الكلام الفصل في " التفسير بالرأي عند الشيخ أحمد نوفل ورده الأحاديث النبوية الصحيحة بالاحتكام إلى العقل "

 

 

 

 

 

أ. د. حسين يوسف عمري

قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة

مؤتة- الكرك/ الأردن

rashed@mutah.edu.jo

 

 


فهرس الكتاب

 

الموضوع

الصفحة

الإهداء

مقدمة الكتاب

المقدمة

الباب الأول: التفسير بالرأي والحرص على إقصاء السّنّة المطهرة

1) إنكار النسخ وإنكار حدّ الرجم على الزاني المحصن

إنكار النسخ

إنكار حدّ الرجم

2) الآية الكريمة: (...وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).  ينفي د. أحمد نوفل أن يكون المراد بالحكمة هو السنة

3) الآية الكريمة: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) (القلم 42). يقول د. نوفل: "ربط البخاري هذه الآية بالحديث، ولكن يحق لنا التساؤل هل البخاري معصوم؟ البخاري نِعْمَ العالم، لكنه إذا أخطأ في حديث فإنه لا يسقط من أعيننا !" ... ويقسم د. أحمد نوفل أنّ هذا غير صحيح!. 

4) الآية الكريمة: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ). يرفض د. أحمد نوفل تصديق (معجزة) انشقاق القمر؛ رغم ثبوتها في أحاديث صحيحة رويت من عدة طرق

انشقاق القمر يوم القيامة

مصير القمر يوم القيامة

5) الآية الكريمة: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) (الانشقاق 19). يرى أنّ هذه الآية خاصة بالكفار، وهذا غير صحيح.

6) ردّه أحاديث الشفاعة الواردة في صحيحي البخاري ومسلم

7) ردّه الحديث: (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ) رغم ثبوته في صحيح البخاري.  ويقول "الحديث من خرّجه؟! وإن صحّ؛ فهو بحاجة إلى تخريج سياسي"!

8) ينكر قتال الملائكة مع المؤمنين يوم بدر: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي

9

13

20

48

48

48

58

 

59

 

 

 

67

 

78

 

86

88

 

89

91

 

99

 

 

الموضوع

الصفحة

مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ)؛ وبالرغم من ثبوته في صحيح مسلم

9) يؤكد د. نوفل على عدم الوقوف على اسم الجلالة (اللَّهُ ۗ) فيطلب الوصل في قراءة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) مُخالفاً التفسير الراجح وضبط المصحف.  ويؤكد على عدم وجود آيات متشابهة في القرآن! يفرد د. نوفل حلقة كاملة للطعن بالأحاديث ويدعو للتفسير بالعقل

10) يقول وبالعامّيّة: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال !"

11) يطعن في صحة كون اليهود سمّموا النبي؛ رغم ثبوت الرواية.

 12) د. نوفل يطعن في الحديث الحسن: (ألا إنَّ مَن قبلَكم من أهلِ الكتابِ افتَرقوا على ثِنتين وسبعين مِلَّةً...)، ويقول: "أن الحديث مزق الأمة ... ولا يصحّ سنداً ... وهذا الحديث مصيبة

13) د. نوفل ينكر لقاء الرسول بموسى (عليهما السلام) في رحلة المعراج

14)  د. نوفل يحتج على قول توهم أنه منسوب إلى علي رضي الله عنه: (بيننا وبينكم السنة)؛ ثمّ يشنّع على هذا القول !.  والصواب أن القول المنسوب لعلي هو: (بيننا وبينكُمْ كِتابُ اللهِ)!

15) ويطعن أحياناً الدكتورُ نوفل في الحديث بطريقة ملتوية؛ فعلاً صدَق الحديث الشريف: (يوشك أن تداعى) عمره الحديث ما كان بمثل هذا الوضوح لا والله!)

16) الآية الكريمة: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ . .) (البقرة: 260)؛ يطعن د. نوفل في حديث نَفْي الشَّكِّ عن إبراهيم؛ بالرغم من أنّ الحديث في صحيح البخاري.

17) د. نوفل ينكر الخضر في قصة موسى عليهما السلام!. يقول د. نوفل: الخضر موجود بالحديث. أنا بالنسبالي لا أجعل الظني مع القطعي اليهودية فيها خضر والنصرانية فيها خضر واحنا عندنا خضر! أخشى تكون من الإسرائيليات وركبولها سند!

18) د. نوفل يتهم من علماء الحديث من يصحح رواية فيها اسمي قابيلُ وهابيلُ؛ فيقول: "في دينّا (ديننا) ما فيه قابيلُ وهابيلُ!".

102

 

111

 

122

122

122

 

123

 

130

 

149

 

 

151

 

155

 

 

 

156

 

 

162

 

الموضوع

الصفحة

19) الطعن في الحديث الصحيح: (أَبْطَأَ جِبْرِيلُ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ

20) د. نوفل يقدم ما يراه هو على أنه تفسير ولا يستشهد بالأحاديث النبوية مطلقاً!

 21) يقول د. نوفل أنّ الأحاديث ظنيّة الثبوت وأنّ شبك السنة مع النص القرآني بجيب إشكال

22) السنة وما أدراك ما السنة:

23) د. نوفل يسيئ إلى هذا الدين وينقض مصادره حين يبثّ الشائعات ويزعم أنّ العلماء تكلموا في ثلاثمائة حديث في البخاري!

الباب الثاني: ينسب د. نوفل إلى السنة والتفاسير ما ليس فيهما

1) يقول د. نوفل وبالعامّيّة: (يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت... لماذ تسكت(!

تقوّلٌ على التفاسير

1) تقوّلٌ على تفسير إبن عاشور

2) الآية الكريمة: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) (القلم: 13).

 الباب الثالث: التفسير بالرأي المناقض للسّنّة وعلوم الكون والفيزياء

1) الآية الكريمة: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ).  د. أحمد نوفل يلمز الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في بيان مناسبة نزول هذه الآية

 2) الآيات الكريمة: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ...) (فصلت 9-12).   د. أحمد نوفل يفسر الأرض في هذه الآيات بالكرة الأرضية!.  وهذا تفسير مرفوض علميا وفيزيائياً

3) يصرح د. أحمد نوفل على قناة حياة بأنّ الآية (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ) [الزمر 67] على المجاز وليس على الحقيقة ؟!. وهذا القول بلا شكّ انتقاص من كمال القدرة الإلهية.

4) إنّ الحديث الشريف (الذي يقصيه د. نوفل) هو الذي يكشف لنا عن معنى السّماء (العنان أي السّحاب) التي تسترق منها الشياطين السّمع: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا).

 

162

165

167

 

168

 

169

170

 

170

174

174

174

179

179

 

 

182

 

184

 

 

186

 

187

 

الموضوع

الصفحة

5) الآية الكريمة: (أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا).  د. نوفل نفى الإعجاز العلمي للآية!

الباب الرابع: يقدم مفاهيم خاطئة في قضايا لا يعلمها؛ ويعرضها على أنها من التفسير

1) الفيزياء

1.1) يقول د. نوفل أن الإلكترون والبروتون أزواج (زوجين)! وقوله غير صحيح!

 1.2) يقول د. نوفل أنّ الأرض تدور حول الشمس منذ 14 مليار سنة!  وقوله هذا غير صحيح

1.3) يجيب د. نوفل على أي سؤال يطرح عليه وحتى لو كان في غير اختصاصه ومجاله

يقول:" كلّ الكون دائري، كلّ المجرّات كواكب دائرية، لا يمكن الدورة إلا تكون دائرية ... علم الفيزياء والفلك والكون بلايين دائرية كروية.!

 سئل عن فحوى الحديث الذي يشير إلى سجود الشمس تحت العرش.  و بتقديري أنّ الإجابة كانت مجتزأة منقوصة.

يقول أنّ التقويم الشمسي مضبوط أكثر من التقويم الميلادي! بينما نجد البيان في الآية الكريمة: (ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍۢ) (الرحمن 5).  وعليه فكلا التقويمين منضبط تماماً.

الآية الكريمة: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(

يُسألُ عن البحر المسجور، فيقول بوجود الماء الثقيل H2O2 داخل الأرض !، وأنّ البحار يوم القيامة ستصبح بمثابة قنبلة هيدروجينية!.

2) ملاحظات في العقيدة

2.1) يقول د. نوفل: "كل ما سوى الله شيء أنا بالنسبة لي لا أقول ألله شيء".  ثم يتابع ليقول: "عند غيري ما فيه مشكلة ما فيه مشكلة! يعني ما عنديش مشكلة إنه أمشيها لغيري! لكن أنا ما بقولهاش"!

2.2) يزعم د. نوفل أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج ، ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم

 

187

 

190

190

190

 

190

 

192

 

193

 

195

 

 

197

200

 

 

207

209

 

 

209

 

212

 

الموضوع

الصفحة

2.3) خروج الدّابة: يقول د. نوفل" ..  بعد العلامات الكبرى الإيمان لا ينفع. خرج الدخان خرجت الدّابة خلص قفلوا الدفاتر "!

 2.3.1) الحديث: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: {لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا} [الأنعام: 158] ...). وبالتالي ينفع الإيمان زمن خروج الدّجال؛ كما وينفعُ أهلُ الكتابِ إيمانُهم بعيسى عليه السّلام عند نزوله.

2.3.2) الآية الكريمة: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) (الأنعام 158 ) ؛ فهي دليل على أنّ باب التوبة مفتوح حتى بعد ظهور بَعْض علامات السّاعة الكبرى

2.4) توبة قتل العمد

يُسألُ د. نوفل عن توبة القتل العمد، وعن التوفيق بين الآيتين: (النساء: 93)، (النساء - 48 ) .  فيقول على قناة حياة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ)، ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً.!

2.5) يقول بعدم بعث الحيوانات: "الحيوانات ليش تقوم".  قوله هذا خلاف الثابت والصحيح؛ والأدلّة من آيات القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم

2.6) يزعم أنّ الوحي أزلي وأنّ القرآن أزلي

2.7) د. نوفل لا يعتببر السّنّة وحياً

2.8) الدكتور نوفل يتناقض في تفسيره مع بعض مسلمات الدين والعقيدة

3) أخطاء في الرياضيات: حديثه عن حل نظام من المعادلات الخطية؛ وذلك عند محاولته تفسير الآية: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (النور: 35)

 البدهيات: د. نوفل يقدم فهما مغلوطاً على أنه بدهيات (بديهيات)! ويقول: "... المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات "

الباب الخامس: فهم خاطئ لآية محكمة واضحة

 (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ...) (هود: 118).

 

220

 

222

 

 

 

222

 

 

224

 

 

224

 

 

227

228

230

231

 

246

 

247

 

258

 

الموضوع

الصفحة

يستشهد بهذه الآية في معرض التبرير للاختلاف الفقهي! لكن الآية تتحدث عن اختلاف الأديان

الباب السادس: التفسير بالعواطف والانفعالات ومن غير دليل!

 سورة الإسراء: د. أحمد نوفل يذكر رقمين: عدد آيات سورة الإسراء (111) وعدد آيات سورة يوسف (111)؛ ليصرح بحتمية زوال إسرائيل عام (2022 م)!

2) في محاولته تفسير (حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ؛ قدّم د. أحمد نوفل ما يبدو أنه نوع من الدفاع عن الآية الكريمة! لكن بألفاظ تسيء إلى سماحة الإسلام، فكرّر عبارات مثل: (البسطار فوق راسه)، (الجزمة فوق راسه)، (رجله فوق راسه)، (داعس على راسه) !

3) يُسأل د. أحمد نوفل: "ما رأيك بالإستماع لمحاضرات الدكتور عدنان إبراهيم" ، فيجيب: يسمع له لكن بحذر!.

 الباب السابع: ملاحظات أخرى على تفسير د. أحمد نوفل

1) الآية الكريمة: (... قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة: 249).

2) الآية الكريمة: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ).

3) العالِمْ كوني بينما الرسالة عالمية!: يقول مقدم البرنامج واصفاً د. نوفل بأنه: "أللقاء اليوم مع شخصية إنسانية، إسلامية. مع شخصية كونية !"

4) يطعن د. نوفل في حديث إسناده جيّد؛ وذلك أثناء حديثه عن التكاثر على الأرض في بداية الخليقة زمن آدم عليه السلام.

5) دعاء الرسول لابن عباس: (اللَّهُمَّ فقِّههُ في الدِّينِ وعلِّمهُ التَّأويلَ)

 كثيرا ما يحتج د. نوفل بعلم ابن عباس ليُسوّقَ وجهة نظره هو!

6) يطرح قضايا لا تمت للواقع بصلة.  فمثلاً يهزأ بفكرة السّبايا في الجهاد

7) د. نوفل لا يأبه لقواعد التفسير

الأخبار في النهي عن تأويل القرآن بالرأي

8) أسرار حروف فواتح السور في تنـزيه كلام الله وفي أسماء القرآن وإنـزاله وجعله عربيّاً

9) زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين عائشة

10) حلقات ما يسمى بـ (لقاء الأسبوع ، تجربتي مع التفسير)

الباب الثامن: وتحت عنوان: الأردن ... عالم تفسير يثير جدلا حول أحاديث الصحيحين

الخلاصة:  وماذا بعد أن أثار دكتور نوفل حفيظة المسلمين المدافعين عن السّنّة؟  هل غيّر د. نوفل في خطابه؟

الخاتمة

 

 

259

 

259

 

 

 

262

 

266

266

 

266

268

 

274

 

276

277

 

279

279

280

 

286

289

297

 

298

306

new

343

 

 

 


 

الإهداء

أهدي هذا العمل إلى الحبيب الّذي صلى عليه الله والملائكة والمؤمنون؛ أفضل الخلق محمّد رسولِ الثقلين الذي أكرمه الله فأنزل عليه القرآن.

 إلى الحبيب الذي حُبُّه إيمان : (لا ، والذي نفسي بيدِه ، حتى أكونَ أحبَّ إليك مِن نفسِك) .  إلى الحبيب الهادي : (لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يَكونَ هواهُ تبعًا لمَّا جئتُ بِهِ)  .

 إلى صاحب الشرف والمكانة التي لا تنبغي لأحد من الخلق.  أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ .  ثم هُناكَ أزالَ اللهُ عنْهُ الحِجَابَ الذي يَمنعُ من سَماعِ كلامِ اللهِ .  ثم هناك أيضاً أزَالَ عن قلبِهِ الحجابِ فرأى اللهَ تعالى بقلبِهِ أي جَعَلَ اللهُ له قوَّةَ الرُؤيةِ والنظَرِ بقلبه ، فرأى اللهَ بقلبهِ .

 إلى من شهد له الّذين قاتلوه وأخرجوه من مكة قبل إسلامهم : (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ يَأْمُرُنَا يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ).

 إلى الذي أكرمه الله بأعظم خُلق: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم 4)، والذي قَالَ: (إنَّما بُعِثْتُ لأُتممَ صالحَ الأخلاقِ) . إلى الحبيب الذي بُعث رحمة للعالمين (الجنّ والإنس): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 107).  وكانت بعثته للنّاس كافة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ 28).  وقال النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (وبُعِثتُ إلى الناسِ عامةً)  .

 أَيْ رَبِّ إلى الحبيب الذي جَعَلْتَه سيدَ وَلَدِ آدمَ وأَوَّلَ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرضُ وصاحب الحَوْض .  إلى صاحب الوسيلة والشفاعة؛ الذي يُعاود مراجعة ربّه في أهل النّار حتى يقول سبحانه : (وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله).

 إلى أَوَّلُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْجَنَّةِ ، إلى الحبيب بيّن فضل من يعول يتيما  . إلى مدخل الفرحة قلوب صحابته: (... قال أنسٌ : فما فرِحنا بعد الإسلامِ ، فرحًا أشدَّ من قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " فإنك مع من أحبَبْتَ " . قال أنسٌ : فأنا أُحبُّ اللهَ ورسولَه . وأبا بكرٍ وعمرَ. فأرجو أن أكون معهم . وإن لم أعملْ بأعمالِهم . ) .

 إلى الحبيب الذي سلّم عليه الحجر: (إنِّي لأعرفُ حجرًا بمكَّةَ كان يسلِّمُ عليَّ قبل أنْ أُبعثَ . إنِّي لأعرفهُ الآن) . إلى الحبيب الذي حنَّ إليه جذع النخلة: (كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يخطبُ إلى جَذْعٍ ، فلمَّا اتخذَ المنبرَ تحوَّلَ إليهِ فحنَّ الجذْعُ ، فأتاهُ يمسحُ يدَهُ عليهِ )  .  إلى الحبيب الذي كانت له معجزات كثيرة ما كانت لغيره من الأنبياء: أهمها القرآن، ورحلة الإسراء والمعراج ، و رؤيته الجنة والنار ، ومنها انشقاق القمر له، وحماية الملائكة له ، ولقد عصمه الله من أن يصل إليه الكفار ، ومنها سماعه لأهل القبور، ومخاطبته لقتلى بدر ، واهتزاز جبل أحد .  ومنها نبع الماء من بين أصابعه .  ومن معجزاته سماعه وجبة لحجر ألقي في جهنّم.

 إليك يا من هديت إلى عدل السماء: (وايمُ اللهِ لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سَرقَتْ لقطَعتُ يدَها)  . إلى المربي ومدرسة الزهد ومعلّم الأخلاق :  (فإن أحببتم أن يُحِبَّكم اللهُ ورسولُه ، فأدُّوا إذا ائتُمِنتم ، واصدُقوا إذا حدَّثتم ، وأحسِنوا جِوارَ من جاوركم) .

 إلى الحبيب الذي حذّر أمّته من الوهْن وحذّرها من عدوّها:  (يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها . فقال قائلٌ : ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ. فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ ! وما الوهْنُ ؟ قال : حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ).

 إلى رسولنا الذي نبّه من ذئبا حُبِّ الشَّرفِ وحبِّ المالِ.

 إلى الحبيب يحذر من أخذ شيء بغير حقّ: (أيُّما عاملٍ استعملناهُ وفرضْنا له رزقًا فما أصاب بعد رزقِه فهو غُلولٌ) .  إلى الحبيب يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يُسألُ شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشاء كثير بين جبلين، من شاء الصدقة قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) .

 إلى الحبيب يُعلّمنا حفظ الجميل : (لو سلك الناسُ واديًا وسلكتِ الأنصارُ شعبًا لاَخترتُ شعبَ الأَنصار) .  وقوله : (آيةُ الإيمانِ حبُّ الأنصارِ ، وآيةُ النِّفاقِ بغضُ الأنصار) .  وقوله في الخلفاء الرّاشدين : (لا يجتمِعُ حُبُّ هؤلاءِ الأربعةِ إلَّا في قلْبِ مُؤْمِنٍ: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعُثمانُ، وعليٌّ رضِيَ اللهُ عنهم)  .

 إلى الحبيب الذي أمين سرّه على المنافقين حذيفة ؛ (ولا نخرق على أحد سترا ) : ( ... فقال حرملة يا رسول الله إن لي إخوانا منافقين كنت فيهم رأسا ألا أدلك عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم من جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك ومن أصر على ذنبه فالله أولى به ولا نخرق على أحد سترا ).

 إلى الحبيب الذي ترفّق برأس النّفاق (عبد الله بن أبي ابن سلول): لقد صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة رأس النّفاق رغم أنّ له ماله من باع وصولات في الكيد للإسلام ولمحمّد صلى اللّه عليه وسلّم ؛ ولأهله.

 إلى الحبيب الذي حذّر من أمراء السوء: (إنَّهُ سيَكونُ عليكم بعدي أُمَراءُ فَمن دخَلَ عليهِم فَصدَّقَهم بِكذبِهم وأعانَهم على ظُلمِهم فَليسُ منِّي ولستُ مِنهُ وليسَ بِواردٍ عليَّ الحوضَ ومَن لَم يصدِّقْهم بِكذبِهم ولم يُعْنهم على ظُلمِهم فَهوَ منِّي وأنا منهُ وسيَردُ عليَّ الحوضَ) .

 إلى الحبيب الذي الّذي أشفق على الإسلام وعلى مستقبل الأمّة يوم بدر (اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَة مِنْ أَهْل الْإِسْلَام فَلَا تُعْبَد فِي الْأَرْض أَبَدًا) ، فنصره ربُّه : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).  وقاتل مع المسلمين يومَ بدر أفضلُ الملائكة (وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَة) .

 إلى الحبيب الذي ربّى أصحابه فاستحقّوا أروع المثل وأجلّه وأسماه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح 29).

 إلى الحبيب الذي ربّى أصحابه المهاجرين ؛ الّذين تركوا المال والأهل والوطن فراراً بدينهم .  فحُقّ لهم قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أبشِروا يا معشرَ صعاليكِ المهاجرينَ بالنورِ التامِّ يومَ القيامةِ تدخلون الجنةَ قبلَ أغنياءِ الناسِ بنصفِ يومٍ وذلك خمسمائةُ سنةٍ) .  واستحقوا الثناء من اللّه: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100).  وأنزل الله عز وجل: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة / 118-117] حتى بلغ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } [التوبة /119] . قال كعب: والله ! ما أنعم الله علي من نعمة قط ، بعد إذ هداني الله للإسلام ، أعظم في نفسي ، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم . أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا . إن الله قال للذين كذبوا ، حين أنزل الوحي ، شر ما قال لأحد . وقال الله: { سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } [التوبة / 96-95] .  ...) .

 إلى الحبيب الذي ربّى أصحابه فأخبَرَ أنّه لا يُحبُّهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق (حُبُّ الأنْصارِ آيَةُ الإيمانِ، وبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفاقِ) .  الأنصار الذين قاسموا إخوانهم من المهاجرين كلّ شيء.

 إلى الحبيب القائل: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ.) .  والنَّصيحةُ لله تكون بالدَّعوةِ إلى الإيمانِ به، ونَفْي الشِّركِ وجميعِ النَّقائص عنه، وإخلاصِ العبادةِ كلِّها له سبحانه.  والنَّصيحةُ للرَّسول تكونُ باتِّباعه وتصديقِه في كلِّ ما جاء به، وتنفيدِ أوامرِه، والانْتهاءِ عمَّا نَهى عنه، ومُراعاةِ هَدْيه وسُنَّته.

 إلى الحبيب الذي تعجز الكلمات عن وصفه ولن يوفيه أحدٌ من الخلق حقّه .  إلى رسول ربّي أهدي كتابي ، مؤملا أن يجمعني الرّحمن الرحيم الكريم اللّطيف الودود المنّان مع حبيبه وصفوة خلقه محمد صلوات ربي وسلامه عليه (" فإنك مع من أحبَبْتَ " . قال أنسٌ : فأنا أُحبُّ اللهَ ورسولَه . وأبا بكرٍ وعمرَ . فأرجو أن أكون معهم . وإن لم أعملْ بأعمالِهم ).

 إلى رسول الثقلين الذي أكرمه الله فأنزل عليه القرآن أهدي كتابي


مقدمة الكتاب

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين، وأفضل الصّلاة وأتمُّ التّسليم على خير الخلق الرّسول الكريم، محمّد بن عبداللّه، خاتم الرّسل والنّبيّين، بعثه في الأميين (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).  أللّهمّ آت سيِّدنا محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه اللّهمَّ مقاماً محموداً الّذي وعدته.

أمّا بعد،  فقد تجمعت لي الملاحظات التالية من خلال سماعي تفسير د. أحمد نوفل على قناة حياة FM ؛ حوالي خمسين حلقة في السنوات الأربع الأخيرة.  وسماع حوالي نفس العدد تقريبا من خواطر ما بعد الفجر في مسجد حرز الله (عمان)؛ كان ذلك قبل أعوام.

بعض الملاحظات كنت قد كتبت في موضوعها ومجالها ؛ وذلك من خلال كتابتي في الإعجاز الفيزيائي الكوني للقرآن الكريم.  وبعض الملاحظات كانت بدافع من سماعي حلقات تفسير د. نوفل.  وازداد حجم الملاحظات أثناء محاولتي سماع بعض التسجيلات بهدف التوثيق .

لقد أرشدني أخ فاضل إلى ضرورة الجلوس مع د. نوفل؛ أو أن يطّلع على هذا الكتاب من باب التناصح ومحاولة أن نتوصل سويا إلى الفهم الصحيح.  وبناءً على توجيه هذا الأخ الفاضل أرسلت للدكتور نوفل مسودة هذا الكتاب؛ كما أُرْسِلَت إليه أيضاً بواسطة أخ كريم آخر.

 فكان جواب د. نوفل من خلال الأخ الكريم د. بشار هو: "ردَّ الدكتور أحمد نوفل على بحثكم فقال : لكل وجهة و لا نحجر على أحد.. و إن أراد الكاتب نشر بحثه فهذا حقه..".([1]).

فذكّرني هذا الرّدُ بالآية الكريمة: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 148).  وفي تفسيرها يقول الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا.  قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: "ولكلّ"، ولكل أهل ملة، فحذف " أهل الملة " واكتفى بدلالة الكلام عليه، ... ).

هل أراد د. نوفل الإشارة إلى هذا أم لم يرد؟! لن أتوقف عنده فالله أعلم بالنوايا.  وأتوقف عند قوله سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)؛ سائلا المولى عزّ وجل أن يرزقنا الإخلاص في كلّ عبادة وعمل وقول، وأسأله سبحانه لعملي هذا أن يكون خالصاً لوجهه الكريم أبتغي فيه مرضاته .  وأسأله جلّ جلاله باسمه الأعظم؛ أسأله بأنه الله الرحمن الرحيم البرّ التواب الواحد الأحد الفرد الصمد أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ودفاعا عن القرآن وعن سنة الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه.  مؤملا أن يجمعني الرّحمن الرحيم الكريم اللّطيف الودود المنّان مع حبيبه وصفوة خلقه محمد صلوات ربي وسلامه عليه.  وأسأله سبحانه أن يكتب لي أجر السبق (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) في الرد على د. نوفل مواقفَه الإقصائية للسنة والتي أبينها في هذا الكتاب.

وإنّني لأتوجه بالشكر الجزيل لكل أخ يكملُ قراءة هذا الكتاب ويقدّم أيّ نصح من شأنه أن يُصوّب أيّة جزئية من هذا العمل أو أن يرفع من سويته؛ وأدعو الله أن يجزيه خير الجزاء.  يا كرام لا تبخلوا على أخيكم؛ فإنّني ألتمس لدى كلّ واحدٍ منكم العلم والإفادة خدمةً للكتاب والسّنة أولاً ؛ ثمّ عملاً تقدّموه لأنفسكم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون .

وأمّا الإخوة الذين لم يقرأوا هذا الكتاب؛ وتسمعهم يقولون: "ألا يغفر للدكتور نوفل ماضيه وجهاده؟".  بل وتجد بعضهم يضع على صفحته صورة د. نوفل وخلفه قبة الصخرة .  إلى هؤلاء يمكن القول: لا كنسية ولا صكوك غفران في ديننا الحنيف.  ولا نسكن أحداً جنّة ولا ناراً، والأعمال بالخواتيم، وليس ثمة منهج قويم بغير سنة رسولنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.  ولا نقدّم قبة الصخرة على تحكيم سنة الحبيب في حياة الأمة.  بل إنّ أمّة الكتاب والسنّة لهي الجديرة بأن تحرّر الأقصى؛ لا الأمّة التي تقصي السّنّة.  أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَقربُ للحقّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ؟ المدافع عن السّنّة أم المدافع عن الأشخاص؟!

بل وقد يهبُّ بعضهم للدفاع عن د. نوفل في مقابل دفاعي هذا عن سنة نبيّنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم واستنكاري التفسير من غيرما منهج مؤصّل؛ فأردّهم جميعاً إلى أمر الله ورسوله: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران 104).  وأدعوهم ود. نوفل إلى العودة إلى جادّة الصّواب والاستغفار لقول الحبيب عليه أفضل الصلاةِ وأتمّ التّسليم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لهمْ.) ([2]).  

يا كرام: لا تعتقدوا عِصمةَ البشرِ من الدُّعاة والعلماءِ الذين يفسّرون القرآن الكريم.  وإنه منهج د. نوفل حين ينتقد تفاسير السّلف، فيأخذ منهم ويردّ عليهم، لا بل وهذا قوله كُلّما أراد تبرير صنيعه في ردِّ أحاديث في صحيحيّ البخاري ومسلم من غير دراية في علم الحديث!.  وأرجو أن لا يفوتني أن أكرّر التماسي لديكم: أسألكم بالله من وجد خللاً في هذا الكتاب فليسدي لي النّصحَ .

السّنة النّبويّة الشريفة كلامُ سيّد الخلقِ وأصدقهم الذي لا ينطق عن الهوى، كلامٌ صحيحٌ مُحقّقٌ مُدقّقٌ مرفوعٌ إليه بالسّند المتّصِلِ عن الرّواةِ الثّقاتِ الذين قلّ أن يجودَ الزّمانُ بمثلِهمِ. فلا يأتينَّ من لا يعرفُ علمَ الحديث فيعمِلَ أداته التي لا تستندُ إلى أساس علميٍّ متين في علم الحديث ثمّ يُحكّمَ منهجه العقليّ الخاص - وأيّ منهج - ليردّ من كلام سيّد الخلقِ على هواه، فتضِلّ بكلامِهِ قلوبٌ ضعيفةٌ ويتّبعه من لا باع عنده في الأمر، فيفسِدَ على النّشء من أمّةِ محمّدٍ - صلى الله عليه وسلّم-  دينَها.

وفي معرض مناظرة القساوسة، قال العالم والداعية الربّاني الشيخ أحمد ديدات (رحمه الله) ([3]): " ... مَنْ كلُّ هؤلاء؟ مَنْ كلُّ هؤلاء؟ هل هؤلاء عيسى؟ لا إنّما كلّ هذا كلام بولص بولص بولص (كلام بشر).  إنّني أودّ أن أعرف ماذا قال سيّدنا عيسى (رسول الله عليه السّلام)، إنّني أحبّه وأحترمه، وأرغبُ باتّباعه.  لكنّني أودّ أن أعرف ماذا قال عيسى". أمّا نحن فكلامُ نبيّنا بيننا نعرفه حقّ المعرفةِ، ونؤمن به، ولانشكّ فيه مثقالَ ذرة، بل إنّ هوانا تبعٌ له ، ونتعبّدُ باتّباعهِ، ونعْرِضُ عليه ما أشكلَ علينا من كتاب الله عزّ وجلّ لنجدَ ضالّتنا فتَقَرَّ به أعيُنُنا وترضى نفوسُنا؛ عملًا بقول سيّد الخلق عليه الصلاة والسّلام: (والَّذي نَفسي بيدِهِ، لا يؤمنُ أحدُكُم حتَّى يَكونَ هواهُ تبعًا لما جِئتُ بِهِ) ([4]). كما وإنّنا نسألُ الله الهداية لكلّ مسلم يضيق صدره من أحاديث الصحيحين، والله وليّ الذين آمنوا.

لقد تخيلت نفسي كما لو كنت زميلاً أو طالباً تتلمذ على يد الدكتور نوفل؛ فقلت لعلّ من الصعوبة بمكان أن يأتي الرّد على تفاسير د. نوفل من داخل كلّيات الشريعة؟  ولقد سألت صديقين اثنين من حملة درجة الدكتوراة في علم الحديث فالتمست انزعاجاً عندهما من بعض مواقف الدكتور نوفل من أحاديث الصحيحين.  فكان هذا دافعاً لي على الكتابة حتى وإن كنت فيزيائياً؛ لست ضليعاً بعلوم الشريعة.  وممّا كان يزيد حماستي في الكتابة أنني باحثٌ في التفسير العلمي وفي الإعجاز الفيزيائي الكوني؛ وكنت ابتداءً ومن قبلُ أقيّم بضاعة هؤلاء فقط من خلال فهمهم لآيات القرآن التي تتحدث عن الكون.  وإنني موقنٌ أنّ سماعي محاضرات د. نوفل في السنوات الأخيرة كان بتقدير المولى سبحانه؛ فلقد كنت أساقُ إليه سوقاً.  ولمّا أن تراكمت لديّ الملاحظات، قلتُ لا عذر لي أن لا أكتب.

أللهمّ إنَّ هذا الكتاب جهدُ عبدك المقلّ.  وكيف لا؟ وأنت سبحانك القائل: (...وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) (الإسراء: 85).  لك الحمدُ سبحانك، فلطالما أحسستُ بإلهامك واستشعرتُ توفيقك وتيسيرك وعنايتك ، فاجعل اللّهمّ هذا الكتاب حقّاً دامغاً تقذف به على كلّ باطلٍ أو مبطلٍ ينتقص من سنّة رسولك محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.  والحمد لله ربّ العالمين.

الملخّص

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

يتناول هذا البحث منهج الدكتور أحمد نوفل ([5]) في تفسير القرآن الكريم من خلال تتبّع مداخلاته في عددٍ من البرامج الإذاعية، ومناقشة آرائه وطروحاته التي يتعرّض فيها للحديث النبوي الشريف – ومن ضمنها صحيحي البخاري ومسلم - مشكِّكاً ومكذِّباً وداحضاً وناقداً لكلام سيِّد الخلقِ؛ بحجّة مخالفة العقل (عقله هو!) والمنطق (منطقه هو!).  يقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([6]).  ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([7]).  بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([8]). 

يقول د. نوفل في حديثه عن القرآن: "لن نفهم هذا الكلام العظيم إلاّ بالعقل، ورصيدنا من اللغة ورصيدنا من الفهم، والخبرة والتجربة والمطالعة.  كل هذا الرصيد به نفهم كلام الله. من غير هذا الرصيد مش حنفهم هذا الكلام.  رصيد من اللغة رصيد من القراءات: في الكون والتاريخ والجغرافيا والمعلومات حتى نستطيع أن نفهم هذا الكلام. لا بدّ من أرصدة تكون لديك وذخر في هذا العقل (مع وضع يده على رأسه)" ([9]). 

يا للعجب! د. نوفل يريد رصيدا من مختلف جوانب المعرفة حتى يفسّر القرآن، ولم يذكر من ضمنها سنة الحبيب صلى الله عليه وسلّم!.  وهل خفي أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - مشرّع بأمر الله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى‏.‏  ولا يشرع من عند نفسه‏.‏  ‏وهل خفي أنّ الدين الذي تعبدنا الله به هو كلامه وكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط‏.‏

وفي معرض حديثه عن الآية: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)، يقول د. نوفل: وحتى يضيّع البعضُ بركة الفهم قالوا: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والسّنّة، بهذه الطريقة نكون قد قضينا على طريقة الفهم تماماً، وقطعنا دابره نهائياً. هل المراد بالحكمة في الآية في سورة الأحزاب السنة؟ قولاً واحداً لا، ...، انما الحكمة أحسنية الفهم... الحكمة الفهم والفهم المناسب للنص الذي يضع الأمور في نصابها ومعاييرها.) ([10]).

أقول: وأيُّ بطرٍ للحقّ وغمط للناس، أكثر من زعم الزاعمين المدّعين أنّ أفهامهم وعقولهم أعلى من مستوى حديث رسولنا عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم؟!.  يقول صاحب تفسير المنار: "وجملة القول أنّ الله تعالى أكمل الدين بالقرآن وبيان نبيه – صلى الله عليه وسلّم – للناس ما نزل إليهم فيه، فما صحّ من بيانه لا يعدلُ عنه إلى غيره، وما بعد سنّته نورٌ يهتدى به في فهم أحكامه للعالم بلغته مثل إجماع الصحابة أو عمل السواد الأعظم منهم وممن تبعهم في هداهم، فمن رغب عن سنّتهم ضلّ وغوى، ولم يسلم من اتّباع الهوى." (محمد رشيد رضا، تفسير المنار ، جزء 6 ، ص 166).

وإنّ د. نوفل ليتّهم المحدّثين (الذين خدموا السنة) بأنّهم يركبُون سنداً للأحاديث؟!  وإنّ د. نوفل يقول: "المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات ".  وفي غياب الدولة (الدول) التي تحكّم الشريعة الإسلامية في حياة المسلمين، يتهكم د. نوفل على حدّيّ: الرّجم على الزاني المحصن، والقتل للمرتدّ عن الإسلام!.  بل إنّ دكتور نوفل أحياناً يتناقض في طروحاته مع بعض مسلمات العقيدة!. 

وحيث أنّني أستدرك على د. نوفل ما تطرق إلى مسمعي من تفسيره للآيات الكونية، والتي كنت من قبل قد كتبت بحثاً في كلّ آية منها.  وحيث أنّني أستدرك على دكتور نوفل تفسيره بعض الآيات التي تناقشها التفاسير القديمة والحديثة بفهم واحد متسق لم يختلفوا عليه، لذا فإنّني سأكتفي ببيان مفهوم هذه الآيات من خلال بعض التفاسير القديمة، وكذلك بعض التفاسير الحديثة. 

وستلاحظ معي أنّ ما يقدمه د. نوفل هي آراء مجتزأة أو مرجوحة تخالف إجماع المفسّرين! ولربّما لم يقل بها أحد! كما في حديثه عن الجزية (البسطار فوق راسه، الجزمة فوق راسه، رجله فوق راسه، داعس على راسه!). وكما الحال في حديثه عن يأجوج ومأجوج، وحديثه عن الآية: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ).

وحيث أنّه لا يوجد في المكتبات تفسير يعود إلى د. نوفل (سوى تفسير سورة يوسف) هذه الأمور مجتمعة دفعتني للبحث في محاضرات وتسجيلات د. نوفل فجعلت هذا الكتاب ردّاً على بعض طروحاته.  وفي كلّ الأحوال لا بدّ من الرّدّ على هذه التسجيلات؛ حيث فيها إجحاف بحقّ السّنّة، وحيث أنّها مسموعة ولها من يتابعها، ولربّما هنالك من يعجب بها! لا بدّ من بيان الحقّ والصواب في معرض مناقشة هذه التسجيلات.  سيّما وأنّ بعضها يتناقض مع مسلّمات علم الكون والفيزياء، بل إنّ دكتور نوفل أحياناً يتناقض في طروحاته مع بعض مسلمات العقيدة!.  هذا وإنّ الإنسان ليؤاخذ شرعاً بما يكتب وبما يقول.  بل إنّ تفسير المرحوم الأستاذ الدكتور فضل حسن عبّاس هو تفريغ لحلقات كان قد قدّمها – من قبل أن يتوفاه الله - على قناة حياة FM .  بل إنّ المفسّر لكتاب الله لا يُقبل منه أن يتناقض تفسيرُه المسموع مع تفسيره المكتوب ! هذا وإنّ مما أستدرك فيه على نوفل أشياء مكتوبة، وأخرى معدّة ومكتوبة يقرؤها على المتابعين، بل وبعضها حلقات مسجلة قبل أيّام من عرضها على المشاهدين أو المستمعين.  وأسأل الله أن يكون هذا العمل هو ردّ على تفسير نوفل قبل صدوره، إن كان الله تعالى قدّر صدوره.

كلمات دالّة (مفتاحيّة): أحمد نوفل، القرآن الكريم، السُّنّة النبويّة، التفسير، الآيات الكونية، مسلّمات العقيدة.


المقدمة ([11])

لقد آثرت أن تكون مقدمة هذا الكتاب مأخوذة من مقالتين: أولاهما المقالة (الفتوى، إجابة على سؤال لسائل) الموسومة بعنوان: شبهات وجوابها حول الحديث والسنة وبعض الحدود، وهي ليست كتابتي وإنما مقتبسة من مقالة على موقع إسلام ويب (islamweb.net).

 جاء في الفتوى: فأما كون الإمام البخاري رحمه الله ألف صحيحه بعد قرنين من موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يعقل أن تدون الأحاديث بعد هذه المدة كما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا وإن كان معقول المعنى إلا أن قائل هذا الكلام غفل عن الشروط الدقيقة التي وضعها المحدثون ولاسيما أمثال البخاري لقبول المرويات، فهم لا يقبلون إلا من الثقة، وهو الذي يجمع بين العدالة والضبط، ومع ذلك فلابد من خلو روايته من الشذوذ والعلة، وهذه مسالك في غاية الدقة لا يحسن تعاطيها إلا جهابذة أهل العلم ممن أفنوا أعمارهم في خدمة السنة جمعا ودراسة وتمحيصا، ولا يمكن للمرء أن يقف على حقيقة هذا الأمر إلا إن درس علوم الحديث وعرف الجهود المضنية التي يسر الله لها أهل الحديث من هذه الأمة، حيث وضعوا قواعد وضوابط في غاية الإتقان، وبذلوا في ذلك من الجهد ما يشهد لحفظ الله تعالى لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى قد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الله قد حفظ السنة كما حفظ القرآن، كما سبق التنبيه عليه في الفتويين: 28205، 19694. وهذا العلم الشريف بنقد الروايات وتمحيصها تفرد به المسلمون، فلا يوجد عند أمة من الأمم غيرهم، لذلك قال المستشرق المجري مارجيليوس: ليفتخرْ المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. اهـ.

 والمقصود أن أصل الإشكال عند هذا المتكلم (السائل) أنه قاس حال المحدثين في قبول المرويات بحال غيرهم ممن يفتقد الضبط بل والعدالة.

 ثم إننا ننبه أن صحيحي البخاري ومسلم من دون غيرهما من المصنفات الحديثية، لهما شأن خاص، فليس الأمر مجرد عناية بشرط الصحة والنظر في الأسانيد، بل الأهم من ذلك هو تلقي علماء الأمة لهما بالقبول والتسليم، وأن الأصل هو صحة روايتهما، وبذلك يعرف تهافت الاستدلال ببشرية البخاري فإن هذا ليس محلا للنزاع، ولكنه لا يصلح مطعنا في صحيحه بعد تلقي الأمة له بالقبول. وأما ما انتقد عليهما فغالبه متوجه للصناعة الحديثية وليس لمتون الأحاديث، وهذا مع الأسف لا يدركه أكثر المعاصرين الذين تناولوا هذه المسألة الخطيرة، وحتى الأحاديث النادرة التي ينتهض انتقاد المنتقد لها لا تنقض جلالة الصحيحين، وقد سبق أن بينا ذلك في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13678، 134033، 128476، 70192.

 وننبه هنا على أمر مهم في هذا الشأن، وهو أن الطعن في أحاديث البخاري وحجيته من حيث الجملة، يختلف اختلافا جذريا عن انتقاد حديث أو أحاديث بعينها لأسباب علمية صرفة، ممن هو أهل لذلك من الراسخين في هذا العلم كالدارقطني ونحوه. وهذا الخلاف ليس من حيث الصورة والظاهر فقط، بل من حيث المقصد والغاية بالأساس، ففرق هائل بين من كان يقصد صيانة السنة والذب عن حياضها بالتحري والتثبت العلمي، وبين من يقصد هدمها وتقويض بنائها، والطعن في أصل ثبوتها وصحة نقلها.

 وأما مسألة كتابة الحديث والنهي عنها، فقد صدق القائل (السائل، المُسْتَفتِي) بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر عبثا بعدم كتابة غير القرآن. ولكنه صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه لم يأذن عبثا لبعض أصحابه بالكتابة، فكلا الأمرين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعلة في ذلك أن لا يختلط القرآن بغيره، في عصر كانت أدوات الكتابة فيه قليلة ومحدودة، ولا يحسنها إلا نفر قليل، ومن تأمل هذه الحال، واستحضر ضرورة نقل القرآن بلفظه وحرفه، عرف أن مورد الإذن غير مورد المنع، وقد سبق لنا الكلام على كتابة الحديث وتدوينه في الفتويين: 8516، 13196.

 وأما مسألة التعارض بين القرآن والسنة، فتناولُها بالطريقة المذكورة في السؤال لا يأتي فقط على السنة، بل يأتي على القرآن نفسه، فقد زعم كثير من الملحدين وأهل الملل الباطلة أن بين آيات القرآن نفسه تعارضا. فطريقة إبطال هذه الدعوى هي هي طريقة إبطال تلك، فإن السنة النبوية في مجال التشريع إنما هي وحي من الله تعالى، فكما نجمع بين آيات القرآن بحمل كل آية على المراد بها، فكذلك نفعل إذا كان بين ظاهر القرآن والسنة نوع اختلاف. وراجع الفتوى رقم: 113857.

 وأما مسألة مخالفة السنة للعقل، فهذا أمر وارد، فإن العقول البشرية بضعفها وقصورها وضيق عطنها، لا يمكن أن تستوعب حكم التشريع، ولا أن تحيط بموارد الغيب، فإذا خالفت السنةَ كان الحكم للسنة بلا ريب، هذا مع أن هذا التعارض بين السنة والعقل، قد ذُكر مثله أيضا مع القرآن فهل نَردُّ القرآن كذلك لمخالفته بعض العقول السقيمة والآراء الساقطة؟! وهنا ننبه على أن العقل الصريح لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح، وأن الوحي وإن كان يأتي بما تحار فيه العقول، فإنه لا يمكن أن يأتي بما تحيله العقول (تقول باستحالته)، وقد سبق لنا بيان ذلك، وبيان أن تحكيم العقل في أحكام الشرع زيغ وضلال، فراجع الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 20458، 23028، 129696، 39932.

 وأما مسألة نسخ السنة للقرآن، فمحل خلاف بين أهل العلم قديما وحديثا، والجمهور على أن القرآن ينسخ بالسنة المتواترة. وراجع في ذلك الفتويين: 22660، 46669.

 وأما حد الردة، فصحيح أنه لم يثبت في القرآن، إلا أن ذلك ليس بمطعن؛ لأنه ثبت بالسنة الصحيحة، ونقل العمل به منذ عصر الصحابة تواترا، بما يفيد العلم القطعي بثبوته. ثم إن هذا لا يعارض حرية الاعتقاد، لأنه صورة مستثناة لمصلحة عامة، ولا تعارض بين خاص وعام، فكل كافر لا يصح أن يكره على الدخول في الإسلام، ولكنه إن دخل فيه فلا يقبل منه الردة عنه، وراجع في تفصيل ذلك الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13987، 33562، 50846.

 وأما حد الرجم فقد سبق أن بينا ثبوته بالكتاب والسنة للزاني المحصن، وراجع في ذلك الفتويين: 26483، 42939.

 وأما الاستدلال بقوله تعالى: (يا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ){الأحزاب: 30}. على عدم التفريق بين المحصن وغيره، توسلا لإبطال حد الرجم فهذا هو المضحك حقا، وليس كما يقول هذا القائل (السائل، المُسْتَفتِي): ثبوت حد الرجم مضحك جدا. فهذه الآية لا تتكلم أصلا عن عقوبة الدنيا، بل الآخرة، ولو قرأ هذا القائل الآية التي بعدها فضلا عن حفظها لتبين له ذلك، حيث يقول تعالى: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) {الأحزاب: 31}. فهل مضاعفة الأجر تكون هي الأخرى في الدنيا؟! ومما يبين ذلك أيضا أن في قراءة ابن كثير وابن عامر: (نُضعِّف لها العذابَ) بالنون وكسر العين وتشديدها، ونصب العذاب، فهي منسوبة إلى الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا في الآخرة. ومن المفسرين من فسر المضاعفة بالجمع بين عذاب الدنيا والآخرة، كما قال زيد بن أسلم: { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } في الدنيا والآخرة. اهـ.

 وكذلك فإن الراجح في تفسير الفاحشة هنا أنها المعاصي الظاهرة كالنشوز وسوء المعاملة.

 قال ابن الجوزي في زاد المسير: (بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي بمعصية ظاهرة، قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين. اهـ.

 وبالجملة فكثير من المستشرقين والمستغربين وأذنابهم قد أثاروا الشبهات حول هذين الحدين على وجه الخصوص: حد الرجم، وحد الردة، وذلك لأن الكلام على الحدود الثابتة في القرآن كحد السرقة وحد القذف، فيه طعن ظاهر في القرآن، فلم يجترئ عليه المنتسبون للإسلام منهم. وقد تناول ذلك جمع من الباحثين بالرد والتفنيد والبيان، ومن ذلك بحث الدكتور عماد الشربيني (عقوبتا الزاني والمرتد ودفع الشبهات في ضوء القرآن والسنة) فيمكن الرجوع إليه للتوسع في ذلك.  انتهى الموضوع الأوّل.

 وقبل الشروع في بيان ملاحظاتي على تفسير الدكتور أحمد نوفل، اسمحوا لي طرح السؤال: هل يجب علينا اتباع السنة أم يكفينا اتباع القرآن فقط ؟

وفيما يلي أقدمُ جواباً أستوحيه من موقع الإسلام سؤال وجواب على الرابط ([12]).

دلالة القرآن الكريم على حجية السنة كثيرة ومنها:

 - قال الله تعالى : (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (النساء: 80) ، فجعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته .

 ثم قرن طاعته بطاعة رسوله ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء: 59)

 - لقد حذّر اللهُ عز وجل من مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتوعد من عصاه بالخلود في النار ، قال تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) ) (النور)

 - جعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من لوازم الإيمان ، ومخالفته من علامات النفاق ، قال تعالى : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) (النساء).  ومناسبة نزول الآية يبينها الحديث الشريف: (أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، في شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتي يَسْقُونَ بهَا النَّخْلَ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ، فأبَى عليهم، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إلى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قالَ: يا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حتَّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إنِّي لأَحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ في ذلكَ {فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} [النساء: 75[) ([13]).

 ويربط ابن كثير بين هذه الآية وبين قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... ) (الأحزاب 6).  فيقول في معرض تفسيره لآية الأحزاب: "قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ... ) ( النساء 65 ) .  وفي الصحيح:  (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ.) ([14]).

 ويؤكد ابن عباس وجوبَ اتباع السّنّة: (عن طاوسٍ أنَّهُ كان يُصلِّي بعدَ العصرِ ، فنهاهُ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما فقال طاوسُ : إنَّما نُهيَ عنها أن يتخذَها سُلَّمًا ، قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ الآيةَ (الأحزاب 36)، وما أدري أتُعَذَّبُ علَيها أم تُؤجَرُ) ([15])

- قال الله تعالى : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (آل عمران 31)

تفسير البغوي:

قوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه . قال الله تعالى: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: (ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).

 يقول القرطبي: " وقال سهل بن عبد الله : علامة حب الله حب القرآن ، وعلامة حب القرآن حب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلامة حب النبي - صلى الله عليه وسلم - حب السنة ..."

- قال الله تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران 132).

يقول القرطبي : وأطيعوا الله يعني أطيعوا الله في الفرائض والرسول في السنن : وقيل : أطيعوا الله في تحريم الربا والرسول فيما بلغكم من التحريم . لعلكم ترحمون أي كي يرحمكم الله .

- قال الله تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) المائدة 92)

تفسير السعدي: طاعة الله وطاعة رسوله واحدة، فمن أطاع الله، فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. وذلك شامل للقيام بما أمر الله به ورسوله من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، المتعلقة بحقوق الله وحقوق خلقه والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه كذلك. وهذا الأمر أعم الأوامر، فإنه كما ترى يدخل فيه كل أمر ونهي، ظاهر وباطن.

- أمر سبحانه وتعالى عباده بالاستجابة لله والرسول ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (الأنفال : 24).

- ثم أمرهم سبحانه برد ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرَّسُول ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء: 59).

وهنالك المزيد من الأدلة؛ ومعظمها من سورة النساء:

 (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 60-65)

- قال الله تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء 80)

 تفسير الطبري: قال أبو جعفر: وهذا إعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم، أيها الناس، محمدًا فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولنَّ أحدكم: " إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضَّل علينا "!

تفسير السعدي: أي: كل مَنْ أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه ) فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تعالى لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقا، فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله لم يأمر بطاعته مطلقا، ويمدح على ذلك.

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) (النساء: 83)

 (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) (الأنعام 104).  يقول ابن كثير: البصائر : هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن ، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .

إنّ من بعض صفات أهل الكتاب الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلّم أنّهم : (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (التوبة: 29).

دلالة السنة النبوية على حجية السنة كثيرة ومنها:

 تركتُ فيكم أمرينِ ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما : كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي.  وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث الشريف:

 (إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم ، و لكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم ، فاحْذَروا ، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا ، كتابَ اللهِ ، و سُنَّةَ نبيِّه) ([16])

شرح الحديث :

 القرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النَّبويةُ هُمَا حَبْلُ اللهِ المتينُ، فمَن حفِظَهما وعمِلَ بما فيهما بِنِيَّةٍ صادقةٍ وقَلْبٍ مُتَيَقِّنٍ؛ فإنَّ له الجزاءَ الأوْفى عندَ اللهِ سُبحانه.

 وفي هذا الحَديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ"، أي: أصابَه اليأْسُ بعدَ انتشارِ الإسلامِ، "بأرْضِكم" وهي جَزيرةُ العرَبِ، "ولكنْ رضِيَ أنْ يُطاعَ فيما سِوَى ذلك"، أي: رضِيَ بأنْ يَتَّبِعَه الناسُ فيما هو أقلُّ مِن الشِّركِ باللهِ، وهو "ممَّا تُحاقِرون مِن أعْمالِكم" مِن صَغائِرِ الذُّنوبِ والمعاصي، وهي اللَّمَمُ، "فاحْذَروا"، والمعنى: احْذَروا مِن طاعةِ الشيطانِ والوُقوعِ في الصغائرِ؛ لأنَّها لا تَزالُ بالعبدِ حتى تُهْلِكَه وهو لا يَدْري، "إني قد ترَكْتُ فيكم"، أي: ترَكْتُ لكم بعدَ مَوتي فيما بيْنكم، "ما إنِ اعتَصَمْتم به"، أي: تمَسَّكتم به وأخَذْتُم بالعملِ بما فيه، "فلنْ تَضِلُّوا أبدًا"، أي: فلنْ تَكونوا في ضَلالٍ وزَيْغٍ عن الحقِّ بعدَ تَرْكِي إيَّاه فيكم، أو بعدَ التَّمسُّكِ به والعمَلِ بما فيه، إنِ اعتصَمْتُم به، "كِتابَ اللهِ"، وهو القُرْآنُ الكريمُ، وهو أعظمُ وأفضلُ ما يَتأسَّى به الناسُ، ويَقتَدونَ به؛ لأنَّه كلامُ اللهِ سُبحانه وتَعالى؛ ولأنَّه يَهْدِيهم إلى الطَّريقِ المستقيمِ، وإلى الحقِّ، فلا يَضِلُّون، "وسُنَّةَ نَبِيِّه" وهي كُلُّ ما ورَدَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ مِن أقوالٍ، أو أفعالٍ، أو أُمورٍ أقَرَّها ووافَقَ عليها، وفي السُّنَّةِ بَيانٌ وتفصيلٌ لِمَا في القرآنِ الكريمِ، والكتابُ والسُّنَّةُ هما أصْلُ الدِّينِ، وفيهما النَّجاةُ لمَن تَمسَّك بهما.

 وفي الحديثِ: التخويفُ والتَّحذيرُ مِن وسْواسِ الشَّيطانِ.  وفيه: الحثُّ على التَّمسُّكِ بالكتابِ والسُّنَّةِ . ولدينا كذلك الأحاديث الشريفة:

 (تركتُ فيكم أمرينِ ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما : كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي ، ولن يتفَرَّقا حتَّى يرِدا عليَّ الحوضَ) ([17]).

شرح الحديث: كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ نَبيِّه هما الأصلانِ اللَّذانِ لا عُدولَ عنهما، ولا هدْيَ إلَّا منهما، والعِصمةُ والنَّجاةُ لمَن تمسَّكَ بهما، واعتصَمَ بحَبْلِهما.

 وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إنِّي قد خلَّفْتُ فيكم شَيئينِ"، أي: تَركْتُ لكم بعدَ وَفاتي ومماتي أمرينِ، "لنْ تَضِلُّوا بعدَهما أبدًا ما أخذْتُم بهما- أو عَمِلْتُم بهما-"، أي: هما سببٌ في الفوزِ في الآخِرةِ إذا أخَذَ بهما العبْدُ في الدُّنيا، "كِتابَ اللهِ، وسُنَّتي"، أي: بالاستِمساكِ والعمَلِ بالقرآنِ والسُّنةِ معًا؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، والمرادُ بسُنَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أقوالُه وأفعالُه وتَقريراتُه، "ولنْ يَتفرَّقَا"، أي: هما مَحفوظانِ باقيةٌ حُجَّتُهما على الأُمَّةِ، "حتَّى يَرِدَا عليَّ الحَوضَ"، أي: يَمُرَّا عليَّ وأنا على الحوضِ، والحوضُ هو نَهرُ الكَوثرِ الذي أعطاهُ اللهُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ الَّذي يَسْقِي منه الواردينَ عليه مِن المؤمنينَ.

 وفي الحديثِ: بَيانُ أنَّ منزلةَ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ كمَنزلةِ القرآنِ.  وفيه: إثباتُ وُجودِ الحَوضِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ

(تركتُ فيكم أمريْنِ لن تضلُّوا ما تمسَّكْتُم بهما : كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِه .) ([18]).

 (ترَكْتُ فيكم أَمرينِ ، لَن تضلُّوا ما تمسَّكتُمْ بِهِما : كتابَ اللَّهِ وسنَّةَ رسولِهِ) ([19])

وفي بيان أهمية السّنّة: (ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ)، وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث الشريف:

 (لألفَينَّ أحدُكم متكئًا على متكَئِه يصلُ إليه عنِّي حديثٌ فيقولُ : لا نجدُ هذا الحكمَ في القرآنِ . ألا وإنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ) ([20])

(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ ألا يوشكُ رجلٌ شبعانُ على أريكتِهِ يقولُ عليكم بهذا القرآنِ فما وجدُتم فيهِ من حلالٍ فأحلوا وما وجدُتم فيهِ من حرامٍ فحرِّموا وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كما حرَّمَ اللهُ ألا لا يحلُّ لكم لحمُ الحمارِ الأهليِّ ولا كلُّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ ولا لُقطةُ معاهدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها ومن نزلَ بقومٍ فعليهم أن يقروهُ فإن لم يقروهُ فلهُ أن يعقبَهم بمثلِ قِراهُ) ([21])

(أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ) ([22]).  (إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ) ([23]).  (ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه) ([24]).

(ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلُه معه ، ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانٌ على أريكتِه يقول : عليكم بهذا القرآنِ، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه ، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموهُ ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ كما حرَّمَ اللهُ، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السباعِ ، ولا لُقَطَةُ معاهدٍ إلا أن يستغنيَ عنها صاحبُها ، ومن نزل بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوهُ ، فإن لم يَقْرُوهُ ، فله أن يُعْقِبَهُمْ بمثلِ قِرَاهُ) ([25])

(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ ، ألا يوشِكُ رجلٌ شبعانٌ علَى أريكتِهِ يقولُ : عليكم بِهَذا القرآنِ، فما وجدتُمْ فيهِ من حلالٍ فأحلُّوا ، وما وجدتُمْ فيهِ من حرامٍ فحرِّموهُ ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - كما حرَّمَ اللَّهُ ; ألا لا يحلُّ لَكُمُ الحمارُ الأَهْليُّ ، ولا كلُّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ ولا لقطةُ معاهَدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزلَ بقومٍ ، فعليهم أن يُقروهُ، فإن لم يُقروهُ فلَهُ أن يُعْقِبَهم بمثلِ قِراهُ) ([26])

 (ألَا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه [ وفي روايةٍ ] : ألا إنَّ ما حرَّم رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّم اللهِ) ([27]).

(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه) (الراوي: المقدام بن معدي كرب ، المحدث : الألباني ، المصدر: الحديث حجة بنفسه، الصفحة أو الرقم: 21 ، خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح)

(لا ألفينَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكتِهِ يأتيهِ الأمرُ من أمري ممَّا أمرتُ بِهِ أو نَهيتُ عنْهُ فيقولُ: لا أدري ما وجَدنا في كتابِ اللَّهِ اتَّبعناهُ رَواهُ التِّرمِذي وفي روايةٍ لغيرِهِ ما وجَدْنا فيه حرامًا حرَّمناهُ ألا وإنِّي أوتيتُ القُرآنَ ومثلَهُ معهُ . وفي أخرى ألا إنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ مثلُ ما حرَّمَ اللَّهُ) (الراوي: - ، المحدث : الألباني ، المصدر: منزلة السنة، الصفحة أو الرقم: 10 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح)

(ألا إني أوتيت القرآنَ ومثلَه معه) (الراوي: - ، المحدث : الألباني ، المصدر : صفة الصلاة، الصفحة أو الرقم: 171 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح مشهور)

(ألَا إنِّي أُوتيتُ الكِتابَ ومِثلَه معه، ألَا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه معه، ألَا يوشِكُ رجُلٌ يَنْثَني شَبْعانًا على أَريكتِه يقولُ: عليكم بالقُرآنِ، فما وجَدْتُم فيه مِن حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجَدْتُم فيه مِن حرامٍ فحَرِّموه! ألَا لا يَحِلُّ لكم لَحمُ الحِمارِ الأَهْليِّ، ولا كلُّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ألَا ولا لُقَطةٌ مِن مالِ مُعاهَدٍ إلَّا أنْ يَستَغنيَ عنها صاحِبُها، ومَن نزَلَ بقَومٍ فعليهم أنْ يَقْرُوهم، فإنْ لم يَقْرُوهم فلهم أنْ يُعْقِبوهم بمِثلِ قِراهُم. ) ([28])

ويقول سبحانه: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء: 80)

وفي تفسير الطبري: قال أبو جعفر: وهذا إعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم، أيها الناس، محمدًا فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولنَّ أحدكم: " إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضَّل علينا "!

تفسير ابن كثير:  يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أطاعه فقد أطاع الله ، ومن عصاه فقد عصى الله ، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني " ..  وهذا الحديث ثابت في الصحيحين ، عن الأعمش به

عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي

(أتينا العرباضَ بنِ ساريةَ، وهو ممن نزل فيه ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه فسلَّمنا، وقلنا : أتيناك ؛ زائرين، وعائدين، ومقتبسِين . فقال العرباضُ : صلى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوبُ . فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ ! كأن هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى اللهِ والسمعِ والطاعةِ وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) ([29])

شرح الحديث:

كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَدْعو أصْحابَه إلى الخيْرِ ويُحذِّرُهم منَ الشَّرِّ، ويَعِظُهم ويُذَكِّرُهم بين الحِينِ والآخَرَ.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمْرٍو السُّلَمِيُّ، وحُجْرُ بنُ حُجْرٍ: "أتَينا العِرْباضَ بنَ سارِيَةَ"، أي: جِئنا إليهِ، "وهو ممَّن نزَلَ فيهِ" هذه الآيَةُ: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} [التوبة: 92]، أي: لا أجِدُ ولا أملِكُ منَ المراكِبِ من الفَرَسِ والإبِلِ ونحوِها المعَدَّةِ للجِهادِ؛ لأُعطِيَه لكم لتُجاهِدوا عليها، قالوا: "فسَلَّمْنا"، أي: ألْقَيْنا عليهِ السَّلامَ، وقلنا: "أتَيْناك زائرينَ وعائدِينَ"؛ منَ العيادَةِ للمَريضِ، "ومُقتبِسِين"، أي: مُحصِّلينَ نورَ العِلمِ مِنكَ، فقال العِرْباضُ: "صلَّى بِنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذاتَ يوْمٍ، ثمَّ أقبَلَ علينا"، أي: بوجْهِه، "فوَعَظنا موْعِظةً بلِيغَةً"، أي: حدَّثَنا وذكَّرَنا بقوْلٍ موجَزٍ وفيه مَعانٍ كثيرَةٌ، "ذرَفَتْ منها العُيونُ"، أي: سالَتْ منها الدُّموعُ، "ووجِلَتْ منها القُلوبُ"، أي: خافَت ورهِبَت.

قال: "فقال قائلٌ"؛ منَ الحاضِرين: "يا رسولَ اللهِ، كأَنَّ هذه موْعِظةُ مودِّعٍ"، أي: موعِظَةُ مُسافِرٍ عند الودَاعِ، "فماذا تَعْهَدُ إلَينا؟"، أي: بماذا تُوصِي إلينا؟ فقال: "أُوصِيكم بتَقْوى اللهِ"؛ وذلك بفِعلِ الواجِباتِ وترْكِ المحَرَّماتِ، "والسَّمْعِ والطَّاعةِ"، أي: للأُمراءِ، "وإنْ عبْدًا حبشِيًّا"، أي: وإن كان هذا الأَميرُ أو الوالي عبْدًا حبَشِيًّا؛ "فإنَّه مَن يعِش منكم بَعدي"، أي: بعدَ موْتي، "فسَيَرى اختِلافًا كثيرًا"؛ في الدِّينِ، وغيرِه، ثمَّ أَرشَدَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أنفعِ عِلاجٍ عندَ وقوعِ الاختلافِ الكثيرِ، فقال: "فعلَيكم بسُنَّتي"، أي: طريقَتي ونَهْجي، "وسُنَّةِ الخُلَفاءِ المَهديِّينَ الرَّاشِدينَ"، أي: الَّذين هَداهُم اللهُ وأرْشَدَهم إلى الحَقِّ، والمقصود بهم الخُلفاءُ الرَّاشِدون الأربعةُ: أبو بَكرٍ الصِّدِّيق، وعُمرُ بنُ الخَطَّاب، وعُثمانُ بنُ عفَّانَ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنهم أجمعين، "تمَسَّكوا بها"، أي: بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ، وأفْرَدَ لفظ (بها) مع أنَّها تعودُ على اثنَتَينِ؛ لأنَّهما كشيءٍ واحدٍ، "وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ"، أي: آخِرِ الأضْراسِ؛ يَعني بذلك الجِدَّ في لُزومِ السُّنَّةِ والتَّمسُّكِ بها، "وإيَّاكم"، أي: احْذروا واجْتَنِبوا، "ومُحْدَثاتِ الأُمورِ"، أي: الأُمورِ الَّتي تَحدُثُ بعد ذلك وتُخالِفُ أصْلَ الدِّينِ؛ "فإنَّ كلَّ مُحْدَثةٍ" في دِينِ اللهِ وشرْعِهِ، "بِدْعَةٌ"، أي: طَريقةٌ مخترَعةٌ في الدِّينِ، "وكلَّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ"، أي: موجِبَةٌ للضَّلالةِ والغِوايَةِ، ويَضِلُّ بها صاحِبُها.

وفي الحديث: الحَثُّ والتأكيدُ الشَّديدُ على التمسُّكِ بسنة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدين، والنَّهيُ عن الابتداعِ في الدِّينِ والتحذيرُ الشَّديدُ مِن ذلك.

(عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي ، عضُّوا عليها بالنَّواجذِ) ([30])

(عليكم بسنتي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِييْنَ مِنْ بَعْدِي ، تَمَسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّوَاجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثَاتِ الأمورِ؛ فإِنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ.) ([31])

(عليكم بسُنَّتي وسنَّةَ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المهديِّينَ من بَعدي ، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذِ ، وإيَّاكمْ ومُحدَثاتِ الأمورِ ، فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) ([32])

(عليْكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المَهديِّينَ مِن بعدي تمسَّكوا بِها وعضُّوا عليْها بالنَّواجذِ وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمورِ) ([33])

 (عليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المَهْديِّينَ) (الراوي : العرباض بن سارية ، المحدث : العيني، المصدر: نخب الافكار، الصفحة أو الرقم: 2/146 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح ،  انظر شرح الحديث رقم 77860

(عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشِدين الهادِين) (الراوي : [العرباض بن سارية] ، المحدث : الشوكاني، المصدر : إرشاد الفحول، الصفحة أو الرقم: 2/275 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح

 (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِينَ الهادِينَ عَضُّوا عليها بالنواجِذِ) (الراوي :  ]العرباض بن سارية[، المحدث : الشوكاني ، المصدر : إرشاد الفحول، الصفحة أو الرقم: 1/160، خلاصة حكم المحدث : صحيح، انظر شرح الحديث رقم 68414

 (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِين المهدِيِّينَ مِن بعدي) (الراوي : العرباض بن سارية ، المحدث: الشوكاني ، المصدر : الفتح الرباني، الصفحة أو الرقم: 5/2177 ، خلاصة حكم المحدث: صحيح ،  انظر شرح الحديث رقم 63163

 (عليكم بسُنَّتِي وسنةِ الخُلفاءِ الراشِدينَ المهدِيِّينَ عُضْوًا عليْها بالنَّواجِذِ) (الراوي : عبدالله بن مسعود، المحدث : الألباني ، المصدر : تخريج كتاب السنة، الصفحة أو الرقم: 58 ، خلاصة حكم المحدث: صحيح ،  انظر شرح الحديث رقم 70589

(عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين) (الراوي : - ، المحدث : الألباني ، المصدر : النصيحة، الصفحة أو الرقم: 20 ، خلاصة حكم المحدث : اتفق العلماء قاطبة على صحته ، مع تعدد طرقه ،  انظر شرح الحديث رقم 61395

(عليكُمْ بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ.) (الراوي : أبو نجيح ، المحدث : شعيب الأرناووط ، المصدر: تخريج شرح السنة، الصفحة أو الرقم: 4/119 ، خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح

القضاء بما في كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ، فإن لم يَكُن في كتابِ اللَّهِ فبسنَّةِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ

ففي الحديث الشريف الذي يرويه معاذ بن جبل:

(أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا بعثَهُ إلى اليمَنِ قالَ : كيفَ تَقضي إذا عرضَ لَكَ قضاءٌ ؟ قالَ أقضي بما في كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ قالَ : فإن لم يَكُن في كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ؟ ، قُلتُ : بسنَّةِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ : فإن لم يَكُن في سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ؟ قالَ : أجتَهِدُ رأيي ولا آلو ، قالَ : فضربَ صَدري بيدِهِ وقالَ : الحمدُ للَّهِ الَّذي وفَّقَ رسولَ رسولِ اللَّهِ لما يُرضي رسولَ اللَّهِ) (الراوي : معاذ بن جبل ، المحدث : الطحاوي ، المصدر : شرح مشكل الآثار، الصفحة أو الرقم: 9/212 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح، الراوي : معاذ بن جبل ، المحدث: الشوكاني ، المصدر : الفتح الرباني، الصفحة أو الرقم: 9/4485 ، خلاصة حكم المحدث : حسن لغيره، وهو معمول به

التخريج : أخرجه أبو داود (3592)، والطيالسي في ((المسند)) (1/454)، والبيهقي في ((الكبرى)) (10/114) باختلاف يسير.

يا ربِّ لك الحمد، أسألك بجلالك أن توفقنا لما يُرضي رسولَ اللَّهِ؛ فيا لخيبة من يُقْصِي سُنَّةَ رسولِ اللَّهِ.

فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي

(عَنْ أَنَسٍ، أنَّ نَفَرًا مِن أَصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن عَمَلِهِ في السِّرِّ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَنَامُ علَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه. فَقالَ: ما بَالُ أَقْوَامٍ قالوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي.) ( الراوي : أنس بن مالك ، المحدث : مسلم ، المصدر : صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم:  1401 ، خلاصة حكم المحدث :  صحيح).

التخريج : أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401) واللفظ له.

أي: مع كَوني أكثرَكم خشيةً للهِ وأكثرَكم تقوًى له، ولكنِّي مع ذلك لا أُبالغُ في العبادةِ ما تُريدونَ المبالغةَ فيها، ولكنْ أَصومُ وأُفطرُ وأتزوَّجُ النِّساءَ وأقومُ وأنامُ؛ وذلك لأنَّ المتشدِّدَ لا يأمَنُ مِنَ المَللِ بِخلافِ المقتصِدِ فإنَّه أمكنُ لِاستمرارِه، وخيرُ العملِ ما داوَمَ عليه صاحبُه، ثم حذَّرهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الغلوِّ والابتعادِ عَن سنَّتِه في العبادةِ، فقال لهم:"فمَن رغِبَ عَن سنَّتي فليس مِنِّي"، أي: فمَن أعرَضَ عَن نَهجي وطريقتي فإنَّه بعيدٌ كلَّ البُعدِ عَن متابعتِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.

ثالثاً : دلالة الإجماع على حجية السنة ([34]):

قال الشافعي رحمه الله : ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدا أُخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قبل خبره ، وانتهى إليه ، وأثبت ذلك سنة .. وصنع ذلك الذين بعد التابعين ، والذين لقيناهم ، كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة ، يحمد من تبعها ، ويعاب من خالفها ، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم إلى اليوم ، وكان من أهل الجهالة .

يقول تعالى: (... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الحشر 7).

يقول ابن كثير: "وقوله : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) أي : مهما أمركم به فافعلوه ، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه ، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا يحيى بن أبي طالب ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن العوفي ، عن يحيى بن الجزار ، عن مسروق قال : جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت : بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة ، أشيء وجدته في كتاب الله أو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: بلى ، شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول! . قال: فما وجدتِ فيه : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) ؟ قالت: بلى . قال: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة. قالت: فلعله في بعض أهلك. قال : فادخلي فانظري . فدخلت فنظرت ثم خرجت ، قالت : ما رأيت بأسا . فقال لها : أما حفظتِ وصيةَ العبد الصالح : ( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) "

رابعا: دلالة النظر الصحيح على حجية السنة ([35])

كون النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله ، يقتضي تصديقه في كل ما يخبر به ، وطاعته في كل ما يأمر به ، ومن المُسلَّم به أنه قد أخبر وحكم بأمور زائدة على ما في القرآن الكريم ، فالتفريق بينها وبين القرآن، في وجوب الالتزام بـها ، والاستجابة لها ، تفريق بما لا دليل عليه ، بل هو تفريق باطل ، فلزم أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم واجب التصديق ، وكذا أمره واجب الـطـاعة .

يقول تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) (التغابن 12).

يقول القرطبي: أي هونوا على أنفسكم المصائب، واشتغلوا بطاعة الله، واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول في العمل بسنته ؛ فإن توليتم عن الطاعة فليس على الرسول إلا التبليغ .

وسؤال آخر: هل يعقل ترك الإستدلال بسنة صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله والأخذ برأي من يقدم العقل على السنّة؟!

رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (الإسراء 79)

(وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (49) ) (الأعراف)

" أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ" قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس يَعْنِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف " اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس" قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ " الْآيَة . قَالَ فَلَمَّا قَالُوا لَهُمْ الَّذِي قَضَى اللَّه أَنْ يَقُولُوا يَعْنِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف لِأَهْلِ الْجَنَّة وَأَهْل النَّار قَالَ اللَّه لِأَهْلِ التَّكَبُّر وَالْأَمْوَال " أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " وَقَالَ حُذَيْفَة إِنَّ أَصْحَاب الْأَعْرَاف قَوْم تكافأت أَعْمَالهمْ فَقَصُرَتْ بِهِمْ حَسَنَاتهمْ عَنْ الْجَنَّة وَقَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتهمْ عَنْ النَّار فَجُعِلُوا عَلَى الْأَعْرَاف يَعْرِفُونَ النَّاس بِسِيمَاهُمْ فَلَمَّا قَضَى اللَّه بَيْن الْعِبَاد أَذِنَ لَهُمْ فِي طَلَب الشَّفَاعَة فَأَتَوْا آدَم فَقَالُوا يَا آدَم أَنْتَ أَبُونَا فَاشْفَعْ لَنَا عِنْد رَبّك فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا خَلَقَهُ اللَّه بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَسَبَقَتْ رَحْمَته إِلَيْهِ غَضَبه وَسَجَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَة غَيْرِي ؟ فَيَقُولُونَ لَا فَيَقُول مَا عَلِمْت كُنْهه (ما عملت فيه كُنْهَ) مَا أَسْتَطِيع أَنْ أَشْفَع لَكُمْ وَلَكِنْ اِئْتُوا اِبْنِي إِبْرَاهِيم فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ أَنْ يَشْفَع لَهُمْ عِنْد رَبّهمْ فَيَقُول تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَد اِتَّخَذَهُ اللَّه خَلِيلًا هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا أَحْرَقَهُ قَوْمه بِالنَّارِ فِي اللَّه غَيْرِي ؟ فَيَقُولُونَ لَا فَيَقُول مَا عَلِمْت كُنْهه (ما عملت كُنْهَ) مَا أَسْتَطِيع أَنْ أَشْفَع لَكُمْ وَلَكِنْ اِئْتُوا اِبْنِي مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام " فَيَقُول هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَد كَلَّمَهُ اللَّه تَكْلِيمًا وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا غَيْرِي فَيَقُولُونَ لَا فَيَقُول مَا عَلِمْت كُنْهه (ما عملت فيه كُنْهَ) مَا أَسْتَطِيع أَنْ أَشْفَع لَكُمْ وَلَكِنْ اِئْتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَهُ عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ لَهُ اِشْفَعْ لَنَا عِنْد رَبّك فَيَقُول هَلْ تَعْلَمُونَ أَحَدًا خَلَقَهُ اللَّه مِنْ غَيْر أَب فَيَقُولُونَ لَا فَيَقُول هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَد كَانَ يُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه غَيْرِي؟ قَالَ فَيَقُولُونَ لَا فَيَقُول أَنَا حَجِيج نَفْسِي مَا عَلِمْت كُنْهه (ما عملت فيه كُنْهَ) مَا أَسْتَطِيع أَنْ أَشْفَع لَكُمْ وَلَكِنْ اِئْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتُونِي فَأَضْرِب بِيَدَيَّ عَلَى صَدْرِي ثُمَّ أَقُول أَنَا لَهَا ثُمَّ أَمْشِي حَتَّى أَقِف بَيْن يَدَيْ الْعَرْش فَآتِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَيُفْتَح لِي مِنْ الثَّنَاء مَا لَمْ يَسْمَع السَّامِعُونَ بِمِثْلِهِ قَطُّ ثُمَّ أَسْجُد فَيُقَال لِي يَا مُحَمَّد اِرْفَعْ رَأْسك وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّع فَأَرْفَع رَأْسِي ثُمَّ أُثْنِي عَلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ أَخِرّ سَاجِدًا فَيُقَال لِي اِرْفَعْ رَأْسك وَسَلْ تُعْطَهُ وَاشْفَعْ تُشَفَّع فَأَرْفَع رَأْسِي فَأَقُول رَبِّي أُمَّتِي فَيَقُول هُمْ لَك فَلَا يَبْقَى نَبِيّ مُرْسَل وَلَا مَلَك مُقَرَّب إِلَّا غَبَطَنِي بِذَلِكَ الْمَقَام وَهُوَ الْمَقَام الْمَحْمُود فَآتِي بِهِمْ الْجَنَّة فَأَسْتَفْتِح فَيُفْتَح لِي وَلَهُمْ فَيُذْهَب بِهِمْ إِلَى نَهَر يُقَال لَهُ نَهَر الْحَيَوَان حَافَّتَاهُ قَصَب مُكَلَّل بِاللُّؤْلُؤِ تُرَابه الْمِسْك وَحَصْبَاؤُهُ الْيَاقُوت فَيَغْتَسِلُونَ مِنْهُ فَتَعُود إِلَيْهِمْ أَلْوَان أَهْل الْجَنَّة وَرِيح أَهْل الْجَنَّة فَيَصِيرُونَ كَأَنَّهُمْ الْكَوَاكِب الدُّرِّيَّة وَيَبْقَى فِي صُدُورهمْ شَامَات بِيض يُعْرَفُونَ بِهَا يُقَال مَسَاكِين أَهْل الْجَنَّة .( تفسير ابن كثير).

الأحاديث:

اللهم الرفيق الأعلى

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم الرفيق الأعلى، إذ علم أنه هو صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله.  فاختار الرفعة على الحياة الدنيا الزائلة.

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح : ( إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ، ثم يخير ) . فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ، ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف، ثم قال : ( اللهم الرفيق الأعلى ) . قلت : إذا لا يختارنا ، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به ، قالت : فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( اللهم الرفيق الأعلى ) . ) ([36]).

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح : ( لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ، ثم يخير) . فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق ، فأشخص بصره إلى السقف، ثم قال : (اللهم الرفيق الأعلى). قلت إذا لا يختارنا ، وعلمت أنه الحديث الذي كان يحدثنا وهو صحيح ، قالت : فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها : ( اللهم الرفيق الأعلى ) . ) ([37]).

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول : (إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده في الجنة ، ثم يحيا ، أو يخير). فلما اشتكى وحضره القبض ، ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه ، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال : ( اللهم في الرفيق الأعلى ) . فقلت : إذا لا يجاورنا ، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح . ) ([38]).

(كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح : ( إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ، ثم يخير ) . فلما نزل به ، ورأسه على فخذي ، غشي عليه ، ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال : ( اللهم الرفيق الأعلى ) . فقلت : إذا لا يختارنا ، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا وهو صحيح ، قالت : فكانت آخر كلمة تكلم بها : ( اللهم الرفيق الأعلى) . ) ([39]).

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح " إنه لم يقبض نبي قط ، حتى يرى مقعده في الجنة ، ثم يخير " قالت عائشة : فلما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأسه على فخذي ، غشي عليه ساعة ثم أفاق. فأشخص بصره إلى السقف . ثم قال " اللهم ! الرفيق الأعلى " . قالت عائشة : قلت : إذا لا يختارنا . قالت عائشة : وعرفت الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح في قوله " إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة . ثم يخير " . قالت عائشة : فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله " اللهم ! الرفيق الأعلى " . ) ([40]).

المقامُ المحمودُ

وفضل محمد على سائر الرسل معلوم بيّن؛ فهو سيّد ولد آدم وصاحب الشفاعة ، والمقام المحمود، وهو خير مخلوق .

(أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فخرَ ، وبيدي لِواءُ الحمدِ ولا فخرَ ، وما مِن نبيٍّ يَومئذٍ آدمَ فمَن سِواهُ إلَّا تحتَ لِوائي ، وأَنا أوَّلُ مَن ينشقُّ عنهُ الأرضُ ولا فخرَ ، قالَ : فيفزعُ النَّاسُ ثلاثَ فزعاتٍ ، فَيأتونَ آدمَ ، فيقولونَ : أنتَ أبونا آدمُ فاشفَع لَنا إلى ربِّكَ ، فيقولُ : إنِّي أذنبتُ ذنبًا أُهْبِطتُ منهُ إلى الأرضِ ولَكِن ائتوا نوحًا ، فيأتونَ نوحًا ، فيقولُ : إنِّي دَعَوتُ علَى أهْلِ الأرضِ دَعوةً فأُهْلِكوا ، ولَكِن اذهبوا إلى إبراهيمَ ، فيأتونَ إبراهيمَ فيقولُ: إنِّي كذبتُ ثلاثَ كذباتٍ ، ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ : ما منها كذبةٌ إلَّا ما حلَّ بِها عن دينِ اللَّهِ. ولَكِن ائتوا موسَى، فيأتونَ موسَى ، فيقولُ : إنِّي قد قتلتُ نفسًا ، ولَكِن ائتوا عيسَى ، فيأتونَ عيسَى ، فيقولُ: إنِّي عُبِدتُ مِن دونِ اللَّهِ ، ولَكِن ائتوا محمَّدًا صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ : فَيأتوني فأنطلِقُ معَهُم - قالَ ابنُ جُدعانَ : قالَ أنسٌ : فَكَأنِّي أنظرُ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - قالَ : فآخذُ بحلقةِ بابِ الجنَّةِ فأُقَعقِها فيُقالُ : مَن هذا ؟ فيُقالُ : محمَّدٌ فيفتَحونَ لي ، ويُرحِّبونَ بي ، فيقولونَ : مرحبًا، فأخِرُّ ساجدًا ، فيُلهِمُني اللَّهُ منَ الثَّناءِ والحمدِ ، فيُقالُ لي : ارفَع رأسَكَ وسَلْ تُعطَ ، واشفَعْ تُشَفَّع ، وقُلْ يُسمَعُ لقَولِكَ ، وَهوَ المقامُ المحمودُ الَّذي قالَ اللَّهُ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) ([41]).

(سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، يقولُ: إنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَومَ القِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يقولونَ: يا فُلَانُ اشْفَعْ، يا فُلَانُ اشْفَعْ، حتَّى تَنْتَهي الشَّفَاعَةُ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَذلكَ يَومَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ المَقَامَ المَحْمُودَ) ([42]).

(يُحْبَسُ المُؤْمِنُونَ يَومَ القِيامَةِ حتَّى يُهِمُّوا بذلكَ، فيَقولونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا فيُرِيحُنا مِن مَكانِنا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيَقولونَ: أنْتَ آدَمُ أبو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، وأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وأَسْجَدَ لكَ مَلائِكَتَهُ، وعَلَّمَكَ أسْماءَ كُلِّ شيءٍ، لِتَشْفَعْ لنا عِنْدَ رَبِّكَ حتَّى يُرِيحَنا مِن مَكانِنا هذا، قالَ: فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، قالَ: ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتي أصابَ: أكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقدْ نُهي عَنْها، ولَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ الأرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتي أصابَ: سُؤالَهُ رَبَّهُ بغيرِ عِلْمٍ، ولَكِنِ ائْتُوا إبْراهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، قالَ: فَيَأْتُونَ إبْراهِيمَ فيَقولُ: إنِّي لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ ثَلاثَ كَلِماتٍ كَذَبَهُنَّ، ولَكِنِ ائْتُوا مُوسَى: عَبْدًا آتاهُ اللَّهُ التَّوْراةَ، وكَلَّمَهُ، وقَرَّبَهُ نَجِيًّا، قالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى، فيَقولُ: إنِّي لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتي أصابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ، ولَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ ورَسوله ورُوحَ اللَّهِ وكَلِمَتَهُ، قالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ولَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي في دارِهِ فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رَأَيْتُهُ وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، فيَقولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَ، قالَ: فأرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي علَى رَبِّي بثَناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فأخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، - قالَ قَتادَةُ: وسَمِعْتُهُ أيضًا يقولُ: فأخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ - ثُمَّ أعُودُ الثَّانِيَةَ: فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي في دارِهِ، فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رَأَيْتُهُ وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يقولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَ، قالَ: فأرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي علَى رَبِّي بثَناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قالَ: ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فأخْرُجُ، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، - قالَ قَتادَةُ، وسَمِعْتُهُ يقولُ: فأخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ - ثُمَّ أعُودُ الثَّالِثَةَ: فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي في دارِهِ، فيُؤْذَنُ لي عليه، فإذا رَأَيْتُهُ وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يقولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، قالَ: فأرْفَعُ رَأْسِي، فَأُثْنِي علَى رَبِّي بثَناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قالَ: ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فأخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، - قالَ قَتادَةُ وقدْ سَمِعْتُهُ يقولُ: فأخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ - حتَّى ما يَبْقَى في النَّارِ إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، أيْ وجَبَ عليه الخُلُودُ، قالَ: ثُمَّ تَلا هذِه الآيَةَ: {عَسَى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] قالَ: وهذا المَقامُ المَحْمُودُ الذي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.) ([43])

(ذُكِرَ الدَّجَّالُ عندَ عبدِ اللَّهِ، فقالَ: يفتَرِقُ النَّاسُ عندَ خروجِهِ ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ تتبعُهُ، وفرقةٌ تلحقُ بأَهْلِها مَنابتَ الشِّيحِ، وفرقةٌ تأخذُ شطَّ هذا الفراتِ يقاتلُهُم ويقاتلونَهُ حتَّى يُقتلونَ بغربيِّ الشَّامِ، فيبعَثونَ طليعةً فيهم فرسٌ أشقرُ - أو أبلقُ - فيقتَتلونَ فلا يرجعُ منهم أحدٌ، قالَ: وأخبرَني أبو صادقٍ، عن ربيعةَ بنِ ناجدٍ أنَّهُ فرسٌ أشقرُ، قالَ: ويزعُمُ أَهْلُ الكتابِ أنَّ المسيحَ عليهِ السَّلامُ ينزلُ فيقتلُهُ ويخرُجُ يأجوجُ ومأجوجُ وَهُم من كلِّ حدبٍ ينسِلونَ فيبعثُ اللَّهُ عليهم دابَّةً مثلَ النَّغفِ فتَلجُ في أسماعِهِم ومَناخرِهِم فيَموتونَ، فتَنتنُ الأرضُ منهم فيُجأرُ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ فيرسلُ ماءً فيطَهِّرُ الأرضَ منهُم، ويبعثُ اللَّهُ ريحًا فيها زمَهريرٌ باردةً فلا تدعُ على الأرضِ مؤمنًا إلَّا كفَتهُ تلكَ الرِّيحُ، ثمَّ تقومُ السَّاعةُ على شرارِ النَّاسِ، ثمَّ يقومُ ملَكٌ بالصُّورِ بينَ السَّماءِ والأرضِ فينفخُ فيهِ فلا يبقَى مِن خلقِ اللَّهِ في السَّماواتِ والأرضِ إلَّا ماتَ، إلَّا من شاءَ ربُّكَ، ثمَّ يَكونُ بينَ النَّفختينِ ما شاءَ اللَّهُ، فليسَ من بَني آدمَ أحدٌ في الأرضِ منهُ شيءٌ، ثمَّ يرسلُ اللَّهُ ماءً من تحتِ العرشِ كمَنيِّ الرِّجالِ فتَنبُتُ لُحمانُهُم وجُثمانُهُم كما تَنبتُ الأرضُ منَ الثَّرى، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا سُقناهُ إلى بلدٍ ميِّتٍ حتَّى بلغَ كَذلِكَ النُّشُورُ ثمَّ يقومُ ملَكٌ بالصُّورِ بينَ السَّماءِ والأرضِ فينفَخُ فيهِ فينطلقُ كلُّ روحٍ إلى جَسدِها فتدخلُ فيهِ، فيقومونَ فيجيئونَ مَجيئةَ رجلٍ واحدٍ قيامًا لربِّ العالمينَ، ثمَّ يتمثَّلُ اللَّهُ تعالى للخلقِ فيلقَى اليَهودُ فيقولُ: مَن تعبدونَ؟ فيَقولونَ: نعبدُ عُزَيْرًا، فيقولُ: هل يسرُّكمُ الماءُ ؟ قالوا: نعم، فيريهم جَهَنَّمَ وَهيَ كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا، ثمَّ يلقى النَّصارى فيقولُ: مَن تعبدونَ ؟ فيقولونَ: نعبدُ المسيحَ، فيقولُ: هل يسرُّكمُ الماءُ ؟ فيقولونَ: نعم، فيريهم جَهَنَّمَ وَهيَ كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ كذلِكَ من كانَ يعبدُ من دونَ اللَّهِ شيئًا، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ وَقِفُوهُم إنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ حتَّى يبقى المسلمونَ فيقولُ: مَن تعبدونَ؟ فيقولونَ: نعبدُ اللَّهَ لا نشرِكُ بِهِ شيئًا فينتَهِرُهُم مرَّتينِ أو ثلاثًا: من تعبدونَ ؟ فيقولونَ: نعبدُ اللَّهُ لا نشرِكُ بِهِ شيئًا، فيقولُ: هل تَعرفونَ ربُّكم ؟ فيقولونَ: إذا اعترفَ لَنا سبحانَهُ عرفناهُ، فعندَ ذلِكَ يُكْشفُ عن ساقٍ فلا يبقى مؤمنٌ إلَّا خرَّ للَّهِ ساجدًا، ويبقى المُنافقونَ ظُهورُهُم طبقٌ واحدٌ كأنَّما فيها السَّفافيدُ، فيقولونَ: ربَّنا، فيقولُ: قد كُنتُ تُدعَونَ إلى السُّجودِ وأنتُمْ سالمونَ، ثمَّ يأمرُ اللَّهُ بالصِّراطِ فيُضرَبُ على جَهَنَّمَ، فيمرُّ النَّاسُ بقدرِ أعمالِهِم زُمَرًا أوائلُهُم كلمحِ البرقِ، ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمرِّ الطَّيرِ، ثمَّ كمرِّ البَهائمِ حتَّى يمرَّ الرَّجلُ سعيًا، ثمَّ يمرُّ الرَّجلُ مَشيًا، حتَّى يجيءَ آخرُهُم رجلٌ يتلبَّطُ على بَطنِهِ فيقولُ: يا ربِّ لمَ أبطأتَ بي ؟ قالَ: إنِّي لم أبطأ بِكَ إنَّما أبطأَ بِكَ عملُكَ، ثمَّ يأذنُ اللَّهُ تعالى في الشَّفاعةِ فيَكونُ أو شافِعٍ روحُ اللَّهِ القدُسُ جبريلُ، ثمَّ إبراهيمُ، ثمَّ موسى، ثمَّ عيسى، ثمَّ يقومُ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فلا يَشفعُ أحدٌ فيما يَشفعُ فيهِ، وَهوَ المقامُ المحمودُ الَّذي ذَكَرَهُ اللَّهُ تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا فلَيسَ من نفسٍ إلَّا وَهيَ تنظرُ إلى بيتٍ في الجنَّةِ، قالَ سُفيانُ: أراهُ قالَ: لو عَلِمْتُم يومَ يرى أَهْلُ الجنَّةِ الَّذي في النَّارِ فيَقولونَ: لولا أن منَّ اللَّهُ علينا، ثمَّ تشفَّعُ الملائِكَةُ والنَّبيُّونَ والشُّهداءُ والصَّالِحونَ والمؤمنونَ فيشفِّعُهُمُ اللَّهُ، ثمَّ يقولُ: أَنا أرحَمُ الرَّاحمينَ، فيخرجُ منَ النَّارِ أَكْثرَ ممَّا أخرجَ جَميعُ الخلقِ برحمتِهِ حتَّى لا يترُكَ أحدًا فيهِ خيرٌ، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ وقالَ: بيدِهِ فعقدَهُ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ هل ترونَ في هؤلاءِ مِن خيرٍ ؟ وما يترَكُ فيها أحدٌ فيهِ خيرٌ، فإذا أرادَ اللَّهُ أن لا يُخْرِجَ أحدًا غيَّرَ وجوهَهُم وألوانَهُم فيجيءُ الرَّجلُ فيشفعُ فيقولُ: مَن عرفَ أحدًا فليخرجهُ، فيجيء فلا يَعرِفُ أحدًا، فيُناديهِ رجلٌ فيقولُ: أَنا فُلانٌ، فيقولُ: ما أعرِفُكَ، فعندَ ذلِكَ قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإنَّا ظَالِمونَ قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ فإذا قالَ ذلِكَ انطبقَت عليهِم، فلم يخرُجْ منهم بَشرٌ) (الراوي : أبو الزعراء ، المحدث : الحاكم ، المصدر : المستدرك على الصحيحين، الصفحة أو الرقم: 5/822 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح على شرط الشيخين

(عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال قيل لهُ ما المقامُ المحمودُ قال ذاك يومَ ينزلُ اللَّهُ تعالى على كرسيِّهِ فيئطُّ كما يئطُّ الرحلُ الجديدُ من تضايقِهِ بهِ وهوَ يسعه ما بينَ السَّماءِ والأرضِ ويجاءُ بكم حفاةً عراةً غرلًا فيكونُ أوَّلُ من يُكسَى إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليهِ يقول اللهُ تعالى اكسوا خليلي فيؤتَى بربطتَينِ بيضاوَينِ من رباطِ الجنَّةِ ثمَّ أُكسَى على أثرِهِ ثمَّ أقومُ عن يمينِ اللَّهِ مقامًا يغبطُني الأولونَ والآخرونَ) ([44]).

(تُمدُّ الأرضُ يومَ القيامةِ مدًّا لعظمةِ الرحمنِ ، ثم لا يكونُ لبشرٍ من بَني آدمَ إلا موضعَ قدميْهِ ، ثم أُدْعى أولَ الناسِ ، فأخِرُّ ساجدًا ، ثم يؤذنُ لي فأقومُ ، فأقولُ : يا ربِّ أخبرَني هذا لجبريلَ وهو عن يمينِ الرحمنِ ، واللهِ ما رآهُ جبريلُ قبلَها قطُّ أنَّكَ أرسلْتَهُ إليَّ قال : وجبريلُ ساكتٌ لا يتكلمُ حتى يقولَ اللهُ صدقَ ثم يؤذنُ لي في الشفاعةِ فأقولُ : يا ربِّ عبادُك عبدوكَ في أطرافِ الأرضِ فذلكَ المقامُ المحمودُ) (الراوي : جابر بن عبدالله ، المحدث : السيوطي ، المصدر : البدور السافرة، الصفحة أو الرقم: 43 ، خلاصة حكم المحدث : إسناده جيد).

(عن سَلمانَ قالَ : تُعطى الشَّمسُ يومَ القيامةِ حرَّ عَشرِ سنينَ ثمَّ تُدنَى مِن جَماجِمِ النَّاسِ قالَ فذَكرَ الحديثَ قالَ فيأتونَ النَّبيَّ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - فيَقولونَ يا نبيَّ اللَّهِ أنتَ الَّذي فتحَ اللَّهُ بِك وغفرَ لَك ما تقدَّمَ مِن ذَنبِك وما تأخَّرَ وقد تَرى ما نحنُ فيهِ فاشفَع لنا إلى ربِّكَ فيقولُ أنا صاحبُكم فيخرُجُ يَجوسُ النَّاسَ حتَّى ينتَهيَ إلى بابِ الجنَّةِ فيأخذُ بحلقةٍ في البابِ مِن ذَهبٍ فيقرَعُ البابَ فيقولُ : مَن هذا فيقولُ محمَّدٌ فَفُتِحَ لَه حتَّى يقومَ بينَ يديِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فيسجُدُ فيُنادى : ارفَع رأسَك سَلْ تُعطَه واشفَعْ تُشَفَّعْ فذلِك المقامُ المَحمودُ) ([45]).

(كنَّا عندَ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ فذُكِرَ عندَهُ الدَّجَّالُ، فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ تفترِقونَ أيُّها النَّاسُ لخروجِهِ على ثَلاثِ فرقٍ: فرقةٌ تَتبعُهُ، وفرقةٌ تلحَقُ بأرضِ آبائِها بمَنابتِ الشِّيحِ، وفِرقةٌ تأخذُ شطَّ الفُراتِ يقاتلُهُم ويقاتلونَهُ حتَّى يجتمعَ المؤمِنونَ بقُرَى الشَّامِ، فيبعَثونَ إليهِم طَليعةً فيهم فارسٌ على فرَسٍ أشقرَ وأبلقَ، قالَ: فيقتَتِلونَ فلا يرجعُ منهم بشرٌ - قالَ سلمةُ: فحدَّثَني أبو صادقٍ، عن ربيعةَ بنِ ناجِدٍ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ - قالَ: فرسٌ أشقرٌ، قالَ عبدُ اللَّهِ: ويزعمُ أَهْلُ الكتابِ أنَّ المسيحَ ينزلُ إليهِ - قالَ: سَمِعْتُهُ يذكرُ عن أَهْلِ الكتابِ حديثًا غيرَ هذا - ثمَّ يخرُجُ يأجوجُ ومأجوجُ فيمرَحونَ في الأرضِ فيُفسدونَ فيها، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ قالَ: ثمَّ يبعَثُ اللَّهُ عليهِم دابَّةً مثلَ هذا النَّغفِ فتلجُ في أسماعِهِم ومَناخرِهِم فيَموتونَ مِنها فتَنتنُ الأرضُ منهُم، فيُجأَرُ إلى اللَّهِ، فيرسلُ ماءً يطَهِّرُ الأرضَ منهم، قالَ: ثمَّ يبعثُ اللَّهُ ريحًا فيها زَمهريرٌ باردةٌ فلم تدَع على وجهِ الأرضِ مؤمنًا إلَّا كتفه تلكَ الرِّيحُ، قالَ: ثمَّ تَقومُ السَّاعةُ علَى شِرارِ النَّاسِ، ثمَّ يقومُ الملَكُ بالصُّورِ بينَ السَّماءِ والأرضِ فيُنفَخُ فيهِ - والصُّورُ قرنٌ - فلا يبقَى خلقٌ في السَّماواتِ والأرضِ إلَّا ماتَ، إلَّا من شاءَ ربُّكَ، ثمَّ يَكونُ بينَ النَّفختينِ ما شاءَ اللَّهُ أن يَكونَ، فليسَ من بَني آدمَ خَلقٌ إلَّا منهُ شيءٌ، قالَ: فيرسلُ اللَّهُ ماءً مِن تحتِ العرشِ كمَنيِّ الرِّجالِ، فتَنبتُ لُحمانُهُم وجُثمانُهُم من ذلِكَ الماءِ، كما ينبتُ الأرضُ منَ الثَّرى، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ قالَ: ثمَّ يقومُ ملَكٌ بالصُّورِ بينَ السَّماءِ والأرضِ، فيَنفخُ فيهِ فينطلقُ كلُّ نفسٍ إلى جَسدِها حتَّى يدخلَ فيهِ، يَقومونَ فيحيونَ حياةَ رجلٍ واحدٍ قيامًا لرَبِّ العالَمين قالَ: ثمَّ يتمثَّلُ اللَّهُ تعالى إلى الخلقِ، فيلقاهُم فليسَ أحدٌ يعبدُ مِن دونِ اللَّهِ شيئًا إلَّا وَهوَ مرفوعٌ لَهُ يَتبعُهُ، قالَ: فيلقَى اليَهودُ فيقولُ: مَن تعبدونَ ؟ قالَ: فيقولونَ: نعبدُ عُزَيْزًا، قالَ: هل يسرُّكمُ الماءُ ؟ فيقولونَ: نعَم إذْ يُريهِم جَهَنَّمَ كَهَيئةِ السَّرابِ، قالَ: ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ: وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا قالَ: ثمَّ يلقَى النَّصارَى فيقولُ: مَن تَعبُدونَ ؟ فيقولونَ: المسيحَ، قالَ: فيقولون: هل يسرُّكمُ الماءُ ؟ قالَ: فَيقولونَ: نعَم، قالَ: فيُريهم جَهَنَّمَ كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ كذلِكَ لمن كانَ يعبدُ مِن دونَ اللَّهِ شيئًا، قالَ: ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ: وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ قالَ: ثمَّ يتَمثَّلُ اللَّهُ تعالى للخَلقِ حتَّى يمرَّ على المسلِمين، قالَ: فيقولُ مَن تَعبُدونَ ؟ فيقولونَ: نَعبدُ اللَّهَ ولا نُشرِكُ بِهِ شيئًا، فينتَهِزُهُم مرَّتينِ أو ثلاثًا، فيَقولُ: مَن تعبدونَ ؟ فيقولونَ: نعبدُ اللَّهَ ولا نشرِكُ بِهِ شيئًا، قالَ: فيقولُ: هل تَعرفونَ ربَّكم ؟ قالَ: فيقولونَ: سبحانَهُ إذا اعتَرفَ لَنا عَرفناهُ قالَ: فعندَ ذلِكَ يُكْشَفُ عن ساقٍ فلا يبقَى مؤمنٌ إلَّا خرَّ للَّهِ ساجدًا، ويبقَى المُنافقونَ ظُهورُهُم طَبقًا واحدًا كأنَّما فيها السَّفافيدُ، قالَ: فيقولونَ: ربَّنا، فيقولُ: قد كنتُمْ تُدعَونَ إلى السُّجودِ وأنتُمْ سالِمونَ . قالَ: ثمَّ يأمرُ بالصِّراطِ فيُضرَبُ على جَهَنَّمَ فيمرُّ النَّاسُ كقدرِ أعمالِهِم زُمَرًا كلَمحِ البَرقِ، ثمَّ كمَرِّ الرِّيحِ ثمَّ كمرِّ الطَّيرِ، ثمَّ كأسرعِ البَهائمِ، ثمَّ كذلِكَ حتَّى يمرَّ الرَّجلُ سَعيًا ثمَّ مشيًا، ثمَّ يَكونُ آخرُهُم رجلًا يتلبَّطُ على بطنِهِ، قالَ: فيقولُ: أي ربِّ لماذا أبطَأتَ بي ؟ فيقولُ: لَم أبطأت بِكَ إنَّما أبطأَ بِكَ عملُكَ . قالَ: ثمَّ يأذنُ اللَّهُ تعالى في الشَّفاعةِ، فيَكونُ أوَّلُ شافعٍ روحُ القُدُسِ جبريلُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثمَّ إبراهيمُ خليلُ اللَّهِ ثمَّ موسى، ثمَّ عيسَى عليهِما الصَّلاةُ والسَّلام، قالَ: ثمَّ يقومُ نبيُّكم رابِعًا لا يشفعُ أحدٌ بعدَهُ فيما يشفَعُ فيهِ، وَهوَ المقامُ المحمودُ الَّذي ذَكَرَهُ اللَّهُ تبارَكَ وتعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قالَ: فليسَ من نفسٍ إلَّا وَهيَ تنظرُ إلى بَيتٍ في الجنَّةِ أو بيتٍ في النَّارِ، قالَ: وَهوَ يومُ الحَسرَةِ . قالَ: فيرى أَهْلُ النَّارِ البيتَ الَّذي في الجنَّةِ ثمَّ يقالُ: لو عَمِلْتُم، قالَ: فتأخذُهُمُ الحَسرةُ، قالَ: ويرى أَهْلُ الجنَّةِ البيتَ في النَّارِ، فيقالُ: لولا أن منَّ اللَّهُ عليكُم، قالَ: ثمَّ يشفعُ الملائِكَةُ والنَّبيُّونَ والشُّهداءُ والصَّالحونَ والمؤمنونَ فيشفِّعُهُمُ اللَّهُ قالَ ثمَّ يقولُ اللَّهُ: أَنا أرحَمُ الرَّاحمينَ فيخرجُ منَ النَّارِ أَكْثرَ مِمَّا أخرجَ من جميعِ الخَلقِ برحمتِهِ، قالَ: ثمَّ يقولُ: أَنا أرحَمُ الرَّاحمينَ قالَ: ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، قالَ: فعقدَ عبدُ اللَّهِ بيدِهِ أربعًا ثمَّ قالَ: هل ترَونَ في هؤلاءِ مِن خيرٍ، ما ينزلُ فيها أحدٌ فيهِ خيرٌ، فإذا أرادَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ أن لا يَخرجَ منها أحدٌ غيَّرَ وجوهَهُم وألوانَهُم، قالَ: فيجيءُ الرَّجلُ فينظُرُ ولا يعرفُ أحدًا فيُناديهِ الرَّجلُ فيقولُ: يا فلانُ أَنا فلانٌ، فيقولُ: ما أعرِفُكَ فعندَ ذلِكَ يقولُ: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ فيقولُ عندَ ذلِكَ: اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ، فإذا قالَ ذلِكَ أُطْبِقَت عليهِم، فلا يخرجُ منهم بشرٌ) ([46]).

)ذُكِرَ الدَّجَّالُ عندَ عبدِ اللَّهِ، فقالَ: يفتَرِقُ النَّاسُ عندَ خروجِهِ ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ تتبعُهُ، وفرقةٌ تلحقُ بأَهْلِها مَنابتَ الشِّيحِ، وفرقةٌ تأخذُ شطَّ هذا الفراتِ يقاتلُهُم ويقاتلونَهُ حتَّى يُقتلونَ بغربيِّ الشَّامِ، فيبعَثونَ طليعةً فيهم فرسٌ أشقرُ - أو أبلقُ - فيقتَتلونَ فلا يرجعُ منهم أحدٌ، قالَ: وأخبرَني أبو صادقٍ، عن ربيعةَ بنِ ناجدٍ أنَّهُ فرسٌ أشقرُ، قالَ: ويزعُمُ أَهْلُ الكتابِ أنَّ المسيحَ عليهِ السَّلامُ ينزلُ فيقتلُهُ ويخرُجُ يأجوجُ ومأجوجُ وَهُم من كلِّ حدبٍ ينسِلونَ فيبعثُ اللَّهُ عليهم دابَّةً مثلَ النَّغفِ فتَلجُ في أسماعِهِم ومَناخرِهِم فيَموتونَ، فتَنتنُ الأرضُ منهم فيُجأرُ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ فيرسلُ ماءً فيطَهِّرُ الأرضَ منهُم، ويبعثُ اللَّهُ ريحًا فيها زمَهريرٌ باردةً فلا تدعُ على الأرضِ مؤمنًا إلَّا كفَتهُ تلكَ الرِّيحُ، ثمَّ تقومُ السَّاعةُ على شرارِ النَّاسِ، ثمَّ يقومُ ملَكٌ بالصُّورِ بينَ السَّماءِ والأرضِ فينفخُ فيهِ فلا يبقَى مِن خلقِ اللَّهِ في السَّماواتِ والأرضِ إلَّا ماتَ، إلَّا من شاءَ ربُّكَ، ثمَّ يَكونُ بينَ النَّفختينِ ما شاءَ اللَّهُ، فليسَ من بَني آدمَ أحدٌ في الأرضِ منهُ شيءٌ، ثمَّ يرسلُ اللَّهُ ماءً من تحتِ العرشِ كمَنيِّ الرِّجالِ فتَنبُتُ لُحمانُهُم وجُثمانُهُم كما تَنبتُ الأرضُ منَ الثَّرى، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا سُقناهُ إلى بلدٍ ميِّتٍ حتَّى بلغَ كَذلِكَ النُّشُورُ ثمَّ يقومُ ملَكٌ بالصُّورِ بينَ السَّماءِ والأرضِ فينفَخُ فيهِ فينطلقُ كلُّ روحٍ إلى جَسدِها فتدخلُ فيهِ، فيقومونَ فيجيئونَ مَجيئةَ رجلٍ واحدٍ قيامًا لربِّ العالمينَ، ثمَّ يتمثَّلُ اللَّهُ تعالى للخلقِ فيلقَى اليَهودُ فيقولُ: مَن تعبدونَ؟ فيَقولونَ: نعبدُ عُزَيْرًا، فيقولُ: هل يسرُّكمُ الماءُ ؟ قالوا: نعم، فيريهم جَهَنَّمَ وَهيَ كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا، ثمَّ يلقى النَّصارى فيقولُ: مَن تعبدونَ ؟ فيقولونَ: نعبدُ المسيحَ، فيقولُ: هل يسرُّكمُ الماءُ ؟ فيقولونَ: نعم، فيريهم جَهَنَّمَ وَهيَ كَهَيئةِ السَّرابِ، ثمَّ كذلِكَ من كانَ يعبدُ من دونَ اللَّهِ شيئًا، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ وَقِفُوهُم إنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ حتَّى يبقى المسلمونَ فيقولُ: مَن تعبدونَ ؟ فيقولونَ: نعبدُ اللَّهَ لا نشرِكُ بِهِ شيئًا فينتَهِرُهُم مرَّتينِ أو ثلاثًا: من تعبدونَ ؟ فيقولونَ: نعبدُ اللَّهُ لا نشرِكُ بِهِ شيئًا، فيقولُ: هل تَعرفونَ ربُّكم ؟ فيقولونَ: إذا اعترفَ لَنا سبحانَهُ عرفناهُ، فعندَ ذلِكَ يُكْشفُ عن ساقٍ فلا يبقى مؤمنٌ إلَّا خرَّ للَّهِ ساجدًا، ويبقى المُنافقونَ ظُهورُهُم طبقٌ واحدٌ كأنَّما فيها السَّفافيدُ، فيقولونَ: ربَّنا، فيقولُ: قد كُنتُ تُدعَونَ إلى السُّجودِ وأنتُمْ سالمونَ، ثمَّ يأمرُ اللَّهُ بالصِّراطِ فيُضرَبُ على جَهَنَّمَ، فيمرُّ النَّاسُ بقدرِ أعمالِهِم زُمَرًا أوائلُهُم كلمحِ البرقِ، ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمرِّ الطَّيرِ، ثمَّ كمرِّ البَهائمِ حتَّى يمرَّ الرَّجلُ سعيًا، ثمَّ يمرُّ الرَّجلُ مَشيًا، حتَّى يجيءَ آخرُهُم رجلٌ يتلبَّطُ على بَطنِهِ فيقولُ: يا ربِّ لمَ أبطأتَ بي ؟ قالَ: إنِّي لم أبطأ بِكَ إنَّما أبطأَ بِكَ عملُكَ، ثمَّ يأذنُ اللَّهُ تعالى في الشَّفاعةِ فيَكونُ أو شافِعٍ روحُ اللَّهِ القدُسُ جبريلُ، ثمَّ إبراهيمُ، ثمَّ موسى، ثمَّ عيسى، ثمَّ يقومُ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فلا يَشفعُ أحدٌ فيما يَشفعُ فيهِ، وَهوَ المقامُ المحمودُ الَّذي ذَكَرَهُ اللَّهُ تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا فلَيسَ من نفسٍ إلَّا وَهيَ تنظرُ إلى بيتٍ في الجنَّةِ، قالَ سُفيانُ: أراهُ قالَ: لو عَلِمْتُم يومَ يرى أَهْلُ الجنَّةِ الَّذي في النَّارِ فيَقولونَ: لولا أن منَّ اللَّهُ علينا، ثمَّ تشفَّعُ الملائِكَةُ والنَّبيُّونَ والشُّهداءُ والصَّالِحونَ والمؤمنونَ فيشفِّعُهُمُ اللَّهُ، ثمَّ يقولُ: أَنا أرحَمُ الرَّاحمينَ، فيخرجُ منَ النَّارِ أَكْثرَ ممَّا أخرجَ جَميعُ الخلقِ برحمتِهِ حتَّى لا يترُكَ أحدًا فيهِ خيرٌ، ثمَّ قرأَ عبدُ اللَّهِ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ وقالَ: بيدِهِ فعقدَهُ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ هل ترونَ في هؤلاءِ مِن خيرٍ ؟ وما يترَكُ فيها أحدٌ فيهِ خيرٌ، فإذا أرادَ اللَّهُ أن لا يُخْرِجَ أحدًا غيَّرَ وجوهَهُم وألوانَهُم فيجيءُ الرَّجلُ فيشفعُ فيقولُ: مَن عرفَ أحدًا فليخرجهُ، فيجيء فلا يَعرِفُ أحدًا، فيُناديهِ رجلٌ فيقولُ: أَنا فُلانٌ، فيقولُ: ما أعرِفُكَ، فعندَ ذلِكَ قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإنَّا ظَالِمونَ قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ فإذا قالَ ذلِكَ انطبقَت عليهِم، فلم يخرُجْ منهم بَشرٌ) (([47].

(يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا ، فيأتون آدم فيقولون : أنت آدم أبو الناس ، خلقك الله بيده ، وأسكنك جنته ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شئ، لتشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا . قال : فيقول : لست هناكم ، قال : ويذكر خطيئته التي أصاب : أكله من الشجرة وقد نهي عنها ، ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض ، فيأتون نوحا فيقول : لست هناكم ، ويذكر خطيئته التي أصاب : سؤاله ربه بغير علم ، ولكن ائوا إبراهيم خليل الرحمن ، قال : فيأتون إبراهيم فيقول : إني لست هناكم ، ويذكر ثلاث كلمات كذبهن ، ولكن ائتوا موسى : عبدا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيا ، قال : فيأتون موسى فيقول : إني لست هناكم ، ويذكر خطيئته التي أصاب : قتله النفس ، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله ، وروح الله وكلمته ، قال : فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم ، ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتوني ، فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، فيقول : ارفع محمد ، وقل يسمع، واشفع تشفع ، وسل تعط ، قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ، فيحد لي حدا، فأخرج فأدخلهم الجنة،قال قتادة : وسمعته أيضا يقول : فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة،ثم أعود فأستأذن على ربي في داره ، فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : ارفع محمد ، وقل يسمع ، واشفع تشفع ، وسل تعط ، قال : فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ، قال : ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج فأدخلهم الجنة،قال قتادة : وسمعته يقول : فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة،ثم أعود الثالثة ، فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيته وقعت له ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : ارفع محمد ، وقل يسمع ، واشفع تشفع، وسل تعطه ، قال : فأرفع رأسي ، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ، قال : ثم أشفع فيحد لي حدا ، فأخرج فأدخلهم الجنة،قال قتادة : وقد سمعته يقول : فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة،حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن ) . أي وجب عليه الخلود . قال : ثم تلا هذه الآية : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا { . قال : وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم ) ([48]).

(يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون بذلك فيقولون : لو استشفعنا على ربنا عز و جل فيريحنا من مقامنا هذا فيأتون آدم فيقولون : أنت أبونا خلقك الله بيده و أسجد لك ملائكته و علمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مقامنا هذا فيقول : لست هناكم و يذكر خطيئته التي أصاب : أكله الشجرة و قد نهاه الله عنها ، و لكن ائتوا نوحا فإنه أول نبي أرسله الله تبارك و تعالى فيأتون نوحا فيقول : لست هناكم و يذكر خطيئته التي أصاب بسؤال ربه بغير علم و لكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيقول لست هناكم و يذكر خطيئته التي أصاب قوله إني سقيم و قوله بل فعله كبيرهم هذا و قوله حين أتى الملك لامرأته : قولي إني أخوك فإني أخبره أنك أختي و لكن ائتوا موسى عبد أعطاه الله التوراة و كلمه فيأتون موسى فيقول : لست هناكم و يذكر خطيئته التي أصاب قتله الرجل و لكن ائتوا عيسى عبد الله و رسوله و كلمة الله و روحه فيأتون عيسى فيقول : لست هناكم ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول : ارفع محمد ! قل تسمع و اشفع تشفع و سل تعطه فأرفع رأسي فأحمده بثناء و تحميد يعلمنيه فأشفع فيحد لي حدا فأخرجهم فأدخلهم الجنة ثم أستأذن على ربي في داره الثانية فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول : ارفع رأسك محمد قل تسمع و اشفع تشفع و سل تعطه فأرفع رأسي فأحمده بثناء و تحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم فأدخلهم الجنة فأستأذن على ربي في داره الثالثة فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول : ارفع محمد ! اشفع تشفع و سل تعطه فأرفع رأسي فأحمده بثناء و تحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم فأدخلهم الجنة فما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود و هو المقام المحمود الذي و عده الله تبارك و تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا و ربما قال قتادة فأخرجهم من النار فأدخلهم الجنة ) ([49]).


ملاحظاتي على تفسير الدكتور أحمد نوفل

الباب الأول: التفسير بالرأي والحرص على إقصاء السّنّة المطهرة

يرُدُّ الدكتورُ وجدي غنيم على طعن د. نوفل بحديث تخفيف عدد الصلوات المفروضة (من خمس إلى خمسين)، وعلى زعمه أنّ البخاري فيه الكثير من الأحاديث الضعيفة.  فيخاطبُ الدكتورُ وجدي غنيم الدكتورَ نوفل محذّراً إياه من خصال منها: الكبر، التدليس، أن يكون سبباً في إظلال الشباب، الحديث في غير تخصّصه، وأن يجعل من عقله حكماً على النصّ. كما وقد حذّره من منهج المعتزلة الذين يجعلون العقل حكماً على نصوص القرآن والسّنّة ([50]).

1) إنكار النسخ وإنكار حدّ الرجم على الزاني المحصن ([51])

إنكار النسخ

قوله تعالى : ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا).

 قال المفسرون ([52]): إن المشركين قالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا ؟ ! ما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه ، وهو كلام يناقض بعضه بعضا فأنزل الله : (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ) الآية : وأنزل أيضا : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) الآية ([53]).

(عن ابنِ عباسٍ ، في قولِه : {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } وقال: { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} الآية ، وقال : {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } . فأول ما نسخ من القرآنِ القبلةُ ، وقال: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } وقال : { وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ } فنسخ من ذلك قال تعالى : { ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا{) (الراوي : عكرمة مولى ابن عباس ، المحدث : الألباني ، المصدر : صحيح النسائي، الصفحة أو الرقم:  3499 ، خلاصة حكم المحدث : حسن صحيح ).

 يرد على صفحة التعريف بالدكتور أحمد نوفل ([54]).

نسخ التلاوة بين النفي والإثبات . (ما ننسخ من آية أو ننسها) : قراءة في آية.  وعلى قناة حياة FM يصرح برفضه للنسخ؛ وعدم قبول فكرة النسخ.

 الردّ عليه: القول بجواز النسخ عقلاً ، ووقوعه شرعاً ، هو قول عامة الأمم ، ولم يخالف في هذا إلا طوائف من اليهود ، ونسب إلى أبي مسلم الأصفهاني المعتزلي .  وقيل : إن خلاف أبي مسلم الأصفهاني هو خلاف لفظي ، وليس حقيقياً .

 قال القاضى أبو بكر ابن العربى : "لقد أجمع المسلمون على جواز النسخ ووقوعه فعلاً ؛ خلافاً لليهود الذين أنكروه ...".

 (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 106)

 يقول البغوي في تفسيره:

"قوله عز وجل (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) وذلك أن المشركين قالوا : إن محمدا ما يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلاف ما يقوله إلا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما أخبر الله (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (النحل 101)، وأنزل (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) فبين وجه الحكمة من النسخ بهذه الآية .

 والنسخ في اللغة شيئان أحدهما : بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ .

 والثاني : يكون بمعنى الرفع يقال : نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته . فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخا وبعضه منسوخا وهو المراد من الآية وهذا على وجوه ، أحدها : أن يثبت الخط وينسخ الحكم مثل آية الوصية للأقارب . وآية عدة الوفاة بالحول وآية التخفيف في القتال وآية الممتحنة ونحوها ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ( ما ننسخ من آية ) ما نثبت خطها ونبدل حكمها ، ومنها أن ترفع تلاوتها ويبقى حكمها مثل آية الرجم ، ومنها أن ترفع تلاوته أصلا عن المصحف وعن القلوب كما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف : أن قوما من الصحابة رضي الله عنهم قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تلك سورة رفعت تلاوتها وأحكامها " وقيل: كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة ، فرفع أكثرها تلاوة وحكما ، ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه ، كما أن القبلة نسخت من بيت المقدس إلى الكعبة ، والوصية للأقارب نسخت بالميراث وعدة الوفاة نسخت من الحول إلى أربعة أشهر وعشر ، ومصابرة الواحد العشر في القتال نسخت بمصابرة الاثنين ، ومنها ما يرفع ولا يقام غيره مقامه، كامتحان النساء . والنسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار .

 أما معنى الآية فقوله ( ما ننسخ من آية ) قراءة العامة بفتح النون وفتح السين من النسخ ، أي : نرفعها ، وقرأ ابن عامر بضم النون وكسر السين من الإنساخ وله وجهان : أحدهما : أن نجعله كالمنسوخ .

 والثاني : أن نجعله نسخة له ] يقال : نسخت الكتاب أي كتبته ، وأنسخته غيري إذا جعلته نسخة له [ . (أو ننسها) أي ننسها على قلبك .

 وقال ابن عباس رضي الله عنهما ، نتركها لا ننسخها ، قال الله تعالى (نسوا الله فنسيهم ) ( التوبة 67) أي تركوه فتركهم وقيل ( ننسها ) أي : نأمر بتركها ، يقال : أنسيت الشيء إذا أمرت بتركه ، فيكون النسخ الأول من رفع الحكم وإقامة غيره مقامه ، والإنساء يكون ناسخا من غير إقامة غيره مقامه .

 وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أو ننسأها بفتح النون الأول والسين مهموزا أي نؤخرها فلا نبدلها يقال : نسأ الله في أجله وأنسأ الله أجله ، وفي معناه قولان : أحدهما : نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كما فعل في آية الرجم فعلى هذا يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم ، والقول الثاني : قال سعيد بن المسيب وعطاء : أما ما نسخ من آية فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من النسخة ، أو ننسأها أي نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ ولا تنزل .

 ( نأت بخير منها ) أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم ، لا أن آية خير من آية ؛ لأن كلام الله واحد وكله خير ( أو مثلها ) في المنفعة والثواب فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب أكثر ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) من النسخ والتبديل ، لفظه استفهام ، ومعناه تقرير ، أي : إنك تعلم ."

 وبعض المحْدَثين أنكروا النسخ ؛ ومنهم د. أحمد نوفل، و أ. د. جمال أبو حسان، و أ. د. أمين البطوش؛ في رسالته لدرجة الدكتوراة تحت إشراف دكتور يهودي.

 ومن العجب أنّ د. نوفل يكرّر طرح الموضوع الواحد في حلقات متباعدة؛ وقد يتناقض أحياناً.  فمثلاً تفسيره للآية الكريمة : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا).  يقول د. نوفل: "(ما ننسخ من آية أو ننسها).  فيه اشي إسمه ننسها؟ لأ ... هذا من باب الإحتمال المحال ... ارجع للغة العربية. ... في بحثي ما ننسخ من آية أو ننسها؛ كتاب منشور... معاني "أو" في كتب اللغة قلك: "أو" ما قبلها مضمون!؛ بلغتي طبعاً؛ وما بعدها مظنون! ([55])."

الردّ على د. نوفل:

بناء على هذا الكلام للدكتور نوفل (معاني "أو" في كتب اللغة قلك: "أو" ما قبلها مضمون!؛ بلغتي طبعاً؛ وما بعدها مظنون!) فإنّ النسخ مضمون، لكن العجيب أنّ د. نوفل يقول في إحدى حلقاته على قناة حياة "ما فيه مشكلة إذا أنا لا أومن بالنسخ" !.  يا للعجب؛ ماهذا التناقض الصارخ؟!  بل وفيما يلي بيان تناقض عبارته مع علم الإحصاء والاحتمالات.

مجموع احتمالات النتائج المتميزة داخل مساحة عينة ومغالطات د. نوفل

The sample space of a random experiment is the collection of all possible outcomes. An event associated with a random experiment is a subset of the sample space. The probability of any outcome is a number between 0 and 1.

For example, when you roll 1 die (حجر نرد), the sample space is 1, 2, 3, 4, 5, or 6.  So the size of the sample space is 6.  The probability of each outcome is 1/6.  The probability of an even integer is 3/6.  The probability of an odd integer is 3/6.  The probability that the outcome is a positive integer less than 7 is 6/6 = 1.  The sum of the probabilities of all possible outcomes is 1.  Nothing can have a probability greater than 1.

The sum of the probabilities of all possible distinct outcomes within a sample space is 1.

مساحة العينة لتجربة هي مجموعة جميع النتائج المحتملة لتلك التجربة. بالنسبة لكل تجربة، فإن مجموع احتمالات كل النتائج هو 1.  مجموع احتمالات النتائج المتميزة داخل مساحة عينة هو 1.

د. نوفل يقدّم الطّرح التالي باحتمالية تزيد على واحد! :  احتمال مضمون (P=1) + احتمال مظنون (0<P<1) ! ليكون الناتج أكبر من واحد !.

تفسير د. نوفل للآية الكريمة : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا).  يقول د. نوفل: "(ما ننسخ من آية أو ننسها).  فيه اشي إسمه ننسها؟ لأ ... هذا من باب الإحتمال المحال ... ارجع للغة العربية. ... في بحثي ما ننسخ من آية أو ننسها؛ كتاب منشور... معاني "أو" في كتب اللغة قلك: "أو" ما قبلها مضمون!؛ بلغتي طبعاً؛ وما بعدها مظنون! ([56])."

احتمال مضمون (P=1) + احتمال مظنون (0<P<1) ! فيكون الناتج أكبر من واحد؛ غير مقبول علميّاً وإحصائيّاً!.  بينما الآية الكريمة : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) تفيد أنّ هنالك آيات غير منسوخة.  {أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106]، أي: نَمْحُها مِن الصُّدورِ ويَرتفِعْ حِفظُها، وقيل: نَنْسَأْها، أي: نُؤخِّرْها فلا تُنسَخُ، {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، أي: إلَّا أتَيْنا بما هو خيرٌ منها؛ وذلك لمصلحةِ النَّاسِ، وما يكونُ فيه نفعٌ للعبادِ، وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101]، أي: أزَلْنا تلاوةَ آيةٍ، وأثبَتْنا مكانَها آيةً أخرى، أو محَوْنا حُكْمَ آيةٍ بحُكْمِ آيةٍ غيرِها، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النحل: 101]، أي: إنَّ ما حصَل مِن تَبديلٍ هو لحِكمةٍ لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ سبحانه وتعالى. وعلى جميع أوجه تفسير الآية لا يوجد احتمال أكبر من واحد.

 ولعلّ د. نوفل نسي الآية من سورة الأعلى :  وأما قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ) (الأعلى 6)، فقد جاء بعدها قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ) (الأعلى 7). قال بعض أهل التفسير: أي إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه.

ولبيان فهمه المغلوط لدلالة الحرف "أو"؛ لنرجع إلى تفسير قوله تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ) (الإسراء 23).

 يقول الطبري: "واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا ) فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة، وبعض قرّاء الكوفيين (إِمَّا يَبْلُغَنَّ) على التوحيد على توجيه ذلك إلى أحدهما لأن أحدهما واحد، فوحدوا (يَبْلُغَنَّ) لتوحيده، وجعلوا قوله (أوْ كِلاهُما) معطوفا على الأحد. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين (حمزة، والكسائي، وخلف) (إِما يَبْلُغانِّ) على التثنية وكسر النون وتشديدها، وقالوا: قد ذكر الوالدان قبل، وقوله (يَبْلُغانّ) خبر عنهما بعد ما قدّم أسماءهما، قالوا: والفعل (يَبْلُغانّ) إذا جاء بعد الاسم (الْوَالِدَيْنِ) كان الكلام أن يكون فيه دليل على أنه خبر عن اثنين أو جماعة. قالوا: والدليل على أنه خبر عن اثنين في الفعل المستقبل الألف والنون. قالوا: وقوله (أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا) كلام مستأنف، كما قيل فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وكقوله وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ثم ابتدأ فقال الَّذِينَ ظَلَمُوا ." انتهى.

وأقول: قد يَبْلُغُ عِنْدَ شخصٍ ما الْكِبَرَ أَحَدُ والديه أَوْ كِلاهُمَا، أو قد يموتُ هو قبلَهما؛ أو قد يموت الوالدُ قبل أن يولد الطفلُ، ونعلم أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلّم قد أصابه اليُتم وهو طفل.  وبالتالي فإنّ عبارة د. نوفل ليس لها نصيببٌ من الصّحة!

 ولمزيد من الرّد؛ أورد الإستشهاد التالي من بحث بعنوان: نيابة (أو) عن حرف العطف الواو، للدكتور حجاج أنور عبدالكريم ([57]).

يقول: "وبمتابعة هذا المسلك في تحول دلالة (أو) ومجيئها بمعنى الواو في الأساليب القرآنية المختلفة نجد أن هذا التحول قد تحقق في كثير من الاستعمالات القرآنية بصورة تكاد تكون راجحة في بعض المواضع، وبصورة محتملة وعلى سبيل الجواز في بعض المواضع الأخرى. أما المواضع التي يترجح أو يكثر فيها أن تكون (أو) بمعنى الواو، فهي - على الجملة - تلك المواضع التي قد تشي بشيء من التلازم والاقتران أو المصاحبة بين المتعاطفين، أو تلك التي هي من قبيل عطف المرادِف والمؤكِّد، أو التي تقع فيها (أو) بعد النفي وشبهه، فهذه مواضع ثلاثة يكثر أن تعاقب (أو) فيها الواوَ[9].

 فمن الأول - وهو ما يشي بشيء من التلازم والاقتران - قوله تعالى: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[طه: 44]، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا]طه: 113]؛ فالمعنى الراجح في الآيتين لدى كثيرين تقديره: لعله يتذكر ويخشى، ولعلهم يتقون ويُحْدِث لهم ذكراً، أي: عظة وعبرة؛ لأن كلاً من الخشية والتقوى لا يتنافى مع التذكر وحدوث الذكر؛ إذ لا تصح التقوى إلا مع الذكر، فهو من لوازمها، كما لا تصحَ الخشية إلا بالتذكر؛ لأن التذكّر أيضاً من لوازم الخشية، وعليه فالمعنى على الجمع والمصاحبة بين المعطوف والمعطوف عليه وعدم الإفراد، وهذا ما تفيده الواو وتدل عليه، بخلاف (أو) المبنية في الأصل على عدم الاشتراك، والدلالة على أحد الشيئين فقط[10].

 وقريب من هذا قوله قال تعالى: ﴿ أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [الصافات: 16 - 17] في قراءة من أسكن الواو من (أو)[11]؛ حيث تعدّ الآية على هذه القراءة - كما يرى الخليل بن أحمد[12] - من الشواهد القاطعة على تحول (أو) إلى معنى الواو؛ وذلك من جهة ما يدل عليه المعنى في الآية من ضرورة تسلط الاستفهام على كل من المعطوف والمعطوف عليه معاً؛ إذ هذا هو مناط القدرة الإلهية من جهة، وموضع زيادة الاستبعاد من قبل هؤلاء المنكرين من جهة أخرى؛ بدليل القراءة المشهورة للآية بالواو عند الجمهور. كما يقرب من ذلك أيضاً ما يراه بعضهم[13] في قوله تعالى: ﴿ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا [المرسلات: 5 - 6] من أن المعنى القريب للآية هو على تقدير: عذراً ونذراً؛ لأن الذكر الملقَى أو الموحَى به إنما هو لأجل الإعذار والإنذار معاً، وليس مقصوراً على أحدهما فقط، دون الآخر[14]. ولعل ما يرجح أنها بمعنى الواو ويقويه ما حُكِي من قراءة إبراهيم التيمي وقتادة للآية بالواو مكان (أو)[15].

 ومن الثاني - وهو عطف المرادف أو المؤكّد - قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: 182]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا[النساء: 110]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء: 112]، فالراجح هنا - كما يرى ابن مالك وغيره[16] - أن (أو) في هذه الآيات ونحوها بمعنى الواو؛ لأن الإثم هو الجَنَف؛ ولأن ظلم النفس هو من عمل السوء، وكذلك الإثم فهو الخطيئة ذاتها، فلما كانت (أو) مبنية في الأصل على عدم التشريك من جهة، وكان كل من المعطوف والمعطوف عليه بمعنى واحد من جهة ثانية، وكان من المقرر لدى النحاة - من جهة ثالثة - أن عطف الشيء على مرادفه إنما هو من خصائص الواو التي تنفرد بها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف: 86]، وكذلك قوله تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْن