في الوجه)! ما أجرأك عليش؟! ما أجرأني في الحقّ! مش ما أجرأني على الحقّ معاذ الله!". ([322]). انتهى كلامه.
الرد د. على نوفل: نوفل لم يذكر رواية! بل ذكر أنه سينقض رواية عن أمّنا عائشة! وأقول هذا الكلام المبهم الموهم هو عين التشكيك في السنّة! ومنهج التشكيك هذا بين وواضح لدى د. نوفل كما يوضح هذا الكتاب ويجلي! وبما أن د. نوفل لم يذكر نص هذا الحديث، ولا حتى كلمة واحدة منه، فإنني أجيبه وبنفس طريقته فأقول: إن كان هذا المبهم الذي في ذهنك شيء منكر أو موضوع أو ضعيف، فلقد بين ذلك علماء الحديث وهم أهل الإختصاص في هذا الباب من أبواب العلوم، وبالتالي لم تأت بجديد. وإن كان خلاف ذلك فما هذا التصريح عن جنابكم بغريب، فأنت تردّ أحاديث اتفق الشيخان على صحتها. وفي كلا الحالين، فليس هذا مجالك ولا اختصاصك، وما أشبه كلامكم هذا بحديثكم في مجال علوم الكون والفيزياء والرياضيات!
الباب الثاني: يَنْسبُ د. نوفل إلى السّنّة والتفاسير ما ليس فيهما
1) يقول وبالعامّيّة: (يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت... لماذا تسكت(!
يقول د. نوفل ([323]): "القرآن مهيمن على السُنة، هل قال ربنا إن جهنم ستسكت؟، بل استأنف بقوله: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت) وتظل تقول (هل من مزيد) يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت، القرآن يقول (وتقول) أي باستمرار، فهنا مَن يُهيمن على مَن؟ القرآن يهيمن على السُنة، أولاً: لماذا لا تبقى جهنم تقول هل من مزيد؟ لماذا تسكت؟ حتى يبقى الكفار في رعب وتبقى تتلظى وتخرج صوتاً (سمعوا لها شهيقاً وهي تفور)، ربنا يقول (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون)."
الرّد على قول د. نوفل:
كلامه مردودٌ من وجوه: كلامه تقول على الرسول. وقد غفل د. نوفل عن الاستثناء في الآية الكريمة: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (هود 107).
القرآن مهيمن على السُنة بلا شك. لكن أرجو أن لا يغيب عن د. نوفل أنّ السنة قد تشرح القرآن بل وقد تخصصه. وأسأل د. نوفل ألم نستدل من السنة على تحريم لحوم الحمر الأهلية؟! ألم تبين لنا السنة أركان الصلاة و واجباتها وسننها؟! ألم تبين السنة الأنصبة في الزكاة؟! ... ألخ. أرجو أن لا يكون استخدام د. نوفل لهذه العبارة غطاءً للنيل من السّنة. ومثلها كذلك العبارة: "إن كان هنالك حديث صحيح أخذنا به، وإن لم يكن! فيكفينا القرآن"
"يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت... لماذا تسكت": كلامه هذا مردودٌ من وجوه عديدة ومنها:
أولاً: لا يوجد حديث بالنص الذي يذكره د. نوفل: (يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت)!!
ثانياً: قوله مردودٌ إذا أراد الطعن في الحديث الذي يرويه البخاري: (يُقالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ، وتَقُولُ هلْ مِن مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالَى قَدَمَهُ عليها، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ).
وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث:
(يُلقَى في النَّار أهلُها وتقولُ هَل مِن مزيدٍ قال و يُلقَى فيها تقولُ هَل مِن مَزيدٍ حتَّى يضَعَ رجلَهُ أو قدَمَهُ فتقولُ قَطْ قَطْ) ([324]). (يُلقَى في النَّارِ أهلُها، وتقولُ هل من مزيدٍ؟ ويُلقَى فيها وتقولُ هل من مزيدٍ؟ حتَّى يأتيَها ربُّها تبارك وتعالَى فيضعُ قدمَه عليها فتنزوي، وتقولُ: قطْ، قطْ، قطْ) ([325]). (لا تزالُ جهنَّمُ تقولُ هَل مِن مَزيدٍ) ([326]). (يُلْقَى في النَّارِ وتَقُولُ: هلْ مِن مَزِيدٍ، حتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ، فَتَقُولُ قَطْ قَطْ) ([327]). (يُلقَى في النَّارِ فتقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتَّى يضعَ رِجلَه أو قدمَه فتقولُ قطْ قطْ) ([328]). (يُلْقى في النارِ، وتقولُ: هلْ مِن مَزيدٍ؟ حتى يَضَعَ قَدَمَه -أو: رِجْلَه- عليها، وتقولُ: قَطْ قَطْ.) ([329]) .
(افتَخَرتِ الجَنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: يا ربِّ، يَدخُلُني الجَبابرةُ والمُتكبِّرونَ والمُلوكُ والأشرافُ، وقالتِ الجَنَّةُ: أيْ ربِّ، يَدخُلُني الضُّعَفاءُ والفُقراءُ والمساكينُ، فيقولُ اللهُ تبارَك وتعالى للنَّارِ: أنتِ عَذابي أُصيبُ بكِ مَن أَشاءُ، وقال للجَنَّةِ: أنتِ رَحمَتي وسِعَتْ كلَّ شيءٍ، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْؤُها، فيُلْقى في النَّارِ أهلُها، فتقولُ: هل من مَزيدٍ؟ قال: ويُلْقى فيها، وتقولُ: هل من مَزيدٍ؟ ويُلْقى فيها، وتقولُ: هل من مَزيدٍ؟ حتى يَأتِيَها تبارَك وتعالى، فيضَعُ قدَمَه عليها فتُزْوى، فتقولُ: قَدِي قَدِي، وأمَّا الجَنَّةُ فيَبْقى فيها أهلُها ما شاء اللهُ أنْ يَبْقى، فيُنشئُ اللهُ لها خَلْقًا ما يَشاءُ".) ([330])
(يُقالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ، وتَقُولُ هلْ مِن مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالَى قَدَمَهُ عليها، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ) ([331]). (يُلقى في النَّارِ فتقولُ: هل مِن مزيدٍ؟ حتَّى يضَعَ الرَّبُّ جلَّ وعلا قدَمه فيها فتقولُ: قَطْ قَطْ) ([332]). (يُلْقَى في النارِ أَهْلُها وتقولُ هل من مَزِيدٍ حتى يَأْتِيَها اللهُ فيَضَعَ قدمَه عليها فتقولُ قَطْ قَطْ) ([333]). (يُلقى في النَّارِ فتقولُ: هل مِن مزيدٍ؟ حتَّى يضَعَ الرَّبُّ جلَّ وعلا قدَمه فيها فتقولُ: قَطْ قَطْ) ([334]). (لا تَزالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هلْ مِن مَزِيدٍ، حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيها قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وعِزَّتِكَ، ويُزْوَى بَعْضُها إلى بَعْضٍ.) ([335])
بل ولعلّه أراد الطعن في هذا الحديث بدليل قوله في مكان آخر: (ومعناها جدّ الجد، وما ثمّ ساق ولا قدم، وإنما هي كفاية (كناية) كما في قولهم حزمت الأمور، "شمّرت الحرب عن ساقها" وهل للحرب ساق؟ وهكذا...) ([336]). نعم لقد كرّر الطعن في هذا الحديث يوم الأربعاء الحادي عشر من آذار 2020 من خلال برنامجه على قناة حياة. بل ويزعم أنه يتكلّم عن علم إذ يقول أنّه درس هذا الحديث لمدة خمس سنوات!
ثالثاً: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) (ق 30)؛ هذا كائنٌ يوم القيامة.
عند تتبّع الآيات القرآنيّة الّتي ترد فيها كلمة (يَوْمَ) متبوعة بفعل مضارع، نجد أنّ الحديث دائما هو عن يوم القيامة. وشواهده من القرآن الكريم الآيات:
(يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) إلى قوله (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) [المعارج: 8-11].
(يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعاً) [المعارج: 43].
(يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً) [المزّمّل: 14]: وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة (الطبري).
(هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) [المرسلات: 35]. "هَذَا" أَيْ يَوْم الْقِيَامَة (الجلالين).
(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً) [النّبإ: 18]. " فَتَأْتُونَ " مِنْ قُبُوركُمْ إِلَى الْمَوْقِف جَمَاعَات مُخْتَلِفَة (الطبري).
(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلآئِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) [النّبإ: 38].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) [التحريم: 8].
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ) [القلم: 42]. "يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق" يَوْم الْقِيَامَة لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاء (الجلالين). يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة وَمَا يَكُون فِيهِ مِنْ الأهْوَال وَالزَّلازِل وَالْبَلاء وَالإمْتِحَان وَالأمُور الْعِظَام وَقَدْ أوردَ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " يَكْشِفُ رَبُّنا عن ساقِهِ، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا." وَهَذَا الْحَدِيث مُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ (ابن كثير).
(إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ) [النّبإ: 40]. يَعْرِض عَلَيْهِ جَمِيع أَعْمَاله خَيْرهَا وَشَرّهَا قَدِيمهَا وَحَدِيثهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى" وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً " .. (ابن كثير).
(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) [النّازعات: 6].
(يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ مَا سَعَى) [النّازعات: 35]. كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَوْمئِذٍ يَتَذَكَّر الإنْسَان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى " (ابن كثير).
(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) [النّازعات: 46]. أَيْ إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورهمْ إِلَى الْمَحْشَر يَسْتَقْصِرونَ مُدَّة الْحَيَاة الدُّنْيَا... وَقَالَ قَتَادَة: وَقْت الدُّنْيَا فِي أَعْيُن الْقَوْم حِين عَايَنُوا الآخِرَة (ابن كثير).
(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) [عبس: 34].
(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) [الانفطار: 19]. لا يُنَازِعهُ فِيهِ أَحَد، كَمَا قَالَ: " لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار. الْيَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْم " [غَافِر: 16 - 17 ] (القرطبي). و" كَقَوْلِهِ " لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار " وَكَقَوْلِهِ " الْمُلْك يَوْمئِذٍ الْحَقّ لِلرَّحْمَنِ" وَكَقَوْلِهِ " مَالِك يَوْم الدِّين. قَالَ قَتَادَة " يَوْم لا تَمْلِك نَفْس لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمْر يَوْمئِذٍ لِلَّهِ " وَالأمْر وَاَللَّه الْيَوْم لِلَّهِ وَلَكِنَّهُ لا يُنَازِعهُ فِيهِ يَوْمئِذٍ أَحَد (ابن كثير).
رابعاً: قوله مردودٌ إذْ غفل أنّ طول يوم القيامة (يوم العرض والحساب) محدود (خمسين ألف سنة)، وأنّ عدد المكلفين محدود؛ والمحدود إلى انتهاء وانقضاء. فلماذا تبقى جهنم تطلب المزيد وقد انتهى الحسابُ؛ ودخل أهلُ الجنّةِ الجنّةَ ودخلَ أهلُ النّارِ النّارَ؟!
خامساً: قوله مردودٌ بدليل الآية الكريمة: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (107)) (هود).
خلاصة القول في الاستثناء
عن ابن عباس والحسن أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر: (فأنْطَلِقُ حتَّى أسْتَأْذِنَ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنَ لِي، فإذا رَأَيْتُ رَبِّي وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وسَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرْفَعُ رَأْسِي، فأحْمَدُهُ بتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ إلَيْهِ فإذا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ الرَّابِعَةَ، فأقُولُ ما بَقِيَ في النَّارِ إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، ووَجَبَ عليه الخُلُودُ قالَ أبو عبدِ اللَّهِ: إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعالَى: }خالِدِينَ فيها{).
ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله. كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) أي الكافرين، فَفِي النَّارِ خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض، وذلك مدة العالم، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه. ولعلّ من مشيئة الله (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) المترتبة على سعة رحمته والتي سبقت غضبه، أنه وبعد هذا المكث الطويل للكافرين في النار، سيأتي على جهنمَ يومٌ لا يَبْقى فيها أحدٌ. وقد روي في تفسير هذه الآية عن جابر، وأبي سعيد، من الصحابة: (إلا ما شاء ربُّك إنَّ ربَّك فعَّالٌ لما يُريدُ) قال: هذه الآيةُ قاضيةٌ على القرآنِ كلِّه، يقول حيثُ كان في القرآنِ: خالدينَ فيها تأتي عليهِ).
الخلود لا يعني مالانهائية (infinity)، كما في الآية الكريمة: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (الأعراف: 20). ودليله العبارة التالية من موقع الإسلام سؤال وجواب (الشيخ محمد صالح المنجد)، يقول: "وعلى تسليم الخلود، فلا يلزم منه عدم الموت، فإن الشيطان أطمعَ آدمَ إذا أكلَ من الشجرة كي يطول عمره ويبقى فيما هو فيه من النعيم أزمانا طويلة، كما هو حال الملائكة التي إن ماتت فإن موتها يكون لفترة يسيرة يوم القيامة فقط، ثم لا تلبث أن تحيا مرة أخرى." ([337]). يقول القرطبي في تفسيره (7/178): " وقيل: طمع آدم في الخلود؛ لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة " .
تقوّلٌ على التفاسير:
1) تقوّلٌ على تفسير إبن عاشور
الآية الكريمة: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108).
يقول د. نوفل: "إخواني: وردت كلمة أَدْعُو أربع مرات، منأكدها بس، والأربع مرات فيه ألف زائدة، إبن عاشور الله يرحمه بقول إنه النسّاخ ما كانوش يعرفوا الإملاء ولا النحو والصرف وال فزيادة لا، إبن عاشور فوق راسنا والله، ودايماً أنا أقللكوا هذا زمخشريُّ العصر، ولا أعود عن قولي، بس هذا شيء ونقرّ الخطأ شيء آخر " ([338]).
أقول: لقد راجعت ابن عاشور لتفسير هذه الآية الكريمة، فلم أجد ما ينسبه إليه د. نوفل! (تفسير التحرير والتنوير: الدار التونسية للنشر (تونس)، 1984. ج 13، ص 64 - 66).
2) الآية الكريمة: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) (القلم: 13).
في معرض انتقاده التفاسير؛ يقول د. نوفل وبالعامّيّة: "أنّه (الزنيم) رجع إلى أمه فقال قولي لي إحكي الصحيح أنا ابن أبوي ولا مش ابن أبوي؟ قالت له لا بدك الصحيح مش ابن أبوك! هاي سوالف هاي سوالف" ([339]). هذا الذي يقول به د. أحمد نوفل لم أجده في تفسير ابن كثير، ولم أجده في تفسير القرطبي، ولا يوجد في الطبري! قد يتساءل القاريء: ما هو تفسير د. نوفل للآية؟ الجواب: د. نوفل لم يقدم في حلقته هذه تفسيراً للآية؛ واكتفى فقط بلمز التفاسير والتقوّل عليها.
وطرح أحد الذين قرأوا لي الكتاب وفي هذا الموضع السؤال: "يعني ما الذي يرجحه د. نوفل؟ الكلام غير مفهوم"
جوابي: لقد أوردت كلام د. نوفل بالكامل؛ فهو لم يرجح شيئاً واكتفى بلمز التفاسير بما ظنّه أنّه موجود في التفاسير.
ثم تابع د. نوفل كلامه ليلمز أصحاب رسول الله؛ إذْ يقول: "قد يكون من الأصحاب من كانت أمه غير سوية! ألله أعلم طبعا؛ معاذ الله أن نبحث بهذا" (الدقيقة 15 من نفس الحلقة). وحقّ لنا أن نسأل د. نوفل: ماذا حملك على هذا القول؟! أين حكمة العقل التي تتحدثون عنها من هذا القول فيه صريح القدح لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟!
ثم يسأله مقدم البرنامج: (طب ليش يا دكتور التفاسير ذهبت إلى هذا المعنى - إبن حرام - مع انه واضح إنه سيء)؛ فيجيب: والله الذوق جزء من التفسير قولا واحدا ... رواه رواه. (الزمن: 16:00) ثم يقول التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا (الزمن: 17:06).
الرّد على د. نوفل:
أقول: أبرأ إلى الله من هذا الكلام غير الموزون وغير العلمي والذي يتضمن التهكم الصريح على السنة وينسب إليها وإلى التفاسير ما ليس فيهما! ويطعن في نسب الصحابة الكرام!. وفيما يلي أعرض تفسير الطبري للآية؛ والأحاديث الواردة في الآية؛ ليتضح جليّاً أنّ د. نوفل يتقوّل على التفاسير!
(عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ): رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ له زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ
تفسير الطبري:
وقوله: (عُتُلٍّ) يقول: وهو عُتُلّ، والعتلّ: الجافي الشديد في كفره، وكلّ شديد قويّ فالعرب تسميه عُتُلا؛ ومنه قول ذي الإصبع العَوانّي: والدَّهْرُ يَغْدُو مِعْتَلا جَذَعا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (عُتُلٍّ) العتلّ: العاتل الشديد المنافق.
حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، قال: ثنا أبو عامر العَقْدِيُّ، قال: ثنا زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن وهب الذَّمارِيّ، قال: تبكي السماء والأرض من رجل أتمّ الله خلقه، وأرحب جوفه، وأعطاه مقضما من الدنيا، ثم يكون ظلوما للناس، فذلك العتلّ الزنيم.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن أبي الزبير، عن عبيد بن عمير، قال: العتلّ: الأكول الشروب القويّ الشديد، يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة، يدفع المَلَكُ من أولئك سبعين ألفا دفعة في جهنم.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) قال: العتلّ: الشديد.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) قال: العتلّ: الصحيح. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم، مولى معاوية قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العُتُلّ الزنيم، قال: " الفَاحِشُ اللَّئيمُ ".؛ وهذه الرواية ضعيفة ([340]).
عن الحسن، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) قال: فاحش الخُلق، لئيم الضريبة. وعن قتادة، قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) قال: الحسن وقتادة: هو الفاحش اللئيم الضريبة. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: (عُتُلٍّ) قال: هو الفاحش اللئيم الضريبة. ... حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: العتل: الصحيح الشديد.
حدثني جعفر بن محمد البزوري، قال: ثنا أبو زكريا، وهو يحيى بن مصعب، عن عمر بن نافع، قال: سُئل عكرمة، عن (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) فقال: ذلك الكافر اللئيم. حدثني عليّ بن الحسن الأزديّ، قال: ثنا يحيى، يعنى: ابن يمان، عن أبي الأشهب، عن الحسن في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) قال: الفاحش اللئيم الضريبة. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي، عن قتادة، قال: العتلّ، الزنيم: الفاحش اللئيم الضريبة. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (عُتُلٍّ) قال: شديد الأشَر. حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: (عُتُلٍّ) قال: العتلّ: الشديد (بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) ومعنى " بعد " في هذا الموضع معنى مع، وتأويل الكلام: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ): أي مع العتلّ زنيم. وقوله: (زَنِيمٍ) والزنيم في كلام العرب: الملصق بالقوم وليس منهم؛ ومنه قول حسان بن ثابت:
وأنْــتَ زَنِيـمٌ نِيـطَ فِـي آلِ هاشِـمٍ كمَـا نِيـطَ خَـلْفَ الرَّاكِب القَدَحُ الفَرْدُ
وقال آخر: زَنِيــمٌ لَيْسَ يَعْــرِفُ مَــن أبُـوهُ. بَغِـــيُّ الأمّ ذُو حَسَـــبٍ لَئِــيمِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (زَنِيمٍ) قال: والزنيم: الدعيّ، ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة يُعرف بها، ويقال: هو الأخنس بن شَرِيق الثَّقَفِيّ حلِيف بني زُهْرة. وزعم ناس من بني زُهره أن الزنيم هو: الأسود بن عبد يغوث الزُّهريّ، وليس به.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: أخبرنا ابن إدريس، قال: ثنا هشام، عن عكرمة، قال: هو الدعيّ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، أنه سمعه يقول في هذه الآية: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) قال سعيد: هو الملصق بالقوم ليس منهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن الحسن، عن سعيد بن جبير، قال: الزنيم الذي يعرف بالشرّ، كما تعرف الشاة بزنمتها؛ الملصق.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، وقال آخرون: هو الذي له زَنَمة كزنمة الشاة.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم قال: نعت، فلم يعرف حتى قيل زنيم. قال: وكانت له زنمة في عنقه يُعرف بها.
وقال آخرون: كان دعيًّا. حدثني الحسين بن على الصدائي، قال: ثنا عليّ بن عاصم، قال ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: (بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) قال: نـزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) قال: فلم نعرفه حتى نـزل على النبي صلى الله عليه وسلم (بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) قال: فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة. حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أصحاب التفسير، قالوا: هو الذي يكون له زنمة كزنمة الشاة. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: زنيم: يقول: كانت له زنمة في أصل أذنه، يقال: هو اللئيم الملصق في النسب.
وقال آخرون: هو المريب. ذكر من قال ذلك: حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) قال: زنيم: المُرِيب الذي يعرف بالشرّ. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير قال: الزنيم: الذي يعرف بالشرّ.
وقال آخرون: هو الظلوم. ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (زَنِيمٍ) قال: ظلوم.
وقال آخرون: هو الذي يُعرف بأُبنة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: الذي يُعرف بأبنة، قال أبو إسحاق: وسمعت الناس في إمرة زياد يقولون: العتلّ: الدعيّ.
وقال آخرون: هو الجِلْف الجافي. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود بن أبي هند، قال: سمعت شهر بن حَوْشب يقول: هو الجلف الجافي الأكول الشروب من الحرام.
وقال آخرون: هو علامة الكفر. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُريب، ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: الزنيم: علامة الكفر. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: الزنيم: علامة الكافر.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه كان يقول الزنيم يُعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة. وقال آخرون: هو الذي يعرف باللؤم. ذكر من قال ذلك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، قال: الزّنيم: الذي يعرف باللؤم، كما تُعرف الشاة بزنمتها.
وقال آخرون: هو الفاجر. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) قال: الزنيم: الفاجر.
الأحاديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ { قالَ: رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ له زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ.) ([341]) .
شرح الحديث: في هذا الحديثِ يُبيِّنُ تَرجمانُ القرآنِ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما مَن نزَلَ فيه قولُه تعالى: { عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ } [القلم: 13]، فقال: هو رَجُلٌ مِن قُريشٍ، له زَنَمَةٌ مثلُ زَنمةِ الشَّاةِ، والعُتلُّ: هو الرَّجلُ الغليظُ الجافي، وقيل: الأكولُ، والزَّنيمُ: الَّذي يَدَّعي نِسبتَه إلى قومٍ وليسَ منهم، والزَّنيمُ يُطلقُ على الشَّاةِ الَّتي لها زَنمةٌ، وهي الجلدةُ الزَّائدةُ المتعلِّقةُ بأِذُنِها وحَلْقِها، ووصَفَ مَن يدَّعِي نَسبًا ليس صحيحًا إلى قومٍ بِالزَّنيمِ؛ لأنَّه مُتعلِّقٌ بهم وليس منهم، والزَّنيمُ أيضًا اللَّئيمُ المعروفُ بِلؤْمِه وشرِّه.
واختُلِفَ في الموصوفِ بهذه الصِّفةِ القبيحةِ فعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما: هو الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ، وقيل: هو الأخنسُ بنُ شُريقٍ، وقيل: هو الأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ.
وفي الحديث: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لو أقْسَمَ علَى اللهِ لأَبَرَّهُ، ألا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَوّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ.) ([342]). (أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لو أقْسَمَ علَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، ألا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ النَّارِ: كُلُّ عُتُلٍّ، جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ.) ([343])
التَّواضعُ مِن صِفاتِ أهلِ الجنَّةِ، والكبْرُ مِن صفاتِ أهْلِ النَّارِ؛ ولذلكَ كان أهلُ الجنَّةِ- كما يُخبُر صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هَذا الحديثِ- كُلَّ ضَعيفٍ مُتَضعَّفٍ، يعني: كل مُتواضعٍ خاضعٍ للهِ تعالى مُذِلٍّ نفسَه له، حتَّى أنَّ بعضَ النَّاسِ يَستضعِفونه ويَحتقِرونَه، وهذا المتذَلِّلُ لله تعالى لو أقسمَ، يعني: حلفَ يمينًا طمعًا في كرمِ الله تعالى لَأبرَّه اللهُ، وحقَّقَ له ما أقسمَ عليه وأجابَ طلبَه ودُعاءَه، أمَّا أهلُ النَّارِ فهم كلُّ «عُتُلٍّ»، وهو الفَظُّ: الغليظُ شديدُ الخُصومة أو الفاحشُ، «جَوَاظٍ مُسْتكبرٍ» الكثيرُ اللَّحمِ المختالُ في مِشيتِه، وقِيلَ: الفاجرُ، وقيلَ الأكولُ.
الراجح في المسألة هو قول ابن عباس: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ { قالَ: رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ له زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ.)
الآية الكريمة: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا ) (الإسراء: 45).
يقول د. نوفل: " حِجَابًا مَّسْتُورًا ([344]) حتلاقي في التفاسير روايات أنا لا آخذ بها، ولماذا؟ صبرك شوية، صبرك عليّ، أولاً زعموا أن امرأة أبي جهل ولا أبو لهب المرأة جت أين محمد وقد حملت فِهراً، هذا مش أخلاق نساء العرب، ولا حتى أخلاق النساء في الجاهلية، لأه، فضرب الله على النبي حجاباً ساترا حاجزاً فما رأته، أو لويش هالخارقة يعني؟! ألمعنى ليس هذا، ألمعنى في نظري قطعا يقينا ليس هذا، لاحظ: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين) .... "
الردّ على د. نوفل: لقد راجعت أمهات التفاسير (تفسير الطبري، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، تفسير البغوي، تفسير السعدي) فلم أجد هذه الرواية التي ينسبها نوفل للتفاسير! فأين الأمانة العلمية يا د. نوفل؟! وقد بحثت عن هذه الرواية في الموسوعة الحديثية، فلم أجد لها ذكر أبداً؟! ثم هل يريد د. نوفل أن يزكي لنا أخلاق نساء صناديد الكفر؛ حيث يقول: " زعموا أن امرأة أبي جهل ولا أبو لهب المرأة جت أين محمد وقد حملت فِهراً، هذا مش أخلاق نساء العرب، ولا حتى أخلاق النساء في الجاهلية "؟!
هذا الكلام للدكتور نوفل هو تقوّل على السّنة وتقوّل على التفاسير! فإنني لم أعثر على أية حديث فيه كلمة فهر أو كلمة فهرا!!! ولم أعثر على أية حديث فيه اللفظ " حجابا مستورا " !!! كل ما استطعت أن أجده هو رواية واحدة ضعيفة فيها العبارة (ما زالَ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي مِنْها بجناحَيْهِ)، والحديث ليس فيه أية عبارة تشير إلى تعلّقه بالآية الكريمة (جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا)! وإنّ العبارة (ما زالَ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي مِنْها بجناحَيْهِ) ليس فيها ما يشير إلى عبارات الدكتور نوفل! وفيما يلي نصّ هذا الحديث الضعيف: (لمَّا نَزَلَتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ جاءتْ امرأةُ أَبِي لهَبٍ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومعه أبو بكرٍ فلمَّا رآهَا أبو بكرٍ قال يا رسولَ اللهِ إنَّها امرأةٌ بَذِيئَةٌ وأخافُ أنْ تُؤْذِيَكَ فلَوْ قُمْتَ قال إنَّها لَنْ تَرَانِي فجاءَتْ فقالَتْ يَا أبا بَكْرٍ أينَ صاحبُكَ هجَانِي قال ما يقولُ الشعرَ قالَتْ أنتَ عندي مصدَّقٌ وانصرفَتْ قُلْتُ يا رسولَ اللهِ لَمْ تَرَكَ قال ما زالَ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي مِنْها بجناحَيْهِ) ([345]).
هذا وإن التفسير الذي يعرضه نوفل (مستور عن أعين الناس فلا يرونه) قد قاله المفسّرون، فمثلاً يقول البغوي: "قوله عز وجل: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به. قال قتادة: هو الأكنة والمستور بمعنى الساتر كقوله: (إنه كان وعده مأتيا) (مريم: 61 ) مفعول بمعنى فاعل. وقيل مستور عن أعين الناس فلا يرونه."
يتضح أنّ كلام الدكتور نوفل هو تقوّل على السّنة وتقوّل على التفاسير! وفيما يخصّ هذه الرواية الضعيفة والتي أشار إليها دكتور نوفل بصورة مشوشة! وأقول لقد حكم المحدث الهيثمي بضعف هذه الرواية قبل ما يزيد على ستمائة عام ([346])، فهل يعلم د. نوفل أن علماء الحديث قد سخرهم الله لخدمة السنة؟! فعرّفونا بالحديث المتواتر والصحيح والحسن والثابت والحسن لغيره، ... والضعيف والمنكر والموضوع.
المفسّر العالم يفسّر القرآن بمنهجية واضحة. قال الإمام السيوطي: التفسير بالرأي هو الاجتهاد في تفسير القرآن الكريم، وفق قواعد وشروط أهمها: معرفة كلام العرب ومناحيهم في القول، ومعرفة الألفاظ العربية والوقوف على دلالتها ومقتضياتها. والعلم بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والحديث والأصول والفقه، وأن يكون المفسر بعيداً عن الهوى ونزعة التعصب ".[1]
يقول نوفل: "(أو لويش هالخارقة يعني) ؟!"
الرّد عليه: أقول إنّ ما سمّاه د. نوفل بالخارقة قد وردت في حديث ضعيف، وبودّي لو كان بوسع نوفل أن يكون لديه الإطلاع الكافي ليذكر هذه الرواية بدقّة، ويشير إلى أنّ المحدثين قد حكموا بضعفها. ولا يعقل أن نطلب من د. نوفل أن يؤمن بروايات ضعيفة، ونحن نعلم أنّه يرد روايات اتفق الشيخان البخاري ومسلم على صحتها. فهو الذي يتهكم على حديث انشقاق القمر، وحديث المعراج، وحديث الشفاعة وحديث آية الدخان وغيرها. بل هو القائل: أنّ تسعة أعشار الروايات في مهبّ الريح تصح أو لا تصحّ، وهو الذي يعتقد أنّ السنة ليست وحياً.
الآية: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) (طه 12 )
يقول د. نوفل: "فاخلع نعليك، مالها مرتبطة بالوادي المقدس، واضح إخواني، فاخلع نعليك لأنك بالوادي المقدس، إللي إسمه طوى، طبعاً حسمعك الآن ماذا قال أسيادنا المفسرين. كان يلبس نعلين من جلد حمار غير ذكي إههه (عامية تستخدم للإستهزاء)، فيه حمار غبي! غير ذكي غير مذكى مش غير (مع الإشارة إلى رأسه) لاء. شف يعني التفاصيل، حمار مش مذبوح ذبح، وكانت الحمير مش دخلنا بمتاهه مالها معنى ولا طعم، أو ع صاروا عارفين باتا (Bata) ولا مش باتا كمان نوع النعل، بالمرة أديداس (Adidas) بالمرة، مش معقول، مع احترامنا لأسيادنا ... لأنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، مش لأنك لابس جلد حمار، مع احترامنا لأسيادنا الكبار ..." ([347]).
الرد على د. نوفل:
يقول القرطبي: "قوله تعالى: فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى فيه خمس مسائل: "الأولى: قوله تعالى: فاخلع نعليك روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف وجبة صوف وكمة صوف وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت ) قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج منكر الحديث. ..."
إذا المفسّرون (أسيادك على حد تعبيرك)، ذكروا خمسة مسائل أغمضت عينيك عن أربعة منها، ثمّ ذكرت إحداها لتفتري على مفسري السلف أنّ تفاسيرهم مضحكة (مالها معنى ولا طعم) على حدّ زعمك، ولم تكن لديك الأمانة العلمية لتقول أنّ مفسري السلف قالوا أنّ هذا الرأي غريب ومنكر! وحتى هذا الرأي لم تعرضه بدقة: فهنالك فرق بين أن نقول "من جلد حمار ميت"، أو " من جلد حمار غير ذكي إههه، فيه حمار غبي! غير ذكي غير مذكى مش غير (مع الإشارة إلى رأسه) لاء. "
معذرة يا د. نوفل، فأنت قد أغفلت بدهية، ومسلمة، وهي أنّ جميع الأحذية الجلدية هي مصنوعة من جلود حيوانات مذكّاة. ثمّ أين الأمانة العلمية، وأين احترام الأسياد من الإفتراء والكذب عليهم! فلقد زعمت أنّ الأسياد المفسرين تفسيرهم منكر وأدخلونا بمتاهه مالها معنى ولا طعم! في حين أنهم ذكروا أنّ هذا الرأي منكر. نعم المفسرون الأسياد هم أسيادٌ بحقّ، فقد قدموا رأيك من جملة الآراء (الخمسة)، بل ولقد ذكروا أيضاً ما هو أرقى من رأيك؛ فيقول القرطبي: " وقيل: أمر بذلك لينال بركة الوادي المقدس، وتمس قدماه تربة الوادي؛ قاله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والحسن وابن جريج. وقيل أمر بخلع النعلين للخشوع والتواضع عند مناجاة الله تعالى. وكذلك فعل السلف حين طافوا بالبيت. وقيل: إعظاما لذلك الموضع كما أن الحرم لا يدخل بنعلين إعظاما له. قال سعيد بن جبير: قيل له طإ الأرض حافيا كما تدخل الكعبة حافيا. والعرف عند الملوك أن تخلع النعال ويبلغ الإنسان إلى غاية التواضع، فكأن موسى - عليه السلام - أمر بذلك على هذا الوجه، ولا تبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها.". نعم أين د. نوفل من أمانة النقل؟! ألم يقرأ العبارة " ولا تبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها "؟! ألم يقرأ قول القرطبي: "قوله تعالى (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) فيه خمس مسائل "؟! هذا وهنالك أمور قيمة ذكرها المفسرون يمكن للقاريء الرجوع إليها.
ثم تابع نوفل كلامه والمأخوذ من تفسير الأسياد على حدّ وصفه! إلا أنّه لم يوثقه وينسبه إلى الأسياد، بل نسبه إلى نفسه! واكتفى بنسبة الرأي المنكر إلى الأسياد! فلا أدر أين الأمانة العلمية؟! بل وأين هو من مقولته " مع احترامنا لأسيادنا الكبار " ؟!
هذا ولقد أفزعني كلام نوفل. فللوهلة الأولى ضننت أنّه لا يميز بين مذكّى (بمعنى مذبوح على الشريعة الإسلامية)، وبين ذكيّ (صفة) من الذكاء بمعنى (smart, intelligent, clever, wise)! واسمحوا لي أنّني قدمت تفسير الذكاء بالإنكليزية وعلى طريقة د. نوفل. واستغرب أيضاً أنّ هذا الكلام الصادر من د. نوفل هو مكتوب على أوراق بين يديه (الزمن: 41:30). فلماذا يفوته أن ينسب إلى المفسرين أقوالهم والتي طرحها وقدمها على أنّها من بنات أفكاره؟!
يقول ابن كثير" "وقال هاهنا (إني أنا ربك ) أي: الذي يكلمك ويخاطبك، ( فاخلع نعليك ) قال علي بن أبي طالب، وأبو ذر، وأبو أيوب، وغير واحد من السلف: كانتا من جلد حمار غير ذكي. وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة. قال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة. وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيا غير منتعل. وقيل غير ذلك، والله أعلم. ...". ذكر ابن كثير هذه الأقوال، وختمها بعبارة " والله أعلم ". بينما يقول د. نفول: "ابن كثير فوق الرأس يعني إحنا لا نبلغ غبار الأرض اللي بمشي عليها لا والله لكن هذا التقدير بجعلناش نمرّ الكلام بلا مناقشة. بقول (فاخلع نعليك ) قال علي بن أبي طالب، وأبو ذر، وأبو أيوب (ثلاثة)، وغير واحد من السلف (يعني هؤلاء من الصحابة ومن التابعين قالوا إيش): كانتا من جلد حمار غير ذكي. وقيل (وقيل هاي روايتين عند ابن كثير): إنما أمره بخلع نعليه تعظيما للبقعة. هذا هو الصحيح عرضها ابن كثير بصيغة التمريض! لما أقول وقيل معناه مش راضي هو هذا القول إنما أعرضه من باب الأمانة العلمية، وإن كنت مش مقتنع به، إحنا مش مقتنعين بالأول مقتنعين بالمش مقتنع بيه ابن كثير ...". (الزمن: 42:57).
الرد على د. نوفل:
قول نوفل: " إحنا لا نبلغ غبار الأرض اللي بمشي عليها (ابن كثير) لا والله "! هذه تعارض الآية الكريمة: "ولقد كرّمنا بني آدم". ولقد استخدمها نوفل كغطاء للإنتقاص من ابن كثير! وكيف لا ونوفل لم يعرض جميع أقوال ابن كثير، والتي ختمها ابن كثير بعبارة " والله أعلم "، بينما يزعم نوفل أنّ ابن كثير يرجح الرأي: " كانتا من جلد حمار غير ذكي "!!! أقول هذا كذب ومحض افتراء وتقوّل على ابن كثير!!! يقول نوفل: " وقيل معناه مش راضي هو هذا القول إنما أعرضه من باب الأمانة العلمية ". وهذا افتراء على ابن كثير، وإذا كان نوفل يقول بلسان ابن كثير: " إنما أعرضه (ابن كثير) من باب الأمانة العلمية "، فأسألُ نوفل أين أمانتك العلمية عندما أسقطت باقي قول ابن كثير: " قال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة. وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيا غير منتعل. وقيل غير ذلك، والله أعلم. ...". أليست هذه حرب على تفاسير السّلف وتقول على مفسّري السلف وانتقاص من جهدهم؟! يقول د. نوفل: " ... يخوي الطبري ما فيه أخطاء؟! إبن كثير ما فيه أخطاء؟! كلّه إسرائيليات كلّه! طبعاً إبن كثير فوق راسنا!. والطبري فوق راسنا!". (([348] .
أقول: إذا كنّا ننتقص من تفاسير السلف! ولا ننزل أحاديث الرسول منزلتها! ونعتبر تسعة أعشار الروايات في مهب الريح تصح وقد لا تصح! فما هو مصدر التفسير؟! أهو د. نوفل وفقط نوفل؟!!!!. لا تعجبوا! فهنالك قول للدكتور نوفل: " أنّ المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات "! يا للهول حوالي ملياري مسلم متخلفين، ويريد شخصٌ ما أن يؤسس في عقولهم البدهيات! ألا يذكرنا هذا بالحديث الشريف: (إذا قالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهو أهْلَكُهُمْ) ([349]).
الباب الثالث: التفسير بالرأي المناقض للسّنّة وعلوم الكون والفيزياء
1) يلمز الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في بيان مناسبة نزول الآية: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ).
الآية الكريمة: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ). د. أحمد نوفل يلمز الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في بيان مناسبة نزول الآية؛ وذلك بحجة أن الرسول بعث رحمة للعالمين؛ وبالتالي لا يعقل أن يدعو رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على قُرَيْش: (اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ قالَ: فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شيءٍ، حتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الجُوعِ).
(دَخَلْنَا علَى عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، قالَ: يا أيُّها النَّاسُ، مَن عَلِمَ شيئًا فَلْيَقُلْ به، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ، فإنَّ مِنَ العِلْمِ أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {قُلْ ما أسْأَلُكُمْ عليه مِن أجْرٍ وما أنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ} وسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَعَا قُرَيْشًا إلى الإسْلَامِ، فأبْطَئُوا عليه، فَقالَ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عليهم بسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شيءٍ، حتَّى أكَلُوا المَيْتَةَ والجُلُودَ، حتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بيْنَهُ وبيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنَ الجُوعِ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: }فَارْتَقِبْ يَومَ تَأْتي السَّمَاءُبدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذَابٌ ألِيمٌ}، قالَ: فَدَعَوْا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ، أنَّى لهمُ الذِّكْرَى، وقدْ جَاءَهُمْ رَسولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عنْه، وقالوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ، إنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا، إنَّكُمْ عَائِدُونَ} أفَيُكْشَفُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ: فَكُشِفَ ثُمَّ عَادُوا في كُفْرِهِمْ، فأخَذَهُمُ اللَّهُ يَومَ بَدْرٍ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ{) ([350])
وفي رواية مسلم:
(كُنَّا عِنْدَ عبدِ اللهِ جُلُوسًا، وَهو مُضْطَجِعٌ بيْنَنَا، فأتَاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أَبَا عبدِ الرَّحْمَنِ إنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ وَيَزْعُمُ، أنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بأَنْفَاسِ الكُفَّارِ، وَيَأْخُذُ المُؤْمِنِينَ منه كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقالَ عبدُ اللهِ: وَجَلَسَ وَهو غَضْبَانُ: يا أَيَّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ، مَن عَلِمَ مِنكُم شيئًا، فَلْيَقُلْ بما يَعْلَمُ، وَمَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فإنَّه أَعْلَمُ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: لِما لا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: {قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عليه مِن أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ} إنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إدْبَارًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ قالَ: فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شيءٍ، حتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الجُوعِ، وَيَنْظُرُ إلى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فأتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بطَاعَةِ اللهِ، وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وإنَّ قَوْمَكَ قدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ لهمْ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: }فَارْتَقِبْ يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ} إلى قَوْلِهِ: {إنَّكُمْ عَائِدُونَ}. قالَ: أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟ {يَومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ}. فَالْبَطْشَةُ يَومَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ، وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ، وَآيَةُ الرُّومِ.) ([351]).
د. أحمد نوفل يلمز هذا الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم؛ وذلك بحجة أن الرسول بعث رحمة للعالمين؛ وبالتالي لا يعقل أن يدعو رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على قُرَيْش: (اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ قالَ: فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شيءٍ، حتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الجُوعِ).
ولا أدر ما موقفه من احتجاز كفار قريش لنفر من الصحابة وتعذيبهم ومنعهم من الهجرة؟!
أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا قال: (سمِع اللهُ لمَن حمِدَهُ) في الركعةِ الآخِرَةِ من صلاةِ العِشاءِ قنَت: ( اللهم أَنجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعَةَ، اللهم أَنجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، اللهم أَنجِ سلَمَةَ بنَ هِشامٍ، اللهم أَنجِ المستضعَفِينَ من المؤمنينِ، اللهم اشدُدْ وطأتَك على مُضَرَ، اللهم اجعلْها عليهم سنينَ كسنِي يوسُفَ ) .) ([352])
شرح الحديث: "كانَ النَّبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم إذا قالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَه في الرَّكعةِ الآخِرةِ مِن صَلاةِ العِشاءِ قَنَتَ، أي: دَعا قَبلَ أنْ يَسجُدَ يَقولُ: اللَّهمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ، اللَّهمَّ أَنْجِ الوَليدَ بنَ الوَليدِ، اللَّهمَّ أَنْجِ سَلَمةَ بنَ هِشامٍ، والوَليدُ وسَلَمةُ وعيَّاشٌ رضي الله عنهم حَبَسَهم المُشرِكونَ في مَكَّةَ لَمَّا أَسلَموا ومَنَعوهم مِن الهِجرةِ، وقَد تَواعَدوا جميعًا لِلهُروبِ مِن المُشرِكينَ، فَدَعا لَهُم النَّبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم، اللَّهمَّ أَنْجِ المُستَضعَفينَ مِن المُؤمِنينَ، عامٌّ بَعدَ خاصٍّ، والمُرادُ بالمُستَضعَفينَ مِن المُؤمِنينَ هُم ضُعَفاء المُؤمِنينَ بِمَكَّةَ وغَيرِها الَّذينَ حَبَسَهم الكُفَّارُ عن الهِجرةِ وآذَوْهم وعَذَّبوهم، اللَّهمَّ اشْدُد "وَطْأَتَك"، أي: عُقوبَتَك عَلى كُفَّارِ قُرَيْش أولاد مُضَرَ، القَبيلة المَشْهورة الَّتي مِنها جَميعُ بُطونِ قُرَيْش وغَيرهم، اللَّهمَّ اجْعَلْها، أي: عُقوبتَك سِنينَ مُجدِبة كَسِنيِّ يُوسُفَ، فَيَكونُ المَعنى هُنا هو الدُّعاء عليهم بالقَحْطِ العَظيمِ."
(بينا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي العِشاءَ إذ قال: سمِع اللهُ لمَن حمِده، ثم قال قَبلَ أن يَسجُدَ: اللهمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعَةَ، اللهمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بنَ هشامٍ اللهمَّ نَجِّ الوليدَ بنَ الوليدِ، اللهمَّ نَجِّ المُستَضعَفينَ منَ المؤمنينَ، اللهمَّ اشدُدْ وَطأتَكَ على مُضَرَ، اللهمَّ اجعَلْها سِنينَ كسِني يوسُفَ) ([353])
ولا أدر أيضاً ما هو موقف د. نوفل من قنوت الرّسول صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ودعائه على الذين قتلوا الحفاظ لكتاب الله ([354])؟!؛ كما ثبت في الحديث: (سَأَلْتُ أنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عنْه عَنِ القُنُوتِ، قَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَقُلتُ: إنَّ فُلَانًا يَزْعُمُ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: كَذَبَ، ثُمَّ حَدَّثَنَا، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّه قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو علَى أحْيَاءٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: بَعَثَ أرْبَعِينَ - أوْ سَبْعِينَ يَشُكُّ فيه - مِنَ القُرَّاءِ إلى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَرَضَ لهمْ هَؤُلَاءِ فَقَتَلُوهُمْ، وكانَ بيْنَهُمْ وبيْنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَهْدٌ، فَما رَأَيْتُهُ وجَدَ علَى أحَدٍ ما وجَدَ عليهم.) ([355])
واسمحوا لي أن أذكّر د. نوفل ببعض عباراته: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([356]). لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([357]).)
وللإطلاع على تفسير الآية (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) في ضوء الحديثين وفي ضوء العلم؛ يمكن قراءة المواضيع التالية:
العمري، حسين يوسف راشد، دخان السّماء المتوعدُ به ([358]).
العمري، حسين يوسف راشد، الوصف القرآني لحالة الأرض والجبال والكواكب مع نهاية العالم وبداية يوم القيامة ([359]).
العمري، حسين يوسف راشد وآخرون. الإعجاز الفيزيائي في آيات مدّ الأرض ([360]).
2) الآيات الكريمة: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [فصلت 9-12].
د. أحمد نوفل يفسر الأرض في هذه الآيات بالكرة الأرضية! وهذا تفسير مرفوض علميا وفيزيائياً؛ ويناقض حقائق فيزيائية كونية:
في هذه الآيات المراد بالأرض ما في جهة السّفل (أي الأرضين السّبع: المادة المظلمة الباردة. وكذلك الدقائق الأولية للمادة والإشعاع وأنوية بعض الذرات). أمّا الكرة الأرضيّة أو الأجرام السماوية فلم يكن قد تخلق منها شيءٌ. وقالوا أريد باليومين هنا فترتين زمنيّتين ([361]). وذكروا أنّ الرّواسي هي الجبال، وقيل المراد بجعلها إبداعها بالفعل، وفي الإرشاد المراد تقدير الجعل لا الجعل بالفعل ([362]). يؤكّدُ علم الكون أنّ القول بإبداعها بالفعل غير صحيح، فإنّ خلق كرة الأرض نفسها قد جاء متأخّراً عن خلق السماوات السبع والأرضين السبع بزمن يقدر بحوالي 8.5 مليار سنة. ولعلّ الزمخشري قد تنبّه إلى هذا الأمر في معرض تفسير الآية الكريمة: (هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنَّ سبع سموات وهو بكلّ شيءٍ عليم) [البقرة 29]. يقول الزّمخشري: "فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحّة؟ قلت: أنّ أراد بالأرض الجهات السّفليّة دون الغبراء (الكرة الأرضيّة) كما تذكر السّماء وتراد الجهات العلويّة جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السّفليّة (الزمخشري م 1، ص 270.)". وهو عين ما قاله كثيرٌ من أئمّة التّفسير:(النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد القمّي (ت 728 هج)، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، تحقيق زكريا عميرات، دار الكتب العلميّة (بيروت 1416 هـ- 1996 م). ج 1، ص 210.؛ العمادي، أبي السعود محمد بن محمد، تفسير أبي السعود إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم. ج 1، ص 78.؛ البيضاوي، ناصر الدين الشيرازي، أنوار التنـزيل وأسرار التأويل. ج 1، ص 273.) (الأرضون السّبع ) ([363]) .
الأرض في هذه الآيات معناها "الأرضون السّبع"، أو ما كان في الكون الوليد من إشعاع ودقائق أولية عندما كان الكون في حالة الرتق (عمري: بحث خلق الكون ([364]) وبحث الأرضون السّبع ([365])). بدون الاستعانة في علم الكون تبقى الآية ضمن دائرة المتشابه الذي ينكره د. نوفل. وأرجع د. نوفل إلى زهرة التفاسير؛ يقول المؤلف: "فهذه الآيات [فصلت 9-12] وأمثالها كثير، ولا بدّ فيها من الإستعانة بأهل الخبرة، ويقرّرون في ظلها الحقائق العلمية" (صفحة 38). ويقول: "وإنّه كلما اتسع أفق العقل البشري في فهم الكون والحقائق والشرائع اتسع فهمه للقرآن الكريم" (صفحة 36). ولا مندوحة هنا من تذكّر قولة د. نوفل الشهيرة: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([366]). لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([367]).
3) الانتقاص من كمال القدرة الإلهية بزعم أنّ الآية: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ) [الزمر 67] على المجاز وليس على الحقيقة!
يصرح د. أحمد نوفل على قناة حياة FM بأنّ الآية (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ) [الزمر 67] على المجاز وليس على الحقيقة! وهذا القول بلا شكّ انتقاص من كمال القدرة الإلهية. وبدون الاستعانة في علم الكون تبقى الآية ضمن دائرة المتشابه الذي ينكره د. نوفل! وبدون الرجوع للحديث (الذي يقصيه د. نوفل) تبقى الآية ضمن دائرة المتشابه
الآية الكريمة: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر 67].
الْأَرْضُ هنا تعني الأرضون السّبع، حيث ستعود يوم القيامة مجموعة ورتقاً. بدأت الأرضون السّبع قبضاً، ثمّ فتقها الخالق سبحانه وتعالى سبعاً (حالة فتق الأرضين تبيّنها مجموعة الأشكال). هذا وستعود يوم القيامة إلى حالة القبض: (قالَ ابنُ عبَّاسٍ أتَدري ما سَعةُ جهنَّمَ؟ قلتُ: لا، قالَ: أجَل واللَّهِ ما تدري أنَّ بينَ شَحمةِ أُذنِ أحدِهِم وبينَ عاتقِهِ مَسيرةَ سبعينَ خَريفًا تَجري فيها أوْديةُ القَيحِ والدَّمِ قلتُ أنهارًا قالَ لا بلْ أوْديةً ثمَّ قالَ أتدرونَ ما سَعةُ جهنَّمَ قلتُ لا قالَ أجَل واللَّهِ ما تَدري حدَّثتني عائشةُ أنَّها سألَت رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ عن قولِهِ وَالْأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ فأينَ النَّاسُ يومئذٍ يا رسولَ اللَّهِ قالَ هم علَى جِسرِ جهنَّمَ) ([368])
إنّ سؤال أمّنا عائشة: " فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ " يتطلب أنها فهمت أنّ الآية على الحقيقة وليس على المجاز.
وهناك أحاديث يردُ فيها ذكر الأرضين بصيغة الجمع لا المفرد. وهذه تبيّنُ تغيّر حالة الأرضين بين القبض يوم القيامة والبسط الآن:
عن عبدالله بن مسعودٍ –رضي الله عنه- قال جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فقال يا محمّد إنّا نجدُ أنّ الله يجعلُ السّموات على إصبعٍ والأرضين على إصبعٍ والشّجر على إصبع والماءَ والثّرى على إصبعٍ وسائر الخلق على إصبع فيقول أنا الملك فضحك النّبيُّ – صلّى الله عليه وسلم – حتى بدت نواجذهُ تصديقاً لقول الحبر ثمّ قرأ رسولُ الله – صلّى الله عليه وسلم – (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر 67]. وقد خُرّجَ الحديث في عددٍ من مصادر السُّنّة.
من زاد (وتصديقاً له) فليست بشيء فإنها من قول الراوي وهي باطلة
(أنَّ يهودِيًّا جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا محمَّدُ إنَّ اللَّهَ يُمسِكُ السَّمواتِ على إصبَعٍ والأرضينَ على إصبَعٍ والجبالَ على إصبَعٍ والشَّجرَ على إصبَعٍ والخلائقَ على إصبَعٍ ثمَّ يقولُ: أنا الملِكُ. فضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى بدت نواجِذُه ثمَّ قرأَ {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قالَ يحيى بنُ سعيدٍ وزادَ فيهِ فضيلُ بنُ عياضٍ عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن عبيدةَ عن عبدِ اللَّهِ فضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ تعجُّبًا وتصديقًا لهُ) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: ابن حجر العسقلاني، المصدر: فتح الباري لابن حجر، الصفحة أو الرقم: 13/404، خلاصة حكم المحدث: من زاد (وتصديقاً له) فليست بشيء فإنها من قول الراوي وهي باطلة. التخريج: أخرجه البخاري (7414) واللفظ له، ومسلم (2786) )
ظاهرٌ أنّ العبارة (تصديقا لقول الحبر) هي من كلام الرّاوي. والدليل هو أنّ الآية التي قرأها الرسول: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) كانت ردّا على قول الحبر، وتبيّن صورة مختلفة، وأكّدت أنّ اليهود لم يقدروا اللّه حقّ قدره، وهي تنزّه اللّه عن شرك اليهود (ملحق).
وللمزيد أنظر أقوال المفسرين والتفسير العلمي للآية في المراجع:
* العمري، حسين يوسف راشد، الأرضون السّبع لغز المادّة المظلمة وبوّابة تكميم الكون ([369])، مجلّة كليّة المعارف الجامعة، الأنبار، (2004)، العدد السادس، ص 10.
* محاضرة: معاني الأرض ([370]) .
* محاضرة: الأرضون السّبع ([371]) .
*. العمري، حسين يوسف راشد، 2004، خلق الكون بين الآيات القرآنيّة والحقائق العلميّة ([372])، مؤتة للبحوث والدّراسات (سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعيّة)، المجلد 19، العدد 4، ص: 11 - 41.
يصرح د. أحمد نوفل على قناة حياة FM بأنّ الآية (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ) على المجاز وليس على الحقيقة! وهذا القول بلا شكّ انتقاص من كمال القدرة الإلهية! وبدون الاستعانة في علم الكون تبقى الآية ضمن دائرة المتشابه الذي ينكره د. نوفل! وبدون الرجوع للحديث تبقى الآية ضمن دائرة المتشابه؛ وفيما يلي بعض الأحاديث التي تفسّر الآية:
الحديث الشريف:
(يا رسولَ اللهِ! وَالْأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، فأينَ المؤمنونَ يومئذٍ؟ قال: علَى الصِّراطِ يا عائشة) ([373])
(قال ابنُ عبَّاسٍ: أتَدْري ما سَعةُ جَهنَّمَ؟ قُلْتُ: لا، قال: أجَلْ، واللهِ ما تَدْري، إنَّ بينَ شَحْمةِ أُذُنِ أحَدِهم وبينَ عاتِقِه مَسيرةَ سَبعينَ خَريفًا، تَجْري فيها أَوْديةُ القَيْحِ والدمِ، قُلْتُ: أنهارًا؟ قال: لا، بل أَوْديةً، ثُم قال: أتَدْرونَ ما سَعةُ جَهنَّمَ؟ قُلْتُ: لا، قال: أجَلْ، واللهِ ما نَدْري، حدَّثَتْني عائشةُ أنَّها سأَلَتْ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن قولِه: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، فأين الناسُ يومَئذٍ يا رسولَ اللهِ؟ قال: هُم على جِسرِ جَهنَّمَ.) ([374])
إنّ سؤال أمّنا عائشة: " فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ " يتطلب أنها فهمت أنّ الآية على الحقيقة وليس على المجاز.
الشرح: " أي: إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالى يَقبِضُ الأرَضينَ السَّبْعَ بكُلِّ أجزائِها وطبَقاتِها، وكذلك يَقبِضُ السَّمَواتِ في قَبضةِ يَدِه اليُمْنى، وكِلْتا يَدَيْه يَمينٌ سُبحانَه وتَعالى، ولهما صِفةُ الكَمالِ على ما يَلِيقُ بالربِّ الجليلِ سُبحانَه، ولا تُمثَّلُ صِفاتُه بصِفاتِ خَلْقِه؛ فليسَ كمِثْلِه شيءٌ، ولا يَعلَمُ كيفيَّتَها إلَّا هو سُبحانَه، فتعَجَّبَتْ عائِشةُ رضِيَ اللهُ عنها، وسأَلتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "فأين الناسُ يومَئذٍ يا رسولَ اللهِ؟ قال: همْ على جِسْرِ جهنَّمَ " وهُو الصِّراطُ الذي يُنصَبُ على ظَهْرِ "جَهَنَّمَ"، والمعنى: يَكونون واقِفينَ على الصِّراطِ، وهذا بَيانٌ لِمَدى سَعَةِ النَّارِ؛ حيثُ اجتمَعَتْ تلكَ الخلائقُ كلُّها على جِسْرٍ جهنَّمَ. وفي الحديثِ: إثباتُ صِفةِ اليدِ للهِ تَعالى. وفيه: بَيانُ عظمةِ قُدْرَةِ اللهِ وعَظَمَةِ خَلْقِه وسَعَتِه بما لا يُدْرِكُه أحَدٌ.".
الحديث الشريف: (عن النضر بن أنس أنه حدثه عن ربيعة الجرشي وله صحبة قال في قوله تعالى {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} قال: بيده ) ([375]).
ويقول الطبري: وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) يقول في قدرته نحو قوله: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ أي وما كانت لكم عليه قدرة وليس الملك لليمين دون سائر الجسد، قال: وقوله (قَبْضَتُهُ) نحو قولك للرجل: هذا في يدك وفي قبضتك. والأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعن أصحابه وغيرهم، تشهد على بطول هذا القول ([376]).
إذا لا بدّ من التأكيد مرة أخرى على أنّ الآية على الحقيقة وليس على المجاز من عدة منطلقات: منطلق مخالفة عقائد اليهود؛ وكما يبين علم الكون؛ وكما يؤكد المفسرون؛ وكما يتطلب كمال التنزيه للقدرة والعظمة الإلهية: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
ويستحيل أن يحمل على المجاز قوله تعالى: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
ولمعرفة أقوال المفسرين والتفسير العلمي (الكوني) لهذه الآيات الكريمات، وللمزيد من التفصيل في الرّد على نوفل أنظر الأبحاث: (كتاب "مناقضة المُسَلَّمات وأساسيّات علوم الفيزياء والكون والرياضيات في تفسير د. أحمد نوفل: دراسة تطبيقية" ([377])، بحث خلق الكون ([378])، بحث معاني الأرض ([379])، بحث الأرضون السّبع ([380])).
واسمحوا لي أن أذكّر د. نوفل بعبارته: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([381]). لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([382]).
4) إنّ الحديث الشريف (الذي يقصيه د. نوفل) هو الذي كشف لنا عن معنى السّماء (العنان أي السّحاب) التي تسترق منها الشياطين السّمع: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) (الجنّ 8).
يقول د. نوفل: " (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا) ما السماء؟ هل هي هذا الفراغ؟ هذا مش فراغ. هل هي هذه القبة الزرقاء؟ هاي القبة الزرقاء انعكاس، للأشعة وانعكاس للنظر! المهم لمسنا السماء منطقة فين ما نعرفش! " ([383]).
الرّد على د. نوفل: إنّ معنى السّماء التي تسترق منها الشياطين السّمع هو العنان أي السّحاب كما في الحديث الشريف: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. ) (البخاري \ بدء الخلق \ حديث رقم (2971. ومثاله معنى السماء في الآية: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) (الجنّ 8).
وفي رواية: (أنها سمعتْ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: إن الملائكةَ تنزلُ في العَنانِ وهو السحابُ، فتذكرُ الأمرَ قُضِيَ في السماءِ، فتسْتَرِقُ الشياطينُ السمعَ فتسمعُه، فتوحِيه إلى الكُهَّانِ، فيكذبون معها مائةَ كَذْبةٍ من عند أنفسِهم.) ([384]).
وأقول: إنّ الحديث الشريف هو الذي كشف لنا عن معنى السّماء (العنان أي السّحاب) التي تسترق منها الشياطين السّمع؛ وبدون الاستعانة بهذا الحديث الشريف تبقى الآية ضمن دائرة المتشابه. أقول هذا مؤكداً على أهمية الرجوع إلى السنة من أجل تحقيق الفهم السليم للقرءان الكريم. هذا ولقد عرضت هذه الفكرة على د. نوفل قبل حوالي أربع سنوات؛ وذلك بعد تقديمه خاطرة بعد صلاة فجر في مسجد حرز الله (عمان)؛ فقال لي وقتها نطلق معاني السماء! فأجبته أن الله في السماء مستوى على العرش، فلا يعقل هذا. وها هو يقول في هذا التسجيل " المهم لمسنا السماء منطقة فين ما نعرفش"!
وأقتبس هنا من بحث لي عنوانه محاولةُ الشياطين استراقَ السمع تكونُ من السماء بمعنى السحاب: " إذا كان الضوء ليس لديه الزمن الكافي ليبلغ حدود الكون، وإذا كانت أضخم التلسكوبات لا ترصد إلا ضمن نصف قطر صغير بالمقارنة مع قطر الكون؛ والذي قد يزيد عن 250 ضعف قطر الكون المرئي؛ حوالي7 تريليون سنة ضوئية. إذا علمنا هذا فإنه ولا شك يمكننا القول ليس هنالك شخصٌ عاقل يزعم أنّ الشياطين تستطيع الوصول إلى البناء السماوي. إنّ الشياطين لا تستطيع الخروج من نطاق كرة الأرض. إذا علمنا ذلك وبقي من يزعم أنّ الشياطين تصل إلى البناء السماوي المحيط بهذا الكون فلا شك أنّ هذا الإنسان يقرّ بعظمة لا متناهية للشياطين! وبالتالي فهو يفضي به إلى نوع من أنواع الشرك بالله. كيف لا والله سبحانه وتعالى تحدى الثقلين أن يستطيعوا الهروب من حساب يوم القيامة؛ وذلك لاستحالة نفاذهم من أقطار السماوات والأرض: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (الرحمن 33).
للمزيد أنظر:
محاولةُ الشياطين استراقَ السمع تكونُ من السماء بمعنى السحاب ([385]).
يقول د. نوفل: " (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا) ما السماء؟ هل هي هذا الفراغ؟ هذا مش فراغ. هل هي هذه القبة الزرقاء؟ هاي القبة الزرقاء انعكاس للأشعة وانعكاس للنظر! المهم لمسنا السماء منطقة فين ما نعرفش! " ([386]).
يقول د. نوفل: " ... تسبح له السماوات السبع، وما الذي نراه؟ إحنا نرى القبّة الزرقاء، هذا كله انعكاس أشعة، لكن السماوات ربّما أنّ هاي السماء شافين (شايفين) القبة الزرقاء ما قبل السماء الأولى ألله أعلم، يمكن بينها وبين السماء الأولى مسافات ضوئية لا يعلمها إلا الله ... " ([387]).
الرد على د. نوفل: الانعكاس (reflection) هو ظاهرة تختلف عن ظاهرة التشتّت (scattering).
Scattering (التشتّت) ([388])
عندما يمر الضوء عبر الغلاف الجوي للأرض، تتفاعل معه الفوتونات من خلال التشتت. إذا لم يتفاعل الضوء مع الغلاف الجوي، فإنه يسمى الإشعاع المباشر، وهو ما تراه إذا كنت تنظر مباشرة إلى الشمس. الإشعاع غير المباشر هو ضوء منتشر متشتّت في الغلاف الجوي. على سبيل المثال، في يوم ملبّد بالغيوم عندما لا تتمكن من رؤية ظلّك، لا يوجد إشعاع مباشر يصل إليك، فقد تم تناثر وتشتّت جميع الإشعاع في المكان المحيط بك. كمثال آخر، بسبب ظاهرة تسمى تشتت رايلي (Rayleigh scattering)، تنتشر الأطوال الموجية الأقصر (الزرقاء) بسهولة أكبر من الأطوال الموجية الأطول (الحمراء). لهذا تبدو السماء زرقاء. إنّك ترى الضوء الأزرق المتشتّت. وهذا أيضًا هو سبب لون غروب الشمس باللون الأحمر. نظرًا لأن الشمس قريبة من الأفق، فإن أشعة الشمس تمر عبر الغلاف الجوي مسافة طويلة مقارنة مع سمك الغلاف الجويّ قبل أن تصل إلى عينك. فيتم تشتيت الكثير من الضوء الأزرق، تاركًا الضوء الأحمر ليصل عين المراقب عند غروب الشمس.
|
يتشتّت الضوء الأزرق أكثر من الأطوال الموجية الأخرى بسبب الغازات الموجودة في الغلاف الجوي المحيط بالأرض. فتبدو هذه الطبقة زرقاء واضحة عندما يُنظر إليها من الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية الموجودة على ارتفاع 335 كم [1] |
|
تشتت رايلي (Rayleigh scattering) ([389]): سمي على اسم الفيزيائي البريطاني لورد رايلي (جون ويليام ستروت)، [1] هو في الغالب تشتت مرن للضوء أو الإشعاع الكهرومغناطيسي بواسطة جسيمات أصغر بكثير من الطول الموجي للإشعاع. بالنسبة لترددات الضوء التي تقل كثيرًا عن تردد الرنين للجسيم مسبب التشتت (التشتت الطبيعي)، فإن مقدار التشتت يتناسب عكسياً مع القوة الرابعة للطول الموجي (الشكل التالي).
|
شكل: يوضح النسبة الأكبر من الضوء الأزرق المتشتت في الغلاف الجوي بالمقارنة مع الضوء الأحمر. |
|
ينتج تشتت رايلي عن الاستقطاب الكهربائي للجسيمات. المجال الكهربائي المتذبذب لموجة ضوئية أو كهرومغناطيسية يؤثر على الإلكترونات داخل الجسيم، مما يؤدي إلى تحرك الإلكترونات بنفس التردد. لذلك، يصبح الجسيم ثنائي قطب صغير مشعّ نرى إشعاعه كضوء مشتّت. قد تكون الجسيمات المستقطبة عبارة عن ذرات أو جزيئات فردية؛ يمكن أن تحدث هذه الظاهرة عندما ينتقل الضوء خلال مواد شفافة صلبة أو سائلة، ولكن تظهر بشكل واضح في الغازات.
يتسبب تشتت رايلي لأشعة الشمس في الغلاف الجوي للأرض في إشعاع السماء المنتشر ([390])، وهو سبب اللون الأزرق لسماء النهار والشفق، بالإضافة إلى اللون أو الظل المصفر المائل إلى الأحمر للشمس المنخفضة (قبيل الغروب) (الشكل التالي). يخضع ضوء الشمس أيضًا لتشتت رامان، مما يغير حالة دوران الجزيئات ويؤدي إلى زيادة تأثيرات الاستقطاب. [2]
|
شكل: يتسبب تشتت رايلي في ظهور الغيوم ملونة. في الصورة المبينة، يحصل تشتت الضوء على جزيئات الدخان خلال موسم حرائق الغابات في المكسيك عام 2021. |
عادةً ما يتم معالجة التشتت الناتج عن جسيمات ذات حجم مماثل لطول موجة الضوء أو أكبر منه بواسطة نظرية مي (Mie)، والتقريب ثنائي القطب المنفصل والتقنيات الحسابية الأخرى. ينطبق تشتت رايلي على جسيمات صغيرة، بالمقارنة مع الأطوال الموجية للضوء، والتي تكون بصريًا "لينة" (أي معامل انكسارها قريب من 1). تنطبق نظرية الحيود الشاذ على الجسيمات اللينة بصريًا، ولكنها جسيمات أكبر.
5) الآية الكريمة: (أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)
تفسير د. نوفل للآية الكريمة:
يقول د. نوفل: "إنّ جميع سور القرآن مليئة بالآيات الكونية، ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها ما لم يكن لديه علم القرآن والتفسير بالإضافة إلى العلم التجريبي!"
والمراد بالعلم التجريبي هنا هو علوم الكون والفلك والفيزياء والجيولوجبا ....
الرّد على د. نوفل: أستغرب كيف شرح الدكتور الآية؟! وكيف نفى الإعجاز العلمي عن الآية الكريمة؟! وكيف تناقض مع القواعد التي وضعها؟! حيث ليس للدكتور نوفل دراية بالعلوم البحتة (Pure Sciences): الكون والفلك والفيزياء والجيولوجبا ...! وعليه، فاسمحوا لي أن أذكّر د. نوفل بعبارته: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([391]). لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([392]).
ثم يقول د. نوفل: "أنّ الآية هي قانون تفكّك الحضارات، ويحمد الله أنّ تفسيره هذا لم يسبقه إليه أحد!" ([393]). وقوله هذا غير صحيح؛ فقد قال به المفسرون القدامى؛ فقالوا هو غلبة الإسلام وانحسار الكفر!: "أكثر المفسرين على أن المراد منه فتح ديار الشرك، فإن ما زاد في ديار الإسلام فقد نقص من ديار الشرك" (تفسير البغوي). ويورد ابن كثير في التفسير الأقوال ويختم بالعبارة: "والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية، } وكَفْرا بعد كَفْر، كما قال تعالى: ( ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ) ] الأحقاف: 27 [ الآية، وهذا اختيار ابن جرير، رحمه الله {".
هل دلالة هذا أن د. نوفل لا يطلع حتى على كتب التفسير؟!... ثم انتقل الدكتور ليتناقض في الحديث عن يأجوج ومأجوج (والذي نوقش سابقاً). ثم عاد ليقول وبالعامّيّة: "ما عنديش مشكلة إنه الأرض عند القطب أقل إنبعاج هذا معنى ثانوي أقل أهمية" (الدقيقة: (10:00) من نفس الفيديو). وهذا المعنى الذي يقول به ليس له أي علاقة بالتفسير العلمي للآية الكريمة!
الإعجاز والتفسير العلمي للآية الكريمة: ومن أراد المزيد والتفصيل في الرّد على د. نوفل فيمكنه الرجوع للبحث: (عمري: نقص الأرض من أطرافها) ([394]). يجلّي البحث التفسير العلمي لآيتي نقص الأرض من أطرافها (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)؛ وذلك في مقابل المعاني التالية لكلمة الأرض: الكرة الأرضية أو ما يشبهها من الكواكب. الأرضين السبع (المادة الكونية المظلمة؛ الحاضن الجاذبي لنجوم الكون ومجراته). الجزء السفلي من الكون. المجرّات والنجوم التي تقلها الأرضون السبع. وفيما يلي بيان فقط لعناوين مواضيع بحث التفسير العلمي لآيتي نقص الأرض (عمري: نقص الأرض من أطرافها):
الرّد عليه: إنّ هذا المعنى الذي يقول به د. نوفل - ما عنديش مشكلة إنه الأرض عند القطب أقل إنبعاج ... - ليس له أي علاقة بالتفسير العلمي للآية الكريمة: (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)!. وبغية الرّد عليه، فقد كتبت بحثاً في موضوع الآية ([395]). يجلّي البحث التفسير العلمي لآيتي نقص الأرض من أطرافها: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) (الرعد 41)، (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) (الأنبياء 44)؛ وذلك في مقابل المعاني التالية لكلمة الأرض: الكرة الأرضية أو ما يشبهها من الكواكب. الأرضين السبع (المادة الكونية المظلمة؛ الحاضن الجاذبي لنجوم الكون ومجراته). الجزء السفلي من الكون. المجرّات والنجوم التي تقلها الأرضون السبع. وفيما يلي بيان فقط لعناوين بحث نقص الأرض من أطرافها: نقص الأرض بمعنى الكرة الأرضية أو الكواكب، والذي يشير إلى: الانضغاط الجاذبي (gravitational contraction) لكرة الأرض أو الكواكب والّذي رافق تبرّدها في أثناء مراحل التخلّق. كما ويشير إلى تناقص كثافة مادة الأرض مع البعد عن مركزها. ويشير إلى نقص الصفائح القارية للكرة الأرضية. وإلى تغير تركيب الكوكب الناتج عن التسخين المتولّد في حقبة تخلّق الكوكب.
ونقص الأرضين السبع (المادة المظلمة الحاضن الجاذبي للمجرّات والنجوم) الناجم عن التوسع الكوني بفعل ما يسميه علماء الكون الضغط السّالب (الطاقة المظلمة)؛ وهي قوّة الله سبحانه: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) ] 48-47 الذّاريات [. التوسّع المتسارع للكون، ينقل المزيد من المجرات (ومعها حاضنها الجاذبي من المادة المظلمة) ليجعلها خارج نطاق الرؤية. كثافة المادة المظلمة تتناقص مع التوسع. تناقص كثافة المادة المظلمة داخل المجرة كلما ابتعدنا عن مركزها. توزيع كثافة النجوم داخل التجمع النجمي تتناقص كلما ابتعدنا عن مركز التجمع. نقص المجرة بواسطة النفث من قرص النماء على الثقب الأسود العملاق في مركزها.
الكفار ينتقصون من أرض الجنة فهي محرّمة عليهم، ويرثُ أهلُ الجنةِ منازلَ الكفار: (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ)". أَيْ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّة قَالُوا هَذَا. أَيْ أَرْض الْجَنَّة قِيلَ: إِنَّهُمْ وَرِثُوا الْأَرْض الَّتِي كَانَتْ تَكُون لِأَهْلِ النَّار لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ؛ قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَة وَأَبُو صَالِح وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَأَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ (القرطبي). وفي الأحاديث الشريفة: (ما منكم من أحدٍ إلا له منزلانِ، منزلٌ في الجنةِ، ومنزلٌ في النارِ، فإذا مات، فدخل النارَ، ورث أهلُ الجنةِ منزلَه، فذلك قولُه تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ{) ([396]). (ما منكم من أحدٍ إلا له مَنزلانِ: منزلٌ في الجنَّةِ، ومنزلٌ في النَّارِ، فإذا مات فدخل النَّارَ، وَرِثَ أهلُ الجنَّةِ مَنزلَه، فذلك قولُه: هُمُ الْوَارِثُونَ) ([397]). (ما منكم منْ أحدٍ إلَّا له منزلانِ: منزلٌ في الجنةِ ومنزلٌ في النارِ، فإذا مات فدخل النارَ ورِثَ أهلُ الجنةِ منزلَهُ، فذلك قولهُ تعالى {أُولَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ}) ([398]). (ما منكم من أحدٍ إلا له منزلانِ منزلٌ في الجنةِ ومنزلٌ في النارِ فإذا مات فدخل النارَ ورث أهلُ الجنةِ منزلَه فذلك قولُه تعالى (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ)) ([399]). (ما منكم من أحدٍ إلا له منزلانِ: منزلٌ في الجنةِ، ومنزلٌ في النارِ، فاذا مات فدخل النارَ، ورث أهلُ الجنةِ منزلَه، فلذلك قولُه تعالَى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) ([400]).
(ما منكُم مِن أحدٍ إلَّا لَهُ منزِلانِ، منزِلٌ في الجنَّةِ، ومنزِلٌ في النَّارِ، فإذا ماتَ، فدَخلَ النَّارَ، ورثَ أَهْلُ الجنَّةِ منزلَهُ، فذلِكَ قولُهُ تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ.) ([401]).
وفي نقص أرض الجنة من أطرافها معنى آخر، وهو: قليلٌ هم أصحاب الدرجات العلا من الجنة؛ بالمقارنة مع باقي أهل الجنة.
الباب الرابع: يقدم مفاهيم خاطئة في قضايا لا يعلمها؛ ويعرضها على أنها من التفسير
1) الفيزياء
1.1) يقول د. نوفل أن الإلكترون والبروتون أزواج (زوجين)! ([402]). وقوله هذا غير صحيح. الصحيح هو أن الإلكترون (electron) والبوزيترون (positron) زوجان. والبروتون وضديده زوجان (The antiproton, is the antiparticle of the proton). وللمزيد أنظر الأبحاث: (عمري:
بحث: بعض جوانب الإعجاز الفيزيائي في آية خلق الأزواج ([403]).
بحث: بعض جوانب الإعجاز الرياضياتي في آية خلق الأزواج ([404]).
واسمحوا لي أن أذكّر د. نوفل بعبارته: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([405]). لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([406]).
1.2) يقول د. نوفل أنّ الأرض تدور حول الشمس منذ 14 مليار سنة ([407]). وهذا غير صحيح؛ فإنّ تخلق مجموعتنا الشمسية قد بدأ قبل حوالي 5 مليار سنة فقط.
ويرتبط مع هذا تفسيره لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ). يزعم د. نوفل أنّ الواو للعطف: (هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ) معطوف على قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) ([408]). والصحيح أنّ الواو استئنافية. ويتابع تفسيره فيقول: (}مَدَّ الأَرضَ}: والمدّ هنا بمعنى البسط بمعنى جعلها واسعة كما قال تعالى: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [العنكبوت:56]، فالأرض كرة كبيرة ممتدة السطح. وأرى أنّ هذا التفسير غير دقيق. والرّد عليه تجده في بحث (الإعجاز الفيزيائي في آيات مدّ الأرض) ([409]). وأكتفي هنا بقول موجز: إنّ المدّ يعني هنا الإمداد المتتابع لكرة الأرض بمادّة تكوينها (accretion)، وقد يشير إلى تكوينها بهذا الشكل شبه الكروي تسهيلاً لحركة الإنسان على سطحها. وقد يشير المدّ إلى الانتفاخ وزيادة مساحة السّطح (inflation)، ممّا يتسبّب في زيادة معدّل تبريد الأرض (cooling rate)، وبالتالي تشكّل الجبال.
1.3) على سبيل المثال لا الحصر يتناقض مع نفسه حين يجزم بأن احتمال وجود خليفة في مكان آخر (غير كرتنا الأرضية) من هذا الكون هو صفر! ([410]). وكلامه هذا مرفوض علمياً ([411])؛ وإليك بيان بطلانه:
“Daughter Universes: The theory of quantum mechanics, which controls over the tiny world of subatomic particles, suggests another way multiple universes might arise. Quantum mechanics describes the world in terms of probabilities, rather than definite outcomes. And the mathematics of this theory might suggest that all possible outcomes of a situation do occur — in their own separate universes. For example, if you reach a crossroads where you can go right or left, the present universe gives rise to two daughter universes: one in which you go right, and one in which you go left.
"And in each universe, there's a copy of you witnessing one or the other outcome, thinking — incorrectly — that your reality is the only reality (التفكير - غير الصحيح - أن واقعك هو الواقع الوحيد)," Greene wrote in "The Hidden Reality." ”([412]).
Earth analog (نظائر الكرة الأرضية): Earth-size planets within the habitable zones of their stars ([413]). In 2011 NASA's Jet Propulsion Laboratory (JPL) and based on observations from the Kepler Mission is that about 1.4% to 2.7% of all Sun-like stars are expected to have Earth-size planets within the habitable zones of their stars. This means there could be two billion of them in the Milky Way galaxy alone, and assuming that all galaxies have a similar number as the Milky Way, in the 200 billion galaxies in the observable universe, there may be as many as a four hundred quintillion.[40]
واسمحوا لي أن أذكّر د. نوفل بعبارته الرائعة: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([414]). لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([415]).
1.4) يجيب د. نوفل على أي سؤال يطرح عليه وحتى لو كان في غير اختصاصه ومجاله
على سبيل المثال يمكن استماع حلقة التفسير المسجلة والتي أذيعت على قناة حياة FM ليوم الأربعاء الثاني عشر من شباط للعام 2020:
يجيب د. نوفل على أسئلة في غير اختصاصه ومجاله، بل ومتناقضا مع قواعد أشار لها في نفس الحلقة؛ فيقول موجهاً الكلام لعلماء الدين خاصة الذين يتحدّثون في الإعجاز: لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن ... يتقي الله من يتكلّم، أمر فيه شبهة اتركه ... نرجوا المسألة المشكوك فيها تتجنبوها. تناقض مع قواعده هذه في نفس الحلقة عندما تكلم عن الفيروسات: كورونا وسارس. وليس لدي أي تعقيب؛ لأنّ تخصصي فيزياء فلكية ولا أعرف عن الفيروسات شيئاً. لكن مما قاله إنه قد نفى أن يكون هذا الفيروس عقوبة ربانية! ولعلّ قوله هذا يتناقض مع الآية الكريمة: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم 41). (ليذيقهم بعض الذي عملوا) أي: عقوبة بعض الذي عملوا من الذنوب (لعلهم يرجعون) عن الكفر وأعمالهم الخبيثة. (تفسير البغوي).
وفي الحديث الشريف: (يا معشرَ المهاجرين خصالٌ خمسٌ إن ابتُلِيتم بهنَّ ونزلنْ بكم أعوذُ باللهِ أن تُدرِكوهنَّ لم تظهرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلنونَ بِها إلَّا فشَا فيهم الأوجاعُ الَّتي لم تكنْ في أسلافِهم ولم ينقُصوا المكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنين وشِدَّةِ المُؤنةِ وجَورِ السُّلطانِ ولم يَمنعوا زكاةَ أموالِهم إلَّا مُنعوا القَطْرَ من السَّماءِ ولولا البهائمُ لم يُمطَروا ولا نقضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلَّا سلَّط عليهم عدوًّا من غيرِهم فيأخذَ بعضَ ما في أيديهم وما لم تحكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ إلَّا جُعِل بأسُهم بينهم) ([416])
يتناقض مع قواعد يقترحها في معرض جوابه عن سؤال حول استنكار بعض المشايخ لكروية الأرض
ولقد تناقض د. نوفل مع قواعده هذه في نفس الحلقة وفي معرض جوابه عن سؤال حول استنكار بعض المشايخ لكروية الأرض. يقول د. نوفل ([417]): "لا تتكلّم فيما لا تعلم، كلّ الكون دائري، كلّ المجرّات كواكب دائرية، لا يمكن الدورة إلا تكون دائرية ... علم الفيزياء والفلك والكون بلايين دائرية كروية ... تتكلمش في حاجة منتاش منها متأكد." ويستنكر على من يناقش أخطاء المشايخ ويقول أنتم تبعٌ لمن؟!
الرّد على د. نوفل: د. نوفل لا يميز بين الشكلين الكروي والدائري! وهو لا يميز بين دورة الكوكب حول نجمه (تقاس بالزمن) ومساره (مسار قطع ناقص؛ وليس دائري) وشكل الكوكب (بيضوي قريب جدا من الكروي)! وأقول بما أنّ الحلقة مسجلة قبل بثّها ([418])؛ والأسئلة المطروحة معروفة للمتحدث مسبقاً، فلقد كان يسعه الاتصال بأحد زملائه القدامى من أعضاء هيئة التدريس في قسم الفيزياء في الجامعة الأردنية ويسأله عن سر حقيقة كون الأجرام السماوية قريبة من الشكل الكروي. ومعذرة واسمحوا لي بالقول إنّ د. نوفل يُعِدُّ محاضراته من حيث الشكل والإخراج؛ فقط: فتجده أحياناً يستخدم كلمات إنكليزية لتكون في مكانها. ويجيد اللهجة المصرية، ويجيد اللهجة البدويّة. فما بال المادّة العلمية؟! أليس لها الحقّ بأن تُعطى وقتاً كافياً لإعدادها؛ لا سيّما إذا كان اللقاء مسجّلاً وليس مباشراً؟!
وللمزيد في الإيضاح: الكواكب تأخذ الشكل الكروي بسبب أنّ قوة الجاذبية الذاتية للكوكب تكون متماثلة المناحي الاتجاهية (isotropic)، ولا تعتمد على الاتجاه (الشكل 2).
|
|
الشكل 2: الجاذبية الذاتية لكوكب ما تسحب وتؤثر للداخل بالتساوي من جميع الجوانب. تسحب نحو المركز. وهذا يجعل الشكل العام للكوكب كرويّ ([419]). |
مثال: من أجل احتساب الجاذبية الذاتية، يوضّحُ المثال الآتي (شكل 3) جسما كتلته m يتحرّك داخل نفق افتراضي يصل بين قطبي الكرة الأرضية. افتراضي لاستحالته: (إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ) (الإسراء 37)
|
|
الشكل 3: جسم كتلته m يتحرّك داخل نفق قطري افتراضي يصل بين قطبي الكرة الأرضية |
نستخدم
الرمز
ليشير
لبعد الجسم عن
مركز الأرض،
والرمز
ليشير
للجزء
الداخلي من
كتلة الأرض؛
أي الجزء من
الأرض الواقع
ضمن الكرة
الداخلية
التي نصف
قطرها هو
. إنّ
قوة الجاذبية
المؤثرة على
الكتلة
تنجم
فقط عن الكتلة
(الواقعة
ضمن الكرة
الداخلية
التي نصف
قطرها هو
).
![]()
لو
افترضنا أنّ
الكثافة
للكرة
الأرضية
منتظمة

حيث
هي
الكتلة
الكلية للأرض،
و RE
يرمز لنصف
قطر الأرض.
إنّ قوّة
الجاذبية
الأرضية
المؤثرة على
الكتلة
m تعطى
بالعلاقة:
![]()
القوة
تكون دوماً
باتجاه مركز
الأرض، وتتناسب
مع البعد
عن مركز
الأرض،
وبالتالي فهي
قوة إرجاع
خطيّة (linear restoring force)
ينشأ عنها
حركة
اهتزازية دورية.
وفي نفس الحلقة، يقول د. نوفل: (إذا كنت متخصص في الحديث تتكلم، رواه حسنه صحّحه اتكلم)! أقول: لكنّ د. نوفل وللأسف يطعن في أحاديث صحيحي البخاري ومسلم في حين أجمعت الأمة على صحتها! يطعن فيها ومن غير ما منهجية؛ فهو ليس متخصّصاً في الحديث! يطعن فيها إمّا لأنّه لم يستطع فهمها، أو لحاجةٍ في نفسهِ هو أدرى بها!
سجود الشمس تحت العرش
في حلقة التفسير المسجلة على قناة حياة FM ليوم الإثنين العاشر من شباط للعام 2020، وعند الساعة (3:54) سئل عن فحوى الحديث الذي يشير إلى سجود الشمس تحت العرش. وبتقديري أنّ الإجابة كانت منقوصة.
الرّد عليه:
الرّد عليه: يروي البخاري في صحيحه: (قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لأبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ؟، قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فإنَّهَا تَذْهَبُ حتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فيُؤْذَنُ لَهَا ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ، فلا يُقْبَلَ منها، وتَسْتَأْذِنَ فلا يُؤْذَنَ لَهَا يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِهَا، فَذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: }وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذلكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ] {يس: 38[) ([420]).
(سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن قَوْلِهِ: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس: 38]، قالَ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ.) ([421]). (سأَلْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: }وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا] { يس: 38]، قال: مُستَقَرُّها تحتَ العَرشِ.) ([422])
(كُنْتُ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقالَ: يا أبَا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فإنَّهَا تَذْهَبُ حتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: }وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذلكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ{ ) ([423])
(كنَّا عند النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المسجدِ عند غروبِ الشَّمسِ، قال: يا أبا ذرٍّ! أتدري أين تغرُبُ الشَّمسُ، قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: فإنَّها تذهبُ حتَّى تسجُدَ تحت العرشِ عند ربِّها وتستأذنُ فيُؤذنُ لها، ويُوشِكُ أن تستأذنَ فلا يُؤذنَ لها حتَّى تستشفِعَ، فإذا طال عليها قيل لها: اطلَعي مكانَك، فذلك قولُه تعالَى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ([424])
(بينَما أنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المَسجِدِ حينَ وجَبَتِ الشَّمسُ قال: يا أبا ذَرٍّ، أين تَذهَبُ الشَّمسُ؟ قُلْتُ: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: فإنَّها تَذهَبُ حتى تَسجُدَ بينَ يَدَيْ رَبِّها عزَّ وجلَّ، ثُم تَستَأذِنُ فيُؤذَنُ لها، وكأنَّها قد قيلَ لها: ارْجِعي من حيث جِئْتِ، فتَطلُعُ من مكانِها، وذلك مُستَقَرٌّ لها، قال محمَّدٌ: ثُم قرَأَ: }وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا] { يس: 38[ ) ([425])
لقد كتبت بحثاً في موضوع هذا الحديث الشريف وفي موضوع الآية الكريمة: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذلكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ) ]يس: 38[). البحث بعنوان (تفسير قوله تعالى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، وهو موجود على الرابط في الحاشية لمن أراد التفصيل والمزيد ([426]). وأقتبس منه الجزء الآتي:
مستقر الشمس الحالي: من بعض دلالاته أن هنالك توازناً بين قوة جذب الشمس لنفسها مع قوة ضغط إشعاعها، وكذلك حركتها الحالية المستقرة، فَمُسْتَقَرُّهَا بُلُوغهَا الْمَوْضِع الَّذِي لَا تَتَجَاوَزهُ بَلْ تَرْجِع مِنْهُ: فهي ما تَزَال تَنْتَقِل فِي مَطَالِعهَا الصَّيْفِيَّة إِلَى مُدَّة لَا تَزِيد عَلَيْهَا ثُمَّ تَنْتَقِل فِي مَطَالِع الشِّتَاء إِلَى مُدَّة لَا تَزِيد عَلَيْهَا: (يُقَال لَهَا اِرْتَفِعِي اِرْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت فَتَرْجِع فَتُصْبِح طَالِعَة مِنْ مَطْلِعهَا). فهي دوما ساجدة تحت العرش شأنها شأن كل مخلوق: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) (الرعد 15). فهي في مستقرها وسجودها هذا تصْبِح طَالِعَة مِنْ مَطْلِعهَا. إنّ العرش فوق كل مخلوق: الأرضون السبع الطباق يحملن المجرات والنجوم. ومن فوقهن السماوات السبع الطباق. والجنة فوق السماوات السبع. وإن في الجنة مئة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، والفردوس أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة. ومن هذا القبيل القول أن الشمس (تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى مُسْتَقَرّهَا تَحْت الْعَرْش فَتَخِرُّ سَاجِدَة فَلَا تَزَال كَذَلِكَ).
ثم يأتي مستقر الانقلاب الكوني: (وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا اُطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت فَتَطْلُع مِنْ مَغْرِبهَا). فتصبح طالعة من مغربها، ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. والْمُرَاد بِمُسْتَقَرِّهَا هُوَ مُنْتَهَى سَيْرهَا وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة يَبْطُل سَيْرهَا وَتَسْكُن حَرَكَتهَا وَتُكَوَّر وَيَنْتَهِي هَذَا الْعَالَم إِلَى غَايَته وَهَذَا هُوَ مُسْتَقَرّهَا الزَّمَانِيّ الأُخروي يوضحهُ الحديث: (من سرّهُ أن ينظرَ إلى يومِ القيامةِ كأنّه رأَيَ العينِ فليقرأ إِذَا الشّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ). والتَّكْوِير جَمْع الشَّيْء بَعْضه عَلَى بَعْض وَمِنْهُ تَكْوِير الْعِمَامَة وَجَمْع الثِّيَاب بَعْضهَا إِلَى بَعْض فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى " كُوِّرَتْ " جُمِعَ بَعْضهَا إِلَى بَعْض ثُمَّ لُفَّتْ فَرُمِيَ بِهَا وَإِذَا فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ ذَهَبَ ضَوْءُهَا. عندما تصبح الشمس في طور العملاق الأحمر تحصل تفاعلات الاندماج النووي في قشرة خارج قلب الشمس والمكون من الهيليوم. وبالتالي لا يوجد ضغط إشعاعي ليحول دون انكماش هذا القلب على نفسه. فتتكور الشمس على نفسها بفعل قوة جاذبيتها الذاتية لتصبح نجم قزم أبيض (White dwarf star) تتراص فيه الإلكترونات. فيعادل ضغط الإلكترونات (حسب مبدأ الاستبعاد للفيزيائي باولي) قوة جذب الشمس على نفسها (وهذا مستقر). وهذا المستقر هو تكور الشمس على نفسها: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (التكوير 1)، فتضغط لتصبح كثافتها كبيرة (109 kg/m3 ).
يقول أنّ التقويم الشمسي مضبوط أكثر من التقويم الميلادي!
في نفس الحلقة التي أشار فيها إلى سجود الشمس تحت العرش ([427])، وفي معرض حديثه عن التقويمين الهجري والميلادي يقول أنّ التقويم الشمسي مضبوط أكثر من التقويم الميلادي!
الرّد عليه: نجد البيان في الآية الكريمة: (ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍۢ) (الرحمن 5). أقول إنّ فرية أنّ التقويم الشمسي مضبوط أكثر من الميلادي مفادها أنّ الله سبحانه وتعالى يحكم حركة الأرض أكثر من إحكامه لحركة القمر! تعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً.
ويقول سبحانه: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) (الأنعام 96). وعليه، فإنّ كلا السنتين منضبطة تماماً (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا)؛ ومحسوبة لأقرب ثانية ([428])؛ هذا علماً أنّ طول السنة الشمسيّة يتغيّر قليلا جدّاً جدّاً مع مرور الزمن. ويقول تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (الكهف آية 25). "وَازْدَادُوا تِسْعًا" أَيْ تِسْع سِنِينَ فَالثَّلَاثمِائَةِ الشَّمْسِيَّة: ثَلَاثمِائَةِ وَتِسْع قَمَرِيَّة (تفسير الجلالين)، الأشهر القمرية تدور عبر جميع فصول السنة الميلادية على مدار دورة 33 سنة قمرية. ويقول تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس 5).
ويمكن الرّد على د. نوفل من كلامه وتناقضه؛ فهو يقول في محاضرة أخرى ([429]): "... الأرض منتظمة بقوانين الله عزّ وجلّ، الكون منضبط مش مثل الساعة، الساعة الكونية هي أدق من ساعتك، ساعتك بتقدم بتأخر، الساعة الكونية من أربعة ونص بليون سنة الأرض نفس الدورة. من أربعة بليون سنة القمر نفس الدورة، بالثانية ... قالوا والله متى الهلال بتولّد (مع فرك عينيه، وإظهار تعبير غريب على وجهه)؟! تقطّر وروح شوف."!
الرّد على د. نوفل: إنّ متوسط المسافة بين الأرض والقمر في تزايد ([430]).
من عام 1969 إلى عام 1972، ترك رواد فضاء مركبة أبولو عواكس ليزر على سطح القمر، مما مكّن علماء الفلك من قياس بعد القمر عن الأرض بدقة كبيرة. على الرغم من أن بعد القمر عن الأرض يختلف كل شهر بسبب التغاير المركزي لمداره، إلا أن متوسط المسافة بين القمر والأرض يزداد بمعدل 3.8 سم (1.5 بوصة) سنويًا.
يعتبر احتكاك المد والجزر مع محيطات الأرض مسؤولاً عن هذه الزيادة على المدى الطويل في بعد القمر عن الأرض. وهذا يتسبب في دوران القمر في مدار أكثر بعدًا.
هذا وإنّ الساعة الكونية لتختلف عن تصور د. نوفل، فهي تشير إلى أمر مختلف، ولا يعرفه د. نوفل.
الوقت الكوني (Cosmic time, or cosmological time) هو تنسيق الوقت المستخدم بشكل شائع في نماذج الانفجار الكبير لعلم فيزياء الكون [1][2][3]، مثل هذا التنسيق الزمني يمكن تعريفه لكون متجانس ومتوسع بحيث يكون للكون نفس الكثافة في كل مكان وفي كل لحظة من الزمن (حقيقة أن هذا ممكن يعني أن الكون بحكم تعريفه متجانس). يجب أن تتحرك الساعات التي تقيس الزمن الكوني على طول تدفق هابل. الوقت الكوني t هو مقياس للوقت بواسطة ساعة مادية ذات سرعة ذاتية (peculiar velocity) صفر؛ أي سرعتها ناجمة فقط عن سرعة التوسع الكوني (تدفق هابل). في حالة عدم وجود زيادة أو نقص في كثافة المادة (لمنع تمدد الوقت بسبب تأثير السرعات الكبيرة النسبية (relativistic) أو التأثير الناتج عن توسيع الكون). ([431]).
إنّ كلام د. نوفل في رؤية الهلال ليس له قيمة علمية! ومن أراد الرّد الوافر يجده في كتاب (عمري، معاني الرؤية في القرآن ومعاني رؤية الهلال). وما أجمل الرّد على د. نوفل من كلامه وعباراته؛ إذْ يقول: " لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن. لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ".
الآية الكريمة: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)
يقول د. نوفل: "والضحى، أقسم هنا بالضحى مش والليل مش والفجر، لأ إنّما الضحى يعني لسّا ما احترش النهار أو بقيش ظلمة، الضحى خلص أشرقت الشمس وسطعت، انقشعت الظلمة ... " ([432])
الرّد على د. نوفل أستوحيه من بحثي (عمري: القَسَمُ الرّبّانيّ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)).
ضحَّى بالشيء تضحية: بذله تبرعا؛ ضحَّى بنفسه لنصرة الحق. تُضحِّي الشمس بمكونها من الهيدروجين الذي يندمج إلى الهليوم؛ فهي تُقدِّم حياتَها وذاتها من أجل إنارة الكرة الأرضيّة وإمدادها بالطاقة. وضَحَّت الشمس بالهيدروجين: ترفَّقَت في استهلاكه رُوَيْدًا إلى الهليوم ولم تَعْجَلْ.
ضحيت الشمسُ: اِبْيَضَّت بعد أن ارتفعت حرارتها بفعل تفاعل اندماج الهيدروجين إلى الهليوم. ضَحَت الشمسُ: بَدَت وظهَرت بعد أن ارتفعت حرارتها بفعل تفاعل الاندماج هذا.
ضحِيت الشمسُ: برزت وظهرت مكشوفة ومنيرة في مركز المجموعة الشمسيّة؛ وذلك بعد أن أصبحت درجة حرارتها عالية؛ فإنّ ضحى الشمس يدلُّ على مطلق التحول إلى حالة من ارتفاع الحرارة والضيائيّة مع صيرورة الشمس من ضمن نجوم التسلسل الرئيس (Main-Sequence)؛ والتي يحدث داخلها اندماج نوى الهيدروجين إلى الهليوم.
وجاء في تفسير الطبري: ... وعَنْ اِبْن عَبَّاس، فِي قَوْله: }وَالْعَصْر { قَالَ: الْعَصْر: سَاعَة مِنْ سَاعَات النَّهَار... وعَنْ الْحَسَن} وَالْعَصْر { قَالَ: هُوَ الْعَشِيّ. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ: أَنْ يُقَال: إِنَّ رَبّنَا أَقْسَمَ بِالْعَصْرِ} وَالْعَصْر { اِسْم لِلدَّهْرِ، وَهُوَ الْعَشِيّ وَاللَّيْل وَالنَّهَار، وَلَمْ يُخَصِّص مِمَّا شَمِلَهُ هَذَا الِاسْم مَعْنًى دُون مَعْنًى، فَكُلّ مَا لَزِمَهُ هَذَا الِاسْم، فَدَاخِل فِيمَا أَقْسَمَ بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.).
ولعلّ من مدلولات الضُّحَى أقدم ضوء في الكون (afterglow light pattern) ([433]):
في البداية خلق اللهُ بناءَ السماء ورفع سمكها (توسّعت في لحظة) (Inflation): (ءأنتم أشدُّ خلقاً أم السماء بناها * رفع سمكها فسوّاها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها) [النّازعات 27- 29]. (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) كقوله تعالى (وأغطش ليلها): إنّ التّفسير الفلكي لظلمة اللّيل (Dark ages) (وأغطش ليلها) هو التّوسّع الّذي ينتج عنه برودة الكون ومجانبته لحالة الاتزان الحراري الثيرموديناميكي. ومن بعد أخرج الله ضحى السماء بنور النجوم (first stars).
(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) (الشَّمْس 1). قَالَ مُجَاهِد " وَالشَّمْس وَضُحَاهَا " أَيْ وَضَوْئِهَا وَقَالَ قَتَادَة " وَضُحَاهَا " النَّهَار كُلّه. قَالَ اِبْن جَرِير وَالصَّوَاب أَنْ يُقَال أَقْسَمَ اللَّه بِالشَّمْسِ وَنَهَارهَا لِأَنَّ ضَوْء الشَّمْس الظَّاهِرَة هُوَ النَّهَار.
يقول الإمام فخر الدين الرازي (التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل): (وَالشَّمْس وَضُحَاهَا) " ذكر المفسرون في ضحاها ثلاثة أقوال قال مجاهد والكلبي: ضوؤها، وقال قتادة: هو النهار كله، وهو اختيار الفراء وابن قتيبة، وقال مقاتل: هو حر الشمس.
وفي تفسير الطبري: عن قتادة (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) قال: هذا النهار، وقال آخرون: معنى ذلك: وضوئها..... وعن مجاهد، قال: ضوئها (الطبري).
وفي النهاية أصبحت درجة الحرارة مرتفعة في دخيلة الشمس؛ ممّا يسمح بحدوث تفاعلات اندماج أنوية الهيدروجين إلى هليوم؛ لتصبح الشمس مضيئة: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا).
الآيتان (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا): هما إشارة إلى المرحلة من مراحل تطور الشمس والتي عندها أصبحت درجة حرارة دخيلة الشمس مرتفعة؛ ممّا يديم حدوث تفاعلات اندماج أنوية الهيدروجين إلى هليوم؛ كما هي عليه الآن (main-sequence star)، وهذا التفاعل يديم ضيائية الشمس. ولا يجوز بحال أن نزعم أنّ الضحى هو فقط وقت صلاة الضحى. ويشبهه القسم بالعصر كما سبق بيان أنّ: "الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ: أَنْ يُقَال: إِنَّ رَبّنَا أَقْسَمَ بِالْعَصْرِ (وَالْعَصْر) اِسْم لِلدَّهْرِ، وَهُوَ الْعَشِيّ وَاللَّيْل وَالنَّهَار، وَلَمْ يُخَصِّص مِمَّا شَمِلَهُ هَذَا الِاسْم مَعْنًى دُون مَعْنًى، فَكُلّ مَا لَزِمَهُ هَذَا الِاسْم، فَدَاخِل فِيمَا أَقْسَمَ بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ (الطبري). والْعَصْر: الزَّمَان الَّذِي يَقَع فِيهِ حَرَكَات بَنِي آدَم مِنْ خَيْر وَشَرّ، وهُوَ الْمَشْهُور" (تفسير ابن كثير).
الضُّحَى هو ضَوْءُ الشَّمْسِ وحرارتُها. وتُضحِّى الشمس بمكونها من الهيدروجين الذي يندمج إلى الهليوم؛ فهي تُقدِّم حياتَها وتحرق ذاتها من أجل إنارة الكرة الأرضيّة وإمدادها بالطاقة. وضَحَّت الشمس عن الهيدروجين: ترفَّقَت في استهلاكه رُوَيْدًا إلى الهليوم ولم تَعْجَلْ. وهذا ما يحدث في الشمس خلافا للنجوم ذات الكتل الكبيرة كالنوع الطيفي O مثلاً؛ والتي تستنفذ وقودها من الهيدروجين في زمن قصير نسبيّاً؛ لتبعث معدلات هائلة من الطاقة. وضحيت الشمسُ: اِبْيَضَّت بعد أن ارتفعت حرارتها بفعل تفاعل اندماج الهيدروجين إلى الهليوم. وبرزت وظهرت مكشوفة ومنيرة في مركز المجموعة الشمسيّة؛ وذلك بعد أن أصبحت درجة حرارتها عالية.
أضحى من أخوات كان، تدلُّ في أصل معناها على الدخول في وقت الضّحى، ثم صارت تدلّ على مطلق التوقيت أو التحويل. وقياساً فإنّ ضحى الشمس يدلُّ على مطلق التحول إلى حالة من ارتفاع الحرارة والضيائيّة مع صيرورة الشمس من ضمن نجوم التسلسل الرئيس؛ والتي يحدث داخلها اندماج نوى الهيدروجين إلى الهليوم.
وعليه فإنّ القسم: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) لهو وكما أشار الطبري في تفسيره: معنى ذلك: وضوئها ..... وعن مجاهد، قال: ضوئها (الطبري). حيث أنّ الشمس في مراحلها الأولى لم تكن درجة حرارتها مرتفعة؛ ولم تكن مضيئة. ومع مزيد من التقلّص الجاذبي أصبحت درجة الحرارة مرتفعة في دخيلة الشمس؛ ممّا سمح ويسمح بحدوث تفاعلات اندماج أنوية الهيدروجين إلى هليوم؛ فأصبحت الشمس مضيئة: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا).
(وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا): إخراج ضحى السماء يكون بعد برودة الكون ومجانبته لحالة الاتزان الحراري ودخوله مرحلة ظلمة: (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا). وبعد ذلك تجتمع ذرات الهيدروجين والقليل من الهليوم الموجودة في الكون في مراكز جذب مشكّلة نجوما أوّلية ذات درجات حرارة متزايدة، وفي النهاية تسمح درجة الحرارة المرتفعة في دخيلة هذه النجوم بحدوث اندماج أنوية الهيدروجين إلى هليوم؛ لتصبح نجوما مضيئة: (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) .
كُلّ لحظة زمنية يقترن معها شروق للشمس في مناطق معيّنة على الكرة الأرضيّة. وفي كل لحظة يوجد غروب للشمس في مناطق أخرى على الكرة الأرضيّة: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) (المعارج 40). وفي كل لحظة تكون الشمس عمودية في كبد السماء على أجزاء بعينها من الكرة الأرضيّة. وفي كلّ لحظة توجد منطقة ما على سطح الكرة الأرضيّة يكون عندها طول ظل جسم ما يساوي ارتفاعه فوق سطح الأرض (والذي هو وقت دخول صلاة العصر). وفي كل لحظة يكتمل غياب الشفق الأحمر عن منطقة ما على سطح الأرض (والذي هو وقت دخول صلاة العشاء). وفي كل لحظة يبزغ فجر يوم جديد على منطقة ما على سطح الأرض.
وعليه ففي كل لحظة يدخل وقت جميع الصلوات؛ لكن على أماكن مختلفة ومتباعدة من سطح الكرة الأرضيّة. وفي كل لحظة يوجد وقت الضحى الشمسي على مناطق ما من الكرة الأرضيّة. وعليه فإنّ الشمس في ضحى على مدار 24 ساعة. ولا يجوز قصر معنى ضحى الشمس على ساعات محدودة من اليوم. ولا بدّ من بيان هذا البعد لمدلول ضحى الشمس (ضوء الشمس وحرارتها): فهي الفترة من عمر الشمس التي تكون حرارة الشمس فيها مرتفعة بسبب تفاعل الإندماج لأنوية الهيدروجين معطية أنوية الهليوم. وإنّ هذا التفاعل الذي يستهلك كتلة الشمس تدريجيا ويحولها إلى طاقة ليتمّ (حاليّاً) بمعدّل ثابت إلى حدّ كبير ([434]).
ويشمل الثابت الشمسي جميع أنواع الإشعاع الشمسي، وليس فقط الضوء المرئي. تم قياس قيمته عبر القمر الصناعي بأنها1361 وات للمتر المربع الواحد وذلك في حال أقل نشاط شمسي، والقيمة أكبر بحوالي 0.1% (أي ما يقرب من1362 واط / متر مربع) حالة أقصى نشاط شمسي. الثابت الشمسي ليس ثابتاً بالمعنى الفيزيائي؛ فهو متغيّر القيمة. ولقد ثبت أن قيمته اختلفت خلال آخر 400 سنة ماضية بأقل من 0.2%.
مفهوم التوازن الهيدروستاتيكي: عندما يجري الاندماج النووي في قلب النجم، يتولد نتيجة له ضغط (إشعاعي وحراري) يحاول دفع أجزاء النجم إلى الخارج، فيتعادل بالضبط مع تأثير الجاذبية للداخل.
المرحلة الأولى بعد التسلسل الرئيس هي مرحلة اندماج الهيدروجين في القشرة (لا في قلب النجم). خلال هذه المرحلة، يكون معدل الاندماج النووي أعلى بكثير مما كان عليه خلال مرحلة التسلسل الرئيس، لذا من الواضح أنّ النجم لا يستطيع البقاء طويلاً في هذه المرحلة. خلال هذه التغيرات الداخلية التي تحدث في النجوم، فإنّ طبقاتها الخارجية تشهد أيضا تغيرات. الطاقة التي يتم توليدها في القلب ستكون أكبر من معدلاتها خلال مرحلة اندماج الهيدروجين في القلب (وذلك في مرحلة التسلسل الرئيس)، وبالتالي فإن الطبقات الخارجية للنجم ستتعرّض لضغط أكبر. يتسبب الضغط المتزايد هذا في توسيع الطبقات الخارجية للنجم وانتفاخها بشكل كبير. كأثر جانبي لهذا التوسع، تبرد الطبقات الخارجية للنجم لأنها أضحت بعيدة عن مصدر الطاقة (قشرة الهيدروجين المحيطة بالقلب). التغيرات الملحوظة في الطبقات الخارجية للنجم تحدث على مرحلتين: الأولى، تُظهر النجم يبرد ببطء، ويخضع لزيادة متواضعة في لمعانه. خلال هذه المرحلة، يتغير موقع النجم في الرسم البياني لمخطط هيرتز راسل –Hertzsprung-Russell (HR) Diagram -؛ فيتحرّك النجم أفقيّاً وإلى يمين موقعه عندما كان ضمن نجوم التسلسل الرئيس - أنظر الشكل 4 مراحل تطور الشمس -. ويشار عادة للنجوم في هذه المرحلة على أنها بداية التحول إلى مرحلة العملاق (subgiants). المرحلة التالية يتضخم فيها النجم بقدر 100 ضعف حجمه الأصلي، أو حتى لربّما أكثر من ذلك، ممّا يؤدي إلى زيادة كبيرة في لمعان النجم مع انخفاض طفيف في درجة حرارته، وبالتالي يتغير موقع النجم في مخطط الرسم البياني HR؛ فيتحرّك النجم تقريباً بشكل عمودي. ويشار عادة للنجوم في هذه المنطقة من المخطط HR بالعمالقة الحمراء.
|
|
|
الشكل 4: يوضّحُ الشكلُ مراحلَ تطورِ الشمس |
الشمس في هذه المرحلة تصبح ضيائيتها كبيرة جدّاً، تصبح ضيائيتها 5200 مرة ضعف ضيائيتها الحالية: (تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ على قيدِ ميلٍ ويُزادُ في حرِّها كذا وكذا تَغلي منها الهامُ). ويصبح نصف قطرها مساوياً بعدها عن الأرض. أي أنّ سطحها يلمس الأرض: (تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ على قيدِ ميلٍ).
(تُعطَى الشمسُ يومَ القيامَةِ حرَّ عشرِ سنينَ ثم تُدنَى من جَماجِمِ الناسِ) ([435]) ([436]). وفي المرحلة الأخيرة، تصبح الشمس قزماً أبيض: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (التكوير 1).
البحر المسجور، والماء الثقيل
يُسألُ د. نوفل عن البحر المسجور، فيقول: "بوجود الماء الثقيل H2O2 داخل الأرض! ويقول أنّ البحار يوم القيامة ستصبح بمثابة قنبلة هيدروجينية"! ([437])
الرّد على د. نوفل: “الماء الثقيل تركيبه D2O وليس كما أشار نوفل! ويُسمى أيضًا أكسيد الديوتريوم، وهو ماء يحتوي على نظير ثقيل من الهيدروجين يسمى ديوتريوم رمزه الكيميائي D بدلاً من الهيدروجين العادي. وتبلغ كتلة ذرة الديوتريوم حوالي ضعف كتلة ذرة الهيدروجين العادي. والماء الثقيل نافع في بعض أنواع المفاعلات النووية التي تسمى مفاعلات الماء الثقيل، حيث يعمل وسيطا للتحكم في طاقة النيوترونات المنطلقة من التفاعل المتسلسل وهو يعمل أيضًا مبردًا حيث يزيل الحرارة الناتجة عن التفاعلات النووية. وهذا يمنع ارتفاع الحرارة في قلب المفاعل، ويحمل الحرارة كي يمكن استخدامها في إنتاج البخار والطاقة" ([438]). أقول: بما أنّ الحلقة مسجّلة؛ فلقد كان يسع د. نوفل الاتصال بأحد زملائه المختصّين ويسأله عن الماء الثقيل.!
إنّ الشمس ستكوّر يوم القيامة فتصبح الشمسُ نجمَ قزمٍ أبيض (white dwarf star)، وتتوقف فيها تفاعلات الاندماج النووي، يقول سبحانه: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (التكوير 1)، وكذا الحال بالنسبة لسائر النجوم: (وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ) (التكوير 2). تتوقف التفاعلات النووية داخل النُّجُوم فتصبح النُّجُومُ مضغوطة (Compact Stars). وللمزيد، أنظر البحثين على الروابط المبينة في الحاشية ([439]). نعم تتوقف التفاعلات النووية داخل النُّجُوم، فهل يعقل أن تحدث تفاعلات اندماج نووي في مياه الكرة الأرضية؟! لا بل إنّ الكرة الأرضية ستفقد مياه المحيطات عندما تصبح الشمس في طور العملاق الأحمر؛ والذي يسبق طور القزم الأبيض .
من المتوقع أن تصبح الشمس عملاق أحمر. [7] يُقدّر أن الشمس ستصبح كبيرة الحجم بما يكفي لتبتلع المدارات الحالية للكواكب الداخلية للنظام الشمسي، وصولاً حتى الأرض، [11][12][13] وسيتوسع نصف قطر الشمس إلى 200 مرة على الأقل من قيمته الحالية. [14] ستفقد الشمس جزءًا كبيرًا من كتلتها في عملية التحول إلى عملاق أحمر، وهناك احتمال أن يهرب المريخ وجميع الكواكب الخارجية مع اتساع مداراتها. [15] ويقول سبحانه: (وإذا الكواكبُ انتثرت). عطارد وعلى الأرجح كوكب الزهرة يكونان قد ابتلعتهما الطبقة الخارجية للشمس في هذه المرحلة من الزمن. مصير الأرض أقل وضوحاً. يمكن للأرض من الناحية الفنية أن تحقق توسيعًا لمدارها ويمكن أن تحافظ على سرعة زاوية عالية بما يكفي لمنعها من الانغماس داخل الشمس. للقيام بذلك، يجب زيادة مدارها إلى ما بين 1.3 AU (190.000.000 كم) و 1.7 AU (250.000.000 كم). [16] ومع ذلك، تُظهر نتائج الدراسات التي تم الإعلان عنها في عام 2008 أنه بسبب تفاعل المد والجزر بين الشمس والأرض، فإن الأرض ستتراجع فعليًا إلى مدار منخفض، وتُبتلعُ وتندمج داخل الشمس قبل أن تصل الشمس إلى حجمها الأكبر، على الرغم من فقدان الشمس تقريبًا 38 بالمئة من كتلتها. [17] قبل أن يحدث هذا، سيكون الغلاف الحيوي للأرض قد دُمّر منذ زمنٍ بعيد بسبب الزيادة المطّردة في سطوع الشمس مع انخفاض مخزون الهيدروجين وتقلص قلب الشمس، وحتى قبل الانتقال إلى طور العملاق الأحمر. بعد ما يزيد قليلاً عن مليار سنة، ستؤدي مدخلات الطاقة الشمسية الإضافية إلى تبخر محيطات الأرض وفقدان الهيدروجين من الماء بشكل دائم إلى الفضاء، مع فقدان كامل للمياه بحدود 3 مليارات سنة. [18] سيصبح الغلاف الجوي للأرض والغلاف الصخري (المكون من القشرة وجزء من الوشاح العلوي) مثل كوكب الزهرة. على مدى مليار سنة أخرى، سوف يضيع معظم الغلاف الجوي في الفضاء أيضًا؛ [15] في النهاية ستترك الأرض كوكبًا ميتًا ومصابًا بالجفاف مع سطح من الصخور المنصهرة.
سؤال: لماذا لايختصر د. نوفل حديثه في معرض التفسير على جوانب المعرفة التي لرُبّما يجيدها؟! أليس هو القائل: " لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمئة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن. لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن"
القنبلة الهيدوجينية التي يتوهّمها د. نوفل تتطلب درجة حرارة لا تقل عن 14 مليون كلفن! ([440]). وإنّ كمية الهيدوجين قليلة ضمن نسب مكونات الكرة الأرضيّة ([441])، لا بل إنّ الكرة الأرضية ستفقد مياه المحيطات عندما تصبح الشمس في طور العملاق الأحمر. وأمّا فيما يخصّ التفسير العلمي للآية: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)، فلقد كتبت بحثاً في موضوع الآية: يستعرض البحث المعاني اللغوية العديدة والمتباينة لكلمة سَجَرَ. ثم يناقش في ضوئها جميع أقوال المفسرين المتباينة والمحتملة لقوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)؛ محاولاً الربط مع التفسير العلمي لما قد يحدث للأرض والبحار في نهاية الحياة الدنيا. البحث وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ موجود على الرابط في الحاشية ([442]).
أمواج الصوت الصادرة عن الجمادات
ينكر د. نوفل سماع أمواج الصوت الصادرة عن الجمادات!
الآية: (وإن من شيءٍ إلَّايُسبِّحُ بحمدِه وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: 44)
يقول د. نوفل: " (وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) أوراق الشجر كل ورقة بتسبح، كل ذرة بالورقة بتسبح، لو كنت بتسمع مش حتنام، واحد بحكي مع حاله، إذا " وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " لا تسمعون، بلغتهم لا تفقهون يعني لو ترجمت مش حتفهم. لا تفقهون إذاً لا تسمع ولا تفهم لغتهم لأنها لغة صامتة." ([443])
الرّد على د. نوفل: لقد جمعتُ مادّة ورتّبتها من أجل تفسير قوله تعالى: (وإن من شيءٍ إلَّايُسبِّحُ بحمدِه). ومن أراد التفاصيل الفيزيائية فيمكنه مراجعة المادة على الرابط في الحاشية ([444]).
وأختصر هنا، لأقول أنّ هذه الأمواج الصوتية الصادرة عن الأشياء يمكننا سماع بعضها، ويمكن رصد أو تسجيل جميع أشكالها. ولقد أخبرنا سبحانه أنّ كلّ شيء في الوجود يسبّح، وأخبرنا أننا لا نفقه تسبيح الأشياء، ولم يخبرنا سبحانه أنه يتعذر سماع تسبيح هذه الأشياء كما يدّعي د. نوفل، فهنالك فرق بين أن نسمع الصوت أو الكلام وبين أن نعيه أو نفقهه. الآية تقرّر أننا لا نفقه تسبيح الأشياء، ولم تذكر عدم سماع أصوات تسبيحها: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: 44).
وللتقريب، فقد نسمع محطات تلفزة تبث بلغات مختلفة، وكلٌّ يفهم ويفقه بقدر إلمامه باللغة المتحدّث بها، وبقدر إلمامه بالمحتوى العلمي للمادة المطروحة، وبقدر انتباهه ... نعم الكل قد يسمع، لكن ليس الكل يفقه ويعي. إذاً نستطيع أن نسمع بعض أمواج الصوت الصادرة عن المادة بجميع حالات المادة (الصلبة، السائلة، الغازية، والبلازما)، ونستطيع أن نفسّر فيزيائياً المسبب لهذه الأمواج، لكن المتعذر هو أن نترجم أمواج الصوت هذه إلى لغة بشرية؛ اللغة العربية مثلاً.
إذاً عبارة د. نوفل ("وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" لا تسمعون، بلغتهم لا تفقهون، يعني لو ترجمت مش حتفهم. لا تفقهون إذاً لا تَسْمع ولا تفهم لغتَهم لأنها لغة صامتة) عبارة خاطئة فيزيائيا وبدهياً.
في اللغة العربية هنالك أسماء لأصوات الإنسان والحيوانات والحشرات والجمادات ويعرف د. نوفل بعض أسماء هذه الأصوات، فأستغرب كيف يدّعي أنّها لا تُسمع! بل وكيف يساوي بين كلمتي: تسمعون وتفقهون؟!، والقرآن قد فرّق بينهما.
"لا يفقهون" لا تعني "لا يسمعون"، ودليله من القرآن الآيات التالية:
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف 179)
(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (التوبة: 81)
(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) (الكهف: 93 - 94)
(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (الفتح: 15)
(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) (المنافقون: 7)
ويقول الله تعالى مبيّناً اعتراف وندم الكافرين يوم القيامة: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك: 10). يقول السّعدي في تفسيره: " (وَقَالُوا ) معترفين بعدم أهليتهم للهدى والرشاد: ( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) فنفوا عن أنفسهم طرق الهدى، وهي السمع لما أنزل الله، وجاءت به الرسل، والعقل الذي ينفع صاحبه، ويوقفه على حقائق الأشياء، وإيثار الخير، والانزجار عن كل ما عاقبته ذميمة، فلا سمع ]لهم[ ولا عقل، وهذا بخلاف أهل اليقين والعرفان، وأرباب الصدق والإيمان، فإنهم أيدوا إيمانهم بالأدلة السمعية، فسمعوا ما جاء من عند الله، وجاء به رسول الله، علمًا ومعرفة وعملًا."
وقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36). يقول الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: لا تقل للناس وفيهم ما لا علم لك به، فترميهم بالباطل، وتشهد عليهم بغير الحقّ، فذلك هو القفو. ". وأقول: أنّ هذا التفسير يُذكّرُني بتقوّلات د. نوفل على السّنة، وعلى التفاسير.
2) ملاحظات في العقيدة
تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ...)
يقول تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور: 35).
2.1): يقول د. نوفل وبالعامّيّة: "كل ما سوى الله شيء أنا بالنسبة لي لا أقول ألله شيء". ثم يتابع ليقول: "عند غيري ما فيه مشكلة ما فيه مشكلة! يعني ما عنديش مشكلة إنه أمشيها لغيري لكن أنا ما بقولهاش!" ([445]).
الرّد عليه: كيف يرتضي د. نوفل لغيره ما لا يرتضيه لنفسه؟! ويمكن مراجعة المسألة على إسلام ويب (هل يطلق الشيء على الله تعالى؟ رقم الفتوى: 161651، يوم تاريخ النشر: الأحد 23 شعبان 1432 هـ - 24-7-2011 م) على الرابط ([446]).
وأنقل هنا بعضاً من الفتوى: قال ابن حجر في الفتح: ( ... والشيء يساوي الموجود لغة وعرفا، وأما قولهم فلان ليس بشيء فهو على طريق المبالغة في الذم فلذلك وصفه بصفة المعدوم، وأشار ابن بطال إلى أن البخاري انتزع هذه الترجمة من كلام عبد العزيز بن يحيى المكي فإنه قال في كتاب الحيدة سمى الله تعالى نفسه شيئا إثباتا لوجوده ونفيا للعدم عنه وكذا أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه ولم يجعل لفظ شيء من أسمائه، بل دل على نفسه أنه شيء تكذيبا للدهرية ومنكري الإلهية من الأمم وسبق في علمه أنه سيكون من يلحد في أسمائه ويلبس على خلقه ويدخل كلامه في الأشياء المخلوقة فقال ليس كمثله شيء فأخرج نفسه وكلامه من الأشياء المخلوقة ثم وصف كلامه بما وصف به نفسه فقال وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ـ وقال تعالى: أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ـ فدل على كلامه بما دل على نفسه ليعلم أن كلامه صفة من صفات ذاته فكل صفة تسمى شيئاً بمعنى أنها موجودة، وحكى ابن بطال أيضا أن في هذه الآيات والآثار ردا على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله شيء كما صرح به عبد الله الناشئ المتكلم وغيره، وردا على من زعم أن المعدوم شيء وقد أطبق العقلاء على أن لفظ شيء يقتضي إثبات موجود وعلى أن لفظ لا شيء يقتضي نفي موجود إلا ما تقدم من إطلاقهم ليس بشيء في الذم فإنه بطريق المجاز). وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: ما يطلق على الله في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيَّاً، كالقديم، والشيء، والموجود. انتهى. ويقول القرطبي: "ولفظ شيء هنا واقع موقع اسم الله تعالى؛ المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم؛ فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة. ". ويقول الطبري: "ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة: " الله "، الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في ]شهادة[ غيره من خلقه من السهو والخطأ، والغلط والكذب. ثم قل لهم: إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة، شهيدٌ بيني وبينكم، بالمحقِّ منا من المبطل، والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه, وقد رضينا به حكمًا بيننا.".
ثم يستشهد د. نوفل بالآية الكريمة: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ) (الأحزاب: 46). فيقول: "الزيت هو القرآن! المشكاة هي العقل يجمع الأدلة، واا واحدة واحدة بتيجي إن شاء الله." (الزمن: 17: 50-18: 18 ). وأتساءل ما إذا كان يجوز شرعا أن نفسر الآية بالرأي وارتجالاً ولربما من غير إعداد مسبق: " واا واحدة واحدة بتيجي إن شاء الله!"؟. بل ويقول د. نوفل أنّ الآية لا تتكلم عن صفات الله ([447]). ثم يسترسل ليقول ما مهمة المفسر؟ ما مهمة المفسر؟ ما مهمة العقل؟ ثم يسترسل هو والمحاور ليتفقا معاً على القول: "المشاكل تأتي من هذا"؛ مع إشارة كل منهما إلى رأسه (الزمن: 28:50)!
الرد عليه:
تفسير ابن كثير: وقال السدي في قوله: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): فبنوره أضاءت السماوات والأرض. ... وفي الصحيح، عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه سلم إذا قام من الليل يقول: " اللهم لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهِنَّ.
الأحاديث: - (أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يدعو اللَّهمَّ لَك الحمدُ أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهِنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ قيِّمُ السَّمَاواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ) ([448]).
- (كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ إذا قامَ منَ اللَّيلِ يتَهجَّدُ، قالَ: اللَّهمَّ لَكَ الحمدُ أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ قيَّامُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ ملِكُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ حقٌّ ووعدُكَ حقٌّ والجنَّةُ حقٌّ والنَّارُ حقٌّ والسَّاعةُ حقٌّ والنَّبيُّونَ حقٌّ ومحمَّدٌ حقٌّ لَكَ أسلمتُ وعليْكَ توَكَّلتُ وبِكَ آمنتُ ثمَّ ذَكرَ قتيبةُ كلمةً معناها وبِكَ خاصَمتُ وإليْكَ حاكمتُ اغفِر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ وما أعلَنتُ أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤخِّرُ لا إلَهَ إلَّا أنتَ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ) ([449]) .
"النور صفة من صفات الله، كما يليق بجلال الله وعظمته، لكنه ورد مضافا إلى الله: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ولم يرد مستقلا، فلا يقال: إن من أسماء الله النور بإطلاق؛ لأنه لم يرد ". ([450]).
ويقول العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله ([451]): "من أسمائه جلّ جلاله ومن أوصافه (النُورُ). الذي هو وصفه العظيم، فإنه ذو الجلال والإكرام وذو البهاء والسبحات الذي لو كشف الحجاب عن وجهه الكريم لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهو الذي استنارت به العوالم كلها، فبنور وجهه أشرقت الظلمات، واستنار به العرش والكرسي والسبع الطباق وجميع الأكوان.
والنور نوعان:
1- حسيٌّ كهذه العوالم التي لم يحصل لها نور إلا من نوره؛ فهو الخالق سبحانه..
2- ونور معنوي يحصل في القلوب والأرواح بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من كتاب الله وسنة نبيّه. فعلم الكتاب والسُنّة والعمل بهما ينير القلوب والأسماع والأبصار، ويكون نورا للعبد في الدنيا والآخرة (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) لِمَا ذكر أنّه نور السماوات والأرض وسمّى اللهُ كتابه نوراً ورسوله نوراً و وحيه نوراً."
الأسنى في أسماء الله الحسنى ([452]):
يقول المؤلف رحمه الله: ومنها النور والمبين/ جل جلاله وتقدست أسماؤه.
فأما النور فقوله تعالى: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وفي الصحيح (ولك الحمد، أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهِنَّ)... ويجوز إجراؤه على العبد ومنه قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة: 15) يريد نبيه صلى الله عليه وسلم سماه نوراً وقال: (وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)، و وصف كتابه بأنه نور فقال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) (النساء: 174)، (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52). إذاً النور هو من أسماء الله وصفاته؛ وهو (أي النور) من صفات القرآن الكريم. وعليه فلا يستقيم تفسير د. نوفل: "الزيت هو القرآن!”.
2.2) يزعم د. نوفل أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج، ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم
يزعم د. نوفل أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج، ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم، فيقول: يأجوج ومأجوج محبوسين تحت الطاولة! أين هم شيل الطاولة خلينا نشوف حجي (نظرات في سورة الكهف - الحلقة 29)
الآيتان الكريمتان: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) (الأنبياء: 96، 97)
يقول ابن كثير: وقال: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) [الكهف: 98، 99)، وقال في هذه الآية الكريمة: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) أي: يسرعون في المشي إلى الفساد. .... ألخ.
ويتابع ابن كثير مستشهداً بالحديث الشريف: (... ثم يرسل اللهُ مطرًا لا يَكِنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٌ. فيغسل الأرضَ حتى يتركها كالزَّلفَةِ. ثم يقال للأرض: أَنبِتي ثمرَك، ورُدِّي بركتَك. فيومئذٍ تأكل العصابةُ من الرُّمَّانةِ. ويستظِلُّون بقِحْفِها. ويبارك في الرَّسْلِ. حتى أنَّ اللقحةَ من الإبلِ لتكفي الفِئامَ من الناس. واللَّقحةُ من البقرِ لتكفي القبيلةَ من الناس. والّلقحةُ من الغنمِ لتكفي الفَخِذَ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث اللهُ ريحًا طيِّبَةً. فتأخذُهم تحت آباطِهم. فتقبض رُوحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مسلمٍ. ويبقى شِرارُ الناسِ، يتهارَجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعةُ) ([453] )
ويقول ابن كثير: " وقوله: (واقترب الوعد الحق) يعني: يوم القيامة، إذا وجدت هذه الأهوال والزلازل والبلابل، أزفت الساعة واقتربت ... ".
الآية الكريمة: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)
يزعم د. نوفل أن كل حضارة هي يأجوج ومأجوج؛ وليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج؛ ويتهكم على النصوص فيقول: يأجوج ومأجوج محبوسين تحت الطاولة! أين هم شيل الطاولة خلينا نشوف حجي؟! فيقول له المحاور مقدم البرنامج؛ الآية: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) (الكهف: 94)، والآية (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) (الكهف: 95). ويقول أيضاً: " مش ملاحظ إنه يأجوج اسم فاعل ومأجوج اسم مفعول ... ما فيه ناس مخبّاية! ... نحن عندنا التصوّر الحقّ .... أنا بشرح مش بسرح ... ألخ " ([454]).
الرّد على د. نوفل: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) (الأنبياء - 96 97). وَقَوْله " وَاقْتَرَبَ الْوَعْد الْحَقّ " يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة (ابن كثير). وفي الحديث أن من علامات الساعة نُزُول عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَخروج قوم يَأَجُوج وَمَأْجُوج:
(قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) (الكهف 98). وَقَوْله: " قَالَ هَذَا رَحْمَة مِنْ رَبِّي " أَيْ لِمَا بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ الجدار " قَالَ هَذَا رَحْمَة مِنْ رَبِّي " أَيْ بِالنَّاسِ حَيْثُ جَعَلَ بَيْنهمْ وَبَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج حَائِلًا يَمْنَعهُمْ مِنْ الْعَبَث فِي الْأَرْض وَالْفَسَاد.
الأحاديث:
(ذكر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الدَّجَّالَ ذاتَ غَداةٍ. فخفض فيه ورفَع. حتى ظننَّاه في طائفةِ النخلِ. فلما رُحْنا إليه عرف ذلك فينا. فقال " ما شأنُكم؟ " قلنا: يا رسولَ اللهِ! ذكرتَ الدجالَ غَداةً. فخفضتَ فيه ورفعتَ. حتى ظنناه في طائفةِ النخلِ. فقال " غيرُ الدجالِ أخوفُني عليكم. إن يخرج، وأنا فيكم، فأنا حَجيجُه دونَكم. وإن يخرج، ولستُ فيكم، فامرؤ حجيجٌ نفسَه. واللهُ خليفتي على كلِّ مسلمٍ. إنه شابٌّ قَططٌ. عينُه طافئةٌ. كأني أشبِّهُه بعبدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ. فمن أدركه منكم فليقرأْ عليه فواتحَ سورةِ الكهفِ. إنه خارجٌ خَلةٌ بين الشامِ والعراقِ. فعاثَ يمينًا وعاث شمالًا. يا عبادَ الله! فاثبُتوا " قلنا: يا رسولَ اللهِ! وما لُبثُه في الأرضِ؟ قال " أربعون يومًا. يومٌ كسنةٍ. ويومٌ كشهرٍ. ويومٌ كجمعةٍ. وسائرُ أيامِه كأيامِكم " قلنا: يا رسولَ اللهِ! فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، أتكفينا فيه صلاةُ يومٍ؟ قال " لا. اقدُروا له قَدرَه " قلنا: يا رسولَ اللهِ! وما إسراعُه في الأرضِ؟ قال " كالغيثِ استدبرتْه الريحُ. فيأتي على القومِ فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له. فيأمر السماءَ فتمطر. والأرضُ فتنبتُ. فتروح عليهم سارحتُهم، أطولُ ما كانت ذرًّا، وأسبغُه ضروعًا، وأمدُّه خواصرَ. ثم يأتي القومَ. فيدعوهم فيردُّون عليه قولَه. فينصرف عنهم. فيصبحون مَمْحَلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالِهم. ويمرُّ بالخَربةِ فيقول لها : أَخرِجي كنوزَك. فتتبعُه كنوزُها كيعاسيبِ النحلِ. ثم يدعو رجلًا مُمتلئًا شبابًا. فيضربه بالسيفِ فيقطعه جزلتَينِ رميةَ الغرضِ ثم يدعوه فيقبِلُ ويتهلَّلُ وجهُه. يضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث اللهُ المسيحَ ابنَ مريمَ. فينزل عند المنارةِ البيضاءِ شَرقَي دمشقَ. بين مَهرودَتَينِ. واضعًا كفَّيه على أجنحةِ ملَكَينِ. إذا طأطأَ رأسَه قطر. وإذا رفعه تحدَّر منه جُمانٌ كاللؤلؤ. فلا يحلُّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إلا مات. ونفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرفُه. فيطلبه حتى يدركَه ببابِ لُدَّ. فيقتله. ثم يأتي عيسى ابنَ مريمَ قومٌ قد عصمهم اللهُ منه. فيمسح عن وجوهِهم ويحدثُهم بدرجاتِهم في الجنةِ. فبينما هو كذلك إذ أوحى اللهُ إلى عيسى: إني قد أخرجتُ عبادًا لي، لا يدَانِ لأحدٍ بقتالهم. فحرِّزْ عبادي إلى الطور. ويبعث اللهُ يأجوجَ ومأجوجَ. وهم من كلِّ حدَبٍ ينسِلونَ. فيمرُّ أوائلُهم على بحيرةِ طَبرِيَّةَ. فيشربون ما فيها. ويمرُّ آخرُهم فيقولون: لقد كان بهذه، مرةً، ماءً. ويحصر نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه. حتى يكون رأسُ الثَّورِ لأحدِهم خيرًا من مائةِ دينارٍ لأحدِكم اليومَ. فيرغب نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه. فيُرسِلُ اللهُ عليهم النَّغَفَ في رقابِهم. فيصبحون فرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ. ثم يهبط نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى الأرضِ. فلا يجِدون في الأرضِ موضعَ شبرٍ إلا ملأه زَهمُهم ونتْنُهم. فيرغب نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى اللهِ. فيرسل اللهُ طيرًا كأعناقِ البُختِ. فتحملُهم فتطرحهم حيث شاء اللهُ. ثم يرسل اللهُ مطرًا لا يَكِنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٌ. فيغسل الأرضَ حتى يتركها كالزَّلفَةِ. ثم يقال للأرض: أَنبِتي ثمرَك، ورُدِّي بركتَك. فيومئذٍ تأكل العصابةُ من الرُّمَّانةِ. ويستظِلُّون بقِحْفِها. ويبارك في الرَّسْلِ. حتى أنَّ اللقحةَ من الإبلِ لتكفي الفِئامَ من الناس. واللَّقحةُ من البقرِ لتكفي القبيلةَ من الناس. والّلقحةُ من الغنمِ لتكفي الفَخِذَ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث اللهُ ريحًا طيِّبَةً. فتأخذُهم تحت آباطِهم. فتقبض رُوحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مسلمٍ. ويبقى شِرارُ الناسِ، يتهارَجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعةُ ". وفي رواية: وزاد بعد قوله " - لقد كان بهذه، مرة، ماءً - ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبلِ الخمرِ. وهو جبلُ بيتِ المَقدسِ. فيقولون: لقد قتَلْنا مَن في الأرضِ. هَلُمَّ فلنقتلْ مَن في السماءِ. فيرمون بنُشَّابِهم إلى السماءِ. فيردُّ اللهُ عليهم نُشَّابَهم مخضوبةً دمًا ". وفي روايةِ ابنِ حجرٍ " فإني قد أنزلت عبادًا لي، لا يَدَيْ لأحدٍ بقتالِهم “.) ([455] ) .
(ذَكَرَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ الدَّجَّالَ ذاتَ غداةٍ، فخفَّضَ فيهِ ورفَّعَ حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخلِ، فلمَّا رُحنا قال فانصَرفنا مِن عندِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ثمَّ رجَعنا إليه فعرفَ ذلك في وجوهِنا، فقالَ : ما شأنُكُم؟ قال: قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ ذَكَرتَ الدَّجَّالَ الغداةَ فخفَّضتَ، ورفَّعتَ حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخلِ، قال: غيرُ الدَّجَّالِ أخوَفُ لي عليكُم إن يخرُجْ وأَنا فيكُم، فأَنا حَجيجُهُ دونَكُم، وإن يخرُج ولستُ فيكُم فامرؤٌ حجيجُ نفسِهِ، واللَّهُ خَليفتي على كلِّ مسلمٍ إنَّهُ شابٌّ قططٌ، عَينُهُ قائمةٌ شبيه بعبدِ العزَّى بنِ قطنٍ، فَمن رآهُ منكُم فليَقرأْ فواتحَ سورةِ أصحاب الكَهْفِ قال: يخرُجُ ما بينَ الشَّامِ والعِراقِ، فعاثَ يمينًا وَ شمالًا، يا عبادَ اللَّهِ فاثبُتوا قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ وما لُبثُهُ في الأرضِ؟ قال: أربَعين يومًا، يومٌ كَسنةٍ، ويومٌ كشَهْرٍ، ويومٌ كجُمعةٍ، وسائرُ أيَّامِهِ كأيَّامِكُم قال: قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ اليومَ الَّذي كالسَّنةِ أتكفينا في صلاةُ يومٍ؟ قال: لا، ولكن اقدُروا لهُ. قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ فما سرعتُهُ في الأرضِ؟ قالَ: كالغيثِ استدبرتهُ الرِّيحُ فيأتي القومَ فيدعوهُم فيكذِّبونَهُ ويردُّونَ عليه قولَهُ فينصَرِفُ عنهُم فتتبعُهُ أموالُهم فيصبِحونَ ليسَ بأيديهِم شيءٌ. ثم يأتي القومَ فيدعوهُم فيستجيبونَ له ويصدِّقونَهُ، فيأمرُ السَّماءَ أن تُمْطِرَ، فتُنبتُ، فتروحُ عليهم سارحتُهُم كأطوَلَ ما كانَت ذرًى، وأمدَّهُ خواصرَ، وأدرَّهُ ضروعًا، ثم يأتي الخَربةِ فيقولُ لَها: أخرِجي كنوزَكِ فينصرِفُ منها فتتبعُهُ كنوزُها كيعاسيب النَّحلِ، ثم يدعو رجلًا شابا ممتلئًا شبابًا فيضربُهُ بالسَّيفِ فيقطعُهُ جزلتينِ، ثمَّ يدعوهُ فيقبلُ يتَهَلَّلُ وجهُهُ يضحَكُ، فبينما هوَ كذلِكَ إذ هبطَ عيسى بنَ مريمَ بشرقيِّ دمشقَ عندَ المَنارةِ البيضاءِ بينَ مَهْرودتينِ، قال: ويمرُّ واضعًا يدَه على أجنحةِ ملَكَينِ، إذ طَأطأَ رأسَهُ قطر، وإذا رفَعهُ تحدَّرَ منه جُمانٌ كاللُّؤلؤِ، قال: ولا يحلُّ لِكافرٍ يجدُ ريحَ نَفسِهِ – يعني أحدًا – إلَّا ماتَ، وريحُ نَفسِهِ مُنتهى بصرِهِ، قال: فيطلُبُهُ حتَّى يدرِكَهُ بباب لدٍّ، فَيقتلُهُ. قال: فيَلبَثُ كذلِكَ ما شاء اللَّهُ؟ قال: ثُمَّ يوحي اللَّهُ إليهِ أن جوِّزْ عِبادي إلى الطُّورِ فإنِّي قد أنزَلتُ عبادًا لي لا يَدَ لأحدٍ بقتالِهِم، قالَ: ويبعَثُ اللَّهُ يأجوجَ ومأجوجَ وَهُم كما قال اللَّه: وهم من كلِّ حدَب ينسِلونَ، أولهم ببُحَيرَةٍ الطَّبريَّة فيشرب ما فيها، ثم يمر بِها آخرُهُم فيقولونَ: لقد كان بهذه مرَّةً ماءٌ، ثم يسيرونَ حتى ينتَهوا إلى جبلِ بيتِ المقدِسِ فيقولونَ: لقد قتَلنا مَن في الأرضِ فهلمَّ فلنقتُلْ مَن في السَّماءِ، فيرمون بنِشابِهم إلى السَّماءِ فيَردُّ اللَّهُ عليهم نِشابَهم مُحمرًّا دمًا، ويحاصَرُ عيسى بنُ مريَمَ وأصحابُهُ حتَّى يَكونَ رأسُ الثورِ يومئذٍ خيرًا لهم مِن مائةِ دينارٍ لأحدِكُمُ اليومَ، قال: فيرغبُ عيسى بنُ مريمَ إلى اللَّهِ وأصحابُهُ قال: فيرسلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغفَ في رقابِهِم فيُصبحونَ فَرسى مَوتى كمَوتِ نفسٍ واحدةٍ، قال: ويهبِطُ عيسَى وأصحابُهُ، فلا يجدُ موضعَ شبرٍ إلا وقد ملأته زَهمتُهم ونتَنُهم ودماؤهم. قال: ونتنُهُم فيرغبُ عيسى إلى اللَّهِ وأصحابُهُ قال، فيرسلُ اللَّهُ، عليهم طيرًا كأعناقِ البُختِ، فتحملُهُم فتطرحُهُم بالمهبَلِ ويستوقِدُ المسلِمونَ من قِسيِّهم ونشابِهم وجِعابِهم سبعَ سنينَ، ويرسِلُ اللَّه علَيهِم مطرًا لا يَكُنُّ منهُ بيتُ وبَرٍ ولا مدَرٍ، قال فيغسلُ الأرضَ فيترُكَها كالزَّلِفةِ، قال ثمَّ يقالُ للأرضِ : أخرِجي ثَمرَتكِ وردِّي برَكَتَكِ، فيومَئذٍ تأكُلُ العِصابةُ منَ الرُّمَّانةِ ويستظِلُّونَ بقَحفِها، ويبارِكُ في الرِّسلِ حتَّى أنَّ الفئامَ مِن النَّاسِ ليكتفونَ باللِّقحَةِ منَ الإبلِ، وأنَّ القَبيلةَ ليكتفونَ باللَّقحَةِ من البَقَرِ، وإن الفخِذَ ليكتفونَ باللَّقحَةِ من الغنَمِ، فبينما هم كذلِكَ إذ بعثَ اللَّهُ ريحًا فقبضَت روحَ كلِّ مؤمنٍ، ويَبقى سائرُ النَّاسِ يتَهارجونَ كما يتَهارجَ الحُمُرِ، فعلَيهِم تقومُ السَّاعةُ) ([456]) .
(اطَّلَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقالَ: ما تَذَاكَرُونَ؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قالَ: إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ، الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ.) ([457]) .
(لقيتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي إبراهيمَ وموسَى وعيسَى قال: فتذاكروا أمرَ الساعةِ فردُّوا أمرَهم إلى إبراهيمَ فقال: لا عِلْمَ لي بها فردُّوا الأمرَ إلى موسَى فقال: لا عِلْمَ لي بها فردُّوا الأمرَ إلى عيسَى فقال: أمَّا وَجْبَتُهَا فلا يعلمُها أَحَدٌ إلا اللهُ ذلكَ وفيما عهدَ إليَّ ربي عزَّ وجلَّ أنَّ الدجالَ خارجٌ قال: ومعي قضيبانِ فإذا رآني ذابَ كما يذوبُ الرَّصاصُ قال: فيُهلكُه اللهُ حتى إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه قالَ: فيُهلكُهم اللهُ ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم قال: فعندَ ذلكَ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ وهم من كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فيَطؤُونَ بلادَهم لا يأتونَ على شيٍء إلا أهلكوهُ ولا يَمرُّونَ على ماءٍ إلا شربوهُ ثم يرجعُ الناسُ إليَّ فيَشكونهم فأدعو اللهَ عليهم فيُهلكُهم اللهُ ويُميتُهم حتى تَجْوَى الأرضُ من نَتْنِ ريحِهم قال: فيُنزلُ اللهُ عزَّ وجلَّ المطرَ فتَجْرُفُ أجسادَهم حتى يَقذفَهم في البحرِ قال أبي: ذهبَ عليَّ هاهُنا شيٌء لم أفهمْهُ كأديمٍ وقال يزيدُ يعني ابنَ هارونَ: ثم تُنسفُ الجبالُ وتُمَدُّ الأرضُ مَدَّ الأديمِ ثم رجعَ إلى حديثِ هُشَيمٍ قال: ففيمَ عَهِدَ إليَّ ربي عزَّ وجلَّ أنَّ ذلكَ إذا كان كذلكَ فإنَّ الساعةَ كالحاملِ المُتِمِّ التي لا يدري أهلُها متى تَفْجَؤُهمْ بولادِهَا ليلًا أو نهارًا) ([458]) .
(... فبينما همْ كذلِكَ إذْ أوحى اللهُ إلى عيسى: إِنَّي أخرجْتُ عبادًا لا يَدَانِ لأحَدٍ بقِتالِهِمْ فحرِّزْ عبادِي إلى الطُّورِ، ويبعَثُ اللهُ يأجوجَ ومأجوجَ، وهم مِنْ كُلِّ حدَبٍ ينسِلُونَ، فيَمُرُّ أوائِلُهُمْ علَى بُحَيْرَةِ طبرِيَّةَ، فيشربونَ ما فيها ويَمُرُّ آخرُهم، فيقولونَ: لقدْ كان بهذِهِ مرَّةً ماءً ! ثُمَّ يسيرونَ حتى ينتَهُوا إلى جبلِ الخمْرِ، وهو جبَلُ بيتِ المقدِسِ فيقولونَ لقدْ قتَلْنا مَنْ في الأرضِ، هلُمَّ فلْنَقَتُلْ مَنْ فِي السماءِ، فيرمونَ بنشابِهم إلى السماءِ، فيردُّ اللهُ عليْهِمْ نشابَهم مخضوبَةً دمًا، ويُحْصَرُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُهُ، حتى يكونَ رأسُ الثورِ لأحدِهم خيرًا مِنْ مائَةِ دينارٍ لأحدِكُمْ اليومَ، فيرْغَبُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُهُ، فيرسِلُ اللهُ عليْهم النغَفَ في رقابِهم، فيَصبحونَ فَرْسَى كموْتِ نفْسٍ واحدَةٍ. ثُمَّ يَهْبِطُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُهُ إلى الأرضِ، فلا يَجدونَ فِي الأرضِ موضِعٌ شبرٍ إلَّا مَلَأهُ زهَمُهُمْ ونَتَنُهُمْ، فيرغَبُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُهُ إلى اللهِ عزَّ وجل، فيرسلُ اللهُ طيرًا كأعناقِ البُخْتِ، فتحملُهم فتطرحُهم حيثُ شاءَ اللهُ، ثُمَّ يرسِلُ اللهُ قطْرًا لا يُكِنُّ منه بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ، فيغسلُ الأرضَ حتى يتركَها كالزلَقَةِ، ثُمَّ يقالُ للأرضِ انبتِي ثَمَرتَكِ، ودِرِّي بَرَكَتَكِ، فيومئذٍ تأكُلُ العصابَةُ مِنَ الرمانَةِ ويستظلُّونَ بقحفِها، ويبارَكْ في الرِّسْلِ، حتى إنَّ اللَّقْحَةَ مِنَ الإبلِ لَتَكْفِي الفئامَ مِنَ الناسِ، واللَّقْحَةَ مِنَ البقَرِ لَتَكْفِي القبيلَةَ منَ الناسِ، واللِّقْحَةَ مِنَ الغنَمِ لَتَكْفِي الفخِذَ مِنَ الناسِ. فبينما هُمْ كذلِكَ إذ بعَثَ اللهُ ريحًا طيبَةً فتأخُذُهُمْ تَحَتَ آباطِهِم، فتَقْبضُ روحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مسلمٍ، ويبقَى شرارُ الناسِ يتهارجونَ فيها تَهارُجَ الحمُرِ، فعليْهِم تقومُ الساعَةُ) ([459] ).
(إنَّها لا تقومُ حتَّى ترَوْا قبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدَّجَّالَ والدُّخَانَ وعيسى ابنَ مَريمَ ويأجوجَ ومأجوجَ والدَّابَّةَ وطُلوعَ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها وثلاثَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشرِقِ وخَسْفٌ بالمَغرِبِ وخَسْفٌ بجزيرةِ العرَبِ وآخِرُ ذلك نارٌ تخرُجُ مِن قَعْرِ عدَنَ أو عَدَنَ أو اليمنِ تطرُدُ النَّاسَ إلى المَحشَرِ) ([460]).
(لن تَكُونَ- أو لن تَقُومَ- السَّاعةُ حتَّى يَكونَ قَبْلَها عشْرُ آياتٍ: طُلوعُ الشَّمسِ مِن مَغْرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ، وخُروجُ يَأْجوجَ ومَأْجوجَ، والدَّجَّالُ، وعيسى ابنُ مريمَ، والدُّخَانُ. وثلاثُ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَغرِبِ، وخَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وخَسْفٌ بجَزيرةِ العربِ. وآخِرُ ذلكَ تَخرُجُ نارٌ مِنَ اليَمَنِ، مِن قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إلى المَحْشَرِ.) ([461])
(أشرَف علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحنُ نتذاكَرُ فقال: (ماذا كُنْتُم تتذاكَرونَ؟) قُلْنا: كنَّا نتذاكَرُ السَّاعةَ فقال: (إنَّها لا تقومُ حتَّى ترَوْا قبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدَّجَّالَ والدُّخَانَ وعيسى ابنَ مَريمَ ويأجوجَ ومأجوجَ والدَّابَّةَ وطُلوعَ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها وثلاثَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشرِقِ وخَسْفٌ بالمَغرِبِ وخَسْفٌ بجزيرةِ العرَبِ وآخِرُ ذلك نارٌ تخرُجُ مِن قَعْرِ عدَنَ أو عَدَنَ أو اليمنِ تطرُدُ النَّاسَ إلى المَحشَرِ)) ([462])
تفسير القاسمي: "...وأما قوله: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) فالمراد منه خروجهم بكثرة وانتشارهم في الأرض، كما يخرج الشيء المحبوس أو المضغوط إذا انفجر...". (صفحة 4114)
يقول ابن باز رحمه الله تعالى: "وقد صحت وتواترت هذه الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزول المسيح ابن مريم من السماء في آخر الزمان، ومن خروج يأجوج ومأجوج .... كل هذا ثابت بالأحاديث الصحيحة المتواتراة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنكارها كفر وضلال نسأل الله العافية والسلامة، فالدجال والمسيح ابن مريم ويأجوج ومأجوج، هؤلاء الثلاثة ليس فيهم شك ولا ريب تواترت فيهم الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم. " ([463]) .
2.3) يقول د. نوفل بعدم قبول التوبة إذا خرج الدّخان أو خرجت الدّابة!
يقول د. نوفل" خروج الدّابة كما تعلمون من علامات السّاعة الصغرى ولا الكبرى؟ الكبرى. ما الفرق؟ بعد العلامات الصغرى الإيمان ينفع. بعد العلامات الكبرى الإيمان لا ينفع. خرج الدخان خرجت الدّابة خلص قفلوا الدفاتر أوصاف الدّابة ما بهمناش إذا فيه حديث صحيح نأخذه ما فيش يكفينا ما في القرآن الكريم، رواه فلان أو رواه؛ أحاديث ضعيفة ما بلزمناش" ([464]).
الرّد عليه: حديث الدخان والدّابة صحيح وثابت؛ وإن لم يفصِّل. فبالتالي لماذا يحاول د. نوفل أن يوهم السّامع بعدم وجود حديث صحيح في الباب؟! هذا علماً أنّ حديث الدّابة والدخان ويأجوج ومأجوج هو نفس الحديث: (اطَّلَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقالَ: ما تَذَاكَرُونَ؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قالَ: إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ، الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدّابة، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ.) ([465]). بل ويردّ الدكتور نوفل هذا الحديث الصحيح حين يقول: "أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج!" ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم، فيقول: "يأجوج ومأجوج محبوسين تحت الطاولة! أين هم شيل الطاولة خلينا نشوف حجي (نظرات في سورة الكهف - الحلقة 29) ([466])”! ويقول أيضاً: " مش ملاحظ إنه يأجوج اسم فاعل ومأجوج اسم مفعول ... ما فيه ناس مخبّاية! ... نحن عندنا التصوّر الحقّ .... أنا بشرح مش بسرح ... ألخ " ([467]). ها هو د. نوفل يتناقض مع نفسه ويردّ الحديث الصحيح عند مسلم. فأين هو من كلامه: " إذا فيه حديث صحيح نأخذه ".
يقول: " بعد العلامات الصغرى الإيمان ينفع. بعد العلامات الكبرى الإيمان لا ينفع ". قوله هذا غير دقيق. الصحيح هو أنّ التوبة تقبل ما لم تطلع الشمس من مغربها؛ والأدلّة هي:
2.3.1) الحديث: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: {لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا} [الأنعام: 158] ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما بيْنَهُما فلا يَتَبايَعانِهِ، ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بلَبَنِ لِقْحَتِهِ فلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقدْ رَفَعَ أحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إلى فيه فلا يَطْعَمُها) ([468]).
وبالتالي ينفع الإيمان زمن خروج الدّجال؛ وخروجه من علامات السّاعة الكبرى. كما وينفعُ أهلُ الكتابِ إيمانُهم بعيسى عليه السّلام عند نزوله. ونعلم أنّ عيسى عليه السّلام هو الموكل بقتل الدّجال. وإنّ عودة المسيح عليه السلام تكون بين يدي السّاعة: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف 61). وهذا عَائِد عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. ثُمَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ نُزُوله قَبْل يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته ". وأقول هذه هي رحمة الله باليهود: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بالإيمان بعيسى عليه السلام عند عودته: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء 8).
(والَّذي نفسي بيدِه ليوشِكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مرْيمَ حَكمًا عدلًا فيَكسرُ الصَّليبَ، ويقتلُ الخنزيرَ، ويضعُ الجِزْيةَ، ثمَّ يقولُ أبو هرَيرةَ اقرَؤوا إن شِئتُم وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) ([469] ) .
2.3.2) الآية الكريمة: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) (الأنعام 158 )؛ فهي دليل على أنّ باب التوبة مفتوح حتى بعد ظهور بَعْض علامات السّاعة الكبرى؛ ويغلق قبيل ظهور آخر (أو أواخر) علاماتها الكبرى؛ ويدلُّ عليه الكلمة (بَعْضُ) من الآية: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا). وفي الحديث السابق: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: (لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا) ...). وتكون آيةُ طلوع الشمس من مغربها الآية التاسعة؛ مباشرة قبيل الآية العاشرة والأخيرة: (وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ). وللمزيد في الباب، أنظر البحث: الترتيب الزّماني للعلامات الكبرى للسَّاعة، عمري.
2.3.3) الحديث الشريف: (ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ.) ([470])
شرح الحديث: وفي هذا الحديث يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "ثلاثٌ إذا خرجْنَ"؛ أيْ: ثلاث آياتٍ عندما تظهرُ للناس، "فلا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قَبلُ أو كسبَتْ في إيمانِهَا خيرًا"، فلن تنفعَ التوبةُ ولن ينفعَ في هذا الوقتِ أن يَستدرِكَ المقصِّرُ ما قصَّرَ فيه من أعمالٍ يُزَادُ بها الإيمانُ، فيحثُّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على العملِ الصالحِ وزيادةِ الإيمانِ قبل تلك الثَّلاث: "طلوع الشَّمسِ من مَغْربها"، وهي أن تَخرُجَ في صَبيحةِ يومٍ من المَغْرب بدلًا من المَشْرق. و"الدَّجَّال" وهو المسيحُ الأعورُ مُدَّعي الألوهِيَّة الذي يدورُ في الأرض أربعينَ يومًا ويُمنعُ من دخول بعض الأماكن التي حَفِظَها الله سبحانه وتعالى منه كَمَكَّةَ والمَدِينَةِ. و"دابَّة الأرض" التي تخرجُ فتُخْبِرُ وتوضِّحُ المؤمنَ من الكافرِ. وقد جاء في صَحيح مُسلمٍ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى تطلُعَ الشمسُ من مَغْربها، فإذا طَلَعَتْ من مَغْربها آمَنَ الناسُ كلُّهم أجمعون، فيومئذٍ لا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قبلُ، أو كسبَتْ في إيمانها خيرًا"؛ فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ التوبةَ لا تنقطِعُ إلَّا إذا طلعَتِ الشمسُ من مَغْربها، وأمَّا قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: "ثلاثٌ إذا خرجْنَ، لا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قَبلُ أو كسبَتْ في إيمانِهَا خيرًا: طلوع الشمسِ من مَغْربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض"، فيدلُّ على أنَّ انقطاعَ التوبةِ يكونُ إذا خرجْنَ كُلُّهُنَّ، وذلك لا يكونُ إلَّا إذا طلعَتِ الشمسُ من مَغْربها، إلَّا أنَّ خروجَ الدَّجَّال، وكذلك الدَّابَّة، قريبٌ من طلوعِ الشمس من مَغْربها. نستنتج ممّا سبق التالي: أنّ التوبة تقبل حتّى بعد خروج يَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ. التوبة تقبل حتى بعد ظهور ثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ. وللمزيد في الباب، أنظر البحث: الترتيب الزّماني للعلامات الكبرى للسَّاعة، عمري. واسمحوا لي أن أذكّر د. نوفل بعبارته الجميلة: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([471]). لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([472]).)
2.4) توبة قاتل العمد
يُسألُ د. نوفل عن توبة القتل العمد، وعن التوفيق بين الآيتين:
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93)؛ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ( (النساء - 48 ).
جواب د. نوفل: يقول على قناة حياة FM ([473]): (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً.
الرّدُّ عليه: يقول البغوي في تفسيره: " قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) الآية، نزلت في مقيس بن صبابة الكناني، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رجلا من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس فيقتص منه، وإن لم تعلموا أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ديته، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه، فقال: تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة، اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية؛ فتغفل الفهري فرماه بصخرة فشدخه، ثم ركب بعيرا وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا فنزل فيه: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) بكفره وارتداده، وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، عمن أمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة. قوله تعالى: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) أي: طرده عن الرحمة. . .. والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمدا توبته مقبولة لقوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ) (طه - 82 ) وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ( (النساء - 48 ) ".
يخالف د. نوفل رأي الأكثرين، وهو مذهب أهل السنة؛ فيقول على قناة حياة FM ([474]): (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً). وبالتالي هل فعلا أراد المخالفة أم أنه نسي عبارته: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([475]). لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([476]).)
وفي الحديث الشريف: ( أمَرَنِي عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبْزَى، قالَ: سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ، عن هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ما أمْرُهُما {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بالحَقِّ} [الأنعام: 151]، (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) (النساء: 93) فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقالَ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتي في الفُرْقَانِ، قالَ: مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ: فقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ، ودَعَوْنَا مع اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقدْ أتَيْنَا الفَوَاحِشَ، فأنْزَلَ اللَّهُ: (إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ) [مريم: 60]. الآيَةَ، فَهذِه لِأُولَئِكَ، وأَمَّا الَّتي في النِّسَاءِ: الرَّجُلُ إذَا عَرَفَ الإسْلَامَ وشَرَائِعَهُ، ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ، فَذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ فَقالَ: إلَّا مَن نَدِمَ.) ([477]) .
شرح الحديث: سُئل ابن عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما عن الآيتين: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} [الأنعام: 151]، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93]، فقال: لَمَّا أُنزلَت التي في الفرقان قال مُشرِكو أهلِ مكَّةَ: فقد قتَلْنا النَّفسَ التي حرَّم اللهُ، ودَعَونا معَ الله إلَهًا آخَر، وقد أتَينا الفواحِشَ؛ فما يُغني عنَّا الإسلامُ وقد فعَلْنا ذلك كلَّه؟! فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} [الفرقان: 70]، فهذِه لأولئك الكفَّار، وأمَّا التي في سورة النِّساءِ ففي الرَّجلِ المسلِم إذا عرَف الإسلامَ وشرائعَه ثمَّ قَتَل فجَزاؤه جهنَّمُ خالدًا فيها، وقال مُجاهد بن جَبْر: إلَّا مَن نَدِم.
(سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ، قالَ: آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أهْلُ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيهَا إلى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقالَ: نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} هي آخِرُ ما نَزَلَ، وما نَسَخَهَا شيءٌ.) ([478]).
ولا أدر ما رأي د. نوفل بتوبة نبي الله موسى عليه السلام؟! يقول تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ) (القصص 17-15).
يقول ابن كثير: (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي: يتضاربان ويتنازعان، (هذا من شيعته) أي: من بني إسرائيل، (وهذا من عدوه) أي: قبطي، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق. فاستغاث الإسرائيلي بموسى، عليه السلام، ووجد موسى فرصة، وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي (فوكزه موسى فقضى عليه). قال مجاهد: وكزه، أي: طعنه بجمع كفه. وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه. (فقضى عليه) أي: كان فيها حتفه فمات، قال موسى: (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين. قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم).
فتوى على موقع إسلام ويب: "قال ابن القيم في الجواب الكافي: والتحقيق في هذه المسألة أن القاتل يتعلق به ثلاثة حقوق حق لله، وحق للمظلوم المقتول، وحق للولي؛ فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي ندما على ما فعل وخوفا من الله وتوبة نصوحا يسقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه وبينه فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا. والحاصل أن من تاب إلى الله تعالى من جريمة القتل العمد وأقيم عليه الحد بالقتل قصاصا يرجى أن لا يعاقب في الآخرة." ([479]).
الذي يقول به د. نوفل: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً) لم يقل به علماء العقيدة من أهل السّنّة، ولم يقل به أيّ من المفسرين: مثلاً لم أجد هذا الرأي في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا (ج5، ص 147).
2.4) توبة قتل العمد
يُسألُ د. نوفل عن توبة القتل العمد، وعن التوفيق بين الآيتين
- (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93).
- (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ( (النساء - 48 ) .
فيجيب على قناة حياة FM ([480]): (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً.
الرّدّ عليه: الذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمدا توبته مقبولة لقوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ) ( طه - 82 ) وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ( (النساء - 48 ) ".
حلقة التفسير المسجلة والتي أذيعت على قناة حياة FM ليوم الأربعاء الثاني عشر من شباط للعام 2020:
عند الساعة (3:07) يقول بعدم بعث الحيوانات: "الحيوانات ليش تقوم".
الرّدّ عليه: إنّ قوله هذا لهو خلاف الثابت والصحيح؛ وإليك بعض الأدلّة من آيات القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم:
(وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) (التكوير 5). يقول البغوي في تفسيره: " (وَإِذَا الْوُحُوشُ) يعني دواب البر (حُشِرَتْ) جمعت بعد البعث ليقتص لبعضها من بعض وروى عكرمة عن ابن عباس قال: حشرها: موتها. وقال: حشر كل شيء الموت، غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة. وقال أبي بن كعب: اختلطت. "
وفي الحديث: (لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَومَ القِيامَةِ، حتَّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ، مِنَ الشَّاةِ القَرْناءِ.) ([481])
شرح الحديث:
أَمَر اللهُ تعالى بأداءِ حُقوقِ الخَلْقِ، فإنْ قَصَّر الخَلقُ في أَدائِها ولم يُؤدُّوها إلى أهلِها في الدُّنيا، فإنهم سيُؤدُّونها يومَ القيامةِ-كما في هذا الحديثِ-؛ حيثُ أخبَر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الحقوقَ ستُؤدَّى إلى أهلِها يومَ القيامة، حتَّى يُقادَ لِلشَّاةِ الجَلحاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرناءِ، أي: حتَّى إنَّه يُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الَّتي لَيسَ لها قرْنٌ مِنَ الشَّاةِ الْقَرنَاءِ الَّتي لها قَرْنٌ، والغالِبُ أنَّ الَّتي لها أَقْرُنٌ إذا نَاطَحَتِ الْجَلْحَاءَ الَّتي ليس لها قَرْنٌ تُؤذِيها أكثرَ، فإذا كان يومُ القيامةِ قَضى اللهُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الشَّاتَيْنِ، واقْتصَّ بينَهُما؛ هذا وهي بَهائِمُ لا يَعقِلْنَ ولا يَفْهمْنَ؛ لكنَّ اللهَ عزّ وجلّ حَكَمٌ عَدْلٌ.
في الحديثِ: دليلٌ على أنَّ البهائمَ تُحشرُ يومَ القيامةِ وهو كذلك، وتُحشرُ الدَّوابُّ، وكلُّ ما فيه رُوحٌ يُحْشَرُ يومَ القيامةِ. وفيه: أنَّ كلَّ شيءٍ مَكتوبٌ، حتَّى أعمالُ البهائمِ والحشراتِ مَكتوبةٌ في اللَّوحِ المحفوظِ. وفيه: الحثُّ على أداءِ الحقوقِ إلى أصحابِها.
(لتؤدُّنَّ الحُقوقَ إلى أَهلِها، حتَّى تقادَ الشَّاةُ الجلحاءُ منَ الشَّاةِ القرناءِ) ([482])
وقوله تعالى: (إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ) (النبأ 40).
(وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا). يقول الطبري: يقول تعالى ذكره: ويقول الكافر يومئذ لما يلقى من عذاب الله الذي أعدّه للكافرين، يا ليتني كنت ترابًا كالبهائم التي جُعِلت ترابًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عديّ، قالا ثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: (إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّ الأديمُ وحُشِرَ الدَّوابُّ والبهائمُ والوحشُ ثم يحصلُ القِصاصُ بين الدوابِّ يُقتصُّ للشاةِ الجمَّاء من الشاةِ القرناءِ نطحَتْها فإذا فُرِغَ من القِصاصِ بين الدوابِّ قال لها كوني تُرابًا قال فعند ذلك يقول الكافرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تَرَابًا) ([483]).
ويقول تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الأنعام: 38). وفي الحديث: (عن أبي هُرَيْرةَ في قولِهِ: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) قالَ: يُحشَرُ الخلقُ كلُّهم يومَ القيامةِ، البَهائمُ والدَّوابُّ والطَّيرُ وَكُلُّ شيءٍ، فيبلغُ من عدلِ اللَّهِ يومئذٍ أن يأخذَ للجمَّاء منَ القرَناءِ. قالَ: ثمَّ يقولُ: كوني ترابًا. قال فلذلِكَ يقولُ الكافرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا) ([484]).
هذه قضية عقدية تجلي عدل الخالق سبحانه وتعالى: (فيبلغُ من عدلِ اللَّهِ يومئذٍ أن يأخذَ للجمَّاء منَ القرَناءِ). قضية عقدية فاتت د. نوفل إذ يقول: "الحيوانات ليش تقوم". قضية عقدية أشارت لها أكثر من آية محكمة: (الأنعام: 38)، (النبأ 40)، (التكوير 5). هذا والدكتور نوفل يرى بأنّ كلّ آيات القرآن بينة واضحة فليس هنالك آيات متشابهات!. وبالتالي أتساءل، ما هو الحال مع أسئلة تطرح عليه وفي شتى مجالات العلوم ؟!
يقول د. نوفل: "عمّوه القرآن مكتوب عند ربّنا منذ الأزل. ... والوحي مثل ما قلنا أزلي ... هو عند الله مسجّل منذ الأزل، مش ابن يومه. ... ومن تخلفوا عن المعركة مسجلين منذ الأزل. إعتقادنا إنه القرآن أزلي" ([485]).
الرّد عليه: كلام الله صفته سبحانه وتعالى؛ وصفات الله أزليّة. أمّا القرآن حسب تعريفه الاصطلاحي؛ فهو قرآن بعد أن ينزل على قلب محمد.
إنّ من مقتضى اللّطف الرّباني أن أنـزل الله الْقُرْءَان عن مرتبة كلامه الّذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وبغير لغات البشر، إلى مرتبة كلام اللّه باللغة العربية (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195)؛ وذلك حتى تتمكنوا من فهمه بعد تنـزّلِه على قلب وسمع الرسول محمّد (صلى الله عليه وسلم). كما وأنـزله عن مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ: والْقُرْءَانُ كلام اللّه من قبل ومن بعد تنـزله إلى العربيّة. الكلام صفةٌ للمتكلم، فلا بدّ أن يكون قائما به وتبعا لمشيئته: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (يس 82)
فقرن القول بالإرادة، وهو دليل على أن كلام الله يتعلق بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى. فكلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وليس كلُّ كلام الله أزلي: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (الشعراء 5). (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأنبياء 2). "مُحْدَثٍ": أَيْ جَدِيدٍ إِنْزَاله (عربيّا)، وهو كلام الله من قبل إنزاله (عربيّا) ومن بعد؛ وكلامه غير مخلوق لأنّه صفته سبحانه.
وللمزيد في هذا الباب يمكن الرجوع إلى أواخر هذا الكتاب تحت العنوان: أسرار حروف فواتح السور في تنـزيه كلام الله وفي أسماء القُرْءَان وإنـزاله وجعله عربيّاً (الصفحة 297)؛ ففيه إيجاز مختصر لكتاب ألفته في هذا الباب ([486]).
وأسأل د. نوفل: كيف يكون الوحي أزلي؛ إذا كان الكون حادث؟ وأسأله أيضاً هل يقصد بذلك الوحي إلى عوالم في أكوان سبقتنا في الزمان؟ لكنّ د. نوفل ينكر وجود عوالم أخرى وحتى في زماننا الحالي؛ فيقول: (ما الدليل إن كان هناك مخلوقات سابقة؟ لا يوجد دليل، هذا خبط في البيداء على العمى!) ([487]). ما هذا التناقض يا د. نوفل؟!
وأمّا أن الأقدار أزلية؛ فكلامه هذا غير صحيح؛ بدليل الحديث الشريف:
) كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ. وفي روايةٍ: بِهذا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، غيرَ أنَّهُما لَمْ يَذْكُرَا: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ.) ([488])
(إنَّ اللَّهَ قدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السَّمواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ وَكانَ عرشُهُ على الماءِ) ([489]).
2.7) د. نوفل لا يعتبر السّنّة وحياً: ولقد صرّح بذلك من خلال ذكره لكتاب اسمه تيسير الوحيين فيقول: (تيسير الوحيين أنا عندي والله. وحيين؟! أي لأه) ([490]).
الرّد على د. نوفل (مأخوذ من موقع إسلام ويب): "فإن الأصل أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحي منزل ([491]).
قال شيخ الإسلام: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن؛ قال الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما}. وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}. وقال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه} " يعني السنة. والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن؛ لا أنها تتلى كما يتلى. انتهى.
وقال الزركشي في البحر المحيط: ونص الشافعي في "الرسالة" على أن السنة منزلة كالقرآن محتجا بقوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34]. فذكر السنة بلفظ التلاوة كالقرآن، وبين سبحانه أنه آتاه مع الكتابِ غيرَ الكتابِ، وهو ما سنّهُ على لسانِه مما لم يَذْكُرهُ فيه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ألَا إنِّي أُوتيتُ الكِتابَ ومِثلَه معه، ألَا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه معه، ألَا يوشِكُ رجُلٌ يَنْثَني شَبْعانًا على أَريكتِه يقولُ: عليكم بالقُرآنِ، فما وجَدْتُم فيه مِن حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجَدْتُم فيه مِن حرامٍ فحَرِّموه! ألَا لا يَحِلُّ لكم لَحمُ الحِمارِ الأَهْليِّ، ولا كلُّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ألَا ولا لُقَطةٌ مِن مالِ مُعاهَدٍ إلَّا أنْ يَستَغنيَ عنها صاحِبُها، ومَن نزَلَ بقَومٍ فعليهم أنْ يَقْرُوهم، فإنْ لم يَقْرُوهم فلهم أنْ يُعْقِبوهم بمِثلِ قِراهُم.) ([492])
ولا يقلل من سنته صلى الله عليه وسلم، ولا من حجيتها كونه صلى الله عليه وسلم يجتهد، وكون اجتهاده يجوز عليه الخطأ؛ لأن الله لا يقره على الخطأ، بل لا بد أن يبين وجه الصواب في ذلك.
قال شيخ الإسلام: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ؛ لَكِنْ لَا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ. انتهى.
وقال الشاطبي رحمه الله: الحديث إما وحي من الله صرف، وإما اجتهاد من الرسول عليه الصلاة والسلام، معتبر بوحي صحيح من كتاب أو سنة. وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله؛ لأنه عليه الصلاة والسلام وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإذا فُرِّعَ على القول بجواز الخطأ في حقه، فلا يُقَرُّ عليه البتة، فلا بد من الرجوع إلى الصواب، والتفريع على القول بنفي الخطأ أولى أن لا يحكم باجتهاده حكما يعارض كتاب الله تعالى ويخالفه. انتهى.
وأما حديث أنس الذي رواه البخاري وفيه: وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ، نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الْوَلَدَ. الحديث. فهو خبر عن الصادق المصدوق، وهو مما لا يقال باجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، فدلنا ذلك على أنه وحي من الله تعالى.
قال العلامة عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى: الأمور التي لا مجال لمثله للاجتهاد فيها يتبين لنا أنها وحي من اللّه، ويؤيد هذا التعليل أنه صلى الله عليه وسلم أمي، ولا عهد لأمته بالطب الذي من هذا الجنس، ولا تجارب عندهم في هذا، وخوضه فيه لا يليق برسالته؛ لأنه يكون مجازفًا إذ بنى شيئًا على غير تجربة، ولا مجال لأمثاله في أن يجرب في مثل هذا. انتهى من شبهات حول السنة."
2.8) د. نوفل يعتبر طاقة عقله غير محدودة
يقول د. نوفل: "أعلى ما فيك الملك هون قاعد (مع الدقّ على رأسه بيده) هذا العقل هالقد حجمه (مع الإشارة بقبضته) لكن طاقته لا محدودة! ... هذا العقل طاقته والله لا تحدّ". (([493] .
الردّ عليه: كلام نوفل يناقض قولَه تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا). وإنّ اللامحدود واللانهائي لا يجوز أن نصف به غير صفات الله سبحانه وتعالى! وأخشى أنّ هذا الكلام قد يؤدي بمعتقده إلى إطراء النفس الذي حذرنا منه رسولنا صلى الله عليه وسلّم: (لا تُطرُوني كما أطْرَتِ النَّصارى عيسى بنَ مريمَ؛ فإنَّما أنا عبدُ اللهِ ورسولُه.) ([494]). أخشى أنّ هذا الإفراط قد يؤدي إلى الغرور والكبر الذي لا تحمد عقباه.
2.9) د. نوفل يسمي الملأ حول فرعون بـ " ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ اللي حوالين فرعون "
يقول د. نوفل: "فما بال القرون الأولى" سؤال ذكي خبيث يسجله القرآن لنحكم احنا على العقل كيف يفكّر، لك أن تتخيل إنه المجلس عامر بال بالملأ الأعلى اللي حوالين فرعون وزراؤه مثلاً بعض شخصيات بعض الكبار الأثرياء ولا غيره ...! ([495]).
الرد على د. نوفل: (الملأ الأعلى): لفظ يطلق على أكابر الملائكة المقربين عند ربهم: جبريل إسرافيل ميكائيل عليهم السلام .... (ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ) أي الملائكة المقربون، والملأ هم الأشراف الذين يملئون المجالس والصدور عظمة وإجلالا ووصفوا بالأعلى إما لعلو مكانهم وإما لعلو مكانتهم عند الله تعالى. فأستغرب كيف أنّ د. التفسير نوفل يستخدم هذا الاسم ليطلقه على الكفار " اللي حوالين فرعون وزراؤه "، وهذا الاسم أو الوصف يوجد في آية قرآنية: (مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (ص: 69). وإن د. نوفل استخدم هذا الاسم استخداماً سليما على الأقل في المحاضرة على الرابط في الحاشية ([496]).
2.10) الدكتور نوفل يتناقض في تفسيره مع بعض مسلمات الدين والعقيدة
مسلمات في الدين، أو مسلمات في العقيدة
الموضوع مقتبسٌ من مقال للشيخ أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل ([497]). لماذا هذا المقال تحديداً؟ الجواب وببساطة: بحثت على (Google) تحت عنوان مسلمات في العقيدة فكان هذا العنوان أبرز نتائج البحث. قرأت الموضوع فوجدت أنه ينطبق مع مسلمات كنت تعلمتها قديما. اختلفت مع الكاتب (كما اختلفت مع د. نوفل) في فهم آية؛ وهي قوله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) (هود:118-119). فيرى مفسّروا السلف أنّ الآية تتحدث عن اختلاف الأديان: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك. واستثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان.
يقول الشيخ أ. د. ناصر حفظه الله: "أن هذه المسلمات التي سأذكر طرفاً منها، كانت إلى وقت قريب بدهية، ينشأ عليها الكبير والصغير." ويقول: "والآن لنتحدث عما يتيسر مما هو معلوم بالضرورة من مسلمات الدين، التي لا يسع المسلم أن يجهلها، والتي تدخل تحت الفريضة الواجبة على كل مسلم ومسلمة. ومن أجل الاختصار، فإنني سأقتصر على ذكر المسلمات التي تَبَيّنَ لي تناقض د. نوفل معها؛ ومن أراد المزيد يمكنه الرجوع إلى مقال الشيخ. يقول الشيخ أ. د. ناصر:
"مصادر الدين هي الكتاب والسنة: ... الدين لا يستمد أبداً إلا من القرآن والسنة والإجماع المبني على القرآن والسنة، فيجب على كل مسلم أن يسلم قطعاً أنه لا يمكن أن يستمد الدين إلا من الكتاب والسنة.
إكمال الله تعالى للدين
من المسلمات: أن الدين ما شرعه الله وشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن المسلمات: أن الله قد أكمل الدين، وهذا الكمال باق إلى قيام الساعة، منذ أن أنزل الله قوله عز وجل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة: 3)، والدين قد اكتمل بجزئياته وكلياته. ... قد يقول قائل: أليس باب الاجتهاد باق إلى قيام الساعة؟
نقول: نعم، الاجتهاد باق، لكن لا يمكن أن يصح حكم مبني على الاجتهاد إلا وله دليل من الكتاب والسنة، أو مبني على قاعدة استمدت من الكتاب والسنة، وهذه مسلمة لا بد منها، وإلا نكون قد فتحنا باب الأهواء في الدين، وانتقض اعتقادنا بأن الله أكمل الدين، وانتقض اعتقادنا بأن الله ختم النبوة، وانتقض اعتقادنا بأن الوحي قد انقطع....
العمل بخبر الآحاد الصحيح في العقائد وغيرها
من المسلمات: أن كل ما جاء في كتاب الله، وكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير وجب قبوله، سواء كان من المتواتر أو من الآحاد؛ لأن أهل الأهواء خالفوا أهل السنة والجماعة، وخالفوا طريق الحق باعتقادهم أنه لا يصح اعتقاد شيء لم يثبت بالتواتر، وإذا قلنا بهذا المبدأ نقضنا أكثر الدين، والمقصود أن ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح وجب قبوله في الاعتقاد والعمل؛ لأن الكثير من أمور الدين بني على أحاديث الآحاد، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، .... إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أفراد الصحابة لتبليغ الدين ...، كما أرسل معاذاً إلى اليمن، وكما فعل الصحابة حينما بُلِّغُوا بتحويل القبلة إلى الكعبة فاتجهوا إلى الكعبة بخبر واحد، ثم إن الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلوا كثيراً من الدين بخبر الواحد من الصحابة، إذا روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً أخذوا به، وجعلوه من الدين، وعلى هذا فإن أكثر الدين فيما يتعلق بالأحكام مبني على أخبار الآحاد. فهذه من المسلمات."
وقبل أن أنتهي من استكمال بيان مسلمات الدين كما يراها مؤلف المقال الذي أقتبس عنه، أقول وللأسف: إنّ د. نوفل لا يعتبر السّنّة وحياً: ولقد صرّح بذلك من خلال ذكره لكتاب اسمه تيسير الوحيين فيقول: (تيسير الوحيين أنا عندي والله. وحيين؟! أي لأه) ([498]). وهو يصرّحُ أنّ الأحاديث ظنيّة الثبوت؛ فيقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([499]). وهو يقدم العقل على السنة، ويعتبر أنّ الحكمة هي عقله وليست السنّة! يقول: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)، وحتى يضيّع البعض بركة الفهم قالوا: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والسنة، بهذه الطريقة نكون قد قضينا على طريقة الفهم تماماً، وقطعنا دابره نهائياً. هل المراد بالحكمة في الآية في سورة الأحزاب السنة؟ قولاً واحداً لا، ...، انما الحكمة أحسنية الفهم... الحكمة الفهم والفهم المناسب للنص الذي يضع الأمور في نصابها ومعاييرها.) ([500]).
الرّدّ على د. نوفل: يتوهم د. نوفل أنّ عقله يرشده إلى ما هو أكمل وأصوب ممّا جاء في السنّة النبوية! بل إنّ د. نوفل لا يستدلُّ مطلقاً بالأحاديث النبوية! ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([501]). بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([502]) !. يقول د. نوفل في حديثه عن القرآن: "لن نفهم هذا الكلام العظيم إلاّ بالعقل، ورصيدنا من اللغة ورصيدنا من الفهم، والخبرة والتجربة والمطالعة. كل هذا الرصيد به نفهم كلام الله. من غير هذا الرصيد مش حنفهم هذا الكلام. رصيد من اللغة رصيد من القراءات: في الكون والتاريخ والجغرافيا والمعلومات حتى نستطيع أن نفهم هذا الكلام. لا بدّ من أرصدة تكون لديك وذخر في هذا العقل (مع وضع يده على رأسه)" ([503]). ويقول أيضاً: "وسنشير ابتداءً الى معوقات الفهم الصحيح للتعامل مع كتاب الله، ويذكر عند النقطة العاشرة: عدم الاطلاع على المعارف الإنسانية والتاريخ الإنساني والاجتماع الإنساني: لظن البعض أن العقل المسلم مكتف بذاته، وهذا غير صحيح، إذ العقل يحتاج الى المعارف الإنسانية وهي مترابطة متشابكة يأخذ بعضها من بعض ـ فالمسلم غير معزول عن العالم ولا منبت ولا منقطع ـ نستفيد من معارف العالم الكونية والاجتماعية والإنسانية... الخ."انتهى كلامه.
أقول: أمّا السنّة فلم يذكرها، لا بل ويرفض د. نوفل الاستدلال بها في التفسير:
أسباب النزول
يقول د. نوفل: "أسباب النزول سبعة بالعشرة منها بده غربلة! خارج الغربال بده ننسفه نسفاً! بظل ثلاثة بالعشرة أسباب النزول معوان على فهم النازل. وليس تضييقا وتحديدا لمعنى النازل. إطلاقا لا أبدا لا. "ولله المشرق والمغرب فأينما تكونوا فثم وجه الله"! ([504])
الردّ على د. نوفل:
الآية هي: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 115). وليست كما قرأها د. نوفل: "ولله المشرق والمغرب فأينما تكونوا فثم وجه الله"! فهذه القراءة وللأسف قد تعطي معناً كفريّاً!
يقول الطبري: "خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر، من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهها قبل بيت المقدس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مدة، ثم حولوا إلى الكعبة. فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال الله تبارك وتعالى لهم: المشارق والمغارب كلها لي، أصرف وجوه عبادي كيف أشاء منها، فحيثما تُوَلوا فثم وجه الله. "
أقول: هذا هو أحد أسباب نزول الآية، وهو أقوى وأصحّ سنداً من السبب الذي عرضه د. نوفل؛ إذ يقول نوفل: " الصحابة غمّ عليهم القبلة ذات غزوة فصلّوا هكذا وهكذا - مشيرا بيديه ذات اليمين وذات الشمال - غيم ومطر شلون صليتوا الدنيا مطر لا فيه نجم يبين الشمال من الجنوب، صلاة الفجر ولا شمس صلينا بهذا الاتجاه وهضول (هؤلاء) قالوا بهذا الاتجاه إذا فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ." ( [505]).
الأحاديث في سبب نزول الآية:
(كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُصَلِّي وَهو مُقْبِلٌ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ علَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كانَ وَجْهُهُ، قالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ }فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ{ (البقرة: 115). [وفي رواية]: ثُمَّ تَلَا ابنُ عُمَرَ، }فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ{ (البقرة: 115)، وَقالَ في هذا: نَزَلَتْ.) ([506])
- (أوَّلُ ما نُسِخَ منَ القرآنِ - فيما ذُكِرَ لَنا واللَّهُ أعلمُ - شَأن القبلةِ. قال اللَّهُ تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فاستقبلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ وترَكَ البَيتَ العتيقَ، ثمَّ صرفَهُ اللَّه إلى بيتِهِ ونسخَها. فقالَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ([507]).
(بَعَث رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَرِيَّةً كُنتُ فيها فأصابَتْنا ظُلمةٌ، فلم نَعرِفِ القِبلةَ، فقالت طائفةٌ مِنَّا: قد عَرَفْنا القِبلةَ إلى هاهنا قِبَلَ الشَّمالِ، فصَلَّوا وخَطُّوا خُطوطًا، فلَمَّا أصبحوا وطلَعَت الشَّمسُ أضحَت تلك الخُطوطُ لغَيرِ القِبلةِ، فلَمَّا قفَلْنا مِن سَفَرِنا سأَلْنا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَكَت وأنزَلَ اللهُ عزَّ وجَلَّ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ{. ) ([508])
يقول د. نوفل: " أسباب النزول سبعة بالعشرة منها بده غربلة! خارج الغربال بده ننسفه نسفاً "! وانتهى به الحال ليعرض سببا لنزول هذه الآية هو أقل الأسباب رجوحاً من حيث قوة الحديث وصحة سنده! ويتابع د. نوفل قائلاً: " إللي (الّذي) لُه أسباب نزول واحد بالمئة من الآيات أو أقل ... "! (نفس الحلقة السابقة، الزمن - 8: 47).
ويقول د. نوفل:
"ربط النص بسبب نزول غير صحيح: كثير من أسباب النزول تشوش الفهم! من علمائنا من قال إن أسباب النزول تعين على فهم النص، وهذا كلام صحيح، لكن عندما يكون سبب النزول ملفّقاً تلفيقاً! يصبح معيقاً ولا يكون معيناً على فهم النص."
"ربط الآية بحديث قد يصح، لكنه ليس بالضرورة تفسيراً لهذه الآية: فالحديث صحيح، لكن أهو تفسير لهذه الآية؟ حديث قد يصح وقد لا يصح، لكن لا علاقة له بالآية، هذا الربط أشكل فهم الآية، مثل قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون). " ([509]).
أقول: يا للعجب! د. نوفل يريد رصيدا من مختلف جوانب المعرفة حتى يفسّر القرآن، ولم يذكر من ضمنها سنة الحبيب صلى الله عليه وسلّم! لا بل تجده يحرص على إقصائها! وبالتالي فهذه مسلمة من مسلمات الدين لم يراعها د. نوفل!
وأقول إنّ د. نوفل يتناقض مع نفسه: فتجده هنا يريد رصيدا من مختلف جوانب المعرفة حتى يُفسّر القرآن، وتجده في مكان آخر يقدم عقله على العقل الجمعي كما تنطق محاضراته وكتاباته! بل إنّهُ ليُصّرح بهذا حيث يقول: "'طالما ما حدش يتكلم إحنا كلنا مدركين إنّه الجلوس غلط. لكن لأنه فكرنا بالعقل الجمعي، ما حدش يتكلم إذا أنا غلط، شكّينا كل واحد في نفسه، وصلت الرّسالة؟ قد تكون على الحقّ وإن كنت وحدك! بس إحنا غلّبنا العقل الجمعي على ثقتنا بأنفسنا.. وانا منكم، ناخذ درس" ([510]).
العمل بمقتضى الشهادتين
من المسلمات: أن رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلا يصح إسلام المسلم إلا بهما، ولا يصح إسلام الكافر إذا دخل الإسلام إلا بهما؛ فهي أصل الإسلام، ولا تصح ولا تعتبر الشهادتان إلا بشروطهما ... ألخ.
قيام الدين على أركان وواجبات وشروط
"... وذكر الكاتب مراتب الدين الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان. وقال: لا يصح إسلام المسلم إلا بأن يؤمن بأركان الإيمان الستة وما يندرج تحتها من الأصول، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله عز وجل. هذه الأركان الستة لا تصح وحدها مجردة، لو أن إنساناً آمن بالله، لكنه أنكر أسماء الله وصفاته وأفعاله، وجحد ما يلزم لله عز وجل من التعظيم والتوقير والمحبة."
هذه النقطة تذكرني بتصريح د. أحمد نوفل على قناة حياة FM بأنّ الآية: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ...) [الزمر 67] على المجاز وليس على الحقيقة! وهذا القول بلا شكّ انتقاص من كمال القدرة الإلهية!
اتباع سبيل المؤمنين
من المسلمات: أن الدين إنما يتمثل بالسنة وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، والدين هو سبيل المؤمنين، وسبيل المؤمنين هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين من أئمة الهدى، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهم أهل السنة والجماعة، السلف الصالح، ومن خالف خالف السنة وخرج عن مقتضى الصراط وهو سبيل المؤمنين فهم نوعان: إن خرج بما يقتضي الردة فهو ليس من المسلمين، وإن خرج بما لا يقتضي الردة فهو يخرج من أهل السنة ولا يخرج من مسمى المسلمين".
هذه النقطة تذكرني بحدّ الرجم على الزاني المحصن؛ والذي ينكره د. نوفل، رغم أنّ الحدّ قد أقيم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وفي عهد صاحبيه. (أنظر مقالة: حدّ الرجم للزاني المحصن ونبوءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) ([511]). كما وتذكرني ردّه الحديث: (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ) رغم ثبوته في صحيح البخاري! يقول د. نوفل: "الحديث (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) من خرجه؟! وإن صحّ؛ فهو بحاجة إلى تخريج سياسي"! ([512]).
عدم قبول دين غير الإسلام
"من المسلمات: أن الدين عند الله الإسلام، بحيث لا يقبل الله من البشر غير الإسلام، كما قال عز وجل: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) (آل عمران:19). وقال سبحانه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران:85). وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره: (والله! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).
الإسلام هو دين الله في كل زمان بحسبه، فالإسلام في عهد جميع الأنبياء هو ما جاء به كل نبي، ثم الإسلام بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الدين، فليس الإسلام غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه، وهو هذا الدين المتمثل بالكتاب والسنة." أقول وللأسف إنّ د. نوفل يصرُّ على إقصاء السنّة، ولا يعتبرها وحياً، ويعتبر رواياتها في مهبّ الريح تصح أو لا تصحّ!
حكم تكفير الكفار الأصليين
من هذه المسلمات: أنه لا بد من الحكم بكفر الكافرين الخلص، وأنهم من أهل النار، فهذا أمر لا ينبغي أن يجادل فيه مسلم، الكافرون الخلص هم اليهود والنصارى وأصحاب جميع الديانات الوضعية والوثنية كل من لم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويدخل في ذلك المنافقون الخلص، ويدخل في ذلك المرتدون ([513])، هؤلاء يدخلون في حكم الكفر الخالص، وأنهم من أهل النار، وهذا الحكم إجمالي لا يتعلق بمعين؛ لأن المعين لا نعلم على أي حال لقي الله عز وجل. إذاً: الأصل في المسلمين الإسلام، والأصل في الكفار الكفر، ولا ينبغي للإنسان أن يجادل في هذه المسلمة إلا بما يحكم به أهل العلم على ضوء قواعد الشرع.
عدم عصمة أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم
من المسلمات: أنه لا عصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ليس من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم من هو معصوم، يؤخذ قوله بلا عرض على الكتاب والسنة، بل كل أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم قد يقع في الخطأ والزلة، حتى العلماء الكبار قد يقعون في بعض الزلات؛ ليسوا معصومين.. أقول: إنّ د. أحمد نوفل وللأسف يجوّز الخطأ وعدم العصمة للرسل من الوقوع في الذنوب، أنظر الرابط ([514])! وكذلك قوله: " إذاً من أين علموا أن آدم سيفسد فيها؟". وأعيد الرّد على د. نوفل: يا للهول آدم رسول أو نبي معصوم، فما يكون له أن يفسد. لكن ذريته منهم من يُلبّس على الناس عقائدها!
عدم اجتماع الأمة على ضلالة
"... ولو افترض أن يخفى الحق أو تخفى السنة أو تعم البدعة لضاع الدين بذلك، ووقع عليه اللبس والشك، وهذا لا يمكن أبداً، ولاحتاج الناس إلى النبوة وإلى الوحي، وهذا لا يمكن أبداً."
ولا أدر أين مقولة د. نوفل "... المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات" ([515]) من المسلّمة (عدم اجتماع الأمة على ضلالة)؟! بل وأين زعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([516])! من التسليم بحفظ السنة وعدم خفائها أو ضياعها؟!
ويتابع أ. د. ناصر قوله: الأصل التوحيد والفطرة لا الشرك والضّلال
ضرورة فهم العقيدة والدين بمقتضى النصوص الشرعية وفق منهج الاستدلال
من المسلمات: أن فهم العقيدة وسائر أمور الدين لا يمكن أن يكون إلا على مقتضى النصوص الشرعية، وعلى منهج الاستدلال الصحيح، لكن ليس لكل أحد أن يتناول نصوص الشرع ثم يقول أنا أفهم معناها ومقتضاها، لا؛ لأن الدين يقوم على الاتباع والاهتداء والاقتداء، ويقوم على الأصول والضوابط والشروط التي جاءت في الاجتهاد، ففهم الدين إنما يقوم على منهج كسائر العلوم الأخرى، بل هو أولى؛ لأن الخوض في الدين بغير علم وعلى غير أساس من المنهج السليم هو القول على الله بغير علم، فلا بد أن تفهم العقيدة وسائر أمور الدين على منهج شرعي وفق استدلال السلف، وأعني بذلك أن فهم الدين على نوعين: الأول: فطري وبديهي، الثاني: يحتاج إلى استنتاج من الكتاب والسنة على ضوء قواعد الاجتهاد، وليس لكل أحد أن يجتهد في الدين بمجرد رأيه وبمجرد مزاجه؛ لأن الله عز وجل قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل:43)، وقال سبحانه: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83)، وهم العلماء، ولذلك نوه الله عز وجل عن الراسخين، وأنهم هم الذين يعلمون ما أشكل من كثير مما ورد في نصوص الكتاب والسنة، ولأن الله عز وجل أخبرنا بطائفة من أهل الزيغ والضلال يتبعون ما تشابه من نصوص الشرع، كما قال سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) (آل عمران:7). بالوقف على لفظ الجلالة، وفي قراءة أخرى صحيحة بالوصل: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ".
الدكتور نوفل وهذه المسلّمة: يؤكد د. نوفل على عدم الوقوف على اسم الجلالة (اللَّهُ ۗ) فيطلب الوصل في قراءة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ). ويقول للإمام حبذا لو قرأت بالوصل. بل ويؤكد على عدم وجود آيات متشابهة في القرآن محتجّاً بأن ابن عباس يعلم كلّ آية فيما أنزلت! ([517]). أنظر كذلك المحاضرة ([518])؛ إذ يقول وبالعامّيّة: "(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ)؛ (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) غلط! إذاً شو استفدنا من القرآن". ويصرُّ على نفي وجود المتشابه في آي القرآن ([519]). ويقول مشيراً بكلتا يديه إلى صدره "ابن عباس كان يقول أنا من الراسخين في العلم أعلم تأويله اسألوني. ما فيه آية كان يقول أنا بعرفهاش والله!... في القرآن ما فيه متشابه على أولي العلم، فيه متشابه على اللي ما عنده علم! ما فيه متشابه. ... ابن عباس عنده المتشابه صفر"! هذا الكلام وبالعامّيّة وبالحرف هو كلام د. نوفل ([520]). وهذا القول الذي يستشهد به وينسبه لابن عباس لا يرتقي سنده إلى الصحيح ([521])! لكن د. نوفل الذي غالباً ما يردّ أحاديث متفق على صحتها! يستشهدُ به كثيراً!
وأعود إلى كلام الشيخ الدكتور ناصر العقل: "إذاً: هناك جزء كبير من أمور الدين ليس لكل أحد أن يتناوله ما لم تتوافر فيه الشروط والضوابط الشرعية باجتهاد..... ومع ذلك الجرأة على الدين وعلى العلوم الشرعية كثرت، مع أنها أولى أن تحترم، وأن يرجع فيها إلى أهل الاختصاص، الدين علم من العلوم التي ينبغي أن تؤخذ على أصولها ومناهجها وقواعدها وشروطها، وإلا لماذا أرشدنا الله عز وجل إلى سؤال أهل الذكر، وإلى الرجوع إلى الراسخين، وإلى احترام العلماء، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن العلماء هم ورثة الأنبياء، وأخبر بأن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، إنما ورثوا العلم، وهو الدين."
أقول: وبمقتضى المغايرة، فليس هنالك علمٌ يرتجى عند الّذين يردّون الحديث الشريف ولا يعتبرونه حجّة. بل يبلغ بأحدهم أن يحاول فهم العقيدة وحتى فلسفة المعجزة بعقله ومع الحرص على إبعاد وإقصاء الأحاديث الثابتة والصحيحة! وللمزيد أنظر كتاب: (تفسير د. نوفل وبعض الملاحظات في مجال العقيدة: عمري، حسين).
ويتابع أ. د. ناصر قوله: وجوب التزام السنة والجماعة وعدم التفرق في الدين
من المسلمات في الدين: أنه لا يجوز التفرق في الدين، ويجب التزام السنة والجماعة، كما أمر الله عز وجل: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:103).
والافتراق واقع في هذه الأمة، فحين نهانا الله عن التفرق في الدين، فقد أخبرنا أن التفرق سيكون، فالافتراق واقع لا شك، لكن لا يعني ذلك أن جميع الأمة ستقع في الافتراق، بل لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن الافتراق أخبر أن طائفة تبقى على الحق ظاهرين وهم الجماعة وهم أهل السنة، ولما سأله الصحابة عن هؤلاء: من هم؟ قال: من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي، وبهذا نعرف تميز أهل السنة والجماعة بهذا الوصف.
إذاً: الافتراق واقع في طوائف من المسلمين، وقد يكون في الأكثرية؛ لأن الإسلام قد يكون في غربة أحياناً، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين سيعود غريباً كما بدأ غريباً، والغربة نسبية قد تكون في زمن دون زمن، وفي مكان دون مكان، لكن لا يمكن أن ينمحي الدين بالكلية أبداً، لا بد أن يبقى أهل السنة وأهل الحق وهم الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد أن يبقوا إلى قيام الساعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم حتى تقوم الساعة)، وهم الذين يقاتلون الدجال ويقاتلون مع المهدي ومع عيسى عليه السلام، وبعد أن تقبض أرواحهم لا يبقى بعدهم إلا شرار الخلق مدة يسيرة ثم تنتهي الدنيا وتقوم الساعة.
وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ، قُلْنا: يا رَسولَ اللَّهِ، اليَهُودُ والنَّصارَى؟ قالَ: فَمَنْ.) ([522]). وفي بعض الروايات: (حذوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ). وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلاً قال: (حتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ) يعني: طوائف من الأمة، وليس كلهم. ([523])
ومن يبقى على الحق هم أهل الحق، هم الذين على السنة، ولذلك سموا أهل السنة، وهم الجماعة المعتصمون بحبل الله، ولذلك سموا الجماعة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الأهوال والفتن، قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) وقال: (عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة).. إلى آخره من النصوص التي تدل أن الجماعة لا بد أن تبقى وإن قلّت، ولا بد أن تظهر السنة وإن قل أهلها، وهم الذين على السنة على منهج السلف الصالح، وهم الطائفة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم أنها على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك: (تركتُكم على الواضحةِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها إلَّا جاحدٌ، وعليكم بسُنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ الهادينَ عضُّوا عليها بالنَّواجذِ ([524]).
إذاً: على كل مسلم أن يحفظ نفسه من الوقوع في الأهواء ويحذرها، وإلا فالشرور والأهوال والبدع والافتراق لا بد أن تحدث إلى قيام الساعة وتتجدد أيضاً، لكن ينبغي أن يعلم أن المفارقين للسنة والجماعة على صنفين:
الصنف الأول: الذين يخرجون من الملة، نسأل الله العافية، فهؤلاء لا يُعدّون من فرق المسلمين الثنتين (الثلاث) والسبعين فرقة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (... وإنَّ هذهِ المِلَّةَ ستَفترِقُ على ثلاثٍ وسبعين: ثِنتانِ وسبعونَ في النَّارِ، وواحدةٌ في الجنَّةِ، وهيَ الجماعةُ ...) ([525]). انتهى كلام الشيخ ناصر جول هذه الجزئية.
وبالمناسبة فإنّ د. نوفل يقول عن هذا الحديث (... وإنَّ هذهِ المِلَّةَ ستَفترِقُ على ثلاثٍ وسبعين: ثِنتانِ وسبعونَ في النَّارِ، وواحدةٌ في الجنَّةِ، وهيَ الجماعةُ ...): "أنه مزق الأمة ... ولا يصحّ سنداً ... وهذا الحديث مصيبة"!! ([526]).
ويتابع أ. د. ناصر قوله: التباس طريق السنة الواضح على كثير من الناس
من المسلمات: أن طريق السنة مع وضوحه ومع جلائه، ومع أنه هو مقتضى الوحي الذي أنزله الله فسماه النبي صلى الله عليه وسلم: الصراط المستقيم، وسماه الله عز وجل: حبل الله، فرغم وضوح السنة ورغم وضوح الدين ونهج السلف الصالح، إلا أنه من المسلمات التي قد تلتبس على بعض المسلمين وعلى أهل الأهواء والابتداع والافتراق؛ وذلك أن الهداية هي لله عز وجل، فلا أحد من الناس ينفعه ذكاؤه ولا مقدرته ولا مواهبه مهما قويت ولا علمه إذا لم يوفقه الله للسنة والحق.... أي بشر مهما توافرت عنده المواهب والقدرات إذا لم يوفقه الله عز وجل فإنه قد ينتكس عن السنة وتخفى عليه، وقد يظن الباطلَ أنه الحق، ولذلك أشير إلى ظاهرة في الآونة الأخيرة: ظاهرة الخروج عن السنة من قبل بعض المتعالمين والمغرورين من المثقفين...". يا للأسف د. نوفل لا يعتبر نصوص السنة وحياً! ولا يعتبر السنة هي الحكمة! ويُخيل إليه أن عقله وفهمه هو الحكمة! وينتقد أحاديث الصحيحين! ولا يستشهد بالأحاديث الشريفة أبداً!
ويتابع أ. د. ناصر قوله: عدم اختلاف أهل السنة والجماعة في أصل من أصول الدين
"من البديهيات ومن المسلمات: أن أهل السنة والجماعة الذين يتمثل فيهم سبيل المؤمنين، والذين هم على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته إلى قيام الساعة، أنهم لا يختلفون في أصل من أصول الدين أبداً، وليس عندهم خلاف في قضايا العقيدة إطلاقاً، وهذه مسلمة أتحدى من يأتي بخلافها، لكن قد توجد بعض المسائل ملحقة بأصول العقيدة، وهي ليست من الأصول يختلف عليها السلف، تذكر من الناحية العلمية فقط، مثلاً: السلف لا يشكون أبداً بوقوع الرؤية العينية من قبل المؤمنين لربهم في الجنة، نسأل الله أن يمتعنا بذلك جميعاً، ولكن مع ذلك اختلفوا في الرؤية العامة في يوم المحشر مع أنها ثابتة قطعاً، لكن اختلفوا هل هي بالعين أم بالقلب؟ بينما رؤية المؤمنين لربهم في الجنة ثابتة بالعين لا شك في ذلك، وليس عند السلف اختلاف في ذلك، لكن هناك خلاف في نوع الرؤية العامة لا في أصلها."
أقول وللأسف أنّ د. نوفل ينكر هذه الرؤية العامة في يوم المحشر؛ فيقول: (وما ثمّ ساق ولا قَدَم، وإنما هي كفاية (كناية) كما في قولهم حزمت الأمور، "شمّرت الحرب عن ساقها" وهل للحرب ساق؟ وهكذا...) ([527]). ويمكن كذلك سماعُ انكارهِ صفتي السّاق والقَدَم من خلال محاضرته على الرابط في الحاشية: ([528]).
وفيما يلي استكمال كلام د. ناصر: "أيضاً السلف ألحقوا كثيراً من المسائل بأصول العقيدة، واختلفوا في هذه الملحقات الفرعية لهذه الأصول، ولذلك هذه ميزة يدركها من بصره الله ووفقه للحق: أن أهل السنة بحمد الله إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة لا يختلفون في أصل من أصول الدين إطلاقاً، وليس عندهم أصل من الأصول ليس عليه دليل ...
إذاً: أهل السنة لا يختلفون في أصل من أصول الدين، لكن مع ذلك قد يكون من بعض أفراد أهل السنة حتى من العلماء من تكون له أقوال شاذة، لكن ليست محسوبة على العقيدة، قد تكون منهم مواقف شاذة من أفرادهم لا من جملتهم، أما في الجملة فهم معصومون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، لكن أفرادهم ليسوا بمعصومين، فقد يقع إمام من أهل السنة في زلة في عقيدة أو في قول أو في موقف أو في خلق أو في تعامل مع الآخرين، فالدين بريء من هذه الزلات، والسنة بريئة منها، لذلك لا نجد أصلاً من أصول السنة إلا وهو متفق عليه، وما لم يتفق عليه فليس بأصل، وما ليس له دليل من الكتاب والسنة فليس بأصل، وما أثاره أولئك الملبسون الذين أشرت إليهم من أن أهل السنة يستدلون بالضعيف والمرجوح، هذه مهزلة، لا يجب أن تنطلي على أحد، فهم خلطوا بين الاستدلال وبين وجود الأحاديث الضعيفة والموضوعة في بعض كتب أهل السنة، نعم، قد توجد في كتب أهل السنة أحاديث ضعيفة، لكن ليست أدلة، إنما جاءت عند بعض السلف الذين ظنوا أنها صحيحة، أو عرفوا أنها ضعيفة، لكن جاءوا بها للاعتضاد، مثلما تجيش جيوشاً من القادة المدربين ومن عامة الناس غير المدربين، فالأصل والعمدة هم أولئك المدربون القادة، فهم الذين يعتمد عليهم بعد الله عز وجل في القيادة، فكذلك النصوص الشرعية لا يؤخذ منها في الدين إلا ما كان صحيحاً، وما لم يصح قد يستدل به بعض الأئمة من باب الاعتضاد لا من باب الاعتماد، فليس عند أهل السنة ولا أقرانهم استدلال على أصل من أصول الدين القطعية بدليل ضعيف، لكن يستدلون بالآية وبالحديث الصحيح، ثم قد يأتون بأدلة ضعيفة من باب الاعتضاد؛ لأنها محتملة الصحة، كذلك من الأحاديث الموضوعة بعض الأئمة قد يرى صحته فيرويه، وغيره يرى أنه موضوع، فقد نحكم على هذا الحديث بأنه موضوع، ومن يرويه يرى أنه ضعيف.
أقول: وقع من بعض المسلمين من يزعم أن أهل السنة يستدلون بهذه الأحاديث الضعيفة، وأنه وجدت في كتبهم الأحاديث الضعيفة، نقول: نعم، توجد أحاديث ضعيفة خاصة في غير الصحيحين، مثل السنن فيها أحاديث ضعيفة، لكن ليست عمدة في الاستدلال، ولذلك في القضايا الاجتهادية يرى بعض أئمة السلف أن الحديث الضعيف يعمل به في باب الآداب والأحكام لا في العقيدة، فالأحكام التي لا نجد لها دليلاً صريحاً نعيدها لقواعد الشرع ونؤيد هذه القواعد بالحديث الضعيف، وهذا قول صائب، والقول الصائب من الحكمة، والحكمة ضالة المؤمن.
إذاً: أعود وأقول: أهل السنة لا يستدلون بالحديث الضعيف ولا بالمنامات ولا الحكايات، ولا الكرامات.. ولا غيرها في الأصول، إنما يأتون بهذه الأحاديث الضعيفة في كتبهم من باب الاعتضاد ومن باب حشد النصوص، لا من باب الاعتماد على غير الصحيح." انتهى.
أقول وللأسف أنّ د. نوفل يطالب وبإصرار بترك الاستدلال بالسّنّة؛ للحجة الواهية التي ناقشها الكاتب وفنّدها! وهي أنّ بعض كتب السنّة فيها بعض الروايات الضعيفة! نعم د. نوفل يصرّ على إقصاء السنّة حيث يقول: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([529]). ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([530]). بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([531]).
ولقد ذكر فضيلة الشيخ أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل مسلمات أخرى في العقيدة؛ والتي يمكن للقارئ الرجوع إليها.
3) أخطاء د. نوفل في الرياضيات: حديثه عن حل نظام من المعادلات الخطية
عند محاولته تفسير الآية: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (النور: 35)، يضرب مثلاً من الرياضيات؛ فيقول ([532]): "في الرياضيات علمونا أ+ب+جـ+د. إذا عرفت واحدة بتحل باقي المعادلة! ... بدي أعرف واحدة بتنحل الباقي! ".
وأقول من وجهة نظر علماء الفيزياء والرياضيات، ومن وجهة نظر طلبة المرحلة الثانوية أنّ هذا الكلام ليس بشيء! د. نوفل قدم أربعة مجاهيل، وذكر مجموعها ولم يعط له قيمة. بل ولم يعط ولو معادلة واحدة! وبالتالي لا يوجد مسألة! أو لنقل إنّ الحصول على حل محدّد لنظام من المعادلات الخطية (a system of linear equations) يتطلب أن يكون عدد المعادلات المستقلة (linearly independent equations) مساو لعدد المجاهيل! وبالتالي أملي في كل من تعلم حل نظام من المعادلات الخطية أن يقيم تفسير د. نوفل من خلال فهمه المغلوط لحل المعادلات الخطية! والذي أشار إليه من قبيل ضرب المثل المساعد في توضيح التفسير! وأتساءل إلى متى سيبقى د. نوفل متمسكاً بعبارات: رأيي من عقلي، العقل يابويه! ومعذرة؛ فاسمحوا لي أن أذكّر د. نوفل بعبارته: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([533]). . لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([534]).)
البدهيات: د. نوفل يُقدّمُ فهماً مغلوطاً على أنه بدهيات! ويقول: "... المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات "([535])
يقول د. نوفل: " (وليتذكر أولو الألباب) لماذا؟ وهو ما معنى تدبر: هو إعمال العقل، هذا الموضوع قديم، فلماذا نبحثه، حيث إن هذه الأمور البديهية؟ لأن المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات، يعني قوله تعالى في قصة يوسف أو في قصة آدم، أو في أي موضوع من الموضوعات، في قصة آدم مثلاً، قوله تعالى (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كيف عرف الملائكة أن آدم أو ذريته سيخرج منه هذا، هل القرآن أعطانا تفسيراً؟ ما الدليل إن كان هناك مخلوقات سابقة؟ لا يوجد دليل، هذا خبط في البيداء على العمى!
الرد عليه: لقد سبق بيان احتمال وجود حوالي مليارين من الكواكب التي لربما لها نفس ظروف كرتنا الأرضية (there could be two billion Earth analog in the Milky Way galaxy alone). واسمحوا لي أن أذكّر د. نوفل بعبارته: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([536]). لا تتكلّم فيما لا تعلم. احكي فيما تحسن ([537]).)
ويتابع د. نوفل (متجاهلاً عقول المفسرين والفيزيائيين): إذاً لن نفهم النقل إلا إذا أعملنا العقل، قوله تعالى (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) إذا من أين علموا أن آدم سيفسد فيها؟ الله أخبرهم ولكن القرآن لم يخبرنا، القرآن قال (إني جاعل في الأرض خليفة)، فالقرآن عندما خبرنا اقتصر فيما أخبر على خليفة، والقرآن عندما أخبرهم رب العالمين، كلمهم عن مسألتين!: (إني جاعل في الارض خليفة) و (من يفسد)، لذلك إكراماً لنا غض الطرف عن ومن يفسد، فلما استفسر الملائكة غضوا الطرف عن خليفة، وركزوا على من يفسد.
يا للهول! عبارة د.نوفل تصرّح أنّ هنالك قرآنان مختلفان! د. نوفل يغالط المعنى الاصطلاحي للقرآن! فهو كلام الله المنزل عربيّاً بواسطة جبريل على قلب وسمع الرسول محمّد - صلى الله عليه وسلّم -، فالقرآن لا ينزل على الملائكة! نعم يوحي الله تعالى إلى ملائكته، لكنّ هذا الوحي هو خلاف القرآن؛ فالقرآن وحي الله على قلب وسمع رسوله محمد بواسطة جبريل عليهما السلام.
يتساءل د. نوفل: " إذا من أين علموا أن آدم سيفسد فيها؟". يكفي الرّد على نوفل بقول يا للهول! آدم رسول أو نبي معصوم، فما يكون له أن يفسد. لكنّ من ذريته منْ يلبس على الناس عقائدها فيفسد!
ويتابع د. نوفل قوله: "هما خبران وليس واحداً، القرآن أخبرنا خبراً والله تعالى أخبر ملائكته، لما روي لنا الخبر إكراماً لنا قال (إني جاعل في الارض خليفة) فقط، لكن الخبر لما صدر من الله الى الملائكة أخبرهم أمرين، من أين جئنا بهذا الكلام؟ من الآيات التي تلي (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا)."
الردّ على الجملة الأخيرة للدكتور نوفل:
قوله تعالى (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) يفهم في سياق الآيات: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) (البقرة).
والفهم الصحيح ليس من شأنه أن يشير إلى الفهم الذي عرضه د. نوفل. الفهم المباشر والصريح هو أنّ الله سبحانه قد علم آدم الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا؛ ولم يعلمها للملائكة. ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وصرّحت الملائكة بأن علمهم محدود؛ وأنهم لم يتلقوا علم هذه الأسماء من الله. وعندها صدر الأمر الرباني لآدم: (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ). فَلَمَّا أَنبَأَهُم آدمُ بِأَسْمَائِهِمْ، قَالَ اللهُ للملائكة: (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ).
يقول د. نوفل أنّ المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات !!!!
يا للهول حوالي ملياري مسلم متخلفين، ويريد شخصٌ ما أن يؤسس في عقولهم البدهيات! ألا يذكرنا هذا بالحديث الشريف: (إذا قالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهو أهْلَكُهُمْ) ([538]).
سؤال: هل يعرف د. نوفل المراد بالبدهيات؟!
تعريف البديهيَّات (axioms) والمسلَّمات ( postulates ):
يقوم الاستدلالُ الرياضي على العقل المجردِ - في أغلب أحيانه - ويستند في ذلك إلى جملة من المبادئ العقلية؛ من أبرزها البديهيات والمسل&