تفسير د. نوفل وبعض الملاحظات في مجال العقيدة

 

 

جمع وتأليف

 

 

أ. د. حسين يوسف عمري

قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة

مؤتة- الكرك/ الأردن

rashed@mutah.edu.jo

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الموضوعات

الموضوع

الصفحة

الإهداء

المقدمة

دلالة القرآن الكريم على حُجّيّة السّنّة

منهج الباحث

1) تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ...)

2) الآية الكريمة: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)

3) الطاقة المظلمة (Dark energy)

4) قوله: لا نعلم ما إذا كانت الآية (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) على الحقيقة أم على المجاز!

5) مغالطة أنّ الوحي أزلي وأنّ القرآن أزلي

6) المعنى الإصطلاحي للقرآن الكريم

7) د. نوفل لا يعتبر السّنّة وحياً

8) إنكاره لقاء الرسول بموسى (عليهما السلام) في رحلة المعراج

9) يرفض تصديق معجزة إنشقاق القمر رُغم ثبوتها

10) سجود الشمس تحت العرش

11) تفسيره المغالط للآية الكريمة: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ)

12) أمواج الصوت الصادرة عن الجمادات

14) ردّه الحديث: (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ) رغم ثبوته في صحيح البخاري

15) الملأُ حولَ فرعون يسميه د. نوفل " بٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ اللي حوالين فرعون"

16) الاطمئنان يريده الرحمن ويؤكده القرآن ولا يرتضيه نوفل إلا لنفسه

17) يزعم أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج، ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم

18) إنكاره توبة قاتل العمد

4

5

9

32

 

38

43

44

 

47

48

50

52

55

81

101

 

103

106

109

114

115

 

117

137

الموضوعات

الموضوع

الصفحة

19) استراق السّمع

20) يقول د. نوفل بعدم قبول التوبة إذا خرج الدّخان أو خرجت الدّابة

21) الآية: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ). يقول د. نوفل: "يومئذ: يوم القيامة"

22) اللمز لروايتي البخاري ومسلم في بيان مناسبة نزول الآية الكريمة: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)

23) يقول بعدم بعث الحيوانات

24) (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ): يقول د. نوفل ومعناها جدّ الجد، وما ثمّ ساق ولا قدم!

25) يخالف صريح القرآن فيزعم أنّ الجبّار يطلب شهادة زعماء الكفر والشرك على الأمم!

26) يزعم أنّ الآية: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) خاصة بالكفار!

27) ردُّهُ أحاديث الشفاعة الواردة في صحيحي البخاري ومسلم

28) مغالطاته في حقيقة جمع الكون وقبضه يومَ القيامة

الآية (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ..) على الحقيقة وليست على المجاز

29) يقول د. نوفل: "يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت... لماذ تسكت؟!"!

30) الآية الكريمة: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)

31) الآراء والأهواء الخاصة تخدش الخضوع لله وتناقض العقل الجمعي

32) يُقدّمُ فهماً مغلوطاً على أنه بدهيات، ويتهم المسلمين بالتخلف والجهل بالبدهيات

33) مسلمات في الدين، أو مسلمات في العقيدة

الخلاصة

140

142

147

 

153

157

160

179

184

188

202

 

205

214

223

258

261

266

287

 


الإهداء

 

 

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

 

إلى الدُّعاة والمفكّرين والمسلمين الذين يؤمنون بعقيدة أهل السُّنّة أهدي كتابي

 

 

 

 


المقدمة ([1])

لقد آثرت أن تكون مقدمة هذا الكتاب مأخوذة من مقالتين: أولاهما المقالة (الفتوى، إجابة على سؤال لسائل) الموسومة بعنوان: شبهات وجوابها حول الحديث والسنة وبعض الحدود، وهي ليست كتابتي وإنما مقتبسة من مقالة على موقع إسلام ويب (islamweb.net).

 جاء في الفتوى: "فأما كون الإمام البخاري رحمه الله ألّف صحيحه بعد قرنين من موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يعقل أن تدوّن الأحاديث بعد هذه المدة كما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا وإن كان معقول المعنى إلا أن قائل هذا الكلام غفل عن الشروط الدقيقة التي وضعها المحدثون ولاسيما أمثال البخاري لقبول المرويات، فهم لا يقبلون إلا من الثقة، وهو الذي يجمع بين العدالة والضبط، ومع ذلك فلابد من خلو روايته من الشذوذ والعلة، وهذه مسالك في غاية الدقة لا يحسن تعاطيها إلا جهابذة أهل العلم ممن أفنوا أعمارهم في خدمة السّنة جمعا ودراسة وتمحيصا، ولا يمكن للمرء أن يقف على حقيقة هذا الأمر إلا إن درس علوم الحديث وعرف الجهود المضنية التي يسّر الله لها أهل الحديث من هذه الأمة، حيث وضعوا قواعد وضوابط في غاية الإتقان، وبذلوا في ذلك من الجهد ما يشهد لحفظ الله تعالى لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى قد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الله قد حفظ السنة كما حفظ القرآن، كما سبق التنبيه عليه في الفتويين: 28205، 19694. وهذا العلم الشريف بنقد الروايات وتمحيصها تفرد به المسلمون، فلا يوجد عند أمة من الأمم غيرهم، لذلك قال المستشرق المجري مارجيليوس: ليفتخرْ المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. اهـ.

 والمقصود أن أصل الإشكال عند هذا المتكلم (السائل) أنه قاس حال المحدثين في قبول المرويات بحال غيرهم ممن يفتقد الضبط بل والعدالة.

 ثم إننا ننبه أن صحيحي البخاري ومسلم من دون غيرهما من المصنفات الحديثية، لهما شأن خاص، فليس الأمر مجرد عناية بشرط الصحة والنظر في الأسانيد، بل الأهم من ذلك هو تلقي علماء الأمة لهما بالقبول والتسليم، وأن الأصل هو صحة روايتهما، وبذلك يعرف تهافت الاستدلال ببشرية البخاري فإن هذا ليس محلا للنزاع، ولكنه لا يصلح مطعنا في صحيحه بعد تلقي الأمة له بالقبول. وأما ما انتقد عليهما فغالبه متوجه للصناعة الحديثية وليس لمتون الأحاديث، وهذا مع الأسف لا يدركه أكثر المعاصرين الذين تناولوا هذه المسألة الخطيرة، وحتى الأحاديث النادرة التي ينتهض انتقاد المنتقد لها لا تنقض جلالة الصحيحين، وقد سبق أن بينا ذلك في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13678، 134033، 128476، 70192.

 وننبه هنا على أمر مهم في هذا الشأن، وهو أن الطعن في أحاديث البخاري وحجيته من حيث الجملة، يختلف اختلافا جذريا عن انتقاد حديث أو أحاديث بعينها لأسباب علمية صرفة، ممن هو أهل لذلك من الراسخين في هذا العلم كالدارقطني ونحوه. وهذا الخلاف ليس من حيث الصورة والظاهر فقط، بل من حيث المقصد والغاية بالأساس، ففرق هائل بين من كان يقصد صيانة السنة والذب عن حياضها بالتحري والتثبت العلمي، وبين من يقصد هدمها وتقويض بنائها، والطعن في أصل ثبوتها وصحة نقلها.

 وأما مسألة كتابة الحديث والنهي عنها، فقد صدق القائل (السائل، المُسْتَفتِي) بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر عبثا بعدم كتابة غير القرآن. ولكنه صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه لم يأذن عبثا لبعض أصحابه بالكتابة، فكلا الأمرين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعلة في ذلك أن لا يختلط القرآن بغيره، في عصر كانت أدوات الكتابة فيه قليلة ومحدودة، ولا يحسنها إلا نفر قليل، ومن تأمل هذه الحال، واستحضر ضرورة نقل القرآن بلفظه وحرفه، عرف أن مورد الإذن غير مورد المنع، وقد سبق لنا الكلام على كتابة الحديث وتدوينه في الفتويين: 8516، 13196.

 وأما مسألة التعارض بين القرآن والسنة، فتناولُها بالطريقة المذكورة في السؤال لا يأتي فقط على السنة، بل يأتي على القرآن نفسه، فقد زعم كثير من الملحدين وأهل الملل الباطلة أن بين آيات القرآن نفسه تعارضا. فطريقة إبطال هذه الدعوى هي هي طريقة إبطال تلك، فإن السنة النبوية في مجال التشريع إنما هي وحي من الله تعالى، فكما نجمع بين آيات القرآن بحمل كل آية على المراد بها، فكذلك نفعل إذا كان بين ظاهر القرآن والسنة نوع اختلاف. وراجع الفتوى رقم: 113857.

 وأما مسألة مخالفة السنة للعقل، فهذا أمر وارد، فإن العقول البشرية بضعفها وقصورها وضيق عطنها، لا يمكن أن تستوعب حكم التشريع، ولا أن تحيط بموارد الغيب، فإذا خالفت السنةَ كان الحكم للسنة بلا ريب، هذا مع أن هذا التعارض بين السنة والعقل، قد ذُكر مثله أيضا مع القرآن فهل نَردُّ القرآن كذلك لمخالفته بعض العقول السقيمة والآراء الساقطة؟! وهنا ننبه على أن العقل الصريح لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح، وأن الوحي وإن كان يأتي بما تحار فيه العقول، فإنه لا يمكن أن يأتي بما تحيله العقول (تقول باستحالته)، وقد سبق لنا بيان ذلك، وبيان أن تحكيم العقل في أحكام الشرع زيغ وضلال، فراجع الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 20458، 23028، 129696، 39932.

 وأما مسألة نسخ السنة للقرآن، فمحل خلاف بين أهل العلم قديما وحديثا، والجمهور على أن القرآن يُنسخ بالسنة المتواترة. وراجع في ذلك الفتويين: 22660، 46669.

 وأما حد الردة، فصحيح أنه لم يثبت في القرآن، إلا أن ذلك ليس بمطعن؛ لأنه ثبت بالسنة الصحيحة، ونقل العمل به منذ عصر الصحابة تواترا، بما يفيد العلم القطعي بثبوته. ثم إن هذا لا يعارض حرية الاعتقاد، لأنه صورة مستثناة لمصلحة عامة، ولا تعارض بين خاص وعام، فكل كافر لا يصح أن يكره على الدخول في الإسلام، ولكنه إن دخل فيه فلا يقبل منه الردة عنه، وراجع في تفصيل ذلك الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13987، 33562، 50846.

 وأما حد الرجم فقد سبق أن بينا ثبوته بالكتاب والسنة للزاني المحصن، وراجع في ذلك الفتويين: 26483، 42939.

 وأما الاستدلال بقوله تعالى: (يا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ){الأحزاب: 30}. على عدم التفريق بين المحصن وغيره، توسلا لإبطال حد الرجم فهذا هو المضحك حقا، وليس كما يقول هذا القائل (السائل، المُسْتَفتِي): ثبوت حد الرجم مضحك جدا. فهذه الآية لا تتكلم أصلا عن عقوبة الدنيا، بل الآخرة، ولو قرأ هذا القائل الآية التي بعدها فضلا عن حفظها لتبين له ذلك، حيث يقول تعالى: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) {الأحزاب: 31}. فهل مضاعفة الأجر تكون هي الأخرى في الدنيا؟! ومما يبين ذلك أيضا أن في قراءة ابن كثير وابن عامر: (نُضعِّف لها العذابَ) بالنون وكسر العين وتشديدها، ونصب العذاب، فهي منسوبة إلى الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا في الآخرة. ومن المفسرين من فسر المضاعفة بالجمع بين عذاب الدنيا والآخرة، كما قال زيد بن أسلم: { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } في الدنيا والآخرة. اهـ.

 وكذلك فإن الراجح في تفسير الفاحشة هنا أنها المعاصي الظاهرة كالنشوز وسوء المعاملة.

 قال ابن الجوزي في زاد المسير: (بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي بمعصية ظاهرة، قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين. اهـ.

 وبالجملة فكثير من المستشرقين والمستغربين وأذنابهم قد أثاروا الشبهات حول هذين الحدين على وجه الخصوص: حد الرجم، وحد الردة، وذلك لأن الكلام على الحدود الثابتة في القرآن كحد السرقة وحد القذف، فيه طعن ظاهر في القرآن، فلم يجترئ عليه المنتسبون للإسلام منهم. وقد تناول ذلك جمع من الباحثين بالرد والتفنيد والبيان، ومن ذلك بحث الدكتور عماد الشربيني (عقوبتا الزاني والمرتد ودفع الشبهات في ضوء القرآن والسنة) فيمكن الرجوع إليه للتوسع في ذلك.  انتهى الموضوع الأوّل.

 وقبل الشروع في بيان ملاحظاتي على تفسير الدكتور أحمد نوفل، اسمحوا لي طرح السؤال: هل يجب علينا اتباعُ السُّنّةِ أم يكفينا اتباعُ القرآن فقط ؟

وفيما يلي أقدمُ جواباً أستوحيه من موقع الإسلام سؤال وجواب على الرابط ([2]).

دلالة القرآن الكريم على حُجّيّة السّنّة

دلالة القرآن الكريم على حُجّيّة السّنّة كثيرة ومنها:

 - قال الله تعالى : (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (النساء: 80) ، فجعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته .

 ثم قرن طاعته بطاعة رسوله ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء: 59)

 - لقد حذّر اللهُ عز وجل من مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتوعد من عصاه بالخلود في النار ، قال تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) ) (النور)

 - جعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من لوازم الإيمان ، ومخالفته من علامات النفاق ، قال تعالى : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) (النساء).  ومناسبة نزول الآية يبينها الحديث الشريف: (أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، في شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتي يَسْقُونَ بهَا النَّخْلَ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ، فأبَى عليهم، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إلى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قالَ: يا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حتَّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إنِّي لأَحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ في ذلكَ {فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} [النساء: 75[) ([3]).

 ويربط ابن كثير بين هذه الآية وبين قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... ) (الأحزاب 6).  فيقول في معرض تفسيره لآية الأحزاب: "قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى : ( فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ... ) ( النساء 65 ) .  وفي الصحيح:  (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ.) ([4]).

 ويؤكد ابن عباس وجوبَ اتباع السّنّة: (عن طاوسٍ أنَّهُ كان يُصلِّي بعدَ العصرِ ، فنهاهُ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما فقال طاوسُ : إنَّما نُهيَ عنها أن يتخذَها سُلَّمًا ، قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ الآيةَ (الأحزاب 36)، وما أدري أتُعَذَّبُ علَيها أم تُؤجَرُ) ([5])

- قال الله تعالى : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (آل عمران 31)

تفسير البغوي:

قوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه . قال الله تعالى: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: (ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).

 يقول القرطبي: " وقال سهل بن عبد الله : علامة حب الله حب القرآن ، وعلامة حب القرآن حب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلامة حب النبي - صلى الله عليه وسلم - حب السنة ..."

- قال الله تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران 132).

يقول القرطبي : وأطيعوا الله يعني أطيعوا الله في الفرائض والرسول في السنن : وقيل : أطيعوا الله في تحريم الربا والرسول فيما بلغكم من التحريم . لعلكم ترحمون أي كي يرحمكم الله .

- قال الله تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) المائدة 92)

تفسير السعدي: طاعة الله وطاعة رسوله واحدة، فمن أطاع الله، فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. وذلك شامل للقيام بما أمر الله به ورسوله من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، المتعلقة بحقوق الله وحقوق خلقه والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه كذلك. وهذا الأمر أعم الأوامر، فإنه كما ترى يدخل فيه كل أمر ونهي، ظاهر وباطن.

- أمر سبحانه وتعالى عباده بالاستجابة لله والرسول ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (الأنفال : 24).

- ثم أمرهم سبحانه برد ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرَّسُول ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء: 59).

وهنالك المزيد من الأدلة؛ ومعظمها من سورة النساء:

 (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 60-65)

- قال الله تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء 80)

 تفسير الطبري: قال أبو جعفر: وهذا إعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم، أيها الناس، محمدًا فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولنَّ أحدكم: " إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضَّل علينا "!

تفسير السعدي: أي: كل مَنْ أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه ) فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تعالى لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقا، فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله لم يأمر بطاعته مطلقا، ويمدح على ذلك.

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) (النساء: 83)

 (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) (الأنعام 104).  يقول ابن كثير: البصائر : هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن ، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .

إنّ من بعض صفات أهل الكتاب الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلّم أنّهم : (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (التوبة: 29).

دلالة السنة النبوية على حجية السنة كثيرة ومنها:

 تركتُ فيكم أمرينِ ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما : كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي.  وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث الشريف:

 (إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم ، و لكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم ، فاحْذَروا ، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا ، كتابَ اللهِ ، و سُنَّةَ نبيِّه) ([6])

شرح الحديث : القرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النَّبويةُ هُمَا حَبْلُ اللهِ المتينُ، فمَن حفِظَهما وعمِلَ بما فيهما بِنِيَّةٍ صادقةٍ وقَلْبٍ مُتَيَقِّنٍ؛ فإنَّ له الجزاءَ الأوْفى عندَ اللهِ سُبحانه.

 وفي هذا الحَديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ"، أي: أصابَه اليأْسُ بعدَ انتشارِ الإسلامِ، "بأرْضِكم" وهي جَزيرةُ العرَبِ، "ولكنْ رضِيَ أنْ يُطاعَ فيما سِوَى ذلك"، أي: رضِيَ بأنْ يَتَّبِعَه الناسُ فيما هو أقلُّ مِن الشِّركِ باللهِ، وهو "ممَّا تُحاقِرون مِن أعْمالِكم" مِن صَغائِرِ الذُّنوبِ والمعاصي، وهي اللَّمَمُ، "فاحْذَروا"، والمعنى: احْذَروا مِن طاعةِ الشيطانِ والوُقوعِ في الصغائرِ؛ لأنَّها لا تَزالُ بالعبدِ حتى تُهْلِكَه وهو لا يَدْري، "إني قد ترَكْتُ فيكم"، أي: ترَكْتُ لكم بعدَ مَوتي فيما بيْنكم، "ما إنِ اعتَصَمْتم به"، أي: تمَسَّكتم به وأخَذْتُم بالعملِ بما فيه، "فلنْ تَضِلُّوا أبدًا"، أي: فلنْ تَكونوا في ضَلالٍ وزَيْغٍ عن الحقِّ بعدَ تَرْكِي إيَّاه فيكم، أو بعدَ التَّمسُّكِ به والعمَلِ بما فيه، إنِ اعتصَمْتُم به، "كِتابَ اللهِ"، وهو القُرْآنُ الكريمُ، وهو أعظمُ وأفضلُ ما يَتأسَّى به الناسُ، ويَقتَدونَ به؛ لأنَّه كلامُ اللهِ سُبحانه وتَعالى؛ ولأنَّه يَهْدِيهم إلى الطَّريقِ المستقيمِ، وإلى الحقِّ، فلا يَضِلُّون، "وسُنَّةَ نَبِيِّه" وهي كُلُّ ما ورَدَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ مِن أقوالٍ، أو أفعالٍ، أو أُمورٍ أقَرَّها ووافَقَ عليها، وفي السُّنَّةِ بَيانٌ وتفصيلٌ لِمَا في القرآنِ الكريمِ، والكتابُ والسُّنَّةُ هما أصْلُ الدِّينِ، وفيهما النَّجاةُ لمَن تَمسَّك بهما.

 وفي الحديثِ: التخويفُ والتَّحذيرُ مِن وسْواسِ الشَّيطانِ.  وفيه: الحثُّ على التَّمسُّكِ بالكتابِ والسُّنَّةِ . ولدينا كذلك الأحاديث الشريفة:

 (تركتُ فيكم أمرينِ ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما : كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي ، ولن يتفَرَّقا حتَّى يرِدا عليَّ الحوضَ) ([7]).

شرح الحديث: كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ نَبيِّه هما الأصلانِ اللَّذانِ لا عُدولَ عنهما، ولا هدْيَ إلَّا منهما، والعِصمةُ والنَّجاةُ لمَن تمسَّكَ بهما، واعتصَمَ بحَبْلِهما.

 وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إنِّي قد خلَّفْتُ فيكم شَيئينِ"، أي: تَركْتُ لكم بعدَ وَفاتي ومماتي أمرينِ، "لنْ تَضِلُّوا بعدَهما أبدًا ما أخذْتُم بهما- أو عَمِلْتُم بهما-"، أي: هما سببٌ في الفوزِ في الآخِرةِ إذا أخَذَ بهما العبْدُ في الدُّنيا، "كِتابَ اللهِ، وسُنَّتي"، أي: بالاستِمساكِ والعمَلِ بالقرآنِ والسُّنةِ معًا؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، والمرادُ بسُنَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أقوالُه وأفعالُه وتَقريراتُه، "ولنْ يَتفرَّقَا"، أي: هما مَحفوظانِ باقيةٌ حُجَّتُهما على الأُمَّةِ، "حتَّى يَرِدَا عليَّ الحَوضَ"، أي: يَمُرَّا عليَّ وأنا على الحوضِ، والحوضُ هو نَهرُ الكَوثرِ الذي أعطاهُ اللهُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ الَّذي يَسْقِي منه الواردينَ عليه مِن المؤمنينَ.

 وفي الحديثِ: بَيانُ أنَّ منزلةَ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ كمَنزلةِ القرآنِ.  وفيه: إثباتُ وُجودِ الحَوضِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ

(تركتُ فيكم أمريْنِ لن تضلُّوا ما تمسَّكْتُم بهما : كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِه .) ([8]).

 (ترَكْتُ فيكم أَمرينِ ، لَن تضلُّوا ما تمسَّكتُمْ بِهِما : كتابَ اللَّهِ وسنَّةَ رسولِهِ) ([9])

وفي بيان أهمية السّنّة: (ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ)، وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث الشريف:

 (لألفَينَّ أحدُكم متكئًا على متكَئِه يصلُ إليه عنِّي حديثٌ فيقولُ : لا نجدُ هذا الحكمَ في القرآنِ . ألا وإنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ) ([10])

(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ ألا يوشكُ رجلٌ شبعانُ على أريكتِهِ يقولُ عليكم بهذا القرآنِ فما وجدُتم فيهِ من حلالٍ فأحلوا وما وجدُتم فيهِ من حرامٍ فحرِّموا وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كما حرَّمَ اللهُ ألا لا يحلُّ لكم لحمُ الحمارِ الأهليِّ ولا كلُّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ ولا لُقطةُ معاهدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها ومن نزلَ بقومٍ فعليهم أن يقروهُ فإن لم يقروهُ فلهُ أن يعقبَهم بمثلِ قِراهُ) ([11])

(أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ) ([12]).  (إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ) ([13]).  (ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه) ([14]).

(ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلُه معه ، ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانٌ على أريكتِه يقول : عليكم بهذا القرآنِ، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه ، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموهُ ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ كما حرَّمَ اللهُ، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السباعِ ، ولا لُقَطَةُ معاهدٍ إلا أن يستغنيَ عنها صاحبُها ، ومن نزل بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوهُ ، فإن لم يَقْرُوهُ ، فله أن يُعْقِبَهُمْ بمثلِ قِرَاهُ) ([15])

(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ ، ألا يوشِكُ رجلٌ شبعانٌ علَى أريكتِهِ يقولُ : عليكم بِهَذا القرآنِ، فما وجدتُمْ فيهِ من حلالٍ فأحلُّوا ، وما وجدتُمْ فيهِ من حرامٍ فحرِّموهُ ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - كما حرَّمَ اللَّهُ ؛ ألا لا يحلُّ لَكُمُ الحمارُ الأَهْليُّ ، ولا كلُّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ ولا لقطةُ معاهَدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزلَ بقومٍ ، فعليهم أن يُقروهُ، فإن لم يُقروهُ فلَهُ أن يُعْقِبَهم بمثلِ قِراهُ) ([16])

 (ألَا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه [ وفي روايةٍ ] : ألا إنَّ ما حرَّم رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّم اللهِ) ([17]).

(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه) ([18]) .  (ألا إني أوتيت القرآنَ ومثلَه معه) ([19]).

(لا ألفينَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكتِهِ يأتيهِ الأمرُ من أمري ممَّا أمرتُ بِهِ أو نَهيتُ عنْهُ فيقولُ: لا أدري ما وجَدنا في كتابِ اللَّهِ اتَّبعناهُ رَواهُ التِّرمِذي وفي روايةٍ لغيرِهِ ما وجَدْنا فيه حرامًا حرَّمناهُ ألا وإنِّي أوتيتُ القُرآنَ ومثلَهُ معهُ . وفي أخرى ألا إنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ مثلُ ما حرَّمَ اللَّهُ) ([20])

(ألَا إنِّي أُوتيتُ الكِتابَ ومِثلَه معه، ألَا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه معه، ألَا يوشِكُ رجُلٌ يَنْثَني شَبْعانًا على أَريكتِه يقولُ: عليكم بالقُرآنِ، فما وجَدْتُم فيه مِن حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجَدْتُم فيه مِن حرامٍ فحَرِّموه! ألَا لا يَحِلُّ لكم لَحمُ الحِمارِ الأَهْليِّ، ولا كلُّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ألَا ولا لُقَطةٌ مِن مالِ مُعاهَدٍ إلَّا أنْ يَستَغنيَ عنها صاحِبُها، ومَن نزَلَ بقَومٍ فعليهم أنْ يَقْرُوهم، فإنْ لم يَقْرُوهم فلهم أنْ يُعْقِبوهم بمِثلِ قِراهُم. ) ([21])

ويقول سبحانه: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء: 80)

وفي تفسير الطبري: قال أبو جعفر: وهذا إعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم، أيها الناس، محمدًا فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولنَّ أحدكم: " إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضَّل علينا "!

تفسير ابن كثير:  يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أطاعه فقد أطاع الله ، ومن عصاه فقد عصى الله ، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني " ..  وهذا الحديث ثابت في الصحيحين ، عن الأعمش به

عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي

(أتينا العرباضَ بنِ ساريةَ، وهو ممن نزل فيه ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه فسلَّمنا، وقلنا : أتيناك ؛ زائرين، وعائدين، ومقتبسِين . فقال العرباضُ : صلى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوبُ . فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ ! كأن هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى اللهِ والسمعِ والطاعةِ وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) ([22])

شرح الحديث: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَدْعو أصْحابَه إلى الخيْرِ ويُحذِّرُهم منَ الشَّرِّ، ويَعِظُهم ويُذَكِّرُهم بين الحِينِ والآخَرَ.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمْرٍو السُّلَمِيُّ، وحُجْرُ بنُ حُجْرٍ: "أتَينا العِرْباضَ بنَ سارِيَةَ"، أي: جِئنا إليهِ، "وهو ممَّن نزَلَ فيهِ" هذه الآيَةُ: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} [التوبة: 92]، أي: لا أجِدُ ولا أملِكُ منَ المراكِبِ من الفَرَسِ والإبِلِ ونحوِها المعَدَّةِ للجِهادِ؛ لأُعطِيَه لكم لتُجاهِدوا عليها، قالوا: "فسَلَّمْنا"، أي: ألْقَيْنا عليهِ السَّلامَ، وقلنا: "أتَيْناك زائرينَ وعائدِينَ"؛ منَ العيادَةِ للمَريضِ، "ومُقتبِسِين"، أي: مُحصِّلينَ نورَ العِلمِ مِنكَ، فقال العِرْباضُ: "صلَّى بِنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذاتَ يوْمٍ، ثمَّ أقبَلَ علينا"، أي: بوجْهِه، "فوَعَظنا موْعِظةً بلِيغَةً"، أي: حدَّثَنا وذكَّرَنا بقوْلٍ موجَزٍ وفيه مَعانٍ كثيرَةٌ، "ذرَفَتْ منها العُيونُ"، أي: سالَتْ منها الدُّموعُ، "ووجِلَتْ منها القُلوبُ"، أي: خافَت ورهِبَت.

قال: "فقال قائلٌ"؛ منَ الحاضِرين: "يا رسولَ اللهِ، كأَنَّ هذه موْعِظةُ مودِّعٍ"، أي: موعِظَةُ مُسافِرٍ عند الودَاعِ، "فماذا تَعْهَدُ إلَينا؟"، أي: بماذا تُوصِي إلينا؟ فقال: "أُوصِيكم بتَقْوى اللهِ"؛ وذلك بفِعلِ الواجِباتِ وترْكِ المحَرَّماتِ، "والسَّمْعِ والطَّاعةِ"، أي: للأُمراءِ، "وإنْ عبْدًا حبشِيًّا"، أي: وإن كان هذا الأَميرُ أو الوالي عبْدًا حبَشِيًّا؛ "فإنَّه مَن يعِش منكم بَعدي"، أي: بعدَ موْتي، "فسَيَرى اختِلافًا كثيرًا"؛ في الدِّينِ، وغيرِه، ثمَّ أَرشَدَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أنفعِ عِلاجٍ عندَ وقوعِ الاختلافِ الكثيرِ، فقال: "فعلَيكم بسُنَّتي"، أي: طريقَتي ونَهْجي، "وسُنَّةِ الخُلَفاءِ المَهديِّينَ الرَّاشِدينَ"، أي: الَّذين هَداهُم اللهُ وأرْشَدَهم إلى الحَقِّ، والمقصود بهم الخُلفاءُ الرَّاشِدون الأربعةُ: أبو بَكرٍ الصِّدِّيق، وعُمرُ بنُ الخَطَّاب، وعُثمانُ بنُ عفَّانَ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنهم أجمعين، "تمَسَّكوا بها"، أي: بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ، وأفْرَدَ لفظ (بها) مع أنَّها تعودُ على اثنَتَينِ؛ لأنَّهما كشيءٍ واحدٍ، "وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ"، أي: آخِرِ الأضْراسِ؛ يَعني بذلك الجِدَّ في لُزومِ السُّنَّةِ والتَّمسُّكِ بها، "وإيَّاكم"، أي: احْذروا واجْتَنِبوا، "ومُحْدَثاتِ الأُمورِ"، أي: الأُمورِ الَّتي تَحدُثُ بعد ذلك وتُخالِفُ أصْلَ الدِّينِ؛ "فإنَّ كلَّ مُحْدَثةٍ" في دِينِ اللهِ وشرْعِهِ، "بِدْعَةٌ"، أي: طَريقةٌ مخترَعةٌ في الدِّينِ، "وكلَّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ"، أي: موجِبَةٌ للضَّلالةِ والغِوايَةِ، ويَضِلُّ بها صاحِبُها.

وفي الحديث: الحَثُّ والتأكيدُ الشَّديدُ على التمسُّكِ بسنة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدين، والنَّهيُ عن الابتداعِ في الدِّينِ والتحذيرُ الشَّديدُ مِن ذلك.

(عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي ، عضُّوا عليها بالنَّواجذِ) ([23])

(عليكم بسنتي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِييْنَ مِنْ بَعْدِي ، تَمَسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّوَاجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثَاتِ الأمورِ؛ فإِنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ.) ([24])

(عليكم بسُنَّتي وسنَّةَ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المهديِّينَ من بَعدي ، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذِ ، وإيَّاكمْ ومُحدَثاتِ الأمورِ ، فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) ([25])

(عليْكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المَهديِّينَ مِن بعدي تمسَّكوا بِها وعضُّوا عليْها بالنَّواجذِ وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمورِ) ([26])

(عليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المَهْديِّينَ) ([27]) .  (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشِدين الهادِين) ([28]) .  (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِينَ الهادِينَ عَضُّوا عليها بالنواجِذِ) ([29]) .  (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِين المهدِيِّينَ مِن بعدي) ([30]) . 

(عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين) ([31]) .  (عليكُمْ بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ.) ([32]) .

فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي

(عَنْ أَنَسٍ، أنَّ نَفَرًا مِن أَصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن عَمَلِهِ في السِّرِّ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَنَامُ علَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه. فَقالَ: ما بَالُ أَقْوَامٍ قالوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي.) ([33])

أي: مع كَوني أكثرَكم خشيةً للهِ وأكثرَكم تقوًى له، ولكنِّي مع ذلك لا أُبالغُ في العبادةِ ما تُريدونَ المبالغةَ فيها، ولكنْ أَصومُ وأُفطرُ وأتزوَّجُ النِّساءَ وأقومُ وأنامُ؛ وذلك لأنَّ المتشدِّدَ لا يأمَنُ مِنَ المَللِ بِخلافِ المقتصِدِ فإنَّه أمكنُ لِاستمرارِه، وخيرُ العملِ ما داوَمَ عليه صاحبُه، ثم حذَّرهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الغلوِّ والابتعادِ عَن سنَّتِه في العبادةِ، فقال لهم:"فمَن رغِبَ عَن سنَّتي فليس مِنِّي"، أي: فمَن أعرَضَ عَن نَهجي وطريقتي فإنَّه بعيدٌ كلَّ البُعدِ عَن متابعتِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.

ثالثاً : دلالة الإجماع على حجية السنة ([34]):

"قال الشافعي رحمه الله : ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدا أُخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قبل خبره ، وانتهى إليه ، وأثبت ذلك سنة .. وصنع ذلك الذين بعد التابعين ، والذين لقيناهم ، كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة ، يحمد من تبعها ، ويعاب من خالفها ، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم إلى اليوم ، وكان من أهل الجهالة ."

يقول تعالى: (... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الحشر 7).

يقول ابن كثير: "وقوله : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) أي : مهما أمركم به فافعلوه ، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه ، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر .

يا ربِّ لك الحمد، أسألك بجلالك أن توفقنا لما يُرضي رسولَ اللَّهِ؛ فيا لخيبة من يُقْصِي سُنَّةَ رسولِ اللَّهِ.

رابعا: دلالة النظر الصحيح على حجية السنة ([35])

كون النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله ، يقتضي تصديقه في كل ما يخبر به ، وطاعته في كل ما يأمر به ، ومن المُسلَّم به أنه قد أخبر وحكم بأمور زائدة على ما في القرآن الكريم ، فالتفريق بينها وبين القرآن، في وجوب الالتزام بـها ، والاستجابة لها ، تفريق بما لا دليل عليه ، بل هو تفريق باطل ، فلزم أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم واجب التصديق ، وكذا أمره واجب الـطـاعة

يقول تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) (التغابن 12).

يقول القرطبي: أي هونوا على أنفسكم المصائب، واشتغلوا بطاعة الله، واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول في العمل بسنته ؛ فإن توليتم عن الطاعة فليس على الرسول إلا التبليغ .

وسؤال آخر: هل يعقل ترك الإستدلال بسنة صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله والأخذ برأي من يقدم العقل على السُّنّة؟!

رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (الإسراء 79).

(يجتمعُ المؤمنونَ يومَ القيامةِ فيُلْهَمُون ذلك فيقولون : لو استَشْفَعْنا إلى ربِّنا فأراحنا من مكانِنا هذا فيأتون آدمَ فيقولون : يا آدمُ أنت أبو الناسِ خلقك اللهُ بيدِه وأَسْجَد لك ملائكتَه وأَعْلَمَك أسماءَ كلِّ شيءٍ فاشفَعْ لنا عند ربِّك حتى يُرِيحَنا من مكانِنا هذا فيقولُ : لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ لهم ذنبَه الذي أصابه فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكِن ائْتُوا نوحًا فإنه أولُ رسولٍ بعثه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ فيأتُون نوحًا عليه السلامُ : فيقولُ : لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ سؤالَه ربَّه تبارك و تعالى ما ليس له به علمٌ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ فيأتون إبراهيمَ فيقول : لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ سؤالَه ربَّه تبارك وتعالى ما ليس له به علمٌ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا موسى عبدٌ كَلَّمَهُ اللهُ وأعطاه التوراةَ فيأتون فيقولُ لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ قَتْلَه النفسَ بغيرِ النفسِ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكَلِمَتُه ورُوحُه فيأتون فيقولُ : لَسْتُ هُنَاكم ولكنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عبدًا قد غفر اللهُ له ما تقدم من ذنبِه وما تأخر فيأتون فأنطلقُ - قال قتادةُ : وقال الحسنُ : فأَمْشِي بين سِمَاطَيْنِ من المؤمنينَ ثم رجع إلى حديثِ أنسٍ - فأستأذنُ على ربي فيأذَنُ لي فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يدَعَنِي ثم يقالُ : ارفَعْ مُحَمَّدُ ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشفعْ ، تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأَحْمَدُه بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثم أشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجنةَ ثم أعودُ الثانيةَ فإذا رأيتُ ربي تعالى وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يَدَعَنِي ويقالُ ارفَعْ مُحَمَّدُ ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ فأشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجنةَ ثم أعودُ الثالثةَ فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يَدَعَنِي فيقالُ : ارفَعْ مُحَمَّدُ ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشفَعْ تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأَحْمَدُ ربي بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثم أشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهم الجنةَ ثم آتِيهِ الرابعةَ أو أعودُ الرابعةَ فأقولُ : أَيْ رَبِّ ما بَقِيَ إلا مَن حبسه القرآنُ قال ابنُ أبي عَدِيٍّ : فيُدْخِلُهُمُ الجنةَ وقال فيُنْهَمُونَ أو يُلْهَمُونَ وقال : آتيه الرابعةَ أو أعودُ الرابعةَ) ([36]).

(يجتمعُ المؤمنون يومَ القيامةِ يُلْهَمُونَ أو يهمُّونَ - يهتمُّونَ - شكَّ سعيدٌ فيقولون لو تشفَّعْنا إلى ربنا فأراحَنا من مكاننا فيأتون آدمَ فيقولون أنت آدمُ أبو الناسِ خلقَك اللهُ بيدِه وأسجدَ لك ملائكتَه فاشفع لنا عند ربِّكَ يُرِحْنَا من مكاننا هذا فيقولُ لستُ هناكم ويذكرُ ويشكو إليهم ذنبَه الذي أصاب فيستحيي من ذلك ولكن ائتُوا نوحًا فإنَّهُ أولُ رسولٍ بعثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ويذكرُ سؤالَه ربَّهُ ما ليس له به علمٌ ويستحيي من ذلك ولكن ائتُوا خليلَ الرحمنِ إبراهيمَ فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ولكن ائتُوا موسى عبدًا كلَّمَه اللهُ وأعطاهُ التوراةَ فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ويذكرُ قتلَه النفسَ بغيرِ النفسِ ولكن ائتُوا عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمةُ اللهِ وروحُه فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ولكن ائتُوا محمدًا عبدًا غفر اللهُ له ما تقدم من ذنبِه وما تأخَّرَ قال فيأتوني فأنطلقُ قال فذكر هذا الحرفَ عن الحسنِ قال فأمشي بين السماطيْنِ من المؤمنينَ قال ثم عاد إلى حديثِ أنسٍ قال فأستأذنُ على ربي فيُؤذَنُ لي فإذا رأيتُه وقعتُ ساجدًا فيدَعُني ما شاء اللهُ أن يدَعَني ثم يقال ارفع يا محمدُ وقل تُسمعُ وسل تُعْطَهْ واشفع تُشفَّعُ فأحمدُه بتحميدٍ يُعلِّمَنِيهِ ثم أشفعُ فيحدُّ لي حدًّا فيُدخلهم الجنةَ ثم أعودُ الثانيةَ فإذا رأيتُه وقعتُ ساجدًا فيدعني ما شاء اللهُ أن يدعني ثم يقال لي ارفع محمدٌ قل تُسمعُ وسل تُعْطَهْ واشفع تُشفَّعُ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعلِّمَنِيه ثم أشفعُ فيحدُّ لي حدًّا فيُدخلهم الجنةَ ثم أعودُ الثالثةَ فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيدعني ما شاء اللهُ أن يدَعَني ثم يقال ارفع محمدٌ قل تُسمَعُ وسلْ تُعْطهْ واشفع تُشفَّعُ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعلِّمَنِيهِ ثم أشفعُ فيحدُّ لي حدًّا فيُدخلهم الجنةَ ثم أعودُ الرابعةَ فأقولُ يا ربِّ ما بقيَ إلا من حبسَه القرآنُ وحدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قال يخرجُ من النارِ من قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وكان في قلبِه مثقالُ شعيرةٍ من خيرٍ ويخرجُ من النارِ من قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وكان في قلبِه مثقالُ برَّةٍ من خيرٍ ويخرجُ من النارِ من قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وكان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ) ([37])

(وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (49) ) (الأعراف)

" أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ" قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس يَعْنِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف " اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس" قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ " الْآيَة. قَالَ فَلَمَّا قَالُوا لَهُمْ الَّذِي قَضَى اللَّه أَنْ يَقُولُوا يَعْنِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف لِأَهْلِ الْجَنَّة وَأَهْل النَّار قَالَ اللَّه لِأَهْلِ التَّكَبُّر وَالْأَمْوَال " أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " .

الأحاديث:

اللهم الرفيق الأعلى

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم الرفيق الأعلى، إذ علم أنه هو صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله.  فاختار الرفعة على الحياة الدنيا الزائلة.

(كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ وهو صَحِيحٌ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ فَلَمَّا نَزَلَ به ورَأْسُهُ علَى فَخِذِي غُشِيَ عليه سَاعَةً، ثُمَّ أفَاقَ فأشْخَصَ بَصَرَهُ إلى السَّقْفِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى قُلتُ: إذًا لا يَخْتَارُنَا، وعَرَفْتُ أنَّه الحَديثُ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا به، قالَتْ: فَكَانَتْ تِلكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى.) ([38]).

(كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو صَحِيحٌ يقولُ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا -أوْ يُخَيَّرَ- فَلَمَّا اشْتَكَى وحَضَرَهُ القَبْضُ ورَأْسُهُ علَى فَخِذِ عَائِشَةَ، غُشِيَ عليه، فَلَمَّا أفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ في الرَّفِيقِ الأعْلَى، فَقُلتُ: إذنْ لا يُجَاوِرُنَا، فَعَرَفْتُ أنَّه حَديثُهُ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا وهو صَحِيحٌ.) ([39]) .

(كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ وَهو صَحِيحٌ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يُرَى مَقْعَدُهُ في الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ قالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ برَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَرَأْسُهُ علَى فَخِذِي غُشِيَ عليه سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فأشْخَصَ بَصَرَهُ إلى السَّقْفِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى. قالَتْ عَائِشَةُ: قُلتُ: إذًا لا يَخْتَارُنَا. قالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ الحَدِيثَ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا به وَهو صَحِيحٌ في قَوْلِهِ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ. قالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَوْلَهُ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى.) ([40])

المقامُ المحمودُ

وفضل محمد على سائر الرسل معلوم بيّن؛ فهو سيّد ولد آدم وصاحب الشفاعة ، والمقام المحمود، وهو خير مخلوق .

(أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فخرَ ، وبيدي لِواءُ الحمدِ ولا فخرَ ، وما مِن نبيٍّ يَومئذٍ آدمَ فمَن سِواهُ إلَّا تحتَ لِوائي ، وأَنا أوَّلُ مَن ينشقُّ عنهُ الأرضُ ولا فخرَ ، قالَ : فيفزعُ النَّاسُ ثلاثَ فزعاتٍ ، فَيأتونَ آدمَ ، فيقولونَ : أنتَ أبونا آدمُ فاشفَع لَنا إلى ربِّكَ ، فيقولُ : إنِّي أذنبتُ ذنبًا أُهْبِطتُ منهُ إلى الأرضِ ولَكِن ائتوا نوحًا ، فيأتونَ نوحًا ، فيقولُ : إنِّي دَعَوتُ علَى أهْلِ الأرضِ دَعوةً فأُهْلِكوا ، ولَكِن اذهبوا إلى إبراهيمَ ، فيأتونَ إبراهيمَ فيقولُ: إنِّي كذبتُ ثلاثَ كذباتٍ ، ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ : ما منها كذبةٌ إلَّا ما حلَّ بِها عن دينِ اللَّهِ. ولَكِن ائتوا موسَى، فيأتونَ موسَى ، فيقولُ : إنِّي قد قتلتُ نفسًا ، ولَكِن ائتوا عيسَى ، فيأتونَ عيسَى ، فيقولُ: إنِّي عُبِدتُ مِن دونِ اللَّهِ ، ولَكِن ائتوا محمَّدًا صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ : فَيأتوني فأنطلِقُ معَهُم - قالَ ابنُ جُدعانَ : قالَ أنسٌ : فَكَأنِّي أنظرُ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - قالَ : فآخذُ بحلقةِ بابِ الجنَّةِ فأُقَعقِها فيُقالُ : مَن هذا ؟ فيُقالُ : محمَّدٌ فيفتَحونَ لي ، ويُرحِّبونَ بي ، فيقولونَ : مرحبًا، فأخِرُّ ساجدًا ، فيُلهِمُني اللَّهُ منَ الثَّناءِ والحمدِ ، فيُقالُ لي : ارفَع رأسَكَ وسَلْ تُعطَ ، واشفَعْ تُشَفَّع ، وقُلْ يُسمَعُ لقَولِكَ ، وَهوَ المقامُ المحمودُ الَّذي قالَ اللَّهُ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) ([41]).

(سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، يقولُ: إنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَومَ القِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يقولونَ: يا فُلَانُ اشْفَعْ، يا فُلَانُ اشْفَعْ، حتَّى تَنْتَهي الشَّفَاعَةُ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَذلكَ يَومَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ المَقَامَ المَحْمُودَ) ([42]).

(عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال قيل لهُ ما المقامُ المحمودُ قال ذاك يومَ ينزلُ اللَّهُ تعالى على كرسيِّهِ فيئطُّ كما يئطُّ الرحلُ الجديدُ من تضايقِهِ بهِ وهوَ يسعه ما بينَ السَّماءِ والأرضِ ويجاءُ بكم حفاةً عراةً غرلًا فيكونُ أوَّلُ من يُكسَى إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليهِ يقول اللهُ تعالى اكسوا خليلي فيؤتَى بربطتَينِ بيضاوَينِ من رباطِ الجنَّةِ ثمَّ أُكسَى على أثرِهِ ثمَّ أقومُ عن يمينِ اللَّهِ مقامًا يغبطُني الأولونَ والآخرونَ) ([43]).

(تُمدُّ الأرضُ يومَ القيامةِ مدًّا لعظمةِ الرحمنِ ، ثم لا يكونُ لبشرٍ من بَني آدمَ إلا موضعَ قدميْهِ ، ثم أُدْعى أولَ الناسِ ، فأخِرُّ ساجدًا ، ثم يؤذنُ لي فأقومُ ، فأقولُ : يا ربِّ أخبرَني هذا لجبريلَ وهو عن يمينِ الرحمنِ ، واللهِ ما رآهُ جبريلُ قبلَها قطُّ أنَّكَ أرسلْتَهُ إليَّ قال : وجبريلُ ساكتٌ لا يتكلمُ حتى يقولَ اللهُ صدقَ ثم يؤذنُ لي في الشفاعةِ فأقولُ : يا ربِّ عبادُك عبدوكَ في أطرافِ الأرضِ فذلكَ المقامُ المحمودُ) ([44]).

(عن سَلمانَ قالَ : تُعطى الشَّمسُ يومَ القيامةِ حرَّ عَشرِ سنينَ ثمَّ تُدنَى مِن جَماجِمِ النَّاسِ قالَ فذَكرَ الحديثَ قالَ فيأتونَ النَّبيَّ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - فيَقولونَ يا نبيَّ اللَّهِ أنتَ الَّذي فتحَ اللَّهُ بِك وغفرَ لَك ما تقدَّمَ مِن ذَنبِك وما تأخَّرَ وقد تَرى ما نحنُ فيهِ فاشفَع لنا إلى ربِّكَ فيقولُ أنا صاحبُكم فيخرُجُ يَجوسُ النَّاسَ حتَّى ينتَهيَ إلى بابِ الجنَّةِ فيأخذُ بحلقةٍ في البابِ مِن ذَهبٍ فيقرَعُ البابَ فيقولُ : مَن هذا فيقولُ محمَّدٌ فَفُتِحَ لَه حتَّى يقومَ بينَ يديِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فيسجُدُ فيُنادى : ارفَع رأسَك سَلْ تُعطَه واشفَعْ تُشَفَّعْ فذلِك المقامُ المَحمودُ) ([45]).

 


منهج الباحث

بسم الله الرحمن الرّحيم، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على خير خلق الله، وبعد:

يتناول هذا البحث منهج الدكتور أحمد نوفل ([46]) في تفسير القرآن الكريم من خلال تتبّع مداخلاته في عددٍ من البرامج الإذاعية، ومناقشة آرائه وطروحاته التي يتعرّض فيها للحديث النبوي الشريف – ومن ضمنها صحيحي البخاري ومسلم - مشكِّكاً ومكذِّباً وداحضاً وناقداً لكلام سيِّد الخلقِ؛ بحجّة مخالفة العقل (عقله هو!) والمنطق (منطقه هو!).  يقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([47]).  ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السُّنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([48]).  بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([49]).

يقول د. نوفل في حديثه عن القرآن: "لن نفهم هذا الكلام العظيم إلاّ بالعقل، ورصيدنا من اللغة ورصيدنا من الفهم، والخبرة والتجربة والمطالعة.  كل هذا الرصيد به نفهم كلام الله. من غير هذا الرصيد مش حنفهم هذا الكلام.  رصيد من اللغة رصيد من القراءات: في الكون والتاريخ والجغرافيا والمعلومات حتى نستطيع أن نفهم هذا الكلام. لا بدّ من أرصدة تكون لديك وذخر في هذا العقل (مع وضع يده على رأسه)" ([50]).

يا للعجب! د. نوفل يريد رصيدا من مختلف جوانب المعرفة حتى يفسّر القرآن، ولم يذكر من ضمنها سنة الحبيب صلى الله عليه وسلّم!.

وفي معرض حديثه عن الآية: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) [الأحزاب: 34]، يقول د. نوفل: وحتى يضيّع البعضُ بركةَ الفهم قالوا: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والسّنّة، بهذه الطريقة نكون قد قضينا على طريقة الفهم تماماً، وقطعنا دابره نهائياً. هل المراد بالحكمة في الآية في سورة الأحزاب السنة؟ قولاً واحداً لا، ...، إنما الحكمة أحسنية الفهم... الحكمة الفهم والفهم المناسب للنص الذي يضع الأمور في نصابها ومعاييرها.) ([51]).

أتساءل فأقول: وأيُّ بطرٍ للحقّ وغمط للناس، أكثر من زعم الزاعمين المدّعين أنّ أفهامهم وعقولهم أعلى من مستوى حديث رسولنا عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم؟!  وإنّ د. نوفل ليتّهم المحدّثين (الذين خدموا السنة) بأنّهم يركّبُون سنداً للأحاديث!  وإنّ د. نوفل يقول: "المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات ".

وفي غياب الدولة (أو الدول) التي تُحكّمُ الشريعةَ الإسلامية في حياة المسلمين، يتهكم د. نوفل على حدّيّ: الرّجم على الزاني المحصن، والقتل للمرتدّ عن الإسلام!.  بل إنّ دكتور نوفل أحياناً يتناقض في طروحاته مع بعض مسلمات العقيدة!.

وحيث أنّني أستدرك على د. نوفل ما تطرق إلى مسمعي من تفسيره للآيات الكونية، والتي كنت من قبل قد كتبت بحثاً في كلّ آية منها، وحيث أنّني أستدرك على دكتور نوفل تفسيره بعض الآيات التي تناقشها التفاسير القديمة والحديثة بفهم واحد متّسق لم يختلفوا عليه، لذا فإنّني سأكتفي ببيان مفهوم هذه الآيات من خلال بعض التفاسير القديمة، وكذلك بعض التفاسير الحديثة.

وستلاحظ معي أنّ ما يقدمه د. نوفل هي آراء مجتزأة أو مرجوحة تخالف إجماع المفسّرين! ولربّما لم يقل بها أحد! كما في حديثه عن الجزية (البسطار فوق راسه، الجزمة فوق راسه، رجله فوق راسه، داعس على راسه!). وكما الحال في حديثه عن يأجوج ومأجوج، وكذلك الحال في حديثه عن الآية: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ).

بل وإنّ د. نوفل ليقدّم أحيانا طرحاً أو رأياً يأخذه من هذا التفسير أو ذلك، ويكون هذا التقديم ممزوجا بالتعريض بهذه التفاسير والانتقاص منها! نعم يأخذ منها وينتقص من أصحابها متّهماً إياهم بمجانبة الحقّ والصواب، في تفاسيرهم!  متذرّعاً أنّ الحقّ أحقُّ أن يتّبع! ومتوهّماً أنّ الحقّ هو ما يراه! نعم فإنّ د. نوفل وللأسف، يرى في نفسه وإن جاز التعبير مدرسة علمية تستطيع أن تشق الطريق بالقرآن والقرآن فقط! وبمعزل عن الأحاديث وعن التفاسير وعن تراث الأمة!  فهو وللأسف على حال من الاعتداد بالرأي ليرى أن الصواب بجانبه ولا يجانبه !

وحيث أنّه لا يوجد في المكتبات تفسير يعود إلى د. نوفل (سوى تفسير سورة يوسف) ، هذه الأمور مجتمعة دفعتني للبحث في محاضرات وتسجيلات د. نوفل، فجعلت هذا الكتاب ردّاً على بعض طروحاته.  وفي كلّ الأحوال لا بدّ من الرّدّ على هذه التسجيلات؛ حيث فيها إجحاف بحقّ السُّنّة، وحيث أنّها مسموعة ولها من يتابعها، وهنالك من يُخدعُ بها أو يغترّ! لا بدّ من بيان الحقّ والصواب في معرض مناقشة هذه التسجيلات، لا سيّما وأنّ بعضها يتناقض مع مسلّمات علوم الكون والفيزياء والرياضيات! والتي أفردتُ لها كتاباً ([52]) .  بل إنّ دكتور نوفل يتناقض أحياناً في طروحاته مع بعض مسلمات العقيدة!.  هذا وإنّ الإنسان ليؤاخذ شرعاً بما يكتب وبما يقول.  بل إنّ تفسير المرحوم الأستاذ الدكتور فضل حسن عبّاس هو تفريغ لحلقات كان قد قدّمها – من قبل أن يتوفاه الله - على قناة حياة FM .  بل إنّ المفسّر لكتاب الله لا يُقبل منه أن يتناقض تفسيرُه المسموع مع تفسيره المكتوب! هذا وإنّ مما أستدرك فيه على نوفل أشياءَ مكتوبة، وأخرى معدّة ومكتوبة يقرؤها على المتابعين، بل وبعضها حلقات مسجّلة قبل أيّام من عرضها على المشاهدين أو المستمعين.  وعليه أسأل الله تعالى أن يكون هذا العملُ هو ردّ على تفسير د. نوفل قبل صدوره، هذا إن كان الله تعالى قدّر صدورَه.

كلمات دالّة (مفتاحيّة): أحمد نوفل، القرآن الكريم، السُّنّة النبويّة، التفسير، الآيات الكونية، مسلّمات العقيدة.

وأسأل المولى عزّ وجل أن يرزقنا الإخلاص في كلّ عبادة وعمل وقول، وأسأله سبحانه لعملي هذا أن يكون خالصاً لوجهه الكريم أبتغي فيه مرضاته.  وأسأله جلّ جلاله باسمه الأعظم؛ أسأله بأنه الله الرحمن الرحيم البرّ التواب الواحد الأحد الفرد الصمد أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ودفاعا عن القرآن وعن سنة الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه.  وأسأله سبحانه أن يكتب لي أجر السبق في الرّد على د. نوفل مواقفَه الإقصائية للسنة والتي جعلته يقع في أخطاء عقائدية؛ أو لنقل خالف فيها عقيدة أهل السنّة، والتي أبيّنُها في هذا الكتاب.  ولا بدّ من التنويه إلى أنّني أبيّن هذه المخالفات دفاعاً عن عقيدة أهل السّنّة؛ وتبياناً للمنهج السليم.  ولست معنيّاً أبداً ببيان مدى إضرار هذه المخالفات بصاحبها: فلن أزعم أنّها تخرج صاحبها من دائرة الإيمان؛ كما أنّني لن أزعم بأنّها لن تضره بسبب تاريخ: (... لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إلى أهْلِ بَدْرٍ فقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فقَدْ وجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ، أوْ: فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ...).  فأهل بدر زكّاهم الله في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله.  وإنّ منهج أهل السنّة ليعلّمنا: (لا نسكن أحداً جنّة ولا ناراً).

لقد أرشدني أخ فاضل إلى ضرورة الجلوس مع د. نوفل؛ أو أن يطّلع على هذه الملاحظات من باب التناصح ومحاولة أن نتوصل سويّا إلى الفهم الصحيح.  وبناءً على توجيه هذا الأخ الفاضل أرسَلتُ ملاحظاتي للدكتور نوفل ؛ كما أُرْسِلَت إليه أيضاً بواسطة الأخ الكريم د. بشار الشريف إمام مسجد أم العلا، والذي قال لي: "ردَّ الدكتور أحمد نوفل على بحثكم فقال : لِكُلٍّ وِجْهَةٌ و لا نحجر على أحد.. وإن أراد الكاتب نشر بحثه فهذا حقه..".([53]).

فذكّرني هذا الرّدُ بالآية الكريمة: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 148).  وفي تفسيرها يقول الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا.  قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: "ولكلّ"، ولكل أهل ملة، فحذف " أهل الملة " واكتفى بدلالة الكلام عليه، ... ).

هل أراد د. نوفل الإشارة إلى هذا أم لم يرد؟! بل هل اطّلع على هذا التفسير أم أنّه يجهله؟! لن أتوقف عنده فالله أعلم بالنوايا.  وأتوقف عند قوله سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)؛ سائلا المولى عزّ وجل أن يرزقنا الإخلاص في كلّ عبادة وعمل وقول، وأسأله سبحانه لعملي هذا أن يكون خالصاً لوجهه الكريم أبتغي فيه مرضاته، وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ودفاعا عن القرآن الكريم وعن سنّة الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه، ودفاعاً عن عقيدة أهل السُّنّة، مؤملا أن يجمعني الرّحمنُ الرحيمُ الكريمُ اللّطيفُ الودودُ المنّانُ مع حبيبه وصفوة خلقه محمد صلوات ربي وسلامه عليه.  وأسأله سبحانه أن يكتب لي أجر السبق (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) في الرد على د. نوفل وبيان مواقفَه الإقصائية للسنة، ومخالفاته العقائدية والتي أبينها في هذا الكتاب.

 


الملاحظات

1) تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ...)

يقول تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور: 35).

يقول د. نوفل وبالعامّيّة: "كل ما سوى الله شيء أنا بالنسبة لي لا أقول ألله شيء".  ثم يتابع ليقول: "عند غيري ما فيه مشكلة ما فيه مشكلة! يعني ما عنديش مشكلة إنه أمشيها لغيري لكن أنا ما بقولهاش!" ([54]) .

الرّد عليه: كيف يرتضي د. نوفل لغيره ما لا يرتضيه لنفسه؟!.  لقد رجعت إلى تفسير القاسمي -والذي هو أحد مراجع د. نوفل – فلم أجد شيئاً من الفهم الذي يقدمه نوفل (تفسير القاسمي، الجزء الأول،  صفحة 62 ). بل ويؤكد رحمه الله على أنّ الصواب في آيات الصفات هو مذهب أهل السلف (صفحة 339).

ويمكن مراجعة المسألة على إسلام ويب (هل يطلق الشيء على الله تعالى؟ رقم الفتوى: 161651، يوم تاريخ النشر:الأحد 23 شعبان 1432 هـ - 24-7-2011 م) على الرابط ([55]).

وأنقل هنا بعضاً من الفتوى: قال ابن حجر في الفتح: ( ... والشيء يساوي الموجود لغة وعرفا، وأما قولهم فلان ليس بشيء فهو على طريق المبالغة في الذم فلذلك وصفه بصفة المعدوم، وأشار ابن بطال إلى أن البخاري انتزع هذه الترجمة من كلام عبد العزيز بن يحيى المكي فإنه قال في كتاب الحيدة سمى الله تعالى نفسه شيئا إثباتا لوجوده ونفيا للعدم عنه وكذا أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه ولم يجعل لفظ شيء من أسمائه، بل دل على نفسه أنه شيء تكذيبا للدهرية ومنكري الإلهية من الأمم، وسبق في علمه أنه سيكون من يلحد في أسمائه ويلبس على خلقه ويدخل كلامه في الأشياء المخلوقة فقال: ليس كمثله شيء، فأخرج نفسه وكلامه من الأشياء المخلوقة، ثم وصف كلامه بما وصف به نفسه فقال: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ـ وقال تعالى: أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ـ فدل على كلامه بما دل على نفسه ليعلم أن كلامه صفة من صفات ذاته فكل صفة تسمى شيئاً بمعنى أنها موجودة، وحكى ابن بطال أيضا أن في هذه الآيات والآثار ردا على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله شيء كما صرح به عبد الله الناشئ المتكلم وغيره، وردا على من زعم أن المعدوم شيء.  وقد أطبق العقلاء على أن لفظ شيء يقتضي إثبات موجود، وعلى أن لفظ لا شيء يقتضي نفي موجود إلا ما تقدم من إطلاقهم ليس بشيء في الذم فإنه بطريق المجاز).

وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: ما يطلق على الله في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيَّاً، كالقديم، والشيء، والموجود.  انتهى.   ويقول القرطبي: "ولفظ شيء هنا واقع موقع اسم الله تعالى ؛ المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية ، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم ؛ فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة . ".  ويقول الطبري: "ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة: " الله "، الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في ]شهادة[ غيره من خلقه من السهو والخطأ، والغلط والكذب. ثم قل لهم: إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة، شهيدٌ بيني وبينكم، بالمحقِّ منا من المبطل، والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه، وقد رضينا به حكمًا بيننا.".

وعوداً إلى العبارة السابقة: (وحكى ابن بطال أيضا أن في هذه الآيات والآثار ردا على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله شيء كما صرح به عبد الله الناشئ المتكلم وغيره، وردا على من زعم أن المعدوم شيء وقد أطبق العقلاء على أن لفظ شيء يقتضي إثبات موجود وعلى أن لفظ لا شيء يقتضي نفي موجود).  انطلاقاً من هذه العبارة، وعوداً على كلام د. نوفل: " كل ما سوى الله شيء أنا بالنسبة لي لا أقول ألله شيء... عند غيري ما فيه مشكلة ما فيه مشكلة! يعني ما عنديش مشكلة إنه أمشيها لغيري لكن أنا ما بقولهاش!"  هل أراد د. نوفل من كلامه هذا تسويق عقيدة المعطلة؟!  وما أثار هذا التساؤل لدي هو أنّه ينكر صفتي السّاق والقدَمَ لله سبحانه ؛ وذلك حين يقول : (وما ثمّ ساق ولا قدم، وإنما هي كفاية (كناية) كما في قولهم حزمت الأمور، "شمّرت الحرب عن ساقها" وهل للحرب ساق؟. وهكذا...) ([56]).  ويمكن كذلك سماعُ انكارهِ صفتي السّاق والقدم من خلال محاضرته على الرابط في الحاشية: ([57]).

ثم يستشهد د. نوفل بالآية الكريمة: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ) (الأحزاب: 46). فيقول: "الزيت هو القرآن! المشكاة هي العقل يجمع الأدلة، واا  واحدة واحدة بتيجي إن شاء الله." (الزمن: 17: 50-18: 18 ).  وأتساءل ما إذا كان يجوز شرعا أن نفسر الآية بالرأي وارتجالاً ولربما من غير إعداد مسبق: " واا  واحدة واحدة بتيجي إن شاء الله!"؟.  بل ويقول د. نوفل أنّ الآية لا تتكلم عن صفات الله! ([58]).  ثم يسترسل ليقول ما مهمة المفسر؟ ما مهمة المفسر؟ ما مهمة العقل؟  ثم يسترسل هو والمحاور ليتفقا معاً على القول: "المشاكل تأتي من هذا"؛ مع إشارة كل منهما إلى رأسه (الزمن: 28:50)!.

الرد عليه:

تفسير ابن كثير: وقال السدي في قوله : (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): فبنوره أضاءت السماوات والأرض.  ... وفي الصحيح ، عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه سلم إذا قام من الليل يقول: "... اللهم لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد ، أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهِنَّ.

الأحاديث: - (أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يدعو اللَّهمَّ لَك الحمدُ أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهِنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ قيِّمُ السَّمَاواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ) ([59]).

- (كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ إذا قامَ منَ اللَّيلِ يتَهجَّدُ ، قالَ : اللَّهمَّ لَكَ الحمدُ أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ قيَّامُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ ملِكُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ حقٌّ ووعدُكَ حقٌّ والجنَّةُ حقٌّ والنَّارُ حقٌّ والسَّاعةُ حقٌّ والنَّبيُّونَ حقٌّ ومحمَّدٌ حقٌّ لَكَ أسلمتُ وعليْكَ توَكَّلتُ وبِكَ آمنتُ ثمَّ ذَكرَ قتيبةُ كلمةً معناها وبِكَ خاصَمتُ وإليْكَ حاكمتُ اغفِر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ وما أعلَنتُ، أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤخِّرُ لا إلَهَ إلَّا أنتَ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ) ([60]) .  وأقول: يتوارى د. نوفل خلف الإشادة بعلم ابنِ عبَّاسٍ، فلا أدر لماذا يردّ روايته هذه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟!

 "النور صفة من صفات الله ، كما يليق بجلال الله وعظمته ، لكنه ورد مضافا إلى الله : (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ولم يرد مستقلا، فلا يقال: إن من أسماء الله النور بإطلاق ؛ لأنه لم يرد ". ([61]).

ويقول العلامة المفسّر عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله ([62]): "من أسمائه جلّ جلاله ومن أوصافه (النُورُ). الذي هو وصفه العظيم، فإنه ذو الجلال والإكرام وذو البهاء والسبحات الذي لو كشف الحجاب عن وجهه الكريم لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهو الذي استنارت به العوالم كلها، فبنور وجهه أشرقت الظلمات، واستنار به العرش والكرسي والسبع الطباق وجميع الأكوان.

والنور نوعان:

1- حسيٌّ كهذه العوالم التي لم يحصل لها نور إلا من نوره؛ فهو الخالق سبحانه.

2- ونور معنوي يحصل في القلوب والأرواح بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من كتاب الله وسنة نبيّه. فعلم الكتاب والسُنّة والعمل بهما ينير القلوب والأسماع والأبصار، ويكون نورا للعبد في الدنيا والآخرة (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) لِمَا ذكر أنّه نور السماوات والأرض وسمّى اللهُ كتابه نوراً ورسوله نوراً و وحيه نوراً."

الأسنى في أسماء الله الحسنى ([63]):

يقول المؤلف رحمه الله: ومنها النور والمبين/ جل جلاله وتقدست أسماؤه.

 فأما النور فقوله تعالى: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وفي الصحيح (ولك الحمد ، أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهِنَّ). .. ويجوز إجراؤه على العبد ومنه قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة: 15) يريد نبيه صلى الله عليه وسلم سماه نوراً وقال: (وَسِرَاجًا مُّنِيرًاو وصف كتابه بأنه نور فقال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) (النساء: 174)، (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52) .  إذاً النور هو من أسماء الله وصفاته ؛ وهو (أي النور) من صفات القرآن الكريم.  وعليه فلا يستقيم تفسير د. نوفل: "الزيت هو القرآن!" .

2) الآية الكريمة: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)

يقول د. نوفل: وإلى السماء كيف رفعت وإلى الأرض كيف سطحت .. لاحظ السماء كيف رفعت مع فرد يديه أفقياً إلى جانبيه.  السماء والأرض سطحت سطحت !! ([64]).  ... السماء وين العمدان إل ماسكاها؟ الجاذبية الجاذبية ... بغير عمد ترونها.  مع إنها ماشية في الوجود في الكون بسرعة فائقة هائلة تفوق الخيال ولا تصطدم ولا ترتطم ولا تقع ([65])

الرّدّ عليه أستقيه من البحثين: (عمري:  معاني السماء في آي القرآن الكريم ، عمري: بناء السماء والطاقة المظلمة والمادة المظلمة ):

3) الطاقة المظلمة (Dark energy)

Dark energy is forcing us to consider the possibility that some cosmic dark energy exists that opposes the self-attraction of matter and causes the expansion of the universe to accelerate.

الطاقة المظلمة تجبرنا على التفكير في إمكانية وجود بعض الطاقة الكونية المظلمة التي تعارض الجاذبية الذاتية للمادة وتؤدي إلى تسارع توسّع الكون.

يقول سبحانه:

- (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (لقمان 10) .  بغير عمد ([66]).

- (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ... ) ] الرعد 2  [.  بغير عمد ([67]).

- (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء 32 ).

السَّمَاوَاتِ بمعنى البناء المرفوع بقوّة اللّه: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ] 49-47 الذّاريات[.  قوّةُ الله هي التي ترفعُ السَّمَاوَاتِ، وهي ما يشير إليه علماء الكون بالطاقة المظلمة (قوّة الضغط السّالب): (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ).  قوّةُ الله التي ترفعُ السَّمَاوَاتِ يسمونها بالطاقة المظلمة ؛ وهذه التسمية تُصدّقُ قولَه تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء 32 ).  فآياتها ودلائلها الإفصاح عن قوة الله التي تتصف بالكمال المطلق اللانهائي؛ فهو سبحانه القويّ الذي يمنع السماء هائلة الحجم والمساحة والكتلة من السقوط.

وقد تعني السَّمَاوَاتِ النّجوم والمجرّات والعناقيد المحمولة بجاذبيّة مادّة مظلمة.  المادة المظلمة هي الأرضين السبع في قوله سبحانه وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق 12].  يتوسع البناء السماوي بقوة الله، ولأنّه بناءٌ محكم متماسك ليس فيه شقوق أو فطور، لذا فإنّ هذا التوسع يولد الفراغ الذي تندفع فيه المادة المظلمة الحاضن الجاذبي للنجوم والمجرات: (وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ).  المادة المظلمة حاضن جاذبي غير مرئيّ للنجوم والمجرات.  وإنّ هذه المادة المظلمة غير المرئية يتم فرشها ومهادها ورفعها وعمادها بفعل قوة الله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)؛ وقوة الله هذه يسميها علماء الكون بالطاقة المظلمة؛ أو طاقة الفراغ .

قوة الله هي أصل العماد، وليست الجاذبية كما يخيّل للدكتور نوفل.  العماد هي ما يقف أمام تأثير قوة الجاذبية التي تعمل على السقوط: (يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه).  العماد هي قوة الله التي تحدّ من تأثير قوة الجاذبية؛ حيث أنّ الجاذبية تعمل على تجميع المادة وتراكمها على بعضها البعض: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) (الأنبياء 30).