بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ونصلي ونسلم على أفضل الخلق
نبينا ورسولنا محمد.
(الموضوع
عقدي وبحاجة لتركيز شديد)
المؤلّفون
الشكر الجزيل لمن
أثروا الموضوع في ملاحظاتهم القيمة وهم
الدكتور
شاهر عوض
الكفاوين/قسم
اللّغة العربيّة/جامعة
الحسين/ الأردن
الدكتور
محمود حسن أبو خرمة/الهندسة التكنولوجيّة-العلوم الأساسيّة/جامعة البلقاء التطبيقيّة/الأردنّ
إبراهيم حمدان خريسات القرالّة/ مجاز القراءات الكبرى/
جامعة مؤتة
الدكتور
عبدالحميد راجح
كردي/ قسم
أصول الدين - الجامعة /الأردن
الدكتور
ياسر بشناق/
دكتوراه علم
حاسوب
الدكتور
حمزة حسين يوسف عمري و تسنيم حسين يوسف عمري
(PhD)
قسم الهندسة الكهربائية/ جامعة المسيسيبي -OleMiss
/أكسفورد - أمريكا
عايدة أم حمزة حسين عمري / مجازة في بعض القراءات
سلسبيل حسين يوسف عمري/ ماجستير-الحاسوب/
من الجامعة
الأردنية
سندس حسين يوسف عمري/ تخرجت من كليّة
الصيدلة/ الجامعة
الأردنية
مقدمة
تعريف القرءان
في اللغة:
يقول العلامة الطبرسي: الْقُرْءَان: معناه القراءة في الأصل، و هو مصدرُ قرأتُ، أي تَلَوْتُ، وهو المَرْوِي عن إبن عباس، و قيل هو مصدرُ قرأتُ الشيء، أي جَمَعْتُ بعضه إلى بعض. ومنه
قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (القيامة 17-18)
أَيْ جَمْعَهُ فِي صَدْرك وَقُرْآنه أَيْ أَنْ تَقْرَأهُ.
اصطلاحاً: هو كلام الله سبحانه وتعالى المنـزل بواسطة جبريل على قلب وسمع النبي محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) باللغة العربية المعجزة المؤيدة له، المتحدى به، والمعجز بلفظه ومعناه، والمتعبد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، والمكتوب في المصاحف والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس.
شرح
التعريف
كلام
الله: يشمل كل كلام الله. وإضافته إلى الله يخرج كلام غيره من الملائكة
أو الإنس أو الجن.
المنـزل: يخرج كلام الله الذي استأثر به سبحانه
وتعالى، لقوله تعالى " قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا" الكهف 109
وقوله
: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( لقمان 27)
على
محمد: يخرج
ما أُنـزل على غيره من الأنبياء والمرسلين.
المتعبد
بتلاوته: يُخرج
الأحاديث القدسية، ويقصد بالتعبد أمرين:
أ-
أنه المقروء في الصلاة ولا تصح الصلاة إلا به لقوله (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب)
ب-
إن الثواب على تلاوته لا يعادله ثواب، ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة
والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ).
إذاً هي حروف عربية.
المنقول بالتواتر: التواتر لغه هو التتابع، والتواتر اصطلاحا: هو نقل أو إخبار جماعه (دفعة أو متفرقا) عن جماعه يستحيل تواطؤهم على الكذب.
(الم، الر، المر، طس، ص، ق، ن، المص، كهيعص، طه، طسم، يس، حم، عسق).
حروف هذه الكلمات من حيث الرّسم ( 14 حرفاً) تجمعها العبارة: نص حكيم قاطع له سر.
سنرمز لمجموعة الحروف هذه بالرمز A.
A= {ن , ص, ح, ك, ي, م, ق, ا, ط, ع, ل, هـ, س, ر}
وأمّا من حيث
القراءة، فإنّ: الم تقرأ
(ألف لام ميم)، ن
تقرأ (نون)، ص تقرأ
(صاد)،
ق تقرأ (قاف). الجديد نطقاً هي
الحروف: أ؛ ف؛ و؛ د.
الحروف المقطعة المستخدمة في بداية السور (المثبتة رسماً، أو تلك التي تظهر نطقاً)
تجمعها العبارة: نص حكيم وقاطع له سر أفِدْ
جدول (1): الحروف المقطعة في بداية السور
غالباً ما تشير إلى حالة ما قبل التنزيل، وما بعد هذه الحروف المقطعة إشارة إلى التنزيل الميسر باللّغة التي يعقلها
القوم المخاطبون بالرّسالة.
جدول (- 1 أ) : الآيات التي تلي الحروف المقطعة في بداية السور والّتي وصف اللّهُ فيها الْقُرْءَان (أو آيَات الْكِتَابِ) ببعض أسماء اللّه أوصفاته سبحانه وتعالى : (الْحَكِيمِ ، الْمَجِيدِ ، الْمُبِينِ ، لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ، الْحَقُّ).
|
السورة |
حروف فواتح السور |
ما بعد هذه الحروف المقطعة وصف اللّهُ الْقُرْءَان (أو
آيَات الْكِتَابِ) ببعض أسماء اللّه أوصفاته |
يونس
|
{1} الر |
{1} الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ
{2} أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ... |
لقمان
|
{1} الم |
{2} تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ {3} هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ |
ق
|
{1} ق |
{1} ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
{2} بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ |
يس
|
{1} يس |
{2} وَالْقُرْءَان الْحَكِيمِ {3} إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ |
الزخرف
|
{1} حم |
({2} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ
{3} إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {4} وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ). "وَإِنَّهُ" مُثْبَت "فِي أُمّ الْكِتَاب" أَصْل الْكُتُب أَيْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ "لَدَيْنَا" بَدَل : عِنْدنَا "لَعَلِيٌّ" عَلَى الْكُتُب قَبْله "حَكِيم" ذُو حِكْمَة بَالِغَة |
الرعد
|
{1} المر |
{1} المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ |
يوسف
|
{1} الر |
{1} الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ |
الشعراء
|
{1} طسم |
{2} تِلْكَ
آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ |
القصص
|
{1} طسم |
{2} تِلْكَ
آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ |
الدخان
|
{1} حم |
{2} وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ {3} إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ |
ويمكن الرجوع للموضوع على موقع جامعة مؤتة ومشاهدة العديد من الجداول ؛ فالمحاضرة هي ملخص لكتاب (367 صفحة، أنجز خلال 5 سنوات)
(تِلْكَ، ذَلِكَ): اِسْما إِشارَةٍ
لِلْبَعيدِ. فأصل كلام اللّه ليس كمثله شيء، وليس من سبيل إلى معرفته أو قراءته من اللّوح المحفوظ (تِلْكَ، ذَلِكَ). ويصبحُ واضحاً مبيناً بعد أن يبلّغه الرسول الكريم الذي أنزل عليه الوحيُ والرّسالة.
حروف
فواتح السور تشير إلى كلام اللّه في حالة ما قبل التنـزل العربي، أو إلى حالة كتابة الْقُرْءَان العربي في اللوح المحفوظ؛ والتي لا يعلم كيفيتَها البشرُ، أو أنّها تشير إلى حالة ما قبل التنـزيل على محمد (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)؛ حيث لا سبيل إلى سماع أو قراءة أو إدراك كلام اللّه من قبل تنـزيله على محمّد قرآناً (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ). ويؤكّده اسما الإشارة للبعيد (تِلْكَ، ذَلِكَ): (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ): وأما بعد التنـزيل، فعلى كيفية يفهمه العرب: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195)،
نـزول
جبريل بالقرءان (على قلب وسمع النبي محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) باللغة العربية). هذا التنـزل وما سبقه من تنـزلات للقرءان (ليصبح مقروءاً مبيناً واضحاً
لرسولنا وللصحابة وللعالم من بعد) فيها جميعاً أسرار حروف فواتح السور.
ويأتي هذا الكتاب محاولة لتقديم بُعد جديد لبعض مراد الله في حروف فواتح السور. وفيما يلي محاولة ربط حروف فواتح السور مع قضايا الإيمان وتنـزيه صفات اللّه عن مشابهة صفات المخلوقين، ومنها كلام اللّه الّذي يجعله (يصيّره) سبحانه بلغة القوم المخاطبين بالرّسالة كي يتمكّنوا من الفهم، وذلك أنّ كلام اللّه في أصله ليس كمثله شيء، ولا يمكن للمخلوق أن يعقله. الكلام صفةُ المتكلّم: فالمخلوق صفاته مخلوقة؛ وكذلك كلامه. وأمّا اللّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فهو الحيُّ القيّوم، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وصفاته غير مخلوقة، وليس كمثلها شيء: فكلام اللّه غير مخلوق وليس كمثله شيء، ولا تُعْلَمُ حقيقتُه. بل إنّ اللّه قد وصفَ كلامَه وكتابه ببعض أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى (الْحَكِيمِ، الْمَجِيدِ، الْمُبِينِ، لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ، الْحَقُّ).
جاء في شرح العقيدة الواسطيّة: (أنّ
اللّه تكلّم بالْقُرْءَان حقيقةً؛ فلا يمكن
أن يكون الْقُرْءَان مخلوقاً؛ لأنّه صفته،
وصفةُ الخالق غير
مخلوقة؛ كما أنّ
صفة المخلوق مخلوقة.
أللّفظُ يطلق على معنيين: على المصدر الذي هو فعلُ الفاعل، وعلى الملفوظ به. أمّا على المعنى الأوّل (المصدر: فعلُ الفاعل)؛ فلا شكّ أنّ ألفاظنا بالْقُرْءَان وغير الْقُرْءَان مخلوقة. لأنّنا إذا قلنا: إنّ اللّفظ هو التّلفظ؛ فهذا الصوت الخارج من حركة الفم واللّسان والشّفتين مخلوق. فإذا أريد باللّفظ التّلفظ؛ فهو مخلوق، سواء كان الملفوظ به قرآناً أو حديثاً أو كلاماً أحدثته من عندك. أمّا إذا قصد باللّفظ الملفوظ به (الكلام المسموع)؛ فهذا منه مخلوق، ومنه غير مخلوق. وعليه؛ إذا كان الملفوظ به هو الْقُرْءَان؛ فليس بمخلوق.
قال الإمام أحمد:
"من قال: لفظي بالْقُرْءَان مخلوق؛ يريد الْقُرْءَان (الملفوظ به)؛ فهو جهمي".
وجاء في كتاب العقيدة الواسطيّة: ولا يجوز إطلاق القول (القول على سبيل الإطلاق) بأنّ الْقُرْءَان حكاية عن كلام اللّه أو عبارة عنه. ويوضّحه الشيخ محمد بن العثيمين في شرح العقيدة الواسطيّة فيقول: "قال (الإمام أحمد): لا يجوز إطلاق القول، ولم يقل لا يجوز القول! يعني لا يجوز أن نقول: هذا الْقُرْءَان عبارة عن كلام اللّه؛ إطلاقاً ([1]). ولا يجوز أن نقول: إنّه حكاية (محاكاة، مماثلة) عن كلام اللّه؛ على سبيل الإطلاق. ...
لكن عند التّفصيل؛ قد يجوز أن نقول: إنّ القارئ الآن يعبّر عن كلام اللّه أو يحكي كلام اللّه؛ لأنّ لفظه بالْقُرْءَان ليس هو كلام اللّه. وهذا القول على هذا التقييد لا بأس به، لكن إطلاق أنّ الْقُرْءَان عبارة أو حكاية عن كلام اللّه لا يجوز"). وأكثر ما يوضح
الأمر العبارة التي نسمعها كثيراً؛ وهي: (نستمع الآن لآيات من الذكر الحكيم بصوت القارئ
الشيخ محمود الحصري). فنحن
نسمع القرءان من البشر ولا نسمعه من الله: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (الشورى 51).
تشير
حروف فواتح السور إلى تنـزيل الْقُرْءَان الكريم عن كيفيّة كلام اللّه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وعن كيفية الكتابة في اللوح المحفوظ (لَيْسَ كَمِثْلِهِا كتابة) إلى لغة سهلة ميسّرة (اللغة العربية)
حتى يتمكن من فهمه الذين نـزل إليهم الْقُرْءَان الكريم عربيّاً معجزاً
مبيناً. فكان من مقتضى اللّطف الرّباني أن
أنـزل الله الْقُرْءَان عن مرتبة كلامه الّذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وبغير
لغات البشر، إلى مرتبة كلام اللّه باللغة العربية (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195)؛ وذلك حتى تتمكنوا من فهمه بعد تنـزله على
قلب وسمع الرسول محمّد (صلى الله عليه وسلم). كما وأنـزله عن مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ: والْقُرْءَانُ كلام اللّه من قبل ومن بعد تنـزله إلى
العربيّة. الكلام صفةٌ للمتكلم، فلا بدّ أن يكون قائما
به وتبعا لمشيئته: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
) (يس 82)
فقرن القول بالإرادة، وهو دليل على أن كلام
الله يتعلق بإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى. فكلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وليس كلُّ كلام الله أزلي؛ وكلامه غير مخلوق لأنّه صفته
سبحانه. فهو إله واحدٌ يتصف بجميع صفات الكمال التي
أثبتها لنفسه، فلا يجوز أن ننفي عنه صفة من صفاته أو اسما من أسمائه الحسنى. فهو سبحانه ألله، الرّبُّ، العليم، السميع، البصير،
الرحمن، الرحيم، اللطيف، الودود، العظيم، العزيز، الجبار، الرّزاق، الغني، ....
وصفاته على الحقيقة لا على المجاز، لا يُدرك كيفها ولا تستطيعُ العقولُ أن
تبلغَ قدرها، وكلّها بلغ الكمال المطلق (ما لانهاية - infinity- ).
إنّ
كلام اللّه صفته وهو ليس من جنس كلام البشر: (...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى 11)
.
تسمعُ الملائكةُ قولَ اللّه كأنه سلسلة على صفوان: (إذا قضى اللهُ تعالى الأمرَ في السماءِ، ضربتِ الملائكةُ بأجنحتِها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلةٌ على صفوانٍ ... ) ([2]): واللّه سبحانه متكلم ومنذ الأزل، والكلام صفة ذاتية وفعلية للّه سبحانه؛ ولا رادّ لأمره ؛ وله المشيئة المطلقة:
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا
أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82)
ويقول سبحانه: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)
(سورة البروج).
وخلود
الكافرين في النار تحكمه المشيئة المطلقة في قوله
سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا
دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ
رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) (هود 107).
وأمّا
لغات البشر فهي حادثة مخلوقة، وأنّى للحادث المخلوق أن يحيط بجميع كلام اللّه
الأوّلُ لا شيء قبله والآخِرُ لاشيء بعده.
وفي الحديث: (قالت قريشٌ
لليهودِ: أعطونا شيئًا
نسألُ عنه هذا الرجلَ، فقالوا: سلُوهُ عن
الروحِ، فسألوه؟ فنـزلت: وَيَسْأَلُونَكَ
عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ
إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85]، فقالوا: لم نُؤْتَ من العِلمِ نحن إلا قليلًا، وقد أُوتينا
التوراةَ، ومن يُؤْتَ التوراةَ فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا ؟! فنـزلت: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي)
الآيةُ [ الكهف: 109 ]) ([3]). يوضّح الحديث أنّ (التَّوْرَاة قَلِيل مِنْ كَثِير)؛ فهي فقط كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى موسى عليه
السّلام.
ويستفادُ
من هذا امتناعُ استخدامِ الشجرِ قلماً وماءِ البحار مداداً، وذلك لأنّ كلماتُ الله
لا نفادَ لها، وهي لانهائيّة، وتعجز الأقلام والمداد عن استيعابها وكتابتها.: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( لقمان 27)
يقدر
عدد كلمات اللّغة العربية فقط بحوالي 14 مليون كلمة. وهذا لا شيء مقارنة مع أللانهاية (infinity).
لقد
أنـزل الله على رسله قليلا من كلامه ليهتدي به من شاء:
والقرءان العظيم هو قَلِيل مِنْ كلام اللّه (الكَثِير واللانهائي) جعله اللّهُ
عربيّاً ثمّ أمر اللّهُ القلم أن يكتبه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا
لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الزخرف
3).
ثمّ أنـزلهُ وحياً عربيّا بواسطة جبريل عليه السلام على قلب سيّد المرسلين محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم)؛ بأن قرأه جبريل والرّسولُ يسمعُ ويعقلُ حتى ثبت في قلبه.
سور الْقُرْءَان محدودة العدد (114)، وعدد آياته محدود (6236)، وكذلك كلماته (77439 كلمة) ([4]).
وقد يكفي لطباعة الْقُرْءَان أو كتابة نسخة منه الدّواتان من الحبر.
البشر الذي
أوتي القليل من العلم يحقّق تطوراً كبيراً في مجال تخزين المعلومات:
(الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ) (العلق 4-5) .
فما بالك بعلم
اللّه والكتابة في اللوح
المحفوظ؟ وعليه فلا يجوز لأحد أن يحاول مجرّد التفكير
بالكيفية التي يكتب بها قلمُ الله في اللوح المحفوظ. إنّ صفات الله سبحانه
قد بلغت الكمال المطلق واللانهائي، والبشر عاجزون عن إدراكها: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى 11)
.
وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا على أقوال :
أحدها : أن المراد ] بالروح [ : أرواح بني آدم . ...
وقيل : المراد
بالروح هاهنا : جبريل . قاله قتادة ، قال : وكان ابن عباس يكتمه . (تفسير الطبري). ولعلّ هذا القول
الأخير أكثر احتمالاً، حيث أنّ الآيات التالية تتحدّث عن الوحي وعن القرآن: (وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً
مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ
وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ
فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا
كُفُورًا (89)) (سورة
الإسراء)
وأورد القرطبي في تفسيره:
" وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الْمُحَقِّقِينَ: التَّوْحِيد إِثْبَات ذَات غَيْر مُشَبَّهَة لِلذَّوَاتِ وَلَا مُعَطَّلَة مِنْ الصِّفَات. وَزَادَ الْوَاسِطِيّ رَحِمَهُ اللَّه بَيَانًا فَقَالَ: لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَات، وَلَا كَاسْمِهِ اِسْم، وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْل، وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَة إِلَّا مِنْ جِهَة مُوَافَقَة اللَّفْظ؛ وَجَلَّتْ الذَّات الْقَدِيمَة أَنْ يَكُون لَهَا صِفَة حَدِيثَة؛ كَمَا اِسْتَحَالَ أَنْ يَكُون لِلذَّاتِ الْمُحْدَثَة صِفَة قَدِيمَة. وَهَذَا كُلّه مَذْهَب أَهْل الْحَقّ وَالسُّنَّة وَالْجَمَاعَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ ! (القرطبي) ". وبالتالي لا بدّ من تنـزيه الله عن مشابهة الخلق وفي كلامه وفي كتابة قلمه: فكلامُ اللهِ الأوّلِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام، ولا يجوز لأحد أن يزعم أنّه كان أصلاً بأيّ من اللغات التي يتخاطب بها البشر. وإنّ من يزعم هذا يكون قد وقع في شَرَك التشبيه، ونسب إلى الله الانحياز إلى لغة من لغات البشر، ولرُبّما أفضى به هذا إلى الطّعن في عدالة اللّه سبحانه وتعالى. هذا ولا يجوز التفكير في كيفيّة كتابة قلم الله. هذا ولربّما يقع في التشبيه (تشبيه الله بخلقه) من يزعم أنّ كتابة قلم اللّه هي بكيفية تشبه أيّا من الكيفيات التي تكتب بها أقلام البشر على مرّ الزمان (من
الأقلام ما قبل
التأريخ، إلى الكيفية التي
تعمل بها اقراص البلوراي -Blue
ray-، أو
خلاف ذلك ممّا
قد يتوصّل إليه
العلم). نقول هذا مع علمنا بأنّ القلم مخلوق ومحدودة قدرته على الكتابة؛ فهو
قد لا يستوعب أن يكتب جميع كلام اللّه وغير المحدود. فلقد أمر اللّهُ القلمَ أن يكتب الدنيا وما يكون فيها ([5])؛ ونعلم أنّ الدّنيا فانية محدودة. بل هنالك كتب
غير اللوح المحفوظ: (إنَّ اللَّهَ
كتبَ كتابًا
قبلَ أن
يخلُقَ السَّماواتِ
والأرضَ بألفي
عامٍ أنـزلَ
منهُ آيتينِ
ختمَ بِهما
سورةَ البقرةِ
ولا يقرآنِ
في دارٍ
ثلاثَ ليالٍ
فيقربُها شيطانٌ)
([6]).
الكتب
السماوية كلّها في الأصل كلام الله ([7])،
ولا يمكن أن تخلوا جميعها (وقبل تحريف المحرّف) من بعض كلام الله القديم. ولقد أنـزلت الكتب السماوية بلغات مختلفة. فهل معنى ذلك أنّ هذه اللغات قديمة (قدم الله)؛
وليست حادثة؟! الجواب كلاّ وألف كلاّ: وبالتالي فإنّ كلام الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، وهو ليس من جنس كلام البشر، وإنّما يُنـزلُه
الله تعالى عن
مرتبة كلامه إلى مرتبة كلامه المعجز بلغة البشر المخاطبين بالرّسالة (أيضاً: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))؛ وذلك حين يشاء أن يُنـزلَه على أحد من رسله:
(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الزخرف 3)
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
(1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف)
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ...) (إبراهيم 4).
ثمّ
ينـزل به جبريل أمين الوحي على قلب وسمع البشر الرّسول ليقرأه هو بدوره على
المخاطبين: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ
يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أوْ
مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (الشورى 51).
إنّ للقرآن تنـزلات كثيرة: (إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنـزيلًا) (الإنسان 23 )؛ (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا )
(الإسراء 106)
التنـزيل
(التنـزل) الأول: كتابته في اللوح المحفوظ :اللوح المحفوظ نـزل فيه بعضُ كلام الله وأمره:
(وَإِنَّهُ
فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الزخرف 4).
وإنّ كلام اللّه وأمره لانهائيّين:
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا
أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82)
فاللّه سبحانه هو صاحب الأمر والنهي والإرادة المطلقة. والقلم يكتب أمرَ اللّه؛ واللّه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء بما شاء، وكيف شاء.
كتابة
الْقُرْءَان في اللوح المحفوظ هي تنـزل مكاني ورتبيّ (معنويّ) أيضا: والتنـزل الرّتبي هو أنّ القلم المخلوق يكتب
كلامَ اللّه غيرَ المخلوق، فالْقُرْءَان قليلٌ من كلام اللّه أللانهائي. يتشرّف القلمُ المخلوق بأن يكتبَ كلامَ اللّه غيرَ
المخلوق؛ والذي هو صفته سبحانه، ويتشرّف اللّوح المحفوظ (وهو مخلوق) بأن يُكتب فيه كلامُ اللّه، وكلامهُ غير
مخلوق. وإنّ القلم مخلوقٌ ومحدودةٌ قدرتُه على
الكتابة، واللّوح المحفوظُ بمفرده محدودةٌ سعته؛ فهو قد لا يستوعب جميع كلام
اللّه القديم وغير المحدود؛ فلا يسعه أن يكتب جميع كلام اللّه: وهذا يؤكّدهُ الحديث: (إن أول شيء خلقه الله عز وجل: القلم، فأخذه بيمينه – وكلتا يديه يمين – قال: فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول: بر أو فجور، رطب أو يابس، فأحصاه عنده في الذكر،...). فالقلم أمره اللّهُ أن يكتب الدنيا وما يكون فيها. ونعلم أنّ الدّنيا فانية محدودة .
التنـزيل
الثاني: حالة اللّغة العربيّة وأحاديث أمّ الكتاب
ألله
سبحانه وتعالى هو الأول لا شيء قبله، والكلام صفة لم تنفكّ عنه ومنذ الأزل؛ وكلامُه
تبعٌ لمشيئة وإرادته:
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن
فَيَكُونُ ) (يس
82)
لغاتُ
البشر حادثة مخلوقة، وإذا كنّا ننـزه اللّه: (...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى 11)
، فلا يجوز أن نـزعم أنّ كلامه أصلا أو أزلاً
هو بلغة من لغات البشر.
ويقال: نـزلَ فلانٌ عن
الأَمر والحقِّ: تركه: ولعلّ في
هذا المعنى إشارة
إلى تنـزل الْقُرْءَان عن
مرتبة كلام اللّه
الّذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وبغير
اللّغة العربيّة، إلى مرتبة
كلام اللّه باللّغة العربيّة والّذي
ليس كمثله شيء. ثمّ كتبه
القلمُ في اللّوح
المحفوظ عربيّاً؛ إلاّ أنّ
كيفيّة الكتابة في اللّوح
المحفوظ لا يعلمها
إلاّ اللّه. فيكون التنـزل الثاني للقرآن هو الكتابة العربيّة له في اللّوح
المحفوظ. فهو تنـزل مكاني ومعنويّ أيضا: يتشرّف القلم
المخلوق بأن يكتب الْقُرْءَان (كلام اللّه باللّغة العربيّة وهو غير مخلوق، وليس كمثله
شيء)، ويتشرّف اللّوح المحفوظ والمخلوق بأن يُكتب
فيه كلامُ اللّه هذا باللّغة العربيّة. التنـزل المعنويّ (تنـزل الدّرجة والرّتبة والمكانة) الجديد هنا هو نـزولٌ عن مرتبة كلام الله
الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى مرتبة كلام الله المعجز بلغة العرب؛ والّذي
ليس كمثله شيء: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
) (الزخرف 3-4)
وإنّ
الكلمة (جعل: جَعَلْنَاهُ) في آيات الْقُرْءَان الكريم تكون مع طارئ: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)؛ أي بعد أن كان في أصله على صورة كلام الرّب
الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ؛ أي لم يكن من قبلُ عربيّاً. "وَإِنَّهُ" مُثْبَت "فِي أُمّ الْكِتَاب" أَصْل الْكُتُب أَيْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ "لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ" عَلَى الْكُتُب قَبْله "حَكِيم" ذُو حِكْمَة بَالِغَة.
و نـزلَ بالمكان، وفيه: حَلَّ. وهذا
المعنى فيه إشارة
إلى كتابة الْقُرْءَان في
اللوح المحفوظ؛ والّذي نـزل فيه
بعضُ أمر الله
وبعضُ كلامه.
نـزل من علو إلى أسفل: وفي هذا
المعنى إنـزال الْقُرْءَان من
اللّوح المحفوظ (من
العالم العلويّ؛ عالم الملائكة والملكوت)
إلى العالم الأرضي
(عالم الإنس والجنّ). (قُلْ أَنـزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان 6). وفي هذا
المعنى أيضا الآية
الكريمة: (نـزلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء 193). لايمسُّ الْقُرْءَان في اللوح
المحفوظ إلا الملائكةُ المطهّرون: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة 79).
و نـزلَ على القوم أي حلَّ ضيْفًا: (وَبِالْحَقِّ أَنـزلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نـزلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) (الإسراء 105).
ونـزل الْقُرْءَان بلسان العرب: معناه وافقت لغتُهُ لغتَهم: (الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف)
إنـزال الْقُرْءَان على قلب
نبيّه محمد: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نـزلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَان جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان 32): ثمّ حَفِظَ
الصّحابةُ الْقُرْءَان في صدورهم، وعاشوه واقعاً: (لَقَدْ أَنـزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء 10).
وتبيّنُ آياتُ الْقُرْءَان أنّ
الصّحابة استحقوا الجنّة (نـزلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصّلت
32)، لأنّ الْقُرْءَان سكن
قلوبهم وكان لهم
منهاج حياة:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصّلت 30).
نـزلَ هذا مكان هذا: أقامه مُقَامَه. وهذا المعنى فيه إشارة للنسخ: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 106): قال عُمَرُ
رضي اللهُ
عنه: (أقرَؤُنا أُبَيٌّ،
وأقضانا عليٌّ،
وإنا لندَعُ
من قولِ
أُبَيٍّ، وذاك
أن أُبَيًّا
يقولُ: لا
أدَعُ شيئًا
سمِعْتُه من
رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ
عليه وسلَّم،
وقد قال
اللهُ تعالى: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا { .)
(الراوي: عبدالله بن
عباس، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4481،
خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[
) ([8]).
والْقُرْءَان ناسخٌ لما سبق وَمُهَيْمنٌ عَلَيْهِ: (وَأَنـزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ...) (المائدة 48).
وفي الحديث: (عن مسروقٍ قالَ
كنتُ متَّكئًا عندَ عائشةَ، فقالَت: يا أبا عائشةَ
ثلاثٌ من تَكَلَّمَ بواحِدةٍ منهنَّ فقَد أعظمَ علَى اللَّهِ الفِريةَ: من زَعمَ أنَّ محمَّدًا رأى ربَّهُ فقَد أعظمَ الفِريةَ علَى اللَّهِ واللَّهُ يقولُ: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) (الشورى 51) ...) ([9]).
ويقول سبحانه: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام 103). وَلِهَذَا كَانَتْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة رَضِيَ
اللَّه عَنْهَا تُثْبِت الرُّؤْيَة فِي الدَّار الْآخِرَة وَتَنْفِيهَا فِي الدُّنْيَا وَتَحْتَجّ بِهَذِهِ الْآيَة " لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يُدْرِك الْأَبْصَار ".
فَاَلَّذِي نَفَتْهُ (فِي الدَّار الْآخِرَة) الْإِدْرَاك الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى رُؤْيَة الْعَظَمَة وَالْجَلَال (أللانهائية) عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ سبحانه، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر مُمْكِن لِلْبَشَرِ وَلَا لِلْمَلَائِكَةِ وَلَا لِشَيْءٍ (ابن كثير، ج 2، ص
218).
وإنّ
من تمام الإيمان أن نثبت للّه ما أثبته لنفسه وتفرّد به من الأسماء الحسنى والصفات
العلى: ومنها صفة الكلام، فكلامه سبحانه
ليس من جنس كلام البشر، ويجعلُه (يصيّرُهُ) اللّهُ بلسان قوم الرّسول المخاطبين
بالرسالة، ثمّ يسمَعُهُ البشرُ الرّسولُ وحياً (بواسطة جبريل) أو من وراء حجاب، ثمّ
يسمَعُهُ البشرُ من البشرِ حيث تكفّل اللّه بحفظه؛ فتتلقاه الأجيال بالتواتر.
وكما بيّن الحافظ فالوحي أصله التفهيم. فبالتالي لا بدّ أن ينـزل الكلام عن مرتبة كلام اللّه الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ليصبح كلام اللّه بلغة القوم المخاطبين بالوحي، ولا بدّ أن ينـزل المكتوب عن مرتبة الكتابة في اللّوح المحفوظ إلى مرتبة الكتابة بلغة الرّسول الموحى إليه؛ وذلك حتى يتحقّق المُراد وهو التفهيم والحفظ عن طريق الكتابة والجمع. وهذا الفهم يؤكّدَه تنـزيهُ الله عن مشابهةِ الخلق؛ فليس كصفتِه صفةٌ، ولا يشبه كلامه كلام. وهذا تؤكّده اللّغة، فقد مرّ بنا أنّ المَنـزلَةُ: موضع النـزول، ومن المجاز: الدّرجة
والرّتبة والمكانة.
أمثلة
للتقريب:
1- الكمبيوتر: في
مجال الكمبيوتر هناك مستويات للّغات، فليس لأحد
أن يزعم أنّ
اللّغات التي يتخاطب
بها البشر (المخلوق)
هي من جنس
كلام اللّه (الأزلي)
ومن نفس مستواه.
وتتطوّر وسائط تخزين البيانات.
وبالتالي ليس لأحد
أن يزعم أنّ
الأقلام التي يكتب
بها البشر (المخلوق)
هي من جنس
ومستوى قلم اللّه
(الذي أمرَهُ أن
يكتب في اللّوح
المحفوظ).
وفي عالم الحاسبات
يقوم جهاز الحاسوب بتجزئة
البرنامج الذي يكتبه
المبرمجُ (Source code)، ونظيرُهُ أنّ الْقُرْءَان نـزلَ مُفَرَّقًا ومُنَجَّمًا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاث وَعِشْرِينَ سَنَة، وبعضُه
نـزل عَلَى الْوَقَائِع: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنـزلْنَاهُ تَنـزيلًا) (الإسراء 106).
ومن ثمّ يُترْجَمُ البرنامجُ إلى
شيء يستطيع أن
يفهمه جهاز الكمبيوتر ويتعامل معه،
وهذا يشبه ويحاكي التنـزيل بلغة القوم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن
رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ...) (إبراهيم 4).
2- تحوّل حالة المادّة: وتعلّمنا في علم الفيزياء أنّ المادة تتغير من حالة إلى أخرى: الحالة الصلبة والسائلة والغازية، والبلازما. ويعتمد انتقال
مادة ما من حالة لحالة على درجة الحرارة والضغط.
3- وفي الْقُرْءَان أنّ الخلق أطوار:
(مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) )
(نوح).
وقوله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ ) (الانشقاق 19). أَيْ لَتَرْكَبَنَّ أَيّهَا الْإِنْسَان حَالًا بَعْد حَال، ومَنـزلَة عَنْ مَنـزلَة.
4- وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ: يَقُول تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)
(الروم 22).
وَمِنْ آيَاته الدَّالَّة عَلَى قُدْرَته الْعَظِيمَة " وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ " يَعْنِي
اللُّغَات.
4.1- كلُّ الخلائق تسبّحُ اللّهَ:
(تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا )
(الإسراء 44)
4.2- ولقد عُلِّمَ سُلَيْمَانُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَالْحَيَوَان.
كلام
الهدهد ليس من جنس كلام سليمان
مسكينٌ هذا الهدهد إذا اعتقد أنّ كلام (لغة) سليمان عليه السّلام هي نفس لغة الهدهد أو من جنسها. هذا والمقارنة هنا بين مخلوقين اثنين: رسول كريم مُعلّم من اللّه، وطائر. فهل لهذه الصورة أن تقرّب لنا التنـزيل: إنّهُ إلهٌ عليمٌ قديرٌ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، ولَيْسَ كَمِثْلِ كلامه كلام. إلهٌ يُنـزلُ وحيه على البشر باللّغة التي يفهمونها، في حين أنّ كلامَ اللّهِ الأوّلِ (لاشيء قبله) (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) من كلام البشر، وليس باللغات التي يتخاطب بها البشر.
كلام
النّملة ليس من جنس كلام سليمان
قول النملة:
(حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ )
(النمل 18)
قول سليمان:
(فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ )
(النمل 19).
إنّ
قول النملة وكلامها ليس من جنس قول سليمان وكلامه عليه السّلام. ولمّا شاء اللّه أن يطلعنا على كلام
النّملة وكلام سليمان عليه السّلام، جعل هذا آية في الْقُرْءَان الّذي أوحاهُ
اللّهُ إلى محمّد بلسان قومه:
(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الزخرف 3)
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف)
4.3- كلام الجنّة والنّار ليس من جنس
كلام اللّه
- (قال
الله تبارك
وتعالى للجنة: أنت
رحمتي أرحم
بك من
أشاء من
عبادي، وقال
للنار: إنما أنت
عذابي أعذب
بك من
أشاء من
عبادي، ولكل
واحدة منهما
ملؤها).
والسؤال هو: هل يعقل أن يكون كلام الله هذا الذي خاطب به الجنّة والنّار من جنس كلام النار: (أوثرت بالمتكبرين
والمتجبرين)، (قط
قط قط) أو من جنس كلام الجنّة: (ما لي
لا يدخلني
إلا ضعفاء
الناس وسقطهم) ([10])؟!
الجواب طبعاً بالنفيّ؛ لأنّ اللّه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) والكلام صفته، فليس مثل كلامه سبحانه كلام، وهذا مقتضى تنـزيه اللّه عن مشابهة الخلق. ولكنّه سبحانه حين شاء أن يطلعنا على هذا الخطاب تكلّم به بلغة الوحي إلى رسوله محمّد فقال سبحانه: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ )
(ق 30)؛
جعلهُ
اللهُ عربيّاً لكي نعقل الرّسالة:
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف)
(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )
(الزخرف 3)
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا
بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ...) (إبراهيم 4).
إنّ اللّه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) والكلام صفته، فليس مثل كلامه سبحانه كلام، وهذا مقتضى تنـزيه اللّه عن مشابهة الخلق.
5- لغة أهل الجنة وأهل النار: قال ابن حزم في الإحكام (1 / 36(: وأما لغة أهل الجنة وأهل النار فلا علم عندنا إلا ما جاء في النص والإجماع ولا نص ولا إجماع في ذلك. وقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (4/300): لَا يُعْلَمُ بِأَيِّ لُغَةٍ يَتَكَلَّمُ النَّاسُ يَوْمَ الْبَعْثِ وَلَا بِأَيِّ لُغَةٍ يَسْمَعُونَ خِطَابَ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا؛
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخْبِرْنَا بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وقد زعم قوم أنّ العربية أفضل اللغات لأنه بها كلام الله تعالى:
وقال علي رضي اللهُ عنهُ وهذا لا معنى له لأن الله عز و جل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولا إلا بلسان قومه:
(وَمَا أَرْسَلْنَا
مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ...)
(إبراهيم 4). ،
وقال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
) (الشعراء (196). فبكل لغة قد نـزل كلام الله تعالى ووحيه. وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية وأنـزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية فتساوت اللغات في هذا تساويا واحدا.
وأقول: إنّ هذا ينسجم مع صفة العدل لله. وإنّ من تنـزيه الله عن مشابهة الخلق أن نعتقد أنّ كلام الله أصلاً بغير لغات البشر. واللّه عندما يوحي إلى أحد من رسله ينـزل كلامه عن أصله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى كلامه المعجز بلغة القوم المخاطبين في الرسالة حتى يتفهموا الخطاب وتتحقّق المصلحة من الوحي :
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا
بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ...) (إبراهيم 4).
إذا كانت الجنّة
وهي مخلوقة، فيها ما
لا عينٌ رأت، ولا أذُنٌ
سمعتْ، ولا خطَر
على قلبِ
بَشرٍ: (قال اللهُ تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحينَ، ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ. فاقرؤوا إن شئتم: { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ { .) ([11])
ثمار الجنّة ليست كثمار الدّنيا: ليس عنب الجنّة كعنب الدنيا، وليس الرّمان في الجنّة كالرّمان في الدنيا: هذا ولم يطلعنا اللّهُ سبحانه على لغة الخطاب في الجنّة، فما بالكم بتنـزيه اللّه عن مشابهة الخلق؟ إنّ اللّه سبحانه وتعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، وليس كصفته صفة. فله سبحانه يدان اثنتان، و كلتا يديه يمين، وليس كمثل يده شيء: (إنَّ المقسِطين عند اللهِ يومَ القيامةِ على منابرَ من نورٍ عن يمينِ الرحمنِ، و كلتا يدَيه يمينٌ: الذين يعدِلون في حكمِهم، و أهليهم و ما وَلُوا) ([12]).
وكذلك كلام اللّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام، ولغات البشر حادثة ومخلوقة. وبالتالي فإنّ اللّه يُكلّمُ عباده باللّغة التي يفهمونها، في حين أنّ كلامه في الأصل ليس بلغات البشر:
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف)
(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الزخرف 3)
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا
بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ...) (إبراهيم 4).
الفرق بين الجعل والخلق: يقول السّامرائي: "هناك فرق بين الجعل والخلق فالجعل هو أن تُغيّر الصيرورة فنقول جعلت الماء ثلجاً أي أنه لم يكن فصار (تغيّر حالة المادّة). وكما جاء في قوله تعالى (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي) (طه 30-29). لم يكن هارون وزيراً من قبل فصار وزيراً. وقوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة 30): لم يكن فيها خليفة فصار فيها. وقوله تعالى (وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) بالجملة الفعلية التي
تفيد الحدوث ومعلوم
أن (جعل) فعل
ماض ومعنى ذلك أن الغشاوة لم تكن قبل الجعل.
الجعل في الغالب حالة بعد الخلق أو الإنشاء، فالخلق أقدم وأسبق. جعل الزرع حطاماً ليست مثل خلق الزرع حطاماً. جعل بمعنى صيّر، هو خلقه ثم جعله.
(وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) (المائدة 60):
لا يعني خلقهم وإنما يعني صيّرهم. إذاً في الغالب الجعل بعد الخلق (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) (البقرة 124) صيّره إماماً وليس خلقه إماماً".
وأمثلة أخرى كثيرةٌ توضّحها الكلمة جَعَلَ ومنها:
بدأ خلق المجرّات والنجوم بعد خلق السّماء ؛
أي بعد الانفجار العظيم بحوالي1.6
مليون سنة -400
مليون سنة. وهذا الفاصل الزمني تشير إليه الكلمة جَعَلْنَا في قوله سبحانه: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) (الحجر آية 16). وبدأ تخلق مجموعتنا الشمسيّة بعد الانفجار العظيم بحوالي 8.7 مليار سنة، وهذا ما تؤكّده الكلمة جعل في الآيات: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) (نوح 15 - 16)، (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا) (الفرقان آية 61).
لقد تأخر خلق البروج (النجوم والمجرّات) عن
خلق السّماء: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا). كما وقد
تأخّر خلق الشمس والقمر عن خلق مجرّتنا: (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا).
مثال 2: عندما
كان عمر الأرض أقل من 600 مليون سنة، كانت درجة
حرارة سطحها مرتفعة لا تسمح باستقرار الماء السائل على سطحها. وبالتالي استمرّت فترة تبخّر وتكثف وهطول الماء على
سطح الأرض لفترة زمنيّة بطول 600 مليون سنة، إلى أن
بردت واستقرّ سائل الماء على سطحها، وهذا مقتضى الكلمة جَعَلَ في الآية: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا) (الرّعد آية
3)؛ فقد تكوّنت الجبال بعد تبرّد الأرض كما وضّحت الآية.
مثال
3: يتحدّد العقم في حالة أسرة ما بعد الزّواج بسنة على الأقلّ.
وهو طارئ لا أصل كما تشير كلمة يَجْعَلُ في الآية: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا).
فالأصل هو الإنجاب لا العقم كما تقرّر حكمة الخلق وديمومة الحياة والاستخلاف في الأرض.
إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا
وقولُهُ
تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)؛ معناه إِنَّا بيّنّاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا؛ حكاه الزّجاج، وقيل قُلْناه، وقيل
صيّرناهُ. الجعل في آيات الْقُرْءَان
يأتي على معنيين اثنين: الخلق أو الصيرورة (تغير حالة) (أنظر كتاب الحيدة). وبما أنّ الْقُرْءَان كلام اللّه؛ وكلامه غير مخلوق، فإنّ
جعل الْقُرْءَان عربيّاً معناه تصييره عربياً؛ وتغييره إلى حالة اللّغة العربيّة: تكلم
الله به مرّة أخرى باللّغة العربيّة، وكتبه القلمُ في اللوح المحفوظ مرّة أخرى
ليَقرأه جبريل باللّغة العربيّة؛ بعد أن كان أصلُه على هيئة كلام الله الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).
إنّ
للسماوات لغة تفهمها السماوات، فخاطبها اللّهُ بها، وإنّ للأرضين السّبع لغة
تفهمها فخاطبها اللّهُ بها. وحين أنـزل اللّهُ الْقُرْءَان عربيّاً، وشاء أن
يطلعنا على أمره للسماوات والأرض جعل كلامَه هذا آية في الْقُرْءَان (الذي نـزل
بلغة العرب) حتى يتسنّى لنا الفهم، فقال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصّلت آية 11-12
].
والقرءانُ
يشتمل على العديد من الآيات التي تَعرضُ بعضَ كلام الله قبل أن يخلق محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ) ومنها قصة آدم وسجود الملائكة له، واستكبار إبليس: وإغواء إبليس لآدم وحواء: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة
35-36). وكذلك العديد من
الآيات التي توردُ قصص الأنبياء، في حين نعلم أنّ اللّه قد أنـزل كتبه على رسله بلغة
القوم المخاطبين بالوحي. كلّ هذه الآيات هي من كلام الله قبل أن ينـزل جبريل بالْقُرْءَان العربي على الرسول محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ). ونحن نعلم أنّ الله سبحانه قد أوحى إلى كلّ رسول بلغة قومه. وبالتالي فإن بعض كلام الله في آيات الْقُرْءَان قد خوطب به رسل سابقون، وبلغة أقوامهم، وكان ذلك قبل بعثة الرسول الخاتم محمد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ). وبالتالي فإنّ الْقُرْءَان الكريم قد جعلهُ (صيّرهُ) اللّهُ عربيّاً قبل بدء نـزول جبريل به على قلب محمد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ -:
(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )
(الزخرف 3)
( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196)) (الشعراء)
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف)
نعلمُ
أن الرّحيم من صفات اللّه الذاتيّة، وقد أنـزلَ اللهُ قدراً من رحمته لتتراحم به
الخلائق: (إن للهِ مائةَ رحمةٍ.
فمنها رحمةٌ بها يتراحمُ الخلقُ بينهم.
وتسعةٌ وتسعون ليومِ القيامةِ) ([13]): ونعلمُ أن الغفور من صفات اللّه، وكذلك
العفُوّ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء 48)، والآية: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء 116). إنّ هذا القدر من المغفرة لعظيم؛ حتى أنّ البشر
لا يستطيعون تصوّره. وقد أمر اللّهُ
المؤمنين أن يتغافروا فيما بينهم. فضْلُ الله
سبحانه وتعالى عظيمٌ
بالعفو عن حقّه؛
حتى إنَّه جل وعلا يغفر لمن لا يشرك به شيئا حتى وإن عظمت مصائبه أو ذنوبه؛ فإن الله تعالى يغفرها إن شاء تفضّلا منه .
ومثالٌ
آخر أنّ الله قد رزق الخلائق في الحياة الدنيا بجزء يسير مما
عنده؛ فنحن نعيش على الكرة الأرضيّة التي لا تكاد تذكر بالنسبة إلى ملك الله الواسع. وبالكيفيّة ذاتها فقد أنـزل الله على رسله قدر ما يكفي من كلامه
ووحيه ليهتدي به من شاء من الثقلين؛ في حين أنّ كلماته لانهاية لها (infinity):
(وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( لقمان 27)
وفي الحديث: (قالت قريشٌ لليهودِ:
أعطونا شيئًا نسألُ عنه هذا الرجلَ،
فقالوا: سلُوهُ عن الروحِ، فسألوه؟ فنـزلت: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85]، فقالوا:
لم نُؤْتَ من العِلمِ نحن إلا قليلًا،
وقد أُوتينا التوراةَ،
ومن يُؤْتَ التوراةَ فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا ؟ ! فنـزلت: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي( الآيةُ
[ الكهف: 109 ]) ([14]): يوضّح الحديث
أنّ (التَّوْرَاة قَلِيل مِنْ كَثِير)؛ فهي فقط
كلام الله تعالى
الذي أوحاه إلى
موسى عليه السّلام.
ويستفاد
من هذا امتناعُ استخدامِ الشجرِ قلماً وماءِ البحار مداداً، وذلك لأنّ كلمات
الله لا نفاد لها، وهي لانهائيّة، وتعجز الأقلام والمداد عن استيعابها وكتابتها.
لقد
كَتَبَ اللّهُ الْقُرْءَان الكريم فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ: والقرءان العظيم هو قَلِيل مِنْ كلام اللّه (الكَثِير واللانهائي) جعله اللّهُ
عربيّاً ثمّ أنـزله اللّهُ وحياً عربيّاً بواسطة جبريل على رسوله محمّد (صلّى
اللّه عليه وسلّم). إنّ الكتابة
في اللوح المحفوظ ليست لجميع كلام الله، فجميع كلامه غير محدود وغير معدود. وإنّ هذه الكتابة أصلاً بغير لغات البشر،
وبكيفية لا يدركها البشر. ولا يمكن
للغات البشر المحدودة أن تستوعب جميع كلام الله الذي لا يسعه مدادُ سبعة أبحر. بل إنّ اللوح المحفوظ في علوّ ورفعة لا
ينال. وبالتالي حتى ينتفع البشر بالْقُرْءَان
لا بدّ من أن يكرمهم الله بالتنـزل العربيّ لهذا الْقُرْءَان: فسمع جبريلُ الْقُرْءَان من الله تعالى أو تلقاه
من اللّوح المحفوظ بلسان عربيّ مبين، ونـزل به جبريلُ الأمين عليه السّلام بلسان عربيّ مبين على قلب وسمع الرّسول محمّد عليه السلام؛ بأن قرأه والرّسول يسمع ويعقل حتى ثبت في قلبه.
ثمّ قرأه الرّسول محمد على الصحابة الكرام الذين سخّرهم اللّه لحفظ هذا
الدين.
يمكننا
القول إن بعض مراد الله في حروف فواتح السور هو ضرورة اكتمال هذه التنـزلات للقرآن
الكريم حتى يتيسّر فهمه: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (الدخان آية 58)؛ أي حتى يتمكن من فهمه
الذين نـزل إليهم الْقُرْءَان الكريم. ومن
بعد يأتي دور العرب في أن يبلغوه هم كذلك إلى العالم أجمع. ومثال للتقريب: كما أنّ رؤية الله غير ممكنة في
الحياة الدنيا، فكذلك فإنّ فهم كلام الله لا يتأتى للبشر على صورة الكتابة وهيئتها
التي في اللوح المحفوظ. فكانت العناية
الرّبانية أن أنـزل الله الْقُرْءَان الكريم عن مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ إلى مرتبة كتابتنا
للّغة العربية: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195). ومرّ بنا
أنّ المَنـزلَةُ: موضع النـزول، ومن المجاز:
الدّرجة والرّتبة والمكانة. إنّ تنـزل
الرّتبة هذا - نـزول الْقُرْءَان باللّغة العربية (بلسان الرّسول محمّد) - قد جعل الْقُرْءَان بيّناً ظاهراً ومُظهراً:
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)) (يوسف)
(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الزخرف 3)
فالمبين بمعنى المظهر لابد أن يكون بَيِّناً في نفسه وإلاّ لما أظهر. وإنّ المُبِيـن من أسماء اللّه وصفاته؛ فهو البيِّن الأحقية والذي أبان لخلقه أنَّه الحق. ومن أسماء اللّه وصفاته (اللّطيف): فهو الذي يرفق بالعبد فيقدر له من التيسير ما لا يخطر له على بال، قال ابن القيم رحمه الله في النونية: وهو اللّطيف بعبده ولعبده. لطيف به يرفق به وييسر له الأمر، لطيف لعبده يقدر له من الأمور الخارجية ما يكون فيه اللّطف كما قال عز وجل إنَّ ربي لطيفٌ لما يشاء. اسم اللّه (اللّطيف) يبيّن تيسير اللّه الأمرَ للعباد وتسهيله ([15]). ومن لطفه وتيسيره سبحانه أن جعل الْقُرْءَان عربيّاً: )فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) (مريم آية 97).
الكتب
السماوية كلّها في الأصل كلام الله، ولا تخلوا (قبل تحريف المحرّف) من بعض كلام الله
القديم، وقد أنـزلت بلغات مختلفة، فهل معنى ذلك أنّ هذه اللغات قديمة (قدم الله)، وليست
حادثة؟! الجواب كلاّ وألف كلاّ. وبالتالي فإنّ كلام الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، وهو ليس من جنس كلام البشر، وإنّما يُنـزلُه
الله تعالى عن مرتبة كلامه إلى كلامه المعجز بلغة البشر المخاطبين بالرّسالة، حين
يشاء اللّهُ أن يُنـزلَه على أحد من رسله وحياً، وما ذلك إلاّ تيسيراً من اللّه للعباد وتسهيلاً؛ وليكون الخطاب بيّناً ظاهراً ومُظهراً:
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا
أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 1-2)
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) (1). مبين واضح. تِلْكَ إسم إشارة للبعيد. (الر تِلْكَ) تأكيد على أنّ كلام غير مفهوم للبشر من قبل تنـزله قرءانا عربيا على
قلب وسمع الرسول محمد: (إِنَّا
أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )
(يوسف 2).
يعتبرُّ
التنـزيل الأول (إلى اللوح المحفوظ) تنـزل مكاني ومعنويّ أيضاً (تنـزل الدّرجة والرّتبة والمكانة): يتشرّف القلم المخلوق بأن يكتب بعض كلام الله
الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، ويتشرّف اللّوح المحفوظ والمخلوق بأن يُكتب
فيه كلامُ اللّه؛ وكلامُه غيرُ مخلوق.
التنـزيل
الثاني للقرآن: (ألله قاله عربيّا) (وكتبه قلمُ اللّه ثانيةً في اللّوح المحفوظ
ليقرأه جبريل عربيّاً).
وهو
تنـزل مكاني ومعنويّ أيضاً: يتشرّف القلم المخلوق بأن يكتب الْقُرْءَان (كلام اللّه باللّغة العربيّة وهو غير مخلوق)، ويتشرّف اللّوح المحفوظ والمخلوق بأن يُكتب
فيه كلامُ اللّه هذا باللّغة العربيّة. التنـزل المعنويّ (تنـزل الدّرجة والرّتبة والمكانة) الجديد هنا هو نـزولٌ عن مرتبة كلام الله
الذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى مرتبة كلام الله بلغة العرب (أيضاً: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))، أو أنّ جبريل عليه السلام قد سمع الْقُرْءَان
أيضا من اللّه باللّغة العربيّة:
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2)
(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الزخرف 3)
التنـزيل
الثالث: نـزول جبريل به على الرّسول محمّد عليهما السّلام بلسان عربي. وهذا التنـزل وما سبقه من تنـزلات فيها جميعاً
أسرار حروف فواتح السور:
هذه الحروف تجمعها العبارة: نص حكيم قاطع له سر. والمهم
أنّها جزء من حروف هجاء اللّغة العربيّة: (من قرأ حرفًا
من كتابِ اللهِ
فله به حسنةٌ، و الحسنةُ بعشرِ
أمثالِها، لا
أقول الم حرفٌ
و لكن: ألِفٌ حرفٌ، و لامٌ حرفٌ، و ميمٌ
حرفٌ) ([16]).
إنّها جزء من حروف اللّغة العربيّة. ولكنّ الْقُرْءَان
نـزل عربيّا مبيناً واستخدمت كلماتُه وآياتُه جميعَ حروف اللّغة العربيّة. هذه الحروف
فيها إشارة إلى حالة كلام اللّه قبل تنـزله عربيّا مبينا على الرّسول محمد بواسطة
جبريل عليهما السّلام. فلقد كان كلام اللّه على هيئة وكيفية لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام (وبدايته ليست بلغات البشر: كلام
الله غير مخلوق لأنّه من صفات الله وصفاته غير مخلوقة): فلا يصحّ إلاّ أن ننـزه كلام الله عن مشابهة
كلام البشر؛ ومن جميع الوجوه. فمثلاً نثبت
للّه يدان اثنتان وكلتاهما يمين؛ ويكون هذا الإيمان فيه إثبات اليدين من غير تكييف
ولا تشبيه ولا تعطيل: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). يقدّر قطر الجزء المرئي من الكون بحوالي 98 مليار سنة ضوئيّة!. ويقدر نصف
قطر الكون بحوالي 7 تريليون سنة ضوئيّة!.
وعليه فإنّ
تصوّر هذه العظمة الرّبانيّة (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) لهي فوق مقدور العقل الإنساني. وبنفس الكيفية فإنّ الكلام صفة ذات وفعل للّه
سبحانه وتعالى؛ وتشير حروف فواتح السور إلى أنّ كلام اللّه في أصله لَيْسَ كَمِثْلِهِ كلام؛ بل هو بغير لغات البشر. وحين يشاء اللّه أن ينـزل وحيه إلى أحد من رسله،
فإنّه يصيّر كلامه هذا ووحيه بلغة القوم المخاطبين بالرّسالة حتى تتحقّق الإبانة
وبالتالي الإفادة من الوحي والرّسالة. والْقُرْءَان نـزل على محمّد بلسان عربيّ مبين (بلسان قريش). أمّا
حروف فواتح السور فتستخدم نصف حروف هجاء اللّغة العربيّة، ممّا يشير إلى حالة
تتعذّر معها الإبانة؛ ألا وهي حالة ما قبل التنـزيل على قلب سيّد المرسلين؛ بأن قرأه جبريل والرّسول محمّد يسمع ويعقل حتى ثبت في قلبه:
( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196)) (الشعراء 192- 196).
وأمّا حالةُ الْقُرْءَان
مكتوباً في اللوح المحفوظ، فليس للبشر من سبيل لأن يرتقوا إلى اللّوح المحفوظ، ولا
ندري كيفية القراءة من اللّوح المحفوظ: وبالتالي
كان من رحمة اللّه ولطفه أن أنـزل هذا الْقُرْءَان بواسطة جبريل على قلب محمّد عليهما السّلام بلسان عربي مبين حتى تنتفع البشريّة بهذا الوحي. وهذا واللّه أعلم
جزء من أسرار حروف فواتح السور.
الآيات التالية
من سورة الشعراء
(وَمَا تَنـزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (الشعراء 212-210)
إنّ
الشياطين معزولة عن الْقُرْءَان بمشيئة اللّه وتقديره أنّ الْقُرْءَان وحي اللّه
إلى محمّد من خلال جبريل عليهما السّلام؛ لا أنّ الشياطين معزولة عن الْقُرْءَان
بسبب الشّهب. وهذا ما يؤكّده الطبري في تفسيره؛ فيقول:
وَمَا
تَنـزلَتْ بِهَذَا الْقُرْءَان الشَّيَاطِين عَلَى مُحَمَّد, وَلَكِنَّهُ يَنـزل
بِهِ الرُّوح الْأَمِين... وَمَا يَنْبَغِي لِلشَّيَاطِينِ أَنْ يَنـزلُوا بِهِ
عَلَيْهِ, وَلَا يَصْلُح لَهُمْ ذَلِكَ وَمَا يَسْتَطِيعُونَه لِأَنَّهُمْ لَا
يَصِلُونَ إِلَى اِسْتِمَاعه فِي الْمَكَان الَّذِي هُوَ بِهِ مِنْ السَّمَاء (في
اللّوح المحفوظ). إِنَّ الشَّيَاطِين
عَنْ سَمْع الْقُرْءَان مِنْ الْمَكَان الَّذِي هُوَ بِهِ مِنْ السَّمَاء
لَمَعْزُولُونَ , فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَنـزلُوا بِهِ.
وجدير بالملاحظة أنّ معنى السّماء التي تسترق منها الشياطين السّمع (كلام الملائكة وليس
القرءان) هو العنان أو السّحاب كما في الحديث الشريف عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنـزلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. ) ( البخاري \ بدء
الخلق \ حديث
رقم (2971.
يمكننا القول
أنّ هذه الآيات تؤكّدُ النفي أربع مرّات:
(وَمَا
تَنـزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ، وَمَا يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ). الآيات تؤكّدُ النفي لإمكانيّة سماع هذا الْقُرْءَان إلاّ
من بعد وحيه إلى الرّسول محمد (صلى اللّه عليه وسلّم). بدليل أنّ
رسالة محمد هي إلى الثقلين (الإنس والجنّ): (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) (الجن 1). فآمنوا به: (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) (الجن 2). آمنوا به فور سماعه من الرّسول محمّد الّذي تنـزل عليه الْقُرْءَان عربيّاً مبيناً.
ويتّضح هذا من الآيات الكريمات:
( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)) (الشعراء 192- 195).
فليس
لأحد من الثقلين سبيل لسماع الْقُرْءَان من قبل أن ييلّغه الرّسول محمد صلى الله
عليه وسلّم.
وإنّ
للقرآن تنـزلات أخرى كثيرة ومنها
4) أُنـزلَ الْقُرْءَان بلسانِ قريشٍ وعَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ
5) نـزوله منجّما مفرّقا وفي مُهْلة
(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنـزلْنَاهُ تَنـزيلًا) (الإسراء 106)
6) التّرتيب للآيات والسور توقيفي
والتّنـزيلُ من
معانيه التّرتيب.
7) منازل بعض الآيات والسّور
(أَنـزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)
تقسيم الْقُرْءَان الكريم
مواضيع رئيسة في
آيات الْقُرْءَان الكريم
خصوصيّة بعض السّور
السَّبعُ المثاني
البقرةُ وآلُ
عِمرانَ
يومَ الجمعةِ
قرأَ بسورةِ
الجمعةِ في
السَّجدةِ الأولى، وفي
الآخرةِ إذَا
جاءَكَ المُنافِقُونَ
قرأ رسولُ
اللَّهِ سورةَ
الرَّحمنِ على
الجنِّ ليلةَ
الجنِّ
كان رسولُ
الله (صلى الله
عليه وسلم) يَقرأُ
في الفِطْرِ
والأضحى بـ
ق والْقُرْءَان المجيد و
اقتربت الساعة
المعوذات
8) الْقُرْءَان ناسخٌ لما سبق وَمُهَيْمنٌ عَلَيْهِ
-
(وَأَنـزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة 48)
9) النّسخ في الْقُرْءَان: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة
106).
10) تكفّل اللّه بحفظ الْقُرْءَان على مرّ الزمان والمكان، وأن تتلقاه الأجيال بالتواتر، وتعمُّ هدايتُه الأصقاع: (إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر 9).
ربط حروف فواتح السور مع أسماء الْقُرْءَان وصفاته ([17]):
أسماء وصفات الْقُرْءَان يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات:
الأولى: الأسماء التي تشير إلى ذات الكتاب وحقيقته، وهي:
- 1 الْقُرْءَانُ: الْقُرْءَانُ هو
أعظم كِتَابِ هداية
(يَهْدِي) إذ أصبح مقروءاً (قُرْءَانًا) بعد تنـزله بلسان عربيّ مبين
} (وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ) ، (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) { وبكلّ حروف هجاء
العربيّة؛ وذلك كي يعقله المخاطبون به. والحروف: ء ، ب، ت، د (من هذه الأسماء) ليست من حروف فواتح السّور. .
وتؤكّده الآيات :
|
{إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي للّتي هي أقوم...} (الإسراء 9). ء , د |
|
(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ) (الحجر 1) ت, ء, ب |
|
(كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصّلت 3) ت, ء, ب |
-
2كلام الله: قال
تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} (التوبة 6). أضافه
اللهُ إليه لأنه
كلامه سبحانه وتعالى، فهذا
الْقُرْءَان كلام
الله، تكلم به
حقيقة، فكل حرف
منه، فإن الله
قد تكلم به
.( شرح العقيدة الواسطية / محمد
بن عثيمين). الكلام صفة ذات وفعل للّه سبحانه
وتعالى، وكلامه في أصله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . واللّه سبحانه وتعالى أنـزل
قليلاً من كلامه عن مرتبته الأصليّة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى مرتبة كلامه (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا)، ثمّ أمر القلم أن يكتبه في اللّوح المحفوظ، وأمر جبريل أن ينـزل بوحيه على
محمّد (عليهما السّلام) لكي يعقله المخاطبون: (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).
الاسم
كلام الله (للْقُرْءَان) جميع حروفه جزءٌ من مجموعة
حروف فواتح السّور. يبيّن هذا أنّ حروف فواتح السّور تشير إلى أنّ كلام اللّه في أصله وقبل تنـزله (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . بنفس الاعتقاد الذي ننـزه فيه صفات اللّه عن مشابهة صفات البشر، فإنّ أصل كلام اللّه ليس من جنس كلام البشر. بل إنّ الإنسان غير مؤهّل لإدراك كيفيّة (كلام الله) كما أنّه غير مؤهّل لإدراك كيفية صفات اللّه؛ فالكلام صفة ذات وفعل للّه سبحانه وتعالى. الوحي والتنـزيل يتطلّب أن يُنـزلَ اللّهُ كلامه عن مرتبة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وبغير لغات البشر إلى مرتبة كلامه المعجز والّذي ليس كمثله شيء؛ لكن بلغة القوم المرسل إليهم. وذلك تحقيقاً للبيان والوضوح؛ وتيسيراً حتى تتحقّق الهدايةً بالوحي. لقد أخبرنا
اللّه الحكيم اللّطيف الرّحيم أنّه لم يرسل رسولاً
إلا بلسان قومه:
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا
بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ ...) (إبراهيم 4).
الْقُرْءَان مبينٌ بعد تنـزله على رسولنا محمّد بلسان قومه (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) والقرءان هو تنـزل لكلام اللّه عن مرتبة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) إلى مرتبة يستطيع أن يفهمها المجدُّ الذي يقرأ اللّغة العربيّة. يتبيّن هذا من تعريف القرءان: فهو كلام الله سبحانه وتعالى المنـزل بواسطة جبريل على النبي محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باللغة العربية المعجزة المؤيدة له، المتحدى به (لفظاً ومعنى) المتعبد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر, المبدوء بسورة الفاتحة و المختوم بسورة الناس.
- 3الروح: (رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا):
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ( الشورى 52).
" رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا " يَعْنِي الْقُرْءَانَ ". " وَإِنَّك " أَيْ يَا مُحَمَّد
" لَتَهْدِي إِلَى
صِرَاط مُسْتَقِيم
" وَهُوَ الْخُلُق الْقَوِيم ([18]).
والحروف:
ء
، و ، ب، ت، د (من هذه الأسماء) ليست من حروف فواتح السّور. وما كان مُحَمَّدٌ ليهدي بهذا الْقُرْءَان لولا تنـزله عليه بلسان عربيّ مبين؛ وذلك لكي يعقلوه: وبالتالي لا تتحقّق نعمة الهداية بالْقُرْءَان: (رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي) إلاّ بعد تنـزله عربيّا مبيناً (وبكلّ حروف الهجاء).
- 4الْحَقُّ:
|
قال
تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء 81). قَدْ جَاءَهُمْ مِنْ اللَّه الْحَقّ: وَهُوَ
مَا
بَعَثَهُ
اللَّه
بِهِ
مِنْ
الْقُرْءَان
وَالْإِيمَان
وَالْعِلْم
النَّافِع. |
|
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا
بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنـزلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ
بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ
اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة 91). أيْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أَنَّ مَا أُنـزلَ عَلَى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " الْحَقّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ (تفسير ابن كثير، ج 1، ص 177). |
|
(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ
مِنَ الْمُمْتَرِينَ)
(البقرة 147).
وَأَخْبَرَهُمْ
بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول هُوَ الْحَقّ الَّذِي لَا مِرْيَة فِيهِ (تفسير ابن كثير، ج 1، ص 265). |
|
(... فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة 213) )وَأَنـزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ...) (المائدة 48) |
|
(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنـزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (المائدة 84-83). فَقَالَ " وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنـزلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض
مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ " أَيْ مِمَّا عِنْدهمْ مِنْ الْبِشَارَة بِبَعْثَةِ مُحَمَّد صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ " رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " أَيْ مَعَ مَنْ يَشْهَد بِصِحَّةِ هَذَا وَيُؤْمِن
بِهِ (تفسير ابن كثير، ج 2، ص 119). |
|
(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (الأنعام 66). قُول تَعَالَى " وَكَذَّبَ بِهِ " أَيْ بِالْقُرْءَان الَّذِي جِئْتهمْ بِهِ وَالْهُدَى وَالْبَيَان " قَوْمك
" يَعْنِي قُرَيْشًا " وَهُوَ الْحَقّ
" أَيْ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ حَقّ. ([19]). |
|
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة 33). الحقّ صفة
ذاتية للّه ولكلامه سبحانه: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس 32). |
|
وبما
أنّ الْحَقُّ صفة ذاتية للّه ولكلامه سبحانه؛ فإنّنا
نلاحظ أنّ حروف هذا الاسم (الْحَقُّ) جميعها من ضمن حروف فواتح السّور. فكلام اللّه هو الحقّ من قبل تنـزله عربيّا
ومن بعد تنـزله (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا).
|
- 5التنـزيل:
قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنـزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 192- 195) . التنـزيل هو اسم وصفة لمنـزل. وإنّ حرف الزين وحرف التاء من الآية (وَإِنَّهُ لَتَنـزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ليسا من حروف فواتح السّور؛ ممّا يشير إلى أنّ الْقُرْءَان تنـزيل بعد أن نـزل قُرْءَانًا عَرَبِيًّا مبيناً بجميع حروف اللّغة العربيّة: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ).
-
6الكتاب: قال تعالى
|
{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (يوسف 1) حرفا التاء والباء من الآية ليسا من حروف فواتح السّور |
|
(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ) (الحجر 1). التاء
والباء
والهمزة ليست من حروف فواتح السّور |
|
) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) (البقرة 2). حرفا
التاء
والباء ليسا من حروف فواتح السّور |
|
(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنـزلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ) (البقرة 231). الْقُرْءَانُ أعظم نعمة
لمن اتّعظ به (يَعِظُكُمْ بِهِ)، وليس من سبيل للاتعاظ به إلاّ بعد تنـزله (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنـزلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ)، ويكون الْقُرْءَان عظة بعد أن يعقله المخاطبون به (وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ). ويشيرُ إلى هذا أنّ حروف ت ، ب، ظ ، ة ليست
من
حروف
فواتح
السّور. وبالتالي لا تتحقّق نعمة الهداية بالْقُرْءَان إلاّ بعد تنـزله عربيّا مبيناً وبكل حروف اللّغة العربية. |
- 7الأمر: قال تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ } (الطلاق 5). الْقُرْءَان أمرُ اللّه بعد أن تنـزل عربيّا مبيناً وبيّنا وواضحاً: فمن لطف اللّه أنّه يبعث الرّسل بلسان أقوامهم لكي يعقلوا الرّسالة. ويدلُّ عليه أنّ حرف الألف الذي تعلوه الهمزة من الآية (أَمْرُ اللَّهِ) ليس من حروف فواتح السّور.
- 8القول: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ} (القصص 51). ولا يكون هذا (وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ) إلاّ بعد تنـزل الوحي والكتاب على الرّسول: ويدلُّ عليه أنّ حرف الواو من (الْقَوْلَ) ليس من حروف فواتح السّور.
- 9الوحي: قال تعالى: {إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ } (الأنبياء 45). لا تكون النّذارة بالوحي (أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) إلاّ بعد أن تنـزل الوحي والكتاب على الرّسول: ويدلُّ عليه أنّ حروف ألهمزة والذال (أُنذِرُكُمْ) والباء والواو (بِالْوَحْيِ) من الآية (أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) ليست من حروف فواتح السّور.
المجموعة الثانية: وهي الطائفة التي تشير إلى صفات الْقُرْءَان الذاتية؛ ومنها.
- 1الكريم: قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة 79-77). حروف " كَرِيمٌ " جميعها من حروف فواتح السّور. الكريم صفة ذاتيّة لكلام اللّه المتّصف بجميع صفات الكمال؛ والّتي منها أنّه الكَرِيمُ سبحانه. وليس من نعمة أفضل من نعمة الهداية بالْقُرْءَان الكَرِيم والّتي أكرمنا بها الكَرِيمُ سبحانه.
- 2 لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ: قال تعالى: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الزخرف 4). هذا في أصله (في أمّ الكتاب)، ويدلّ عليه أيضاً أنّ حروف " لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ " جميعها من ضمن حروف فواتح السّور.
- 3 الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ: قال تعالى: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ ما جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ) (الرعد 37). حروف هذا الاسم " الْعِلْمِ " جميعها من ضمن حروف فواتح السّور.
- 4 قُرْءَانٌ مَجِيدٌ: (بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ) (البروج 21). لا تتحصّل قراءته (قُرْءَانٌ) إلاّ بعد تنـزله، ويدلّ عليه أنّ حرف الهمزة (قُرْءَانٌ) والجيم من (مَجِيدٌ) ليست من حروف فواتح السّور.
- 5 كِتَابٌ عَزِيزٌ: قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) (فُصّلت 41).
أَيْ مَنِيع
الْجَنَاب لَا يُرَام أَنْ يَأْتِي أَحَد بِمِثْلِهِ (ابن كثير، ج 4، ص 130).
أَيْ عَزِيز عَلَى اللَّه
; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس ; وَعَنْهُ: عَزِيز مِنْ عِنْد اللَّه. وَقِيلَ: كَرِيم
عَلَى اللَّه. وَقِيلَ: "
عَزِيز " أَيْ
أَعَزَّهُ اللَّه فَلَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ بَاطِل. وَقِيلَ: يَنْبَغِي
أَنْ يُعَزّ وَيُجَلّ وَأَلَّا يُلْغَى فِيهِ. وَقِيلَ: "
عَزِيز " مِنْ
الشَّيْطَان أَنْ يُبَدِّلهُ ; قَالَهُ السُّدِّيّ. مُقَاتِل: مُنِعَ مِنْ الشَّيْطَان وَالْبَاطِل. السُّدِّيّ: غَيْر مَخْلُوق فَلَا مِثْل لَهُ. وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا: " عَزِيز
" أَيْ مُمْتَنِع عَنْ النَّاس أَنْ يَقُولُوا مِثْله (القرطبي، م 8، ج 15، ص 239). وإنه
لكتاب عزيز" منيع
(تفسير الجلالين).
قَوْله :( وَإِنَّهُ
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) يَقُول تَعَالَى ذِكْره: وَإِنَّ هَذَا
الذِّكْر لَكِتَاب عَزِيز بِإِعْزَازِ اللَّه إِيَّاهُ , وَحِفْظه مِنْ كُلّ مَنْ أَرَادَ لَهُ تَبْدِيلًا , أَوْ تَحْرِيفًا , أَوْ تَغْيِيرًا
, مِنْ إِنْسِيّ وَجِنِّيّ وَشَيْطَان
مَارِد. ... وعَنْ قَتَادَة , قَوْله
(وَإِنَّهُ
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) يَقُول: أَعَزَّهُ اللَّه لِأَنَّهُ كَلَامُهُ, وَحَفِظَهُ مِنَ الْبَاطِل ومِنَ الشَّيْطَان (الطبري، م 12، ص 155).
والعزيز: هو من أسماء الله سبحانه وتعالى. وكلام اللّه هو صفته؛ فكانت العزّة لكلامه سبحانه. وعَنْ قَتَادَة
, قَوْله: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) يَقُول: أَعَزَّهُ اللَّه لِأَنَّهُ كَلَامُهُ , وَحَفِظَهُ مِنَ الْبَاطِل (الطبري، م 12، ص 155).
واسم اللّه (العزيز)؛ على ما رجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه اللّه؛ له ثلاثة معاني: العزيز بمعنى ذو القدر والشرف، العزيز بمعنى القهر والغلبة، والعزيز بمعنى الذي يمتنع أن يناله السوء مأخوذة من أرض عزاز أي صلبة لا تؤثر فيها الفؤوس. إذاً العزة للقرآن (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) لها ثلاثة معاني:-
* عزة القدر:
(وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الزخرف 4)
عزّة القدر هذه يناسبها أنّ حروف (لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) جميعها موجودة من ضمن مجموعة حروف فواتح السّور؛ ممّا يشير إلى أنّ هذه الصّفة (لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) ذاتية للقرآن؛ وحتى من قبل تنـزله عربيّا على رسولنا محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم).
* عزة القهر: وفي هذا
آيات (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وأحاديث؛ ومن الآيات:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة 33). وقوله
سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف 9). وقوله
سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (الفتح
28).
عزّة
القهر يدلّ عليها صفة الْقُرْءَان (العزيز)؛ وتجدر الملاحظة أنّ البشرية لم تكن لتلمس عزّة القهر (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) من غير تنـزل الْقُرْءَان (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء) على رسولنا محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم). ويدلّ عليه أنّ حرف الزين من (العزيز) ليس من حروف فواتح السّور.
وهنالك أحاديث
تبيّن عزة القهر لا يتركُ اللهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله اللهُ هذا الدينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليلٍ ([20]):
واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ ([21]).
* وعزة الامتناع: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نـزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)
(البقرة 24-23). وقوله سبحانه: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَان أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)
(يونس 39-37).
عزة الامتناع هذه والتّحدي بالْقُرْءَان (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) لا يصحّ أن تكون من قبل تنـزل الْقُرْءَان (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء) على رسولنا محمّد (صلّى اللّه عليه وسلّم). ويدلّ عليه أنّ حرف الزين من صفة الْقُرْءَان (العزيز) ليس من حروف فواتح السّور.
* ويمتنع أن يناله السوء:
(إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر 9). والحفظ تابع للتنـزيل؛ وهو من معانيه.
- 6المبارك: قال تعالى: (كِتَابٌ أَنـزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ) (ص 29).
تتحصّل البشرية على بركة الْقُرْءَان بعد تنـزله على الرّسول (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء). ويدلّ عليه أنّ حرف الباء من الاسم (مُبَارَكٌ) ليس من حروف فواتح السّور.
- 7 قُرْءَاناً عَجَباً: لقد أعجبَ الْقُرْءَانُ الجنَّ (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَاناً عَجَبًا) (الجن 1). فآمنوا به (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدً) (الجن 2). آمنوا به فور سماعه من الرّسول محمّد ألّذي تنـزلَ عليه الْقُرْءَانُ عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء. حروف الهمزة والجيم والباء (قُرْءَاناً عَجَباً) ليست من حروف فواتح السّور.
وكذلك حرفي الدال والشين (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) ليست من حروف فواتح السّور.
- 8الصّدق: قال
تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بالصّدق وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (الزمر 33). لا يكون هذا إلاّ بعد بعثة الرّسول وتنـزل الْقُرْءَان عليه (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء)، ويدلّ عليه أنّ حرف الدّال (جَاءَ بالصّدق) ليس من حروف فواتح السّور.
قَالَ مُجَاهِد
وَقَتَادَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَابْن زَيْد: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ هُوَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَقَالَ السُّدِّيّ هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام " وَصَدَّقَ بِهِ " يَعْنِي مُحَمَّدًا وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس
رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا
" وَاَلَّذِي
جَاءَ بِالصِّدْقِ
" قَالَ مَنْ
جَاءَ بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه
" وَصَدَّقَ بِهِ " يَعْنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَرَأَ الرَّبِيع بْن أَنَس " الَّذِينَ جَاءُوا بِالصِّدْقِ " يَعْنِي الْأَنْبِيَاء " وَصَدَّقُوا بِهِ " يَعْنِي الْأَتْبَاع. وَقَالَ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم عَنْ مُجَاهِد " وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ " قَالَ أَصْحَاب الْقُرْءَان الْمُؤْمِنُونَ يَجِيئُونَ
يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُولُونَ هَذَا مَا أَعْطَيْتُمُونَا فَعَمِلْنَا فِيهِ
بِمَا أَمَرْتُمُونَا. وَهَذَا الْقَوْل عَنْ مُجَاهِد يَشْمَل كُلّ
الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ الْحَقّ وَيَعْمَلُونَ بِهِ وَالرَّسُول
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى النَّاس بِالدُّخُولِ فِي هَذِهِ
الْآيَة عَلَى هَذَا التَّفْسِير فَإِنَّهُ جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ
الْمُرْسَلِينَ وَآمَنَ بِمَا أُنـزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبّه وَالْمُؤْمِنُونَ
كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله. وَقَالَ عَبْد
الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم " وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ " هُوَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَصَدَّقَ بِهِ " قَالَ الْمُسْلِمُونَ
" أُولَئِكَ هُمْ
الْمُتَّقُونَ " قَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا اِتَّقَوْا
الشِّرْك (تفسير ابن كثير، ج 4، ص 70 ) .
*
المجموعة الثالثة: صفات الْقُرْءَان التأثيرية، والتي تشير إلى
علاقة الْقُرْءَان بالناس. وجميعها فيها على الأقل
حرف ليس من حروف فواتح السّور. وهذا
يؤكّدُ أنّ الصفات
التأثيرية لا تكون إلاّ بعد تنـزل الْقُرْءَان (عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء)؛ وهذا ما تشير إليه حروف فواتح السّور التي هي
نصف حروف اللّغة العربيّة؛ حيث لا تتحقّق الإبانة إلا أن يكون الوحي بجميع حروف
اللّغة العربيّة. وبالتالي فإنّ حروف
فواتح السّور تشير إلى أنّ كلام اللّه في أصله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). وإنّما ينـزل
اللهُ وحيَه على رسله بلغة القوم حتى يعقلوا الخطاب.
والأسماء
التي تشير إلى صفات الْقُرْءَان التأثيرية هي:
- 1الرحمة: (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) (لقمان 3). (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (يونس 57). (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ
مِمَّا يَجْمَعُونَ)
(يونس 58). الْقُرْءَان رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِلْمُحْسِنِينَ، وهو فَضْل اللَّهِ وَرَحْمَته بعد تنـزله على الرّسول عربيّا مبيناً بكلّ
حروف الهجاء. في حين أنّ حرفي الدال والتاء المربوطة في صفة الْقُرْءَان (هُدًى وَرَحْمَةً) ليسا من حروف فواتح السّور. وكذلك حروف الفاء والضاد والتاء في صفة الْقُرْءَان (فَضْل اللَّهِ وَرَحْمَته) ليست من حروف فواتح السّور.
- (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس 58). أَيْ بِهَذَا الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ اللَّه مِنْ الْهُدَى وَدِين الْحَقّ فَلْيَفْرَحُوا فَإِنَّهُ
أَوْلَى مَا يَفْرَحُونَ بِهِ " هُوَ
خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ " أَيْ
مِنْ حُطَام الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنْ الزَّهْرَة الْفَانِيَة الذَّاهِبَة لَا مَحَالَة كَمَا
قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة وَذَكَرَ بِسَنَدِهِ عَنْ
بَقِيَّة بْن الْوَلِيد عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو: سَمِعْت أَيْفَع بْن عَبْد اللَّه الْكُلَاعِيّ يَقُول لَمَّا قَدِمَ خَرَاج
الْعِرَاق إِلَى عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ خَرَجَ عُمَر وَمَوْلًى لَهُ فَجَعَلَ
عُمَر يَعُدّ الْإِبِل فَإِذَا هِيَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَجَعَلَ عُمَر يَقُول: الْحَمْد لِلَّهِ تَعَالَى وَيَقُول مَوْلَاهُ هَذَا وَاَللَّه مِنْ فَضْل
اللَّه وَرَحْمَته فَقَالَ عُمَر: كَذَبْت لَيْسَ
هَذَا هُوَ الَّذِي يَقُول اللَّه تَعَالَى " قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ " الْآيَة وَهَذَا مِمَّا يَجْمَعُونَ وَقَدْ أَسْنَدَهُ الْحَافِظ أَبُو
الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ عَنْ حَيْوَة
بْن شُرَيْح عَنْ بَقِيَّة فَذَكَرَهُ (تفسير ابن كثير، ج 2، ص 553-554) .
- 2 الذِّكْر: كما في قول الله عزَّ وجلَّ: ( إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر 9). وهو
القرآن ؛ شرفٌ لمن آمن به و صَدَّقَ بما فيه، كقوله سبحانه: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ... ). والآيات في هذا كثيرة ومنها:
(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأنبياء 2). (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (الشعراء 5). (لَقَدْ أَنـزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء 10). (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنـزلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (الأنبياء 50).
(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف 63). )وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (يوسف 104). (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ) (يس 69). (ص وَالْقُرْءَان ذِي الذِّكْرِ) (ص 1). (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ) (ص
49).
(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (ص 87). )اللَّهُ نـزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر
23).
(أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) (الزخرف 5).. (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف 36). (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (القلم 52). (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) (الجنّ 17). (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (التكوير 27).
الْقُرْءَان ذِكْرٌ بعد تنـزله على الرّسول عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء. في حين أنّ حرف الذال في صفة الْقُرْءَان (ذِكْرٌ، الذِّكْرَ) ليس من حروف فواتح السّور.
- 3الموعظة: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران 138). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) (يونس 57). لا يكون الْقُرْءَان موعظة للنّاس إلاّ بعد تنـزله عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء). في حين أنّ حروف الواو والظا والتاء المربوطة في صفة الْقُرْءَان (مَوْعِظَةٌ) ليست من حروف فواتح السّور.
- 4 شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ: (وَنُنـزلُ مِنَ الْقُرْءَان مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء 82).
الْقُرْءَان شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بعد تنـزله على الرّسول عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء)؛ وبعد الإيمان به. في حين أنّ حروف الشين والفاء والهمزة والتاء المربوطة في (شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ) ليست من حروف فواتح السّور.
- 5التذكرة: (كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) (المُدَّثر 54). الْقُرْءَان تَذْكِرَةٌ بعد تنـزله على رسولنا محمّد عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء)، وهذا ما توضّحه الآية. في حين أنّ حروف التاء المفتوحة والذال والتاء المربوطة في (تَذْكِرَةٌ) ليست من حروف فواتح السّور.
- 6 الْمُبِين: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (يوسف 1). الْقُرْءَان مبينٌ بعد تنـزله على رسولنا محمّد بلسان قومه لعلّهم يعقلون؛ أي بعد تنـزله عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء). في حين أنّ حرف الباء في (الْمُبِينِ) ليس من حروف فواتح السّور. وصفة الْقُرْءَان هذه توضّحها العديد من الآيات، ومنها: ) قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) (المائدة 15). (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل
103).
( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193)
عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) ) (الشعراء)
(طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْءَان وَكِتَابٍ مُبِينٍ) (النمل 1). ) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ) (يس 69). (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الأعراف
184).
(وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (يس
17).
(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (التغابن 12).
- 7البلاغ: قال تعالى: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) (الأنبياء 106). البلاغ من الرّسول بالْقُرْءَان لا يكون إلاّ بعد الوحي والرّسالة، والتي
كانت بلسان عربيّ مبين؛ أي بعد تنـزل الْقُرْءَان عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء). في
حين أنّ حرفي
الباء والغين في صفة الْقُرْءَان (البلاغ) ليسا من حروف فواتح السّور.
ويتّضح
هذا من الآيات: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النحل 82). (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (النور 54). (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (العنكبوت 18).
- 8البشير والنذير: قال تعالى: (بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أكثرهم فهم لا يؤمنون) (فُصِّلَتْ 4). البشارة والنّذارة لا تكون إلا مع الرّسالة
والتي كانت بلسان عربيّ مبين؛ أي بعد تنـزل الْقُرْءَان عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء). في حين أنّ حرفي الباء والشين في (بَشِيراً) ليسا من حروف فواتح السّور. وكذلك حرف الذال في (نَذِيراً) ليس من حروف فواتح السّور.
- 9بَصَائِرُ لِلنَّاسِ: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ) (الجاثية 20). الْقُرْءَان بَصَائِرُ (لِلنَّاسِ) بعد تنـزله بلسان عربيّ مبين؛ أي بعد تنـزله بكلّ حروف الهجاء.
في حين أنّ حرفي الباء والهمزة في (بَصَائِرُ) ليسا من حروف فواتح السّور.
- 10 بَيَانٌ لِلنَّاسِ: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) )آل عمران 138). الْقُرْءَان بَيَانٌ لِلنَّاسِ بعد تنـزله بلسان عربيّ مبين؛ أي بعد تنـزله بكلّ حروف الهجاء.
في حين أنّ حرف الباء في صفة الْقُرْءَان (بَيَانٌ لِلنَّاسِ) ليس من حروف فواتح السّور.
- 11 البُرْهَانُ والنُّور: كما في قول الله عزَّ وجلَّ: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنـزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ) (النساء 174). الْقُرْءَان أصبح (نُورًا مُّبِينًا) بعد تنـزله (قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنـزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)؛ أي بعد تنـزله بلسان عربيّ مبين وبكلّ حروف الهجاء.
في حين أنّ حرفي الواو والباء في (نُورًا مُّبِينًا) ليسا من حروف فواتح السّور. وكذلك حرف الباء من (بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ) ليس من حروف فواتح السّور.
- 12الهدى: قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة 2). الْقُرْءَان هُدًى لِلْمُتَّقِينَ بعد تنـزله عربيّا مبيناً (بكلّ حروف الهجاء)، ثمّ بعد تنـزله على قلوب الأمّة، وعلى واقعها. في حين أنّ حرف الدال في (هُدًى) ليس من حروف فواتح السّور.
- 13الفُرْقَان: ( تَبَارَكَ الَّذِي نـزلَ الفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان 1). قال العلامة الطبرسي (رحمه الله): سُمِيَ بذلك لأنه يُفَرِّقُ بين الحق و الباطل بأدلته الدَّالة على صحة الحق و بطلان الباطل. الْقُرْءَان فُرْقَان بعد أن نـزلَه اللّهُ عَلَى عَبْدِهِ؛ أي بعد تنـزله عربيّا مبيناً بكلّ حروف الهجاء. في حين أنّ حرف الفاء في (الْفُرْقَانَ) ليس من حروف فواتح السّور.
وكذلك
الإنـزال على موسى وهارون وغيرهم من الرّسل:
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) (الأنبياء 48)
النتيجة
حروف
فواتح السّور تشكّل فقط نصف حروف اللّغة العربيّة. بينما نعلم أنّ القرءان نـزل عربيّاً وعلى سبعة
أحرف تيسيراً وتفصيلا وبياناً. ولا يكون
التّنـزيل العربيّ ولا تتحقّق الإبانة إلا بجميع حروف اللّغة العربيّة. وبالتالي فإنّ حروف فواتح السّور تشير إلى أنّ
كلام اللّه (وهو صفة من صفاته) في أصله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .
وإنّما ينـزل الله وحيه على رسله بلغة القوم حتى يعقلوا الخطاب. القرءان العظيم هو قَلِيل مِنْ كلام اللّه (الكَثِير واللانهائي (. وإنّ الإنسان محدودةٌ
طاقته وقدرته، وهو عاجزٌ عن إدراك حقيقة صفات الله التي بلغت الكمال المطلق واللانهائي: والكلام من صفاته سبحانه، وما كان لبشر أن
يكلّمه اللّهُ إلا وحياً أو من وراء حجاب.
ولا نسمعُ الموحَى إلا بعد أن يقرأهُ البشرُ الرّسولُ الذي يوحي إليه
اللّهُ من خلال جبريل وبلسان قومه تيسيراً ولطفاً من اللّه بعباده ولعباده من أجل
أن يعقلوا الرّسالة ويفهموها.
وفي الحديث الشريف: (ما أَذِنَ اللهُ لشيءٍ ما أَذِنَ لنبيٍّ حسَنِ الصوتِ بالْقُرْءَان يجهرُ به) ([22]) .
يَحكي أبو هُرَيرةَ رضي اللَّه عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قالَ: لَمْ يَأذَنِ اللَّهُ، أي: لَم يَستَمِع لشَيءٍ ما أَذِنَ: ما استَمَعَ، أي: كاستِماعِهِ لِلنَّبِيِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يَتَغَنَّى بِالقُرآنِ، يُحسِّنُ صَوتَه به، أو يَتَغنَّى به، قالَ صاحِبٌ لأَبي سَلَمةٍ: يُريدُ بقَوله يَتَغَنَّى به: يَجهَرُ بِهِ.
في الحَديثِ: أنَّ في قِراءةِ الأنبياءِ طِيبَ الصَّوتِ لِكَمالِ خَلْقِهِم، وَتَمامِ الخَشيةِ، وهذا هو الغايةُ في ذلك.
إنّ
أشرف شيء أَذِنَ
اللهُ به (بمعنى استمع له، وكذلك بمعنى :أراده اللّه، أو قضاه، أو سمح به، أو أباحه، ورضي
له بالصيرورة) هو الْقُرْءَان يجهرُ به الرّسول ويبلّغُه قومَه:
-
(ما أذِن اللهُ لشيءٍ، ما أذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالْقُرْءَان. وفي رواية: كما يأذنُ لنبيٍّ يتغنَّى بالْقُرْءَان) ([23]) .
- (ما أذِنَ اللَّهُ لشَيءٍ ما أذنَ لنبيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ يتغنَّى بالْقُرْءَان، يجهَرُ بِه) ([24]).
-
(لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي صلى الله عليه وسلم يتغنى بالْقُرْءَان. وقال صاحب له : يريد يجهر به .) ([25]) .
- (ما أذِن اللهُ لشيءٍ ما أذِن للنبيِّ أن يتغنَّى بالْقُرْءَان . قال سُفيانُ
: تفسيرُه : يَستَغني به .) ([26]) .
-
(ما أذِنَ اللهُ لشيءٍ ما أذِنَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يتغنَّى بالْقُرْءَان . وقال صاحبٌ له : يريدُ
: أن يجهرَ به .) ([27]) .
كلام
اللّه (صفته: فكلامه ليس كمثله شيء)، ويجعله سبحانه بلسان القوم المخاطبين
بالرّسالة، ثمّ يوحيه بواسطة جبريل إلى رسوله فينـزله قرآناً على قلبه وسمعه
فيعقلهُ ثمّ يتلوه الرّسولُ ويبلّغه قومَه امتثالاً لأمر اللّه سبحانه. وأشرفه على الإطلاق هذا الْقُرْءَان الذي أوحاه
اللّه إلى رسولنا محمّد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): فنـزل به أمين وحي السّماء جبريل على قلب
وسمع رسولنا محمّد فعقلهُ، وبلّغهُ إلى الثقلين.
يقول سبحانه: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نـزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة 97). (بِإِذْنِ اللَّهِ): "أَيْ بِإِرَادَتِهِ وَعِلْمه" (القرطبي).
وتنـزلات
أخرى لايراها الدكتور الكردي ومنها:
*
مراتب القراءة (الرسول،
ثم من الصحابة عبدالله وسالم مولى حذيفة (.[28].)
*
نـزوله
على قلوب الصحابة الذين سمعوه من محمّد بلسان عربي
* الْقُرْءَان كان هو الحكم والفصل
في حياة الصحابة والقرون الثلاثة ذات الفضل
* أقلام البشر ومطابعهم تكتب الْقُرْءَان
في المصاحف
*
طباعة الْقُرْءَان الكريم وطباعة ترجمة معاني آياته بلغة بريل بل و في معظم اللّغات التي يتخاطب بها
سكان الكرة الأرضيّة.
تنـزلات
سلبيّة
* النهي
عن أن يسافر بالْقُرْءَان إلى بلاد كفر خشية تعرضه للامتهان
* سُفهاءُ الأحلامِ يقرأون الْقُرْءَان لا يجاوزُ حناجرَهم
* وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا
ومعنى هذا التنـزل أن يعرضَ كتابُ الله وهذا الدين على بعض فيصدّون عنه مستكبرين! بشرٌ خلقه اللّه من ماء مهين فكرّمه وأنعم عليه، يُعْرَضُ عليه كلامُ اللّه فيأبى إلاّ أن يكون عنوان جهالة ورأس كفر!. وفي هذا الباب آيات كثيرة، ومنها الآية الكريمة:
- (وَآمِنُوا بِمَا أَنـزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) (البقرة 41).
[1] على سبيل الإطلاق
[2] الراوي: أبو
هريرة المحدث:الألباني
- المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 734، حكم المحدث: صحيح
[3] الراوي:
عبدالله بن عباس المحدث:الألباني - المصدر:صحيح
الموارد- الصفحة
أو الرقم:1465،
حكم المحدث:حسن صحيح
[5] ) - أولُ ما خلق اللهُ القلَمَ فقال اكتُبْ قال وما أكتُبُ يا ربِّ.
قال اكتُبْ القدَرَ قال فجرى القَلَمُ في تلْكَ الساعَةِ بِما كانَ و بما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ) (الراوي: عبادة بن الصامت المحدث: الألباني - المصدر: تخريج كتاب السنة - الصفحة أو الرقم: 104، خلاصة حكم المحدث: صحيح
) - أوَّلُ ما خلَقَ اللهُ القلَمَ فقال اكتُبْ فكتَبَ ما كانَ وما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ
الراوي: عبادة بن الصامت المحدث: الألباني - المصدر: تخريج كتاب السنة - الصفحة أو الرقم: 105، خلاصة حكم المحدث: صحيح
) - أولُ ما خلق اللهُ القلمَ فقال له اكتُبْ قال وما أكتبُ يا ربِّ ؟ قال اكتب القدرَ قال وكتب ما هو كائنٌ) (الراوي: عبادة بن الصامت المحدث: الألباني - المصدر: تخريج كتاب السنة - الصفحة أو الرقم: 103، خلاصة حكم المحدث: صحيح)
) - أَوَّلُ شيءٍ خلق اللهُ القلمَ وقال اجْرِ فجَرَى تلك الساعةَ بما هو كائِنٌ) (الراوي: عبادة بن الصامت المحدث: الألباني - المصدر: تخريج كتاب السنة - الصفحة أو الرقم:107، خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن
) - إنَّ أوَّلَ شيءٍ خَلَقَهُ اللهُ القَلَمُ، فأمَرَهُ فكَتَبَ كلَّ شيءٍ يَكونُ) (الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 2016، خلاصة حكم المحدث: صحيح
) - إنَّ أوَّلَ ما خلق اللهُ القلَمُ، فقال لهُ اكتُبْ، قال: ما أكتُبُ ؟ قال:
اكتُبْ القدَرَ، ما كان و ما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ) (الراوي: عبادة بن الصامت المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 2017، خلاصة حكم المحدث: صحيح
) - إنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللَّهُ – تعالى -: القلَمُ، فقالَ لهُ:
اكتُب، فقالَ: ما أكتُبُ ؟! قالَ: القَدرَ: ما كانَ، وما هوَ كائنٌ إلى الأبدِ) (الراوي: عبادة بن الصامت المحدث: الألباني - المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - الصفحة أو الرقم: 91، خلاصة حكم المحدث: صحيح)
) - إنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللَّهُ القَلمَ، فقالَ اكتُب فقالَ ما أكتُبُ قالَ:
اكتُبِ القدَرَ ما كانَ وما هوَ كائنٌ إلى الأبدِ) (الراوي: عبادة بن الصامت المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2155، خلاصة حكم المحدث: صحيح
) - إنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللَّهُ القلمَ فقالَ لَهُ اكتُب فجرى بما هوَ كائنٌ إلى الأبدِ) (الراوي: عبادة بن الصامت المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3319، خلاصة حكم المحدث: صحيح
[6]
الراوي: النعمان بن بشير
المحدث:الألباني - المصدر:صحيح الترمذي- الصفحة أو الرقم:2882، حكم المحدث:صحيح
الراوي:
النعمان بن بشير، المحدث: المنذري، المصدر: الترغيب
والترهيب، الصفحة أو الرقم: 2/315، خلاصة حكم المحدث: ]إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما[
[7] تكفّل اللّه بحفظ
الْقُرْءَان، بينما حرّفت اليهودُ والنصارى التوراةَ والإنجيلَ.
[8] وَذَاكَ
أنَّ أُبَيًّا يَقولُ: لا أَدَعُ شيئًا
سمِعْتُهُ منْ رسَولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم"؛ أيْ: لا أَترُكُ شيئًا
سَمِعْتُهُ منَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قِراءةِ القرآنِ، كمَا سمِعتُهُ
منْهُ بِحُجَّةِ أنَّهُ نُسِخَتْ قِراءتُهُ أو حُكمُهُ، فهذا يدُلُّ على أنَّه
لا يَقولُ بنَسخِ شَيءٍ منَ القُرآنِ، وقدِ احتَجَّ عمرُ على أُبَيٍّ بأنَّ النَّسخَ
موجودٌ كما قالَ اللهُ تعالى في كتابِه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}
[البقرة: 106] أي ما نُبدِّلُ مِن آيةٍ أو نترُكُها لا نُبَدِّلُها، وهذا يدُلُّ
على ثُبوتِ النَّسخِ في القرآنِ، وقدْ يقَعُ النَّسخُ على الحُكمِ دونَ
التِّلاوةِ، وقد يكونُ للتِّلاوةِ معَ بقاءِ الحُكمِ وقدْ يكونُ لهما معًا.
وفي
الحديثِ: بيانُ مَنقَبةِ بعضِ الصَّحابةِ وشَهادةِ بعضِهمْ لِبعضٍ بالفَضلِ.
وفيه:
ثُبوتُ الخلافِ بينَ الصَّحابةِ في وُقوعِ النَّسخِ في القرآنِ.
وعلى المسلم أنّ
يكون مع الحقّ ؛ ففي الحديث: (لما سار طلحةُ
والزُّبَيرُ وعائشةُ إلى البَصرةِ ، بعَث عليٌّ عمَّارَ بنَ ياسرٍ وحسنَ بنَ عليٍّ
، فقدِما علينا الكوفةَ ، فصعِدا المِنبَرَ ، فكان الحسنُ بنُ عليٍّ فوقَ
المِنبَرِ في أعلاه ، وقام عمَّارٌ أسفلَ من الحسنِ ، فاجتَمَعْنا إليه ، فسمِعتُ
عمَّارًا يقولُ : إنَّ عائشةَ قد سارَتْ إلى البَصرةِ ، وواللهِ إنها لزوجةُ
نبيِّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الدنيا والآخرةِ، ولكنَّ اللهَ تبارَك وتعالى
ابتَلاكم ، ليَعلَمَ إياه تُطيعونَ أم هيَ .) (الراوي :
أبو مريم الأسدي ، المحدث :
البخاري ، المصدر :
صحيح البخاري .
وفضلُ عائشةَ على النِّساءِ ، كفضلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعامِ: (كمُلَ
منَ الرِّجالِ كثيرٌ ، ولم يكمل منَ النِّساءِ إلَّا : مريمُ بنتُ عمرانَ ، وآسيةُ
امرأةُ فرعونَ ، وفضلُ عائشةَ على النِّساءِ كفضلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعامِ
الراوي : أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس ، المحدث : البخاري ، المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 3769 ، خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
الصفحة أو الرقم: 7100 ،
خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
[9] الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم 3068، خلاصة حكم المحدث: صحيح
[10] (تحاجت الجنة
والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني
إلا ضعفاء الناس وسقطهم. قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من
أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة
منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول: قط قط قط، ... ) (الراوي: أبو
هريرة المحدث:البخاري - المصدر:صحيح
البخاري- الصفحة أو الرقم:4850،
صحيح)
[11] الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم 3244، خلاصة
حكم
المحدث: ]صحيح[
[12] الراوي: عبدالله بن عمرو المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم 1953، خلاصة حكم المحدث: صحيح
[13] الراوي:
سلمان الفارسي المحدث:مسلم - المصدر:صحيح
مسلم- الصفحة
أو الرقم:2753، حكم المحدث:صحيح
[14] الراوي:
عبدالله بن عباس المحدث:الألباني - المصدر:صحيح
الموارد- الصفحة
أو الرقم:1465،
حكم المحدث:حسن صحيح
[16] المحدث:الألباني -
المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 6469، خلاصة حكم المحدث: صحيح
[18] ابن كثير، ج 4، ص 155
[19] تفسير ابن كثير: ج 2،
ص 194
[20] (ليبلُغنَّ هذا الأمرُ مبلغَ اللَّيلِ والنَّهارِ، ولا يترُكُ اللَّهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلَّا أدخلَهُ هذا الدِّينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ، يعزُّ بعزِّ اللَّهِ في الإسلامِ، ويذلَّ بِهِ في الكفر وَكانَ تميمٌ الدَّاريُّ رضيَ اللَّهُ عنهُ، يقولُ: قد عَرفتُ ذلِكَ في أَهْلِ بيتي لقد أصابَ مَن أسلمَ منهمُ الخيرَ والشَّرفَ والعِزَّ، ولقد أصابَ مَن كانَ كافرًا الذُّلَّ والصَّغارَ والجِزيةَ) (الراوي: تميم الداري المحدث: الحاكم - المصدر: المستدرك - الصفحة أو الرقم
5/615،
خلاصة حكم المحدث: صحيح على شرط الشيخين).
(ليبلغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله اللهُ هذا الدينَ بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليلٍ عزًّا يعزُّ اللهُ به الإسلامَ وأهلَه وذلًّا يذلُّ اللهُ به الكفرَ, وكان تميمٌ الداريُّ يقولُ عرفت ذلك في أهلِ بيتِي لقد أصاب مَن أسلمَ منهم الخيرَ والشرفَ والعزَّ ولقد أصاب مَن كان منهم كافرًا الذلَّ والصغَارَ والجزيةَ) (الراوي: تميم الداري المحدث: الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم
6/17،
خلاصة حكم المحدث: رجاله رجال الصحيح).
(ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بلغَ اللَّيلُ والنَّهارُ، ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ إلَّا أدخلَهُ اللهُ هذا الدِّينَ، بعِزِّ عزيزٍ،
أو بذلِّ ذليلٍ، عزًّا يعزُّ اللهُ به الإسلامَ، وذلًّا يذِلُّ اللهُ به الكفرَ) (الراوي: - المحدث: الألباني - المصدر: تحذير الساجد - الصفحة أو الرقم
158،
خلاصة حكم المحدث: على شرط مسلم وله شاهد على شرط مسلم أيضا).
[22] المحدث:البخاري - المصدر: صحيح
البخاري - الصفحة أو الرقم 7544.
[23] المحدث:مسلم - المصدر: صحيح
مسلم - الصفحة أو الرقم 792.
[24] المحدثون: مسلم - المصدر: صحيح
مسلم - الصفحة أو الرقم792 ؛ الألباني- المصدر: صحيح
أبي داود - الصفحة أو الرقم 1473 ؛ الألباني - المصدر: صحيح
النسائي - الصفحة أو الرقم 1016
[25] المحدث: البخاري - المصدر: صحيح
البخاري - الصفحة أو الرقم 5023 .
[26] : المحدث:البخاري - المصدر: صحيح
البخاري - الصفحة أو الرقم 5024 .
[27] المحدث:البخاري - المصدر: صحيح
البخاري - الصفحة أو الرقم 7482 .