تفسير د. نوفل وبعض الملاحظات في مجال العقيدة

 

 

 

جمع وتأليف

 

 

أ. د. حسين يوسف عمري

قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة

مؤتة- الكرك/ الأردن

rashed@mutah.edu.jo

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الموضوعات

الموضوع

الصفحة

الإهداء

المقدمة

دلالة القرآن الكريم على حُجّيّة السّنّة

منهج الباحث

1) تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ...)

2) الآية الكريمة: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)

3) الطاقة المظلمة (Dark energy)

4) قوله: لا نعلم ما إذا كانت الآية (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) على الحقيقة أم على المجاز!

5) مغالطة أنّ الوحي أزلي وأنّ القرآن أزلي

6) المعنى الاصطلاحي للقرآن الكريم

7) د. نوفل لا يعتبر السّنّة وحياً

8) إنكاره لقاء الرسول بموسى (عليهما السلام) في رحلة المعراج

9) يرفض تصديق معجزة إنشقاق القمر رُغم ثبوتها

10) سجود الشمس تحت العرش

11) تفسيره المغالط للآية الكريمة: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ)

12) أمواج الصوت الصادرة عن الجمادات

14) ردّه الحديث: (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ) رغم ثبوته في صحيح البخاري

15) الملأُ حولَ فرعون يسميه د. نوفل " بٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ اللي حوالين فرعون"

16) الاطمئنان يريده الرحمن ويؤكده القرآن ولا يرتضيه نوفل إلا لنفسه

17) يزعم أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج، ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم

18) إنكاره توبة قاتل العمد

19) استراق السّمع

4

5

8

24

 

28

31

32

 

34

35

36

38

40

58

72

 

73

76

78

81

82

 

83

97

100

الموضوعات

الموضوع

الصفحة

20) يقول د. نوفل بعدم قبول التوبة إذا خرج الدّخان أو خرجت الدّابة

21) الآية: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ). يقول د. نوفل: "يومئذ: يوم القيامة"

22) اللمز لروايتي البخاري ومسلم في بيان مناسبة نزول الآية الكريمة: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)

23) يقول بعدم بعث الحيوانات

24) (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ): يقول د. نوفل ومعناها جدّ الجد، وما ثمّ ساق ولا قدم!

25) يخالف صريح القرآن فيزعم أنّ الجبّار يطلب شهادة زعماء الكفر والشرك على الأمم!

26) يزعم أنّ الآية: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) خاصة بالكفار!

27) ردُّهُ أحاديث الشفاعة الواردة في صحيحي البخاري ومسلم

28) مغالطاته في حقيقة جمع الكون وقبضه يومَ القيامة

الآية (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ..) على الحقيقة وليست على المجاز

29) يقول د. نوفل: "يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت... لماذا تسكت؟!"!

30) الآية الكريمة: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)

31) الآراء والأهواء الخاصة تخدش الخضوع لله وتناقض العقل الجمعي

32) يُقدّمُ فهماً مغلوطاً على أنه بدهيات، ويتهم المسلمين بالتخلف والجهل بالبدهيات

33) مسلمات في الدين، أو مسلمات في العقيدة

الخلاصة

101

104

108

 

112

114

127

131

133

143

145

 

152

158

183

185

188

203

 


الإهداء

 

 

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

 

إلى الدُّعاة والمفكّرين والمسلمين الذين يؤمنون بعقيدة أهل السُّنّة أهدي كتابي

 

 

 

 


المقدمة ([1])

لقد آثرت أن تكون مقدمة هذا الكتاب مأخوذة من مقالتين: أولاهما المقالة (الفتوى، إجابة على سؤال لسائل) الموسومة بعنوان: شبهات وجوابها حول الحديث والسنة وبعض الحدود، وهي ليست كتابتي وإنما مقتبسة من مقالة على موقع إسلام ويب (islamweb.net).

 جاء في الفتوى: "فأما كون الإمام البخاري رحمه الله ألّف صحيحه بعد قرنين من موت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يعقل أن تدوّن الأحاديث بعد هذه المدة كما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا وإن كان معقول المعنى إلا أن قائل هذا الكلام غفل عن الشروط الدقيقة التي وضعها المحدثون ولاسيما أمثال البخاري لقبول المرويات، فهم لا يقبلون إلا من الثقة، وهو الذي يجمع بين العدالة والضبط، ومع ذلك فلابد من خلو روايته من الشذوذ والعلة، وهذه مسالك في غاية الدقة لا يحسن تعاطيها إلا جهابذة أهل العلم ممن أفنوا أعمارهم في خدمة السّنة جمعا ودراسة وتمحيصا، ولا يمكن للمرء أن يقف على حقيقة هذا الأمر إلا إن درس علوم الحديث وعرف الجهود المضنية التي يسّر الله لها أهل الحديث من هذه الأمة، حيث وضعوا قواعد وضوابط في غاية الإتقان، وبذلوا في ذلك من الجهد ما يشهد لحفظ الله تعالى لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى قد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الله قد حفظ السنة كما حفظ القرآن، كما سبق التنبيه عليه في الفتويين: 28205، 19694. وهذا العلم الشريف بنقد الروايات وتمحيصها تفرد به المسلمون، فلا يوجد عند أمة من الأمم غيرهم، لذلك قال المستشرق المجري مارجيليوس: ليفتخرْ المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. اهـ.

 والمقصود أن أصل الإشكال عند هذا المتكلم (السائل) أنه قاس حال المحدثين في قبول المرويات بحال غيرهم ممن يفتقد الضبط، بل والعدالة.

 ثم إننا ننبه أن صحيحي البخاري ومسلم من دون غيرهما من المصنفات الحديثية، لهما شأن خاص، فليس الأمر مجرد عناية بشرط الصحة والنظر في الأسانيد، بل الأهم من ذلك هو تلقي علماء الأمة لهما بالقبول والتسليم، وأن الأصل هو صحة روايتهما، وبذلك يعرف تهافت الاستدلال ببشرية البخاري فإن هذا ليس محلا للنزاع، ولكنه لا يصلح مطعنا في صحيحه بعد تلقي الأمة له بالقبول. وأما ما انتقد عليهما فغالبه متوجه للصناعة الحديثية وليس لمتون الأحاديث، وهذا مع الأسف لا يدركه أكثر المعاصرين الذين تناولوا هذه المسألة الخطيرة، وحتى الأحاديث النادرة التي ينتهض انتقاد المنتقد لها لا تنقض جلالة الصحيحين، وقد سبق أن بينا ذلك في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13678، 134033، 128476، 70192.

 وننبه هنا على أمر مهم في هذا الشأن، وهو أن الطعن في أحاديث البخاري وحجيته من حيث الجملة، يختلف اختلافا جذريا عن انتقاد حديث أو أحاديث بعينها لأسباب علمية صرفة، ممن هو أهل لذلك من الراسخين في هذا العلم كالدارقطني ونحوه. وهذا الخلاف ليس من حيث الصورة والظاهر فقط، بل من حيث المقصد والغاية بالأساس، ففرق هائل بين من كان يقصد صيانة السنة والذب عن حياضها بالتحري والتثبت العلمي، وبين من يقصد هدمها وتقويض بنائها، والطعن في أصل ثبوتها وصحة نقلها.

 وأما مسألة كتابة الحديث والنهي عنها، فقد صدق القائل (السائل، المُسْتَفتِي) بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر عبثا بعدم كتابة غير القرآن. ولكنه صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه لم يأذن عبثا لبعض أصحابه بالكتابة، فكلا الأمرين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعلة في ذلك أن لا يختلط القرآن بغيره، في عصر كانت أدوات الكتابة فيه قليلة ومحدودة، ولا يحسنها إلا نفر قليل، ومن تأمل هذه الحال، واستحضر ضرورة نقل القرآن بلفظه وحرفه، عرف أن مورد الإذن غير مورد المنع، وقد سبق لنا الكلام على كتابة الحديث وتدوينه في الفتويين: 8516، 13196.

 وأما مسألة التعارض بين القرآن والسنة، فتناولُها بالطريقة المذكورة في السؤال لا يأتي فقط على السنة، بل يأتي على القرآن نفسه، فقد زعم كثير من الملحدين وأهل الملل الباطلة أن بين آيات القرآن نفسه تعارضا. فطريقة إبطال هذه الدعوى هي هي طريقة إبطال تلك، فإن السنة النبوية في مجال التشريع إنما هي وحي من الله تعالى، فكما نجمع بين آيات القرآن بحمل كل آية على المراد بها، فكذلك نفعل إذا كان بين ظاهر القرآن والسنة نوع اختلاف. وراجع الفتوى رقم: 113857.

 وأما مسألة مخالفة السنة للعقل، فهذا أمر وارد، فإن العقول البشرية بضعفها وقصورها وضيق عطنها، لا يمكن أن تستوعب حكم التشريع، ولا أن تحيط بموارد الغيب، فإذا خالفت السنةَ كان الحكم للسنة بلا ريب، هذا مع أن هذا التعارض بين السنة والعقل، قد ذُكر مثله أيضا مع القرآن فهل نَردُّ القرآن كذلك لمخالفته بعض العقول السقيمة والآراء الساقطة؟! وهنا ننبه على أن العقل الصريح لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح، وأن الوحي وإن كان يأتي بما تحار فيه العقول، فإنه لا يمكن أن يأتي بما تحيله العقول (تقول باستحالته)، وقد سبق لنا بيان ذلك، وبيان أن تحكيم العقل في أحكام الشرع زيغ وضلال، فراجع الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 20458، 23028، 129696، 39932.

 وأما مسألة نسخ السنة للقرآن، فمحل خلاف بين أهل العلم قديما وحديثا، والجمهور على أن القرآن يُنسخ بالسنة المتواترة. وراجع في ذلك الفتويين: 22660، 46669.

 وأما حد الردة، فصحيح أنه لم يثبت في القرآن، إلا أن ذلك ليس بمطعن؛ لأنه ثبت بالسنة الصحيحة، ونقل العمل به منذ عصر الصحابة تواترا، بما يفيد العلم القطعي بثبوته. ثم إن هذا لا يعارض حرية الاعتقاد، لأنه صورة مستثناة لمصلحة عامة، ولا تعارض بين خاص وعام، فكل كافر لا يصح أن يكره على الدخول في الإسلام، ولكنه إن دخل فيه فلا يقبل منه الردة عنه، وراجع في تفصيل ذلك الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 13987، 33562، 50846.

 وأما حد الرجم فقد سبق أن بينا ثبوته بالكتاب والسنة للزاني المحصن، وراجع في ذلك الفتويين: 26483، 42939.

 وأما الاستدلال بقوله تعالى: (يا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ){الأحزاب: 30}. على عدم التفريق بين المحصن وغيره، توسلا لإبطال حد الرجم فهذا هو المضحك حقا، وليس كما يقول هذا القائل (السائل، المُسْتَفتِي): ثبوت حد الرجم مضحك جدا. فهذه الآية لا تتكلم أصلا عن عقوبة الدنيا، بل الآخرة، ولو قرأ هذا القائل الآية التي بعدها فضلا عن حفظها لتبين له ذلك، حيث يقول تعالى: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) {الأحزاب: 31}. فهل مضاعفة الأجر تكون هي الأخرى في الدنيا؟! ومما يبين ذلك أيضا أن في قراءة ابن كثير وابن عامر: (نُضعِّف لها العذابَ) بالنون وكسر العين وتشديدها، ونصب العذاب، فهي منسوبة إلى الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا في الآخرة. ومن المفسرين من فسر المضاعفة بالجمع بين عذاب الدنيا والآخرة، كما قال زيد بن أسلم: { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } في الدنيا والآخرة. اهـ.

 وكذلك فإن الراجح في تفسير الفاحشة هنا أنها المعاصي الظاهرة كالنشوز وسوء المعاملة.

 قال ابن الجوزي في زاد المسير: (بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي بمعصية ظاهرة، قال ابن عباس: يعني النشوز وسوء الخلق يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين. اهـ.

 وبالجملة فكثير من المستشرقين والمستغربين وأذنابهم قد أثاروا الشبهات حول هذين الحدين على وجه الخصوص: حد الرجم، وحد الردة، وذلك لأن الكلام على الحدود الثابتة في القرآن كحد السرقة وحد القذف، فيه طعن ظاهر في القرآن، فلم يجترئ عليه المنتسبون للإسلام منهم. وقد تناول ذلك جمع من الباحثين بالرد والتفنيد والبيان، ومن ذلك بحث الدكتور عماد الشربيني (عقوبتا الزاني والمرتد ودفع الشبهات في ضوء القرآن والسنة) فيمكن الرجوع إليه للتوسع في ذلك.  انتهى الموضوع الأوّل.

 وقبل الشروع في بيان ملاحظاتي على تفسير الدكتور أحمد نوفل، اسمحوا لي طرح السؤال: هل يجب علينا اتباعُ السُّنّةِ أم يكفينا اتباعُ القرآن فقط ؟

وفيما يلي أقدمُ جواباً أستوحيه من موقع الإسلام سؤال وجواب على الرابط ([2]).

دلالة القرآن الكريم على حُجّيّة السّنّة

دلالة القرآن الكريم على حُجّيّة السّنّة كثيرة ومنها:

 - قال الله تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (النساء: 80)، فجعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته .

 ثم قرن طاعته بطاعة رسوله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء: 59)

 - لقد حذّر اللهُ عز وجل من مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتوعد من عصاه بالخلود في النار، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (62لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) ) (النور)

 - جعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من لوازم الإيمان، ومخالفته من علامات النفاق، قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) (النساء).  ومناسبة نزول الآية يبينها الحديث الشريف: (أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، في شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتي يَسْقُونَ بهَا النَّخْلَ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ، فأبَى عليهم، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إلى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قالَ: يا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حتَّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إنِّي لأَحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ في ذلكَ {فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} [النساء: 75[) ([3]).

 ويربط ابن كثير بين هذه الآية وبين قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... ) (الأحزاب 6).  فيقول في معرض تفسيره لآية الأحزاب: "قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: ( فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بيْنَهُمْ... ) ( النساء 65 ).  وفي الصحيح:  (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ.) ([4]).

 ويؤكد ابن عباس وجوبَ اتباع السّنّة: (عن طاوسٍ أنَّهُ كان يُصلِّي بعدَ العصرِ، فنهاهُ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما فقال طاوسُ: إنَّما نُهيَ عنها أن يتخذَها سُلَّمًا، قال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ الآيةَ (الأحزاب 36)، وما أدري أتُعَذَّبُ علَيها أم تُؤجَرُ) ([5])

- قال الله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (آل عمران 31)

تفسير البغوي:

قوله تعالى: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. قال الله تعالى: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: (ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).

 يقول القرطبي: " وقال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلامة حب النبي - صلى الله عليه وسلم - حب السنة ..."

- قال الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران 132).

يقول القرطبي: وأطيعوا الله يعني أطيعوا الله في الفرائض والرسول في السنن: وقيل: أطيعوا الله في تحريم الربا والرسول فيما بلغكم من التحريم. لعلكم ترحمون أي كي يرحمكم الله .

- قال الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) المائدة 92)

تفسير السعدي: طاعة الله وطاعة رسوله واحدة، فمن أطاع الله، فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. وذلك شامل للقيام بما أمر الله به ورسوله من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، المتعلقة بحقوق الله وحقوق خلقه والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه كذلك. وهذا الأمر أعم الأوامر، فإنه كما ترى يدخل فيه كل أمر ونهي، ظاهر وباطن.

- أمر سبحانه وتعالى عباده بالاستجابة لله والرسول، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (الأنفال: 24).

- ثم أمرهم سبحانه برد ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى الرَّسُول، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء: 59).

وهنالك المزيد من الأدلة؛ ومعظمها من سورة النساء:

 (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 60-65)

- قال الله تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء 80)

 تفسير الطبري: قال أبو جعفر: وهذا إعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم، أيها الناس، محمدًا فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولنَّ أحدكم: " إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضَّل علينا "!

تفسير السعدي: أي: كل مَنْ أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه ) فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَتعالى لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقا، فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله لم يأمر بطاعته مطلقا، ويمدح على ذلك.

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) (النساء: 83)

 (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ) (الأنعام 104).  يقول ابن كثير: البصائر: هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .

إنّ من بعض صفات أهل الكتاب الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلّم أنّهم: (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (التوبة: 29).

دلالة السنة النبوية على حجية السنة كثيرة ومنها:

 تركتُ فيكم أمرينِ ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما: كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي.  وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث الشريف:

 (إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم، و لكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم، فاحْذَروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا، كتابَ اللهِ، و سُنَّةَ نبيِّه) ([6])

شرح الحديث: القرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النَّبويةُ هُمَا حَبْلُ اللهِ المتينُ، فمَن حفِظَهما وعمِلَ بما فيهما بِنِيَّةٍ صادقةٍ وقَلْبٍ مُتَيَقِّنٍ؛ فإنَّ له الجزاءَ الأوْفى عندَ اللهِ سُبحانه.

 وفي هذا الحَديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ"، أي: أصابَه اليأْسُ بعدَ انتشارِ الإسلامِ، "بأرْضِكم" وهي جَزيرةُ العرَبِ، "ولكنْ رضِيَ أنْ يُطاعَ فيما سِوَى ذلك"، أي: رضِيَ بأنْ يَتَّبِعَه الناسُ فيما هو أقلُّ مِن الشِّركِ باللهِ، وهو "ممَّا تُحاقِرون مِن أعْمالِكم" مِن صَغائِرِ الذُّنوبِ والمعاصي، وهي اللَّمَمُ، "فاحْذَروا"، والمعنى: احْذَروا مِن طاعةِ الشيطانِ والوُقوعِ في الصغائرِ؛ لأنَّها لا تَزالُ بالعبدِ حتى تُهْلِكَه وهو لا يَدْري، "إني قد ترَكْتُ فيكم"، أي: ترَكْتُ لكم بعدَ مَوتي فيما بيْنكم، "ما إنِ اعتَصَمْتم به"، أي: تمَسَّكتم به وأخَذْتُم بالعملِ بما فيه، "فلنْ تَضِلُّوا أبدًا"، أي: فلنْ تَكونوا في ضَلالٍ وزَيْغٍ عن الحقِّ بعدَ تَرْكِي إيَّاه فيكم، أو بعدَ التَّمسُّكِ به والعمَلِ بما فيه، إنِ اعتصَمْتُم به، "كِتابَ اللهِ"، وهو القُرْآنُ الكريمُ، وهو أعظمُ وأفضلُ ما يَتأسَّى به الناسُ، ويَقتَدونَ به؛ لأنَّه كلامُ اللهِ سُبحانه وتَعالى؛ ولأنَّه يَهْدِيهم إلى الطَّريقِ المستقيمِ، وإلى الحقِّ، فلا يَضِلُّون، "وسُنَّةَ نَبِيِّه" وهي كُلُّ ما ورَدَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ مِن أقوالٍ، أو أفعالٍ، أو أُمورٍ أقَرَّها ووافَقَ عليها، وفي السُّنَّةِ بَيانٌ وتفصيلٌ لِمَا في القرآنِ الكريمِ، والكتابُ والسُّنَّةُ هما أصْلُ الدِّينِ، وفيهما النَّجاةُ لمَن تَمسَّك بهما.

 وفي الحديثِ: التخويفُ والتَّحذيرُ مِن وسْواسِ الشَّيطانِ.  وفيه: الحثُّ على التَّمسُّكِ بالكتابِ والسُّنَّةِ. ولدينا كذلك الأحاديث الشريفة:

 (تركتُ فيكم أمرينِ ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما: كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي، ولن يتفَرَّقا حتَّى يرِدا عليَّ الحوضَ) ([7]).

شرح الحديث: كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ نَبيِّه هما الأصلانِ اللَّذانِ لا عُدولَ عنهما، ولا هدْيَ إلَّا منهما، والعِصمةُ والنَّجاةُ لمَن تمسَّكَ بهما، واعتصَمَ بحَبْلِهما.

 وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "إنِّي قد خلَّفْتُ فيكم شَيئينِ"، أي: تَركْتُ لكم بعدَ وَفاتي ومماتي أمرينِ، "لنْ تَضِلُّوا بعدَهما أبدًا ما أخذْتُم بهما- أو عَمِلْتُم بهما-"، أي: هما سببٌ في الفوزِ في الآخِرةِ إذا أخَذَ بهما العبْدُ في الدُّنيا، "كِتابَ اللهِ، وسُنَّتي"، أي: بالاستِمساكِ والعمَلِ بالقرآنِ والسُّنةِ معًا؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، والمرادُ بسُنَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أقوالُه وأفعالُه وتَقريراتُه، "ولنْ يَتفرَّقَا"، أي: هما مَحفوظانِ باقيةٌ حُجَّتُهما على الأُمَّةِ، "حتَّى يَرِدَا عليَّ الحَوضَ"، أي: يَمُرَّا عليَّ وأنا على الحوضِ، والحوضُ هو نَهرُ الكَوثرِ الذي أعطاهُ اللهُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ الَّذي يَسْقِي منه الواردينَ عليه مِن المؤمنينَ.

 وفي الحديثِ: بَيانُ أنَّ منزلةَ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ كمَنزلةِ القرآنِ.  وفيه: إثباتُ وُجودِ الحَوضِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الآخرةِ

(تركتُ فيكم أمريْنِ لن تضلُّوا ما تمسَّكْتُم بهما: كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِه .) ([8]).

 (ترَكْتُ فيكم أَمرينِ، لَن تضلُّوا ما تمسَّكتُمْ بِهِما: كتابَ اللَّهِ وسنَّةَ رسولِهِ) ([9])

وفي بيان أهمية السّنّة: (ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ)، وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث الشريف:

 (لألفَينَّ أحدُكم متكئًا على متكَئِه يصلُ إليه عنِّي حديثٌ فيقولُ: لا نجدُ هذا الحكمَ في القرآنِ. ألا وإنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ) ([10])

(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معهُ ألا يوشكُ رجلٌ شبعانُ على أريكتِهِ يقولُ عليكم بهذا القرآنِ فما وجدُتم فيهِ من حلالٍ فأحلوا وما وجدُتم فيهِ من حرامٍ فحرِّموا وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كما حرَّمَ اللهُ ألا لا يحلُّ لكم لحمُ الحمارِ الأهليِّ ولا كلُّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ ولا لُقطةُ معاهدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها ومن نزلَ بقومٍ فعليهم أن يقروهُ فإن لم يقروهُ فلهُ أن يعقبَهم بمثلِ قِراهُ) ([11])

(أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ) ([12]).  (إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ) ([13]).  (ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه) ([14]).

(ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلُه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانٌ على أريكتِه يقول: عليكم بهذا القرآنِ، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموهُ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ كما حرَّمَ اللهُ، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السباعِ، ولا لُقَطَةُ معاهدٍ إلا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزل بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوهُ، فإن لم يَقْرُوهُ، فله أن يُعْقِبَهُمْ بمثلِ قِرَاهُ) ([15])

(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معَهُ، ألا يوشِكُ رجلٌ شبعانٌ علَى أريكتِهِ يقولُ: عليكم بِهَذا القرآنِ، فما وجدتُمْ فيهِ من حلالٍ فأحلُّوا، وما وجدتُمْ فيهِ من حرامٍ فحرِّموهُ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - كما حرَّمَ اللَّهُ ؛ ألا لا يحلُّ لَكُمُ الحمارُ الأَهْليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ ولا لقطةُ معاهَدٍ إلَّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزلَ بقومٍ، فعليهم أن يُقروهُ، فإن لم يُقروهُ فلَهُ أن يُعْقِبَهم بمثلِ قِراهُ) ([16])

 (ألَا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه [ وفي روايةٍ ]: ألا إنَّ ما حرَّم رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّم اللهِ) ([17]).

(ألا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه) ([18]).  (ألا إني أوتيت القرآنَ ومثلَه معه) ([19]).

(لا ألفينَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكتِهِ يأتيهِ الأمرُ من أمري ممَّا أمرتُ بِهِ أو نَهيتُ عنْهُ فيقولُ: لا أدري ما وجَدنا في كتابِ اللَّهِ اتَّبعناهُ رَواهُ التِّرمِذي وفي روايةٍ لغيرِهِ ما وجَدْنا فيه حرامًا حرَّمناهُ ألا وإنِّي أوتيتُ القُرآنَ ومثلَهُ معهُ. وفي أخرى ألا إنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ مثلُ ما حرَّمَ اللَّهُ) ([20])

(ألَا إنِّي أُوتيتُ الكِتابَ ومِثلَه معه، ألَا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه معه، ألَا يوشِكُ رجُلٌ يَنْثَني شَبْعانًا على أَريكتِه يقولُ: عليكم بالقُرآنِ، فما وجَدْتُم فيه مِن حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجَدْتُم فيه مِن حرامٍ فحَرِّموه! ألَا لا يَحِلُّ لكم لَحمُ الحِمارِ الأَهْليِّ، ولا كلُّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ألَا ولا لُقَطةٌ مِن مالِ مُعاهَدٍ إلَّا أنْ يَستَغنيَ عنها صاحِبُها، ومَن نزَلَ بقَومٍ فعليهم أنْ يَقْرُوهم، فإنْ لم يَقْرُوهم فلهم أنْ يُعْقِبوهم بمِثلِ قِراهُم. ) ([21])

ويقول سبحانه: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء: 80)

وفي تفسير الطبري: قال أبو جعفر: وهذا إعذارٌ من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم، أيها الناس، محمدًا فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله وأطيعوا أمرَه، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولنَّ أحدكم: " إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضَّل علينا "!

تفسير ابن كثير:  يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى .

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني " ..  وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، عن الأعمش به

عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي

(أتينا العرباضَ بنِ ساريةَ، وهو ممن نزل فيه ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه فسلَّمنا، وقلنا: أتيناك ؛ زائرين، وعائدين، ومقتبسِين. فقال العرباضُ: صلى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون، ووجِلت منها القلوبُ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! كأن هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى اللهِ والسمعِ والطاعةِ وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ، وإياكم ومحدثاتِ الأمورِ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) ([22])

شرح الحديث: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَدْعو أصْحابَه إلى الخيْرِ ويُحذِّرُهم منَ الشَّرِّ، ويَعِظُهم ويُذَكِّرُهم بين الحِينِ والآخَرَ.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمْرٍو السُّلَمِيُّ، وحُجْرُ بنُ حُجْرٍ: "أتَينا العِرْباضَ بنَ سارِيَةَ"، أي: جِئنا إليهِ، "وهو ممَّن نزَلَ فيهِ" هذه الآيَةُ: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} [التوبة: 92]، أي: لا أجِدُ ولا أملِكُ منَ المراكِبِ من الفَرَسِ والإبِلِ ونحوِها المعَدَّةِ للجِهادِ؛ لأُعطِيَه لكم لتُجاهِدوا عليها، قالوا: "فسَلَّمْنا"، أي: ألْقَيْنا عليهِ السَّلامَ، وقلنا: "أتَيْناك زائرينَ وعائدِينَ"؛ منَ العيادَةِ للمَريضِ، "ومُقتبِسِين"، أي: مُحصِّلينَ نورَ العِلمِ مِنكَ، فقال العِرْباضُ: "صلَّى بِنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ذاتَ يوْمٍ، ثمَّ أقبَلَ علينا"، أي: بوجْهِه، "فوَعَظنا موْعِظةً بلِيغَةً"، أي: حدَّثَنا وذكَّرَنا بقوْلٍ موجَزٍ وفيه مَعانٍ كثيرَةٌ، "ذرَفَتْ منها العُيونُ"، أي: سالَتْ منها الدُّموعُ، "ووجِلَتْ منها القُلوبُ"، أي: خافَت ورهِبَت.

قال: "فقال قائلٌ"؛ منَ الحاضِرين: "يا رسولَ اللهِ، كأَنَّ هذه موْعِظةُ مودِّعٍ"، أي: موعِظَةُ مُسافِرٍ عند الودَاعِ، "فماذا تَعْهَدُ إلَينا؟"، أي: بماذا تُوصِي إلينا؟ فقال: "أُوصِيكم بتَقْوى اللهِ"؛ وذلك بفِعلِ الواجِباتِ وترْكِ المحَرَّماتِ، "والسَّمْعِ والطَّاعةِ"، أي: للأُمراءِ، "وإنْ عبْدًا حبشِيًّا"، أي: وإن كان هذا الأَميرُ أو الوالي عبْدًا حبَشِيًّا؛ "فإنَّه مَن يعِش منكم بَعدي"، أي: بعدَ موْتي، "فسَيَرى اختِلافًا كثيرًا"؛ في الدِّينِ، وغيرِه، ثمَّ أَرشَدَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أنفعِ عِلاجٍ عندَ وقوعِ الاختلافِ الكثيرِ، فقال: "فعلَيكم بسُنَّتي"، أي: طريقَتي ونَهْجي، "وسُنَّةِ الخُلَفاءِ المَهديِّينَ الرَّاشِدينَ"، أي: الَّذين هَداهُم اللهُ وأرْشَدَهم إلى الحَقِّ، والمقصود بهم الخُلفاءُ الرَّاشِدون الأربعةُ: أبو بَكرٍ الصِّدِّيق، وعُمرُ بنُ الخَطَّاب، وعُثمانُ بنُ عفَّانَ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنهم أجمعين، "تمَسَّكوا بها"، أي: بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ، وأفْرَدَ لفظ (بها) مع أنَّها تعودُ على اثنَتَينِ؛ لأنَّهما كشيءٍ واحدٍ، "وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ"، أي: آخِرِ الأضْراسِ؛ يَعني بذلك الجِدَّ في لُزومِ السُّنَّةِ والتَّمسُّكِ بها، "وإيَّاكم"، أي: احْذروا واجْتَنِبوا، "ومُحْدَثاتِ الأُمورِ"، أي: الأُمورِ الَّتي تَحدُثُ بعد ذلك وتُخالِفُ أصْلَ الدِّينِ؛ "فإنَّ كلَّ مُحْدَثةٍ" في دِينِ اللهِ وشرْعِهِ، "بِدْعَةٌ"، أي: طَريقةٌ مخترَعةٌ في الدِّينِ، "وكلَّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ"، أي: موجِبَةٌ للضَّلالةِ والغِوايَةِ، ويَضِلُّ بها صاحِبُها.

وفي الحديث: الحَثُّ والتأكيدُ الشَّديدُ على التمسُّكِ بسنة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدين، والنَّهيُ عن الابتداعِ في الدِّينِ والتحذيرُ الشَّديدُ مِن ذلك.

(عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي، عضُّوا عليها بالنَّواجذِ) ([23])

(عليكم بسنتي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِييْنَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّوَاجِذِ، وإيَّاكُم ومُحْدَثَاتِ الأمورِ؛ فإِنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ.) ([24])

(عليكم بسُنَّتي وسنَّةَ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المهديِّينَ من بَعدي، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذِ، وإيَّاكمْ ومُحدَثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) ([25])

(عليْكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المَهديِّينَ مِن بعدي تمسَّكوا بِها وعضُّوا عليْها بالنَّواجذِ وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمورِ) ([26])

(عليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ المَهْديِّينَ) ([27]).  (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشِدين الهادِين) ([28]).  (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِينَ الهادِينَ عَضُّوا عليها بالنواجِذِ) ([29]).  (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِين المهدِيِّينَ مِن بعدي) ([30]).  

(عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين) ([31]).  (عليكُمْ بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ.) ([32]) .

فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي

(عَنْ أَنَسٍ، أنَّ نَفَرًا مِن أَصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن عَمَلِهِ في السِّرِّ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا أَنَامُ علَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه. فَقالَ: ما بَالُ أَقْوَامٍ قالوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي.) ([33])

أي: مع كَوني أكثرَكم خشيةً للهِ وأكثرَكم تقوًى له، ولكنِّي مع ذلك لا أُبالغُ في العبادةِ ما تُريدونَ المبالغةَ فيها، ولكنْ أَصومُ وأُفطرُ وأتزوَّجُ النِّساءَ وأقومُ وأنامُ؛ وذلك لأنَّ المتشدِّدَ لا يأمَنُ مِنَ المَللِ بِخلافِ المقتصِدِ فإنَّه أمكنُ لِاستمرارِه، وخيرُ العملِ ما داوَمَ عليه صاحبُه، ثم حذَّرهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الغلوِّ والابتعادِ عَن سنَّتِه في العبادةِ، فقال لهم:"فمَن رغِبَ عَن سنَّتي فليس مِنِّي"، أي: فمَن أعرَضَ عَن نَهجي وطريقتي فإنَّه بعيدٌ كلَّ البُعدِ عَن متابعتِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.

ثالثاً: دلالة الإجماع على حجية السنة ([34]):

"قال الشافعي رحمه الله: ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدا أُخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قبل خبره، وانتهى إليه، وأثبت ذلك سنة .. وصنع ذلك الذين بعد التابعين، والذين لقيناهم، كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة، يحمد من تبعها، ويعاب من خالفها، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة ."

يقول تعالى: (... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الحشر 7).

يقول ابن كثير: "وقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر .

يا ربِّ لك الحمد، أسألك بجلالك أن توفقنا لما يُرضي رسولَ اللَّهِ؛ فيا لخيبة من يُقْصِي سُنَّةَ رسولِ اللَّهِ.

رابعا: دلالة النظر الصحيح على حجية السنة ([35])

كون النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله، يقتضي تصديقه في كل ما يخبر به، وطاعته في كل ما يأمر به، ومن المُسلَّم به أنه قد أخبر وحكم بأمور زائدة على ما في القرآن الكريم، فالتفريق بينها وبين القرآن، في وجوب الالتزام بـها، والاستجابة لها، تفريق بما لا دليل عليه، بل هو تفريق باطل، فلزم أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم واجب التصديق، وكذا أمره واجب الـطـاعة

يقول تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) (التغابن 12).

يقول القرطبي: أي هونوا على أنفسكم المصائب، واشتغلوا بطاعة الله، واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول في العمل بسنته ؛ فإن توليتم عن الطاعة فليس على الرسول إلا التبليغ .

وسؤال آخر: هل يعقل ترك الإستدلال بسنة صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله والأخذ برأي من يقدم العقل على السُّنّة؟!

رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (الإسراء 79).

(يجتمعُ المؤمنونَ يومَ القيامةِ فيُلْهَمُون ذلك فيقولون: لو استَشْفَعْنا إلى ربِّنا فأراحنا من مكانِنا هذا فيأتون آدمَ فيقولون: يا آدمُ أنت أبو الناسِ خلقك اللهُ بيدِه وأَسْجَد لك ملائكتَه وأَعْلَمَك أسماءَ كلِّ شيءٍ فاشفَعْ لنا عند ربِّك حتى يُرِيحَنا من مكانِنا هذا فيقولُ: لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ لهم ذنبَه الذي أصابه فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكِن ائْتُوا نوحًا فإنه أولُ رسولٍ بعثه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ فيأتُون نوحًا عليه السلامُ: فيقولُ: لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ سؤالَه ربَّه تبارك و تعالى ما ليس له به علمٌ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ فيأتون إبراهيمَ فيقول: لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ سؤالَه ربَّه تبارك وتعالى ما ليس له به علمٌ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا موسى عبدٌ كَلَّمَهُ اللهُ وأعطاه التوراةَ فيأتون فيقولُ لَسْتُ هُنَاكم ويذكرُ قَتْلَه النفسَ بغيرِ النفسِ فيَسْتَحْي ربَّه من ذلك ولكنِ ائْتُوا عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكَلِمَتُه ورُوحُه فيأتون فيقولُ: لَسْتُ هُنَاكم ولكنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عبدًا قد غفر اللهُ له ما تقدم من ذنبِه وما تأخر فيأتون فأنطلقُ - قال قتادةُ: وقال الحسنُ: فأَمْشِي بين سِمَاطَيْنِ من المؤمنينَ ثم رجع إلى حديثِ أنسٍ - فأستأذنُ على ربي فيأذَنُ لي فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يدَعَنِي ثم يقالُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشفعْ، تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأَحْمَدُه بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثم أشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجنةَ ثم أعودُ الثانيةَ فإذا رأيتُ ربي تعالى وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يَدَعَنِي ويقالُ ارفَعْ مُحَمَّدُ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ فأشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهُمُ الجنةَ ثم أعودُ الثالثةَ فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيَدَعُنِي ما شاء اللهُ أن يَدَعَنِي فيقالُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! قُلْ تُسْمَعْ وسَلْ تُعْطَهْ واشفَعْ تُشَفَّعْ فأرفعُ رأسي فأَحْمَدُ ربي بتحميدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثم أشفعُ فيَحُدُّ لي حَدًّا فأُدْخِلُهم الجنةَ ثم آتِيهِ الرابعةَ أو أعودُ الرابعةَ فأقولُ: أَيْ رَبِّ ما بَقِيَ إلا مَن حبسه القرآنُ قال ابنُ أبي عَدِيٍّ: فيُدْخِلُهُمُ الجنةَ وقال فيُنْهَمُونَ أو يُلْهَمُونَ وقال: آتيه الرابعةَ أو أعودُ الرابعةَ) ([36]).

(يجتمعُ المؤمنون يومَ القيامةِ يُلْهَمُونَ أو يهمُّونَ - يهتمُّونَ - شكَّ سعيدٌ فيقولون لو تشفَّعْنا إلى ربنا فأراحَنا من مكاننا فيأتون آدمَ فيقولون أنت آدمُ أبو الناسِ خلقَك اللهُ بيدِه وأسجدَ لك ملائكتَه فاشفع لنا عند ربِّكَ يُرِحْنَا من مكاننا هذا فيقولُ لستُ هناكم ويذكرُ ويشكو إليهم ذنبَه الذي أصاب فيستحيي من ذلك ولكن ائتُوا نوحًا فإنَّهُ أولُ رسولٍ بعثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ويذكرُ سؤالَه ربَّهُ ما ليس له به علمٌ ويستحيي من ذلك ولكن ائتُوا خليلَ الرحمنِ إبراهيمَ فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ولكن ائتُوا موسى عبدًا كلَّمَه اللهُ وأعطاهُ التوراةَ فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ويذكرُ قتلَه النفسَ بغيرِ النفسِ ولكن ائتُوا عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمةُ اللهِ وروحُه فيأتونَه فيقولُ لستُ هناكم ولكن ائتُوا محمدًا عبدًا غفر اللهُ له ما تقدم من ذنبِه وما تأخَّرَ قال فيأتوني فأنطلقُ قال فذكر هذا الحرفَ عن الحسنِ قال فأمشي بين السماطيْنِ من المؤمنينَ قال ثم عاد إلى حديثِ أنسٍ قال فأستأذنُ على ربي فيُؤذَنُ لي فإذا رأيتُه وقعتُ ساجدًا فيدَعُني ما شاء اللهُ أن يدَعَني ثم يقال ارفع يا محمدُ وقل تُسمعُ وسل تُعْطَهْ واشفع تُشفَّعُ فأحمدُه بتحميدٍ يُعلِّمَنِيهِ ثم أشفعُ فيحدُّ لي حدًّا فيُدخلهم الجنةَ ثم أعودُ الثانيةَ فإذا رأيتُه وقعتُ ساجدًا فيدعني ما شاء اللهُ أن يدعني ثم يقال لي ارفع محمدٌ قل تُسمعُ وسل تُعْطَهْ واشفع تُشفَّعُ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعلِّمَنِيه ثم أشفعُ فيحدُّ لي حدًّا فيُدخلهم الجنةَ ثم أعودُ الثالثةَ فإذا رأيتُ ربي وقعتُ ساجدًا فيدعني ما شاء اللهُ أن يدَعَني ثم يقال ارفع محمدٌ قل تُسمَعُ وسلْ تُعْطهْ واشفع تُشفَّعُ فأرفعُ رأسي فأحمدُه بتحميدٍ يُعلِّمَنِيهِ ثم أشفعُ فيحدُّ لي حدًّا فيُدخلهم الجنةَ ثم أعودُ الرابعةَ فأقولُ يا ربِّ ما بقيَ إلا من حبسَه القرآنُ وحدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ قال يخرجُ من النارِ من قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وكان في قلبِه مثقالُ شعيرةٍ من خيرٍ ويخرجُ من النارِ من قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وكان في قلبِه مثقالُ برَّةٍ من خيرٍ ويخرجُ من النارِ من قال لا إلهَ إلَّا اللهُ وكان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ) ([37])

(وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (49) ) (الأعراف)

" أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ" قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس يَعْنِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف " اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس" قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ " الْآيَة. قَالَ فَلَمَّا قَالُوا لَهُمْ الَّذِي قَضَى اللَّه أَنْ يَقُولُوا يَعْنِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف لِأَهْلِ الْجَنَّة وَأَهْل النَّار قَالَ اللَّه لِأَهْلِ التَّكَبُّر وَالْأَمْوَال " أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ " .

الأحاديث:

اللهم الرفيق الأعلى

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم الرفيق الأعلى، إذ علم أنه هو صاحب الوسيلة والشفاعة والمقام الرفيع فوق جميع خلق الله.  فاختار الرفعة على الحياة الدنيا الزائلة.

(كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ وهو صَحِيحٌ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ فَلَمَّا نَزَلَ به ورَأْسُهُ علَى فَخِذِي غُشِيَ عليه سَاعَةً، ثُمَّ أفَاقَ فأشْخَصَ بَصَرَهُ إلى السَّقْفِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى قُلتُ: إذًا لا يَخْتَارُنَا، وعَرَفْتُ أنَّه الحَديثُ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا به، قالَتْ: فَكَانَتْ تِلكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى.) ([38]).

(كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو صَحِيحٌ يقولُ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا -أوْ يُخَيَّرَ- فَلَمَّا اشْتَكَى وحَضَرَهُ القَبْضُ ورَأْسُهُ علَى فَخِذِ عَائِشَةَ، غُشِيَ عليه، فَلَمَّا أفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ في الرَّفِيقِ الأعْلَى، فَقُلتُ: إذنْ لا يُجَاوِرُنَا، فَعَرَفْتُ أنَّه حَديثُهُ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا وهو صَحِيحٌ.) ([39]) .

(كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ وَهو صَحِيحٌ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يُرَى مَقْعَدُهُ في الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ قالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ برَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَرَأْسُهُ علَى فَخِذِي غُشِيَ عليه سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فأشْخَصَ بَصَرَهُ إلى السَّقْفِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى. قالَتْ عَائِشَةُ: قُلتُ: إذًا لا يَخْتَارُنَا. قالَتْ عَائِشَةُ: وَعَرَفْتُ الحَدِيثَ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا به وَهو صَحِيحٌ في قَوْلِهِ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ. قالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ تِلكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَوْلَهُ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأعْلَى.) ([40])

المقامُ المحمودُ

وفضل محمد على سائر الرسل معلوم بيّن؛ فهو سيّد ولد آدم وصاحب الشفاعة، والمقام المحمود، وهو خير مخلوق .

(أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فخرَ، وبيدي لِواءُ الحمدِ ولا فخرَ، وما مِن نبيٍّ يَومئذٍ آدمَ فمَن سِواهُ إلَّا تحتَ لِوائي، وأَنا أوَّلُ مَن ينشقُّ عنهُ الأرضُ ولا فخرَ، قالَ: فيفزعُ النَّاسُ ثلاثَ فزعاتٍ، فَيأتونَ آدمَ، فيقولونَ: أنتَ أبونا آدمُ فاشفَع لَنا إلى ربِّكَ، فيقولُ: إنِّي أذنبتُ ذنبًا أُهْبِطتُ منهُ إلى الأرضِ ولَكِن ائتوا نوحًا، فيأتونَ نوحًا، فيقولُ: إنِّي دَعَوتُ علَى أهْلِ الأرضِ دَعوةً فأُهْلِكوا، ولَكِن اذهبوا إلى إبراهيمَ، فيأتونَ إبراهيمَ فيقولُ: إنِّي كذبتُ ثلاثَ كذباتٍ، ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: ما منها كذبةٌ إلَّا ما حلَّ بِها عن دينِ اللَّهِ. ولَكِن ائتوا موسَى، فيأتونَ موسَى، فيقولُ: إنِّي قد قتلتُ نفسًا، ولَكِن ائتوا عيسَى، فيأتونَ عيسَى، فيقولُ: إنِّي عُبِدتُ مِن دونِ اللَّهِ، ولَكِن ائتوا محمَّدًا صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ: فَيأتوني فأنطلِقُ معَهُم - قالَ ابنُ جُدعانَ: قالَ أنسٌ: فَكَأنِّي أنظرُ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - قالَ: فآخذُ بحلقةِ بابِ الجنَّةِ فأُقَعقِها فيُقالُ: مَن هذا؟ فيُقالُ: محمَّدٌ فيفتَحونَ لي، ويُرحِّبونَ بي، فيقولونَ: مرحبًا، فأخِرُّ ساجدًا، فيُلهِمُني اللَّهُ منَ الثَّناءِ والحمدِ، فيُقالُ لي: ارفَع رأسَكَ وسَلْ تُعطَ، واشفَعْ تُشَفَّع، وقُلْ يُسمَعُ لقَولِكَ، وَهوَ المقامُ المحمودُ الَّذي قالَ اللَّهُ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) ([41]).

(سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، يقولُ: إنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَومَ القِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يقولونَ: يا فُلَانُ اشْفَعْ، يا فُلَانُ اشْفَعْ، حتَّى تَنْتَهي الشَّفَاعَةُ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَذلكَ يَومَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ المَقَامَ المَحْمُودَ) ([42]).

(عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قال قيل لهُ ما المقامُ المحمودُ قال ذاك يومَ ينزلُ اللَّهُ تعالى على كرسيِّهِ فيئطُّ كما يئطُّ الرحلُ الجديدُ من تضايقِهِ بهِ وهوَ يسعه ما بينَ السَّماءِ والأرضِ ويجاءُ بكم حفاةً عراةً غرلًا فيكونُ أوَّلُ من يُكسَى إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليهِ يقول اللهُ تعالى اكسوا خليلي فيؤتَى بربطتَينِ بيضاوَينِ من رباطِ الجنَّةِ ثمَّ أُكسَى على أثرِهِ ثمَّ أقومُ عن يمينِ اللَّهِ مقامًا يغبطُني الأولونَ والآخرونَ) ([43]).

(تُمدُّ الأرضُ يومَ القيامةِ مدًّا لعظمةِ الرحمنِ، ثم لا يكونُ لبشرٍ من بَني آدمَ إلا موضعَ قدميْهِ، ثم أُدْعى أولَ الناسِ، فأخِرُّ ساجدًا، ثم يؤذنُ لي فأقومُ، فأقولُ: يا ربِّ أخبرَني هذا لجبريلَ وهو عن يمينِ الرحمنِ، واللهِ ما رآهُ جبريلُ قبلَها قطُّ أنَّكَ أرسلْتَهُ إليَّ قال: وجبريلُ ساكتٌ لا يتكلمُ حتى يقولَ اللهُ صدقَ ثم يؤذنُ لي في الشفاعةِ فأقولُ: يا ربِّ عبادُك عبدوكَ في أطرافِ الأرضِ فذلكَ المقامُ المحمودُ) ([44]).

(عن سَلمانَ قالَ: تُعطى الشَّمسُ يومَ القيامةِ حرَّ عَشرِ سنينَ ثمَّ تُدنَى مِن جَماجِمِ النَّاسِ قالَ فذَكرَ الحديثَ قالَ فيأتونَ النَّبيَّ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - فيَقولونَ يا نبيَّ اللَّهِ أنتَ الَّذي فتحَ اللَّهُ بِك وغفرَ لَك ما تقدَّمَ مِن ذَنبِك وما تأخَّرَ وقد تَرى ما نحنُ فيهِ فاشفَع لنا إلى ربِّكَ فيقولُ أنا صاحبُكم فيخرُجُ يَجوسُ النَّاسَ حتَّى ينتَهيَ إلى بابِ الجنَّةِ فيأخذُ بحلقةٍ في البابِ مِن ذَهبٍ فيقرَعُ البابَ فيقولُ: مَن هذا فيقولُ محمَّدٌ فَفُتِحَ لَه حتَّى يقومَ بينَ يديِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فيسجُدُ فيُنادى: ارفَع رأسَك سَلْ تُعطَه واشفَعْ تُشَفَّعْ فذلِك المقامُ المَحمودُ) ([45]).

 


منهج الباحث

بسم الله الرحمن الرّحيم، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على خير خلق الله، وبعد:

يتناول هذا البحث منهج الدكتور أحمد نوفل ([46]) في تفسير القرآن الكريم من خلال تتبّع مداخلاته في عددٍ من البرامج الإذاعية، ومناقشة آرائه وطروحاته التي يتعرّض فيها للحديث النبوي الشريف – ومن ضمنها صحيحي البخاري ومسلم - مشكِّكاً ومكذِّباً وداحضاً وناقداً لكلام سيِّد الخلقِ؛ بحجّة مخالفة العقل (عقله هو!) والمنطق (منطقه هو!).  يقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([47]).  ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السُّنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([48]).  بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([49]).

يقول د. نوفل في حديثه عن القرآن: "لن نفهم هذا الكلام العظيم إلاّ بالعقل، ورصيدنا من اللغة ورصيدنا من الفهم، والخبرة والتجربة والمطالعة.  كل هذا الرصيد به نفهم كلام الله. من غير هذا الرصيد مش حنفهم هذا الكلام.  رصيد من اللغة رصيد من القراءات: في الكون والتاريخ والجغرافيا والمعلومات حتى نستطيع أن نفهم هذا الكلام. لا بدّ من أرصدة تكون لديك وذخر في هذا العقل (مع وضع يده على رأسه)" ([50]).

يا للعجب! د. نوفل يريد رصيدا من مختلف جوانب المعرفة حتى يفسّر القرآن، ولم يذكر من ضمنها سنة الحبيب صلى الله عليه وسلّم!.

وفي معرض حديثه عن الآية: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) [الأحزاب: 34]، يقول د. نوفل: وحتى يضيّع البعضُ بركةَ الفهم قالوا: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والسّنّة، بهذه الطريقة نكون قد قضينا على طريقة الفهم تماماً، وقطعنا دابره نهائياً. هل المراد بالحكمة في الآية في سورة الأحزاب السنة؟ قولاً واحداً لا، ...، إنما الحكمة أحسنية الفهم... الحكمة الفهم والفهم المناسب للنص الذي يضع الأمور في نصابها ومعاييرها.) ([51]).

أتساءل فأقول: وأيُّ بطرٍ للحقّ وغمط للناس، أكثر من زعم الزاعمين المدّعين أنّ أفهامهم وعقولهم أعلى من مستوى حديث رسولنا عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم؟!  وإنّ د. نوفل ليتّهم المحدّثين (الذين خدموا السنة) بأنّهم يركّبُون سنداً للأحاديث!  وإنّ د. نوفل يقول: "المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات ".

وفي غياب الدولة (أو الدول) التي تُحكّمُ الشريعةَ الإسلامية في حياة المسلمين، يتهكم د. نوفل على حدّيّ: الرّجم على الزاني المحصن، والقتل للمرتدّ عن الإسلام!.  بل إنّ دكتور نوفل أحياناً يتناقض في طروحاته مع بعض مسلمات العقيدة!.

وحيث أنّني أستدرك على د. نوفل ما تطرق إلى مسمعي من تفسيره للآيات الكونية، والتي كنت من قبل قد كتبت بحثاً في كلّ آية منها، وحيث أنّني أستدرك على دكتور نوفل تفسيره بعض الآيات التي تناقشها التفاسير القديمة والحديثة بفهم واحد متّسق لم يختلفوا عليه، لذا فإنّني سأكتفي ببيان مفهوم هذه الآيات من خلال بعض التفاسير القديمة، وكذلك بعض التفاسير الحديثة.

وستلاحظ معي أنّ ما يقدمه د. نوفل هي آراء مجتزأة أو مرجوحة تخالف إجماع المفسّرين! ولربّما لم يقل بها أحد! كما في حديثه عن الجزية (البسطار فوق راسه، الجزمة فوق راسه، رجله فوق راسه، داعس على راسه!). وكما الحال في حديثه عن يأجوج ومأجوج، وكذلك الحال في حديثه عن الآية: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ).

بل وإنّ د. نوفل ليقدّم أحيانا طرحاً أو رأياً يأخذه من هذا التفسير أو ذلك، ويكون هذا التقديم ممزوجا بالتعريض بهذه التفاسير والانتقاص منها! نعم يأخذ منها وينتقص من أصحابها متّهماً إياهم بمجانبة الحقّ والصواب، في تفاسيرهم!  متذرّعاً أنّ الحقّ أحقُّ أن يتّبع! ومتوهّماً أنّ الحقّ هو ما يراه! نعم فإنّ د. نوفل وللأسف، يرى في نفسه وإن جاز التعبير مدرسة علمية تستطيع أن تشق الطريق بالقرآن والقرآن فقط! وبمعزل عن الأحاديث وعن التفاسير وعن تراث الأمة!  فهو وللأسف على حال من الاعتداد بالرأي ليرى أن الصواب بجانبه ولا يجانبه !

وحيث أنّه لا يوجد في المكتبات تفسير يعود إلى د. نوفل (سوى تفسير سورة يوسف)، هذه الأمور مجتمعة دفعتني للبحث في محاضرات وتسجيلات د. نوفل، فجعلت هذا الكتاب ردّاً على بعض طروحاته.  وفي كلّ الأحوال لا بدّ من الرّدّ على هذه التسجيلات؛ حيث فيها إجحاف بحقّ السُّنّة، وحيث أنّها مسموعة ولها من يتابعها، وهنالك من يُخدعُ بها أو يغترّ! لا بدّ من بيان الحقّ والصواب في معرض مناقشة هذه التسجيلات، لا سيّما وأنّ بعضها يتناقض مع مسلّمات علوم الكون والفيزياء والرياضيات! والتي أفردتُ لها كتاباً ([52]).  بل إنّ دكتور نوفل يتناقض أحياناً في طروحاته مع بعض مسلمات العقيدة!.  هذا وإنّ الإنسان ليؤاخذ شرعاً بما يكتب وبما يقول.  بل إنّ تفسير المرحوم الأستاذ الدكتور فضل حسن عبّاس هو تفريغ لحلقات كان قد قدّمها – من قبل أن يتوفاه الله - على قناة حياة FM.  بل إنّ المفسّر لكتاب الله لا يُقبل منه أن يتناقض تفسيرُه المسموع مع تفسيره المكتوب! هذا وإنّ مما أستدرك فيه على نوفل أشياءَ مكتوبة، وأخرى معدّة ومكتوبة يقرؤها على المتابعين، بل وبعضها حلقات مسجّلة قبل أيّام من عرضها على المشاهدين أو المستمعين.  وعليه أسأل الله تعالى أن يكون هذا العملُ هو ردّ على تفسير د. نوفل قبل صدوره، هذا إن كان الله تعالى قدّر صدورَه.

كلمات دالّة (مفتاحيّة): أحمد نوفل، القرآن الكريم، السُّنّة النبويّة، التفسير، الآيات الكونية، مسلّمات العقيدة.

وأسأل المولى عزّ وجل أن يرزقنا الإخلاص في كلّ عبادة وعمل وقول، وأسأله سبحانه لعملي هذا أن يكون خالصاً لوجهه الكريم أبتغي فيه مرضاته.  وأسأله جلّ جلاله باسمه الأعظم؛ أسأله بأنه الله الرحمن الرحيم البرّ التواب الواحد الأحد الفرد الصمد أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ودفاعا عن القرآن وعن سنة الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه.  وأسأله سبحانه أن يكتب لي أجر السبق في الرّد على د. نوفل مواقفَه الإقصائية للسنة والتي جعلته يقع في أخطاء عقائدية؛ أو لنقل خالف فيها عقيدة أهل السنّة، والتي أبيّنُها في هذا الكتاب.  ولا بدّ من التنويه إلى أنّني أبيّن هذه المخالفات دفاعاً عن عقيدة أهل السّنّة؛ وتبياناً للمنهج السليم.  ولست معنيّاً أبداً ببيان مدى إضرار هذه المخالفات بصاحبها: فلن أزعم أنّها تخرج صاحبها من دائرة الإيمان؛ كما أنّني لن أزعم بأنّها لن تضره بسبب تاريخ: (... لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إلى أهْلِ بَدْرٍ فقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فقَدْ وجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ، أوْ: فقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ...).  فأهل بدر زكّاهم الله في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله.  وإنّ منهج أهل السنّة ليعلّمنا: (لا نسكن أحداً جنّة ولا ناراً).

لقد أرشدني أخ فاضل إلى ضرورة الجلوس مع د. نوفل؛ أو أن يطّلع على هذه الملاحظات من باب التناصح ومحاولة أن نتوصل سويّا إلى الفهم الصحيح.  وبناءً على توجيه هذا الأخ الفاضل أرسَلتُ ملاحظاتي للدكتور نوفل ؛ كما أُرْسِلَت إليه أيضاً بواسطة الأخ الكريم د. بشار الشريف إمام مسجد أم العلا، والذي قال لي: "ردَّ الدكتور أحمد نوفل على بحثكم فقال: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ و لا نحجر على أحد.. وإن أراد الكاتب نشر بحثه فهذا حقه..".([53]).

فذكّرني هذا الرّدُ بالآية الكريمة: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 148).  وفي تفسيرها يقول الطبري: (القول في تأويل قوله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا.  قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: "ولكلّ"، ولكل أهل ملة، فحذف " أهل الملة " واكتفى بدلالة الكلام عليه، ... ).

هل أراد د. نوفل الإشارة إلى هذا أم لم يرد؟! بل هل اطّلع على هذا التفسير أم أنّه يجهله؟! لن أتوقف عنده فالله أعلم بالنوايا.  وأتوقف عند قوله سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)؛ سائلا المولى عزّ وجل أن يرزقنا الإخلاص في كلّ عبادة وعمل وقول، وأسأله سبحانه لعملي هذا أن يكون خالصاً لوجهه الكريم أبتغي فيه مرضاته، وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ودفاعا عن القرآن الكريم وعن سنّة الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه، ودفاعاً عن عقيدة أهل السُّنّة، مؤملا أن يجمعني الرّحمنُ الرحيمُ الكريمُ اللّطيفُ الودودُ المنّانُ مع حبيبه وصفوة خلقه محمد صلوات ربي وسلامه عليه.  وأسأله سبحانه أن يكتب لي أجر السبق (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) في الرد على د. نوفل وبيان مواقفَه الإقصائية للسنة، ومخالفاته العقائدية والتي أبينها في هذا الكتاب.

 


الملاحظات

1) تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ...)

يقول تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور: 35).

يقول د. نوفل وبالعامّيّة: "كل ما سوى الله شيء أنا بالنسبة لي لا أقول ألله شيء".  ثم يتابع ليقول: "عند غيري ما فيه مشكلة ما فيه مشكلة! يعني ما عنديش مشكلة إنه أمشيها لغيري لكن أنا ما بقولهاش!" ([54]).

الرّد عليه: كيف يرتضي د. نوفل لغيره ما لا يرتضيه لنفسه؟!.  لقد رجعت إلى تفسير القاسمي -والذي هو أحد مراجع د. نوفل – فلم أجد شيئاً من الفهم الذي يقدمه نوفل (تفسير القاسمي، الجزء الأول،  صفحة 62 ). بل ويؤكد رحمه الله على أنّ الصواب في آيات الصفات هو مذهب أهل السلف (صفحة 339).

ويمكن مراجعة المسألة على إسلام ويب (هل يطلق الشيء على الله تعالى؟ رقم الفتوى: 161651، يوم تاريخ النشر:الأحد 23 شعبان 1432 هـ - 24-7-2011 م) على الرابط ([55]).

وأنقل هنا بعضاً من الفتوى: قال ابن حجر في الفتح: ( ... والشيء يساوي الموجود لغة وعرفا، وأما قولهم فلان ليس بشيء فهو على طريق المبالغة في الذم فلذلك وصفه بصفة المعدوم، وأشار ابن بطال إلى أن البخاري انتزع هذه الترجمة من كلام عبد العزيز بن يحيى المكي فإنه قال في كتاب الحيدة سمى الله تعالى نفسه شيئا إثباتا لوجوده ونفيا للعدم عنه وكذا أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه ولم يجعل لفظ شيء من أسمائه، بل دل على نفسه أنه شيء تكذيبا للدهرية ومنكري الإلهية من الأمم، وسبق في علمه أنه سيكون من يلحد في أسمائه ويلبس على خلقه ويدخل كلامه في الأشياء المخلوقة فقال: ليس كمثله شيء، فأخرج نفسه وكلامه من الأشياء المخلوقة، ثم وصف كلامه بما وصف به نفسه فقال: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ـ وقال تعالى: أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ـ فدل على كلامه بما دل على نفسه ليعلم أن كلامه صفة من صفات ذاته فكل صفة تسمى شيئاً بمعنى أنها موجودة، وحكى ابن بطال أيضا أن في هذه الآيات والآثار ردا على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله شيء كما صرح به عبد الله الناشئ المتكلم وغيره، وردا على من زعم أن المعدوم شيء.  وقد أطبق العقلاء على أن لفظ شيء يقتضي إثبات موجود، وعلى أن لفظ لا شيء يقتضي نفي موجود إلا ما تقدم من إطلاقهم ليس بشيء في الذم فإنه بطريق المجاز).

وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: ما يطلق على الله في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيَّاً، كالقديم، والشيء، والموجود.  انتهى.   ويقول القرطبي: "ولفظ شيء هنا واقع موقع اسم الله تعالى ؛ المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم ؛ فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة. ".  ويقول الطبري: "ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة: " الله "، الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في ]شهادة[ غيره من خلقه من السهو والخطأ، والغلط والكذب. ثم قل لهم: إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة، شهيدٌ بيني وبينكم، بالمحقِّ منا من المبطل، والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه، وقد رضينا به حكمًا بيننا.".

وعوداً إلى العبارة السابقة: (وحكى ابن بطال أيضا أن في هذه الآيات والآثار ردا على من زعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله شيء كما صرح به عبد الله الناشئ المتكلم وغيره، وردا على من زعم أن المعدوم شيء وقد أطبق العقلاء على أن لفظ شيء يقتضي إثبات موجود وعلى أن لفظ لا شيء يقتضي نفي موجود).  انطلاقاً من هذه العبارة، وعوداً على كلام د. نوفل: " كل ما سوى الله شيء أنا بالنسبة لي لا أقول ألله شيء... عند غيري ما فيه مشكلة ما فيه مشكلة! يعني ما عنديش مشكلة إنه أمشيها لغيري لكن أنا ما بقولهاش!"  هل أراد د. نوفل من كلامه هذا تسويق عقيدة المعطلة؟!  وما أثار هذا التساؤل لدي هو أنّه ينكر صفتي السّاق والقدَمَ لله سبحانه ؛ وذلك حين يقول: (وما ثمّ ساق ولا قدم، وإنما هي كفاية (كناية) كما في قولهم حزمت الأمور، "شمّرت الحرب عن ساقها" وهل للحرب ساق؟. وهكذا...) ([56]).  ويمكن كذلك سماعُ انكارهِ صفتي السّاق والقدم من خلال محاضرته على الرابط في الحاشية: ([57]).

ثم يستشهد د. نوفل بالآية الكريمة: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ) (الأحزاب: 46). فيقول: "الزيت هو القرآن! المشكاة هي العقل يجمع الأدلة، واا  واحدة واحدة بتيجي إن شاء الله." (الزمن: 17: 50-18: 18 ).  وأتساءل ما إذا كان يجوز شرعا أن نفسر الآية بالرأي وارتجالاً ولربما من غير إعداد مسبق: " واا  واحدة واحدة بتيجي إن شاء الله!"؟.  بل ويقول د. نوفل أنّ الآية لا تتكلم عن صفات الله! ([58]).  ثم يسترسل ليقول ما مهمة المفسر؟ ما مهمة المفسر؟ ما مهمة العقل؟  ثم يسترسل هو والمحاور ليتفقا معاً على القول: "المشاكل تأتي من هذا"؛ مع إشارة كل منهما إلى رأسه (الزمن: 28:50)!.

الرد عليه:

تفسير ابن كثير: وقال السدي في قوله: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): فبنوره أضاءت السماوات والأرض.  ... وفي الصحيح، عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه سلم إذا قام من الليل يقول: "... اللهم لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهِنَّ.

الأحاديث: - (أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يدعو اللَّهمَّ لَك الحمدُ أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهِنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ قيِّمُ السَّمَاواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ) ([59]).

- (كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ إذا قامَ منَ اللَّيلِ يتَهجَّدُ، قالَ: اللَّهمَّ لَكَ الحمدُ أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ قيَّامُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ ملِكُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ولَكَ الحمدُ أنتَ حقٌّ ووعدُكَ حقٌّ والجنَّةُ حقٌّ والنَّارُ حقٌّ والسَّاعةُ حقٌّ والنَّبيُّونَ حقٌّ ومحمَّدٌ حقٌّ لَكَ أسلمتُ وعليْكَ توَكَّلتُ وبِكَ آمنتُ ثمَّ ذَكرَ قتيبةُ كلمةً معناها وبِكَ خاصَمتُ وإليْكَ حاكمتُ اغفِر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ وما أعلَنتُ، أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤخِّرُ لا إلَهَ إلَّا أنتَ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ) ([60]).  وأقول: يتوارى د. نوفل خلف الإشادة بعلم ابنِ عبَّاسٍ، فلا أدر لماذا يردّ روايته هذه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟!

 "النور صفة من صفات الله، كما يليق بجلال الله وعظمته، لكنه ورد مضافا إلى الله: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ولم يرد مستقلا، فلا يقال: إن من أسماء الله النور بإطلاق ؛ لأنه لم يرد ". ([61]).

ويقول العلامة المفسّر عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله ([62]): "من أسمائه جلّ جلاله ومن أوصافه (النُورُ). الذي هو وصفه العظيم، فإنه ذو الجلال والإكرام وذو البهاء والسبحات الذي لو كشف الحجاب عن وجهه الكريم لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهو الذي استنارت به العوالم كلها، فبنور وجهه أشرقت الظلمات، واستنار به العرش والكرسي والسبع الطباق وجميع الأكوان.

والنور نوعان:

1- حسيٌّ كهذه العوالم التي لم يحصل لها نور إلا من نوره؛ فهو الخالق سبحانه.

2- ونور معنوي يحصل في القلوب والأرواح بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من كتاب الله وسنة نبيّه. فعلم الكتاب والسُنّة والعمل بهما ينير القلوب والأسماع والأبصار، ويكون نورا للعبد في الدنيا والآخرة (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) لِمَا ذكر أنّه نور السماوات والأرض وسمّى اللهُ كتابه نوراً ورسوله نوراً و وحيه نوراً."

الأسنى في أسماء الله الحسنى ([63]):

يقول المؤلف رحمه الله: ومنها النور والمبين/ جل جلاله وتقدست أسماؤه.

 فأما النور فقوله تعالى: (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وفي الصحيح (ولك الحمد، أنتَ نورُ السَّماواتِ والأرضِ ومن فيهِنَّ). .. ويجوز إجراؤه على العبد ومنه قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة: 15) يريد نبيه صلى الله عليه وسلم سماه نوراً وقال: (وَسِرَاجًا مُّنِيرًاو وصف كتابه بأنه نور فقال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) (النساء: 174)، (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52).  إذاً النور هو من أسماء الله وصفاته ؛ وهو (أي النور) من صفات القرآن الكريم.  وعليه فلا يستقيم تفسير د. نوفل: "الزيت هو القرآن!" .

2) الآية الكريمة: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)

يقول د. نوفل: وإلى السماء كيف رفعت وإلى الأرض كيف سطحت .. لاحظ السماء كيف رفعت مع فرد يديه أفقياً إلى جانبيه.  السماء والأرض سطحت سطحت !! ([64]).  ... السماء وين العمدان إل ماسكاها؟ الجاذبية الجاذبية ... بغير عمد ترونها.  مع إنها ماشية في الوجود في الكون بسرعة فائقة هائلة تفوق الخيال ولا تصطدم ولا ترتطم ولا تقع ([65])

الرّدّ عليه أستقيه من البحثين: (عمري:  معاني السماء في آي القرآن الكريم، عمري: بناء السماء والطاقة المظلمة والمادة المظلمة ):

3) الطاقة المظلمة (Dark energy)

Dark energy is forcing us to consider the possibility that some cosmic dark energy exists that opposes the self-attraction of matter and causes the expansion of the universe to accelerate.

الطاقة المظلمة تجبرنا على التفكير في إمكانية وجود بعض الطاقة الكونية المظلمة التي تعارض الجاذبية الذاتية للمادة وتؤدي إلى تسارع توسّع الكون.

يقول سبحانه:

- (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (لقمان 10).  بغير عمد ([66]).

- (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ... ) ] الرعد 2  [.  بغير عمد ([67]).

- (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء 32 ).

السَّمَاوَاتِ بمعنى البناء المرفوع بقوّة اللّه: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ] 49-47 الذّاريات[.  قوّةُ الله هي التي ترفعُ السَّمَاوَاتِ، وهي ما يشير إليه علماء الكون بالطاقة المظلمة (قوّة الضغط السّالب): (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ).  قوّةُ الله التي ترفعُ السَّمَاوَاتِ يسمونها بالطاقة المظلمة ؛ وهذه التسمية تُصدّقُ قولَه تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء 32 ).  فآياتها ودلائلها الإفصاح عن قوة الله التي تتصف بالكمال المطلق اللانهائي؛ فهو سبحانه القويّ الذي يمنع السماء هائلة الحجم والمساحة والكتلة من السقوط.

وقد تعني السَّمَاوَاتِ النّجوم والمجرّات والعناقيد المحمولة بجاذبيّة مادّة مظلمة.  المادة المظلمة هي الأرضين السبع في قوله سبحانه وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق 12].  يتوسع البناء السماوي بقوة الله، ولأنّه بناءٌ محكم متماسك ليس فيه شقوق أو فطور، لذا فإنّ هذا التوسع يولد الفراغ الذي تندفع فيه المادة المظلمة الحاضن الجاذبي للنجوم والمجرات: (وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ).  المادة المظلمة حاضن جاذبي غير مرئيّ للنجوم والمجرات.  وإنّ هذه المادة المظلمة غير المرئية يتم فرشها ومهادها ورفعها وعمادها بفعل قوة الله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)؛ وقوة الله هذه يسميها علماء الكون بالطاقة المظلمة؛ أو طاقة الفراغ.

قوة الله هي أصل العماد، وليست الجاذبية كما يخيّل للدكتور نوفل.  العماد هي ما يقف أمام تأثير قوة الجاذبية التي تعمل على السقوط: (يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه).  العماد هي قوة الله التي تحدّ من تأثير قوة الجاذبية؛ حيث أنّ الجاذبية تعمل على تجميع المادة وتراكمها على بعضها البعض: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) (الأنبياء 30).

حاليّاً تشكل الطاقة المظلمة ما يقرب من70%  من مكونات الكون، ويبدو أنها ترتبط مع الفراغ الكوني. يتم توزيعها بالتساوي في جميع أنحاء الكون، وليس فقط في فضاء المكان ولكن أيضا في الزمان.  وبعبارة أخرى؛ لا يضعف تأثيرها مع توسع الكون على مرّ الزمن.

يقول سبحانه وتعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) (الرحمن 8-7).

أَيْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَالْعَدْل لِتَكُونَ الْأَشْيَاء كُلّهَا بِالْحَقِّ وَالْعَدْل.

التوزيع المنتظم للطاقة المظلمة يعني أنه ليس لديها أي آثار جاذبية محلية، وإنما لها تأثير على نطاق الكون ككل. وتأثيرها يبدو كقوة طاردة، أو قوّة تنافر تعمل على تسريع توسع الكون. ويمكن قياس معدل التوسع والتسارع الكوني من خلال الأرصاد واستنادا إلى قانون هابل. هذه القياسات، جنبا إلى جنب مع بيانات علمية أخرى، أكدت وجود الطاقة المظلمة وحدّدت مقدارها.

الطاقة المظلمة ثابتة، وهي التي تبذل شغلاً وبدفع (impulse) ثابت يسهم في توسع الكون، الأمر الذي يجعل المجرات تتباعد وبتسارع.  الطاقة المظلمة لا تتناقص مع توسّع الكون.

يمتلك كلٌّ من الإشعاع والمادّة العاديّة والمادّة المظلمة ضغطاً موجباً؛ وبالتالي تؤثّر جميعها بقوة جذب ثقالي.  بينما تؤكّد النسبيّة العامّة أنّ قّوة تنافر ثقالي تصاحب الضغط السّالب (negative pressure).  ويطلق الضغط السّالب على الحالة التي يكون فيها ضغط منطقة محصورة أقل من ضغط محيطها.  وبالتالي يمتاز الفراغ بجسامة ضغطه السّالب وامتلاكه طاقة مظلمة كبيرة.  لو تخيّلنا أنّ مكبسا يغطّي أسطوانة مفرغة.  عند سحب المكبس للخارج يتعاظم الفراغ داخل الأسطوانة، وتزداد طاقته المظلمة بفعل القوّة التي تسحب المكبس للخارج (Piston).  في نفس الوقت نلاحظ أنّ الفراغ يؤثّر على المكبس بقوّة للداخل؛ وذلك أنّ ضغطه سالبٌ.  يشبهُ سحبَ المكبسِ تمددُ بناءِ السَّمَاء: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) ] 48-47 الذاريات سورة رقم 51 [

وللمزيد أنظر البحث: (عمري: بناء السَّمَاء والطاقة المظلمة والمادة المظلمة ( [68]).

كرة الأرض تجذب الأجسام التي في محيطها أو المستقرة على سطحها بقوة تتجه نحو مركز الأرض.  وهذه القوة تسمى وزن الجسم.  ومثال من الحياة اليومية، وهو أنّ أعمدة البناء (البيت) هي التي تحفظ سقف البيت وتمنعه من السقوط تحت تأثير قوّة جذب الأرض.  فالبناء وزنه كبير، وهو بحاجة إلى عمد تسنده وتمنعه من السقوط.

4) قوله: لا نعلم ما إذا كانت الآية (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) على الحقيقة أم على المجاز!

في الحادي عشر من آذار 2020 وأثناء حلقته على قناة حياة سئل د. نوفل عن تفسير الآية الكريمة: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ) (الأعراف: 172).  فكان جوابه "لا نعلم ما إذا كان هذا على الحقيقة أم على المجاز!".

الرّد عليه: وبالتالي فإنّ هذه الآية من المتشابه بالنسبة للدكتور نوفل.  وبالتالي من العجب العجاب أن ينكر د. نوفل وجود آيات متشابهة!.  وأتسآءل: كيف يغيب عن باله أنّ كيفية الأمر لا يمكن أن يدركها المخلوق؛ فعقيدة أهل السنّة إثبات الصفة أو الفعل لله سبحانه ومن غير تكييف أو تشبيه أو تعطيل.  وإنّ الأحاديث التي وردت في شرح هذه الآية الكريمة قد ذكرها المحدثون في باب: الأسماء والصفات ([69]).  وتبيّن هذه الأحاديث: أنَّ الإيمانَ بالقَدرِ لا يُنافِي العَملَ، وفيها الردُّ على من يُعلِّقُ تَقْصيرَه عليه؛ لأنَّ اللهَ خَلَق الإنسانَ وهَداه إلى مَعرفةِ الخيرِ والشَّرِّ.

وفيها: إثباتُ أنَّ للهِ تعالى يَمينًا، وهي تَليقُ بذاتِه وكمالِه سُبحانَه (ليس كمِثلِه شيءٌ وهو السَّميعُ البَصيرُ).

5) مغالطة أنّ الوحي أزلي وأنّ القرآن أزلي

يقول د. نوفل: "عمّوه القرآن مكتوب عند ربّنا منذ الأزل. ... والوحي مثل ما قلنا أزلي ... هو عند الله مسجّل منذ الأزل، مش ابن يومه. ... ومن تخلفوا عن المعركة مسجلين منذ الأزل.   إعتقادنا إنه القرآن أزلي" ([70]).

الرّد عليه: كلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وليس كلُّ كلام الله أزلي

كلام الله صفته سبحانه وتعالى؛ وصفات الله أزليّة.  أمّا القرآن حسب تعريفه الإصطلاحي؛ فهو قرآن بعد أن ينزل على قلب محمد.

إنّ من مقتضى اللّطف الرّباني أن أنـزل الله الْقُرْءَان عن مرتبة كلامه الّذي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وبغير لغات البشر، إلى مرتبة كلام اللّه باللغة العربية (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء 195)؛ وذلك حتى تتمكنوا من فهمه بعد تنـزُّله على قلب وسمع الرسول محمّد (صلى الله عليه وسلم).  كما وأنـزله عن مرتبة الكتابة في اللوح المحفوظ:  والْقُرْءَانُ كلام اللّه من قبل ومن بعد تنـزله إلى العربيّة.  الكلام صفةٌ للمتكلم، فلا بدّ أن يكون قائما به وتبعا لمشيئته: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82).

 فقرن القول بالإرادة، وهو دليل على أن كلام الله يتعلق بإرادته المطلقة ومشيئته المطلقة سبحانه وتعالى.  فكلام الله تحدث آحاده حسب ما تقتضيه حكمته، وليس كلُّ كلام الله أزلي: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) (الشعراء 5). (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأنبياء 2). "مُحْدَثٍ": أَيْ جَدِيدٍ إِنْزَاله (عربيّاوهو كلام الله من قبل إنزاله (عربيّا) ومن بعد ؛ وكلامه غير مخلوق لأنّه صفته سبحانه.

وللمزيد في هذا الباب يمكن الرجوع إلى الكتاب: أسرار حروف فواتح السور في تنـزيه كلام الله وفي أسماء القُرْءَان وإنـزاله وجعله عربيّاً (عمري، المرحوم أ. د. راجح الكردي)؛ ففيه التفصيل ([71]) .

 وأسأل د. نوفل: كيف يكون الوحي أزلي؛ إذا كان الكون حادث؟  وأسأله أيضاً هل يقصد بذلك الوحي إلى عوالم في أكوان سبقتنا في الزمان؟  لكنّ د. نوفل ينكر وجود عوالم أخرى وحتى في زماننا الحالي! فيقول: (ما الدليل إن كان هناك مخلوقات سابقة؟ لا يوجد دليل، هذا خبط في البيداء على العمى!) ([72]).  ما هذا التناقض يا د. نوفل؟!

وأمّا أن الأقدار أزلية؛ فكلامه هذا غير صحيح؛ بدليل الحديث الشريف: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ. وفي روايةٍ: بِهذا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، غيرَ أنَّهُما لَمْ يَذْكُرَا: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ.) ([73]).  (إنَّ اللَّهَ قدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السَّمواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ وَكانَ عرشُهُ على الماءِ) ([74]).

ونَعْلمُ أنّ القلمَ مخلوقٌ: (إنَّ أولَ شيءٍ خلقَه اللهُ عزَّ وجلَّ: القلمُ، فأخذه بيمينِه – وكِلْتا يدَيه يمينٌ – قال: فكتب الدنيا وما يكون فيها من عملٍ معمولٍ: بِرٍّ أو فُجورٍ، رطبٍ أو يابسٍ، فأحصاه عنده في الذِّكرِ، ثم قال: اقرأوا إن شئتُم هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؛ فهل تكون النَّسخةُ إلا من أمرٍ قد فُرِغَ منه) ([75])

6) المعنى الإصطلاحي للقرآن الكريم

الآية الكريمة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

متجاهلاً عقول المفسرين ومسلمات العقيدة، يقول د. نوفل ([76]): "إذاً لن نفهم النقل إلا إذا أعملنا العقل (عقله الفردي طبعاً!)، قوله تعالى (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) إذا من أين علموا أن آدم سيفسد فيها؟ الله أخبرهم ولكن القرآن لم يخبرنا، القرآن قال (إني جاعل في الأرض خليفة)، فالقرآن عندما خبرنا اقتصر فيما أخبر على خليفة، والقرآن عندما أخبرهم رب العالمين، كلمهم عن مسألتين: (إني جاعل في الارض خليفة) و (من يفسد)، لذلك إكراماً لنا غض الطرف عن ومن يفسد، فلما استفسر الملائكة غضوا الطرف عن خليفة، وركزوا على من يفسد."!

الرّد على نوفل: يا للهول! عبارة د.نوفل تصرّح أنّ هنالك قرآنان مختلفان!  د. نوفل يغالط المعنى الاصطلاحي للقرآن؛ فهو كلام الله المنزل عربيّاً بواسطة جبريل على قلب وسمع الرسول محمّد - صلى الله عليه وسلّم - ...، فالقرآن لا ينزل على الملائكة! نعم يوحي الله تعالى إلى ملائكته، لكنّ هذا الوحي هو خلاف القرآن.

يتساءل د. نوفل: " إذا من أين علموا أن آدم سيفسد فيها؟".  أقول: آدم رسول أو نبي معصوم، فما يكون له أن يفسد.  لكنّ ذريّته التي تلبِّس على الناس عقائدها هي التي تفسد.

ويتابع د. نوفل قوله: "هما خبران وليس (وليسا) واحداً، القرآن أخبرنا خبراً والله تعالى أخبر ملائكته، لما روي لنا الخبر إكراماً لنا قال (إني جاعل في الارض خليفة) فقط، لكن الخبر لما صدر من الله الى الملائكة أخبرهم أمرين، من أين جئنا بهذا الكلام؟ من الآيات التي تلي (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا)."

الردّ على الجملة الأخيرة للدكتور نوفل:

قوله تعالى (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) يفهم في سياق الآيات: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) (البقرة).

والفهم الصحيح ليس من شأنه أن يشير إلى الفهم الذي عرضه د. نوفل.  الفهم المباشر والصريح هو أنّ الله سبحانه قد علّم آدم الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا؛ ولم يعلّمها للملائكة: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).  وصرّحت الملائكة بأن علمهم محدود؛ وأنهم لم يتلقّوا علم هذه الأسماء من الله.  وعندها صدر الأمر الرّباني لآدم: (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ).  فَلَمَّا أَنبَأَهُم آدمُ بِأَسْمَائِهِمْ، قَالَ اللهُ للملائكة: (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ).

يعرضُ الكتابُ في نهاياته أمثلة لبدهيات في الجبر والهندسة المستوية ؛ والتي يعرفها غالبيّةُ سكان الكرة الأرضية.  وبالتالي أكرّر سؤالي: لماذا الظلم والحيف في عبارة د. نوفل: " المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات".  هذه هي عبارة نوفل في معرض مخالفته بدهيات ومسلمات عقيدة أهل السنة؛ وذلك أنه نسب الإفساد إلى آدم عليه السلام، وزعم وجود شكلين من القرآن شكل نزل على الملائكة! وفيه الآية تختلف عن النص الذي أنزل على رسولنا محمد عليه السلام!

7) د. نوفل لا يعتبر السّنّة وحياً

د. نوفل لا يعتبر السّنّة وحياً.  ولقد صرّح بذلك من خلال ذكره لكتاب اسمه تيسير الوحيين فيقول: (تيسير الوحيين، أنا عندي والله وحيين؟! أي لأه) ([77]).

الرّد على د. نوفل (مأخوذ من موقع إسلام ويب): "فإن الأصل أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحي منزّل ([78]).

قال شيخ الإسلام: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن؛ قال الله تعالى: )إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ( ( النساء 105).  وقال تعالى: (... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل 44). وقال تعالى: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل 64). ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه } " يعني السنة. والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن؛ لا أنها تتلى كما يتلى. انتهى.

 وقال الزركشي في البحر المحيط: ونص الشافعي في "الرسالة" على أن السنة منزلة كالقرآن محتجا بقوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34]. فذكر السنة بلفظ التلاوة كالقرآن، وبين سبحانه أنه آتاه مع الكتابِ غيرَ الكتابِ، وهو ما سنّهُ على لسانِه مما لم يَذْكُرهُ فيه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ألَا إنِّي أُوتيتُ الكِتابَ ومِثلَه معه، ألَا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه معه، ألَا يوشِكُ رجُلٌ يَنْثَني شَبْعانًا على أَريكتِه يقولُ: عليكم بالقُرآنِ، فما وجَدْتُم فيه مِن حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجَدْتُم فيه مِن حرامٍ فحَرِّموه! ألَا لا يَحِلُّ لكم لَحمُ الحِمارِ الأَهْليِّ، ولا كلُّ ذي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ألَا ولا لُقَطةٌ مِن مالِ مُعاهَدٍ إلَّا أنْ يَستَغنيَ عنها صاحِبُها، ومَن نزَلَ بقَومٍ فعليهم أنْ يَقْرُوهم، فإنْ لم يَقْرُوهم فلهم أنْ يُعْقِبوهم بمِثلِ قِراهُم.) ([79])

ولا يقلل من سنته صلى الله عليه وسلم، ولا من حجيتها كونه صلى الله عليه وسلم يجتهد، وكون اجتهاده يجوز عليه الخطأ؛ لأن الله لا يقره على الخطأ، بل لا بد أن يبين وجه الصواب في ذلك.

قال شيخ الإسلام: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ ؛ لَكِنْ لَا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ. انتهى.

وقال الشاطبي رحمه الله: الحديث إما وحي من الله صرف، وإما اجتهاد من الرسول عليه الصلاة والسلام، معتبر بوحي صحيح من كتاب أو سنة. وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإذا فُرِّعَ على القول بجواز الخطأ في حقه، فلا يُقَرُّ عليه البتة، فلا بد من الرجوع إلى الصواب، والتفريع على القول بنفي الخطأ أولى أن لا يحكم باجتهاده حكما يعارض كتاب الله تعالى ويخالفه. انتهى.

حديث أنس الذي رواه البخاري وفيه: (أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ، بَلَغَهُ مَقْدَمُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ فأتَاهُ يَسْأَلُهُ عن أشْيَاءَ، فَقَالَ: إنِّي سَائِلُكَ عن ثَلَاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا نَبِيٌّ، ما أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ؟ وما بَالُ الوَلَدِ يَنْزِعُ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ؟ قَالَ: أخْبَرَنِي به جِبْرِيلُ آنِفًا قَالَ ابنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ، قَالَ: أمَّا أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأَمَّا أوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الحُوتِ، وأَمَّا الوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وإذَا سَبَقَ مَاءُ المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الوَلَدَ قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسولُ اللَّهِ، قَالَ يا رَسولَ اللَّهِ: إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي، قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا بإسْلَامِي، فَجَاءَتِ اليَهُودُ فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ رَجُلٍ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قالوا: خَيْرُنَا وابنُ خَيْرِنَا، وأَفْضَلُنَا وابنُ أفْضَلِنَا، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أرَأَيْتُمْ إنْ أسْلَمَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ قالوا: أعَاذَهُ اللَّهُ مِن ذلكَ، فأعَادَ عليهم، فَقالوا: مِثْلَ ذلكَ، فَخَرَجَ إليهِم عبدُ اللَّهِ فَقَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، قالوا: شَرُّنَا وابنُ شَرِّنَا، وتَنَقَّصُوهُ، قَالَ: هذا كُنْتُ أخَافُ يا رَسولَ اللَّهِ) ([80]) .

هذا الحديث هو خبر عن الصادق المصدوق، وهو مما يستحيل أن يقال باجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، فدلّ ذلك على أنه وحي من الله تعالى: (قَالَ: أخْبَرَنِي به جِبْرِيلُ آنِفًا).

 قال العلامة عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى: الأمور التي لا مجال لمثله للاجتهاد فيها يتبين لنا أنها وحي من اللّه، ويؤيد هذا التعليل أنه صلى الله عليه وسلم أمي، ولا عهد لأمته بالطب الذي من هذا الجنس، ولا تجارب عندهم في هذا، وخوضه فيه لا يليق برسالته؛ لأنه يكون مجازفًا إذ بنى شيئًا على غير تجربة، ولا مجال لأمثاله في أن يجرب في مثل هذا. انتهى من شبهات حول السنة ."

8) إنكاره لقاء الرسول بموسى (عليهما السلام) في رحلة المعراج

د. نوفل ينكر لقاء الرسول بموسى (عليهما السلام) في رحلة المعراج... ويقول أنّ هذا الحديث متنا ما بصح ([81])، ويحتج على الحديث (الذي يشير إلى مراجعة الرسول لربه من أجل تخفيف عدد الصلوات) بالآية الكريمة: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) (ق 29).

وتفسير الآية من القرطبي هو: (يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله للمشركين وقرنائهم من الجنّ يوم القيامة، إذ تبرأ بعضهم من بعض: ما يغير القول الذي قلته لكم فى الدنيا، وهو قوله لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ولا قضائي الذي قضيته فيهم فيها.).  ونعلم أن أحاديث لقاء الرسول بإخوانه الرسل في السماوات ثابتة في الصحيحين ([82]).

وكانت ملاحظة شخص قرأ لي الكتاب عند هذه النقطة السؤال: "ما العلاقة بين لقاء الرسول بالأنبياء وهذه الآية؟".  طبعاً هذا السؤال موجه للدكتور نوفل؛ فهو الذي يحتج على الحديث بالآية الكريمة: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ).

وللمزيد أنظر بحث: معجزات الإسراء والمعراج؛ عمري ([83]) .

كما ويحتج د. نوفل على الحديث بالآية الكريمة: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).

الرّد على د. نوفل: هذه الآية وردت في حديث عن النسخ والذي ينكره د. نوفل، والحديث هو: ( عن ابنِ عباسٍ، في قولِه: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } وقال: { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} الآية، وقال: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ {. فأول ما نسخ من القرآنِ القبلةُ، وقال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } وقال: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ } فنسخ من ذلك قال تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا{) ([84]).

(عن ابنِ عباسٍ في قولِه: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }، وقال: { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } الآية، وقال: { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }. فأول ما نسخ من القرانِ القبلةُ، وقال: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} إلى قولِه: { إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا }. وذلك بأن الرجلَ كان إذا طلق امرأتَه فهو أحقُّ برجعتِها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك وقال: { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ{) ([85]).

الشرح: كان ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما مِن عُلماءِ الصَّحابةِ الأجلَّاءِ رغمَ صِغَرِ سِنِّه؛ فقدْ دعا له النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بالعِلمِ والفِقهِ في الدِّينِ؛ فاستجابَ اللهُ سُبحانَه وتعالى له، فكان مِن آثارِ تلك الدَّعوةِ أنْ سُمِّيَ الحَبْرَ؛ لسَعةِ عِلمِه.

وفي هذا الحديثِ يقولُ ابنُ عبَّاسٍ في قولِه تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106]: النَّسخُ هو الإزالةُ والمَحْوُ، والمقصودُ مِن الآيةِ: ما نَمْحُو ونُزيلُ حُكْمَ آيةٍ، والنَّسخُ أنواعٌ، إمَّا أن يُنسَخَ الحُكمُ والتِّلاوةُ، وإمَّا أن يُرفَعَ حُكمُ الآيةِ ويَبقى لفظُها، وإمَّا أنْ يَبقى حُكمُها ويُرفَعَ لفظُها، وهو ما يُعرَفُ بنَسْخِ التِّلاوةِ، {أَوْ نُنْسِهَا} [البقرة: 106]، أي: نَمْحُها مِن الصُّدورِ ويَرتفِعْ حِفظُها، وقيل: نَنْسَأْها، أي: نُؤخِّرْها فلا تُنسَخُ، {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، أي: إلَّا أتَيْنا بما هو خيرٌ منها؛ وذلك لمصلحةِ النَّاسِ، وما يكونُ فيه نفعٌ للعبادِ، وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} [النحل: 101]، أي: أزَلْنا تلاوةَ آيةٍ، وأثبَتْنا مكانَها آيةً أخرى، أو محَوْنا حُكْمَ آيةٍ بحُكْمِ آيةٍ غيرِها، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} [النحل: 101]، أي: إنَّ ما حصَل مِن تَبديلٍ هو لحِكمةٍ لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ سبحانه وتعالى، وقولُه تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39]، أي: إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يُزيلُ مِن الأحكامِ ما يَشاءُ بمَحْوِها، ويُبقِي على غيرِها، وقيل: المرادُ مِن المَحْوِ والإثباتِ هو ما يَكتُبُ الملائكةُ المُوكَّلونَ بحِفظِ أعمالِ بني آدَمَ وكتابتِها، فيأمُرُ اللهُ الملائكةَ الحفظَةَ بمَحْوِ ما لا ثوابَ فيه ولا عقابَ، أو مَحْوِ السَّيِّئاتِ الَّتي تاب العبدُ منها، وتَبديلِها حَسَناتٍ، {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]؛ أي: اللَّوحُ المحفوظُ.

ثمَّ ذَكَر ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنهما بعضَ أمثلةِ النَّسْخِ، فقال: "فأوَّلُ ما نُسِخَ مِن القُرآنِ القِبلةُ"، أي: نُسِخَ استقبالُ بيتِ المقدِسِ باستِقبالِ الكَعبةِ في الصَّلاةِ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أوَّلَ ما هاجَرَ إلى المدينةِ كانَتِ القِبلةُ في الصَّلاةِ ناحيةَ بيتِ المقدِسِ، وكانَتْ هي قِبلةَ اليهودِ، فكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يَرغَبُ في أن تكونَ قِبلتُه إلى بَيتِ اللهِ الحرامِ، الكَعْبةِ، فاستجاب اللهُ سُبحانَه وتعالَى له، وذلك في قولِه تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144[.

قال ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنهما: والآيةُ الأخرى الَّتي نُسِخَتْ قولُه تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، أي: النِّساءُ اللَّاتي طُلِّقْنَ، وقد دخَل بهنَّ أزواجُهنَّ ينتظِرْنَ ثلاثَ حَيْضاتٍ، وقيل: ثلاثةَ أطهارٍ، {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ} [البقرة: 228]، أي: لا يجوزُ لهنَّ {أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، أي: أن يُخْفِينَ ما خَلَقَ اللهُ في أرحامِهنَّ مِن الأولادِ، أو دمِ الحَيْضِ؛ وذلك أنَّ بعضَ المُطلَّقاتِ يَدَّعِينَ كذِبًا أنَّ فَترةَ الحَيْضِ طالَتْ، فتكونُ مطالبتُهنَّ بالنَّفقةِ عن تلك الفترةِ، {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 228]، أي: إذا كُنَّ صادقاتٍ في إيمانِهنَّ باللهِ ويومِ القيامةِ، {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: 228]، أي: والزَّوجُ أحَقُّ برَدِّ امرأتِه في وقتِ عِدَّتِها، {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]، أي: إذا قصَد الزَّوجُ إصلاحَ ذاتِ البَيْنِ، وحُسْنَ المُعاشَرةِ.

ثمَّ قال ابنُ عبَّاسٍ: "وذلك بأنَّ الرَّجلَ كان إذا طلَّقَ امرأتَه فهو أحَقُّ برَجْعتِها، وإنْ طلَّقَها ثلاثًا"، أي: إنَّ الرَّجُلَ أحَقُّ برَجْعةِ زوجتِه، ولم يكُنْ هناك حدٌّ لعدَدِ الطَّلقاتِ الَّتي تُمنَعُ بها زوجتُه منه، وكان هذا في أوَّلِ الإسلامِ، "فنَسَخَ ذلك"، أي: نَسَخَ هذا الحُكْمَ، فقال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]، أي: الطَّلاقُ الَّذي يملِكُ الزَّوجُ فيه الرَّجعةَ بعده يكونُ مرَّتينِ، والمقصودُ أنَّه إذا طلَّقَها المرَّةَ الأُولى فله مراجعتُها، وإن طلَّقَها في الثَّانيةِ فله مُراجعتُها، فإذا وقَع ثلاثًا، فلا تَحِلُّ له حتَّى تنكِحَ زوجًا غيرَه، {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229]، أي: يُحسِنُ عِشْرتَها وصُحبتَها، {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، أي: يترُكُها ويُطلِّقُها ويُعطيها حقَّها، فلا يكونُ ظالِمًا لها.

وفي الحديثِ: إثباتُ وقوعِ النَّسخِ في القُرْآنِ الكريمِ.  وفيه: مَنقبَةٌ لابنِ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنهما وبيانُ عِلمِه بالناسخِ والمنسوخِ .

وأقول: كثيراً ما يشيد د. نوفل بعِلْمِ ابن عباس.  وبالتالي ألا يرتضي د. نوفل هذا القول أو الأثر عن ابن عباس في الناسخِ والمنسوخِ ؟!

يقول ابن باز رحمه الله تعالى: " وهكذا يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخها ويثبت ما يشاء في وقت الرسول الذي بعثه الله مثل ما شرع الله لنا أولا استقبال بيت المقدس ثم شرع الله بعد ذلك أن نستقبل الكعبة، يمحو الله ما يشاء ويثبت جل جلاله من الشرائع ومن الذنوب والأوامر والنواهي. " ([86]).

تفسير ابن كثير: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ { (الرعد: 39)

وقوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) اختلف المفسرون في ذلك، فقال الثوري، ووكيع، وهشيم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت. وفي رواية: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) قال: كل شيء إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما .

وقال مجاهد: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران.

وقال منصور: سألت مجاهدا فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم، إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم واجعله في السعداء. فقال: حسن. ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك، فقال: ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ) ] الدخان: 3، 4 [ قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابت لا يغير .

 وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء: اللهم، إن كنت كتبتنا أشقياء فامحه، واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. رواه ابن جرير .

 وقال ابن جرير أيضا: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي; أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي: اللهم، إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة .

 وقال حماد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عن ابن مسعود أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا .

ورواه شريك، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، عن ابن مسعود، بمثله .

ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد:  حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الرَّجلَ ليُحرَمُ الرِّزقَ بالذَّنبِ يُصيبُه ولا يرُدُّ القدرَ إلَّا الدُّعاءُ ولا يزيدُ في العمرِ إلَّا البِرُّ ". ([87]).

وروي عن سعيد بن جبير: أنها بمعنى: (فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)  ( البقرة: 284 ) .

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، (وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ، وما يبدل، وما يثبت كل ذلك في كتاب .

 وقال قتادة في قوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ) كقوله (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) (البقرة: 106 )

يطعن د. نوفل في حديث المعراج وفرض الصلاة الذي يرويه البخاري! ([88]). ويقول: "أنا بالنسبة إلي متن هذا الحديث ما بيمشي" (الدقيقة 9:25).  وفيما يلي متن الحديث: (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: فُرِجَ عن سَقْفِ بَيْتي وأَنَا بمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وإيمَانًا، فأفْرَغَهُ في صَدْرِي، ثُمَّ أطْبَقَهُ، ثُمَّ أخَذَ بيَدِي، فَعَرَجَ بي إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قالَ جِبْرِيلُ: لِخَازِنِ السَّمَاءِ افْتَحْ، قالَ: مَن هذا؟ قالَ هذا جِبْرِيلُ، قالَ: هلْ معكَ أحَدٌ؟ قالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ علَى يَمِينِهِ أسْوِدَةٌ، وعلَى يَسَارِهِ أسْوِدَةٌ، إذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والِابْنِ الصَّالِحِ، قُلتُ لِجِبْرِيلَ: مَن هذا؟ قالَ: هذا آدَمُ، وهذِه الأسْوِدَةُ عن يَمِينِهِ وشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فأهْلُ اليَمِينِ منهمْ أهْلُ الجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ الَّتي عن شِمَالِهِ أهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عن يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى حتَّى عَرَجَ بي إلى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقالَ له خَازِنِهَا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُ: فَفَتَحَ، - قالَ أنَسٌ: فَذَكَرَ أنَّه وجَدَ في السَّمَوَاتِ آدَمَ، وإدْرِيسَ، ومُوسَى، وعِيسَى، وإبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم، ولَمْ يُثْبِتْ كيفَ مَنَازِلُهُمْ غيرَ أنَّه ذَكَرَ أنَّه وجَدَ آدَمَ في السَّمَاءِ الدُّنْيَا وإبْرَاهِيمَ في السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قالَ أنَسٌ - فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإدْرِيسَ قالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ، فَقُلتُ مَن هذا؟ قالَ: هذا إدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بمُوسَى فَقالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَ: هذا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بعِيسَى فَقالَ: مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنبيِّ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَ: هذا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بإبْرَاهِيمَ، فَقالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والِابْنِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَ: هذا إبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ ابنُ شِهَابٍ: فأخْبَرَنِي ابنُ حَزْمٍ، أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وأَبَا حَبَّةَ الأنْصَارِيَّ، كَانَا يَقُولَانِ: قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ثُمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أسْمَعُ فيه صَرِيفَ الأقْلَامِ، قالَ ابنُ حَزْمٍ، وأَنَسُ بنُ مَالِكٍ: قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَفَرَضَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ علَى أُمَّتي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بذلكَ، حتَّى مَرَرْتُ علَى مُوسَى، فَقالَ: ما فَرَضَ اللَّهُ لكَ علَى أُمَّتِكَ؟ قُلتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قالَ: فَارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، قُلتُ: وضَعَ شَطْرَهَا، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلَيْهِ، فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقالَ: هي خَمْسٌ، وهي خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بي، حتَّى انْتَهَى بي إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وغَشِيَهَا ألْوَانٌ لا أدْرِي ما هي؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ وإذَا تُرَابُهَا المِسْكُ.) ([89])

ويتابع د. نوفل حديثه عن تردد رسولنا بين الله ربنا وموسى فيقول د. نوفل: "تسع مرات يرجع (محمد) لربنا وينطز!".  نعم لقد تكرّر طعن د. نوفل في هذا الحديث؛ فمثلا يوم الأربعاء الحادي عشر من آذار 2020 من خلال برنامجه على قناة حياة يطعن في هذا الحديث؛ بل ويزعم أنه يتكلّم عن علم إذ يقول أنّه درس هذا الحديث لمدة خمس سنوات!!. 

الرّد على د. نوفل:

خمس سنوات يا دكتور نوفل وأنت تدرس هذا الحديث ثم خرجت علينا بعبارتك التي لا تليق: "تسع مرات يرجع (محمد) لربنا وينطز".!!

وأنا صاحب هذا الكتاب أزعم أنّ د. نوفل لم يقرأ الحديث! يقول الحديث: (فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، قُلتُ: وضَعَ شَطْرَهَا، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلَيْهِ، فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقالَ: هي خَمْسٌ، وهي خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ).  يبين هذا الحديث أن الرسول - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ - راجع ربّه ثلاث مرات؛ فمن أين أتى د. نوفل بالعدد تسع؛ وهل يليق أن نصف رسولنا بكلمة: "وينطز"؟!.

يصر د. نوفل على طرح رأيه وفهمه (عقلي، العقل يابويه)؟في حين أنّ إنصاف القرآن يتطلب عمل مؤتمر لكل آية حتى نحقق الفهم اللائق، لا بل تسمعه أحياناً يصرح بعدم الحاجة للتفاسير القديمة من أجل فهم آية ما ([90]).!.  بل ويزعم أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([91]).  هل د. نوفل يطعن في منهجية الأمة في حفظها مصادر دينها؟! ؛ فقال رجل: (يا أبا حمزة فسمعت هذا من رسول الله؟ فتغير وجهه واشتد عليه فقال: ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله و لكن لم يكن يكذب بعضُنا بعضاً ) ([92]).

مراجعةُ رسولنا لربّه طلباً للتخفيف متواترة: (عُرِجَ به إلى السماواتِ، وفُتِحَت له أبوابُها حتى جاوز السماءَ السابعةَ، فكلَّمه ربُّه سبحانَه بما أراد، وفرض عليه الصلواتِ الخمسَ، وكان اللهُ سبحانَه فرضها أولًا خمسينَ صلاةً، فلم يزلْ نبيُّنا محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يراجعُه ويسألُه التخفيفَ، حتى جعلها خمسًا، فهي خمسٌ في الفرضِ، وخمسونَ في الأجرِ) ([93]) .

مراجعةُ رسولنا لربّه طلباً للتخفيف ثابتة بدليل القرآن (فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ)

يقول تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ۖ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ) (السجدة 23).

 يقول البغوي: "( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ) يعني: فلا تكن في شك من لقاء موسى ليلة المعراج، قاله ابن عباس وغيره ". وفيما يلي الحديث الشريف: (مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي علَى مُوسَى بنِ عِمْرانَ عليه السَّلامُ، رَجُلٌ آدَمُ طُوالٌ جَعْدٌ كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، ورَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والْبَياضِ، سَبْطَ الرَّأْسِ، وأُرِيَ مالِكًا خازِنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ في آياتٍ أراهُنَّ اللَّهُ إيَّاهُ، }فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ] {السجدة: 23[) (الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 165، خلاصة حكم المحدث: صحيح ).

وأقول: يتوارى د. نوفل خلف الإشادة بعلم ابنِ عبَّاسٍ، فلا أدر لماذا يردّ تفسيره لهذه الآية؟!

- (رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي مُوسَى رَجُلًا آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا، كَأنَّهُ مِن رِجَالِ شَنُوءَةَ، ورَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعًا، مَرْبُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَيَاضِ، سَبِطَ الرَّأْسِ، ورَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ في آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إيَّاهُ: {فلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقَائِهِ} [السجدة: 23]، قالَ أَنَسٌ، وأَبُو بَكْرَةَ: عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: تَحْرُسُ المَلَائِكَةُ المَدِينَةَ مِنَ الدَّجَّالِ.) ([94]).

شرح الحديث رقم 10735

يَحكي النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذا الحديثِ جُزءًا من قصَّةِ الإسراء؛ حيثُ يقولُ صلَّى الله عليه وسلَّم: (رأيتُ ليلةَ أُسرِي بي)، أي: من المسجِدِ الحرامِ إلى المسجِدِ الأقصَى، والإسراءُ هو السَّيرُ ليلًا، (موسى) بنَ عِمرانَ نبيَّ الله عليه السَّلامُ، وصِفتُه: (آدَم) مِن الأُدْمَةِ، وهي في النَّاسِ السُّمرةُ الشَّديدة، (طُوَالًا)، أي: طويلًا، (جَعْدًا) مِن جُعُودَةِ الجِسمِ، أي: شَديدَ الخَلْقِ، وهي اكتنازُه واجتماعُه، وقيل: مِن جُعودةِ الشَّعَر، أي: غيرَ سَبِطِ الشَّعَرِ، والشَّعرُ الجَعْدُ هو ما فيه الْتِواءٌ وتقبُّض، وعلى المعنيينِ فالجُعودةُ صِفةُ مَدْحٍ في مُوسَى عليه السَّلام، (كأنَّه من رجالِ شَنُوءَةَ)، أي: في طولِه وسُمرتِه، وهي قبيلةٌ معروفةٌ، (ورأيتُ عيسى) ابنَ مريمَ عليهما السَّلامُ نبيَّ الله، (رجلًا مَرْبُوعًا)، أي: وسَطًا لا قصيرًا ولا طويلًا، (مَرْبُوعَ الخَلْقِ)، أي: مُعتدِلَ الخِلقةِ، مائلًا إلى الحُمرة، (سَبِطَ الرَّأسِ) مُسترسِلَ الشَّعرِ وليس جَعْدًا، (ورأيتُ مالِكًا خازنَ النَّارِ، والدَّجَّالَ)، أي: ورأيتُ الدَّجَّالَ أيضًا، (في آياتٍ)، أي: في علاماتٍ ودلائلَ أُخرى (أراهُنَّ اللهُ إيَّاه)، أي: النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقولُه تعالى: {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ} [السجدة: 23]، أي: في شكٍّ، {مِنْ لِقَائِهِ} [السجدة: 23]، أي: لقاءِ نبيِّ الله موسى عليه السَّلامُ، وقيل غيرُ ذلك، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ بعضُ الرُّواةِ قد ذكَرَ هذه الآيةَ للاستشهادِ بها على أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لقِي موسى عليه السَّلام؛ على سبيلِ الإدراجِ.

 ثمَّ روَى أنسٌ وأبو بَكْرَةَ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: (تحرُس الملائكةُ المدينةَ من الدَّجَّال)، أي: تَحفَظُ الملائكةُ المدينةَ من دخولِ الدَّجَّالِ إليها؛ لأنَّ اللهَ تعالى حرَّم عليه دخولَ المدينةِ- كما ذكَر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في نصوصٍ أُخرى صحيحة

يقول تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) (يوسف 93).  يقول البغوي في تفسيره: " (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا) أي: يعد مبصرا. وقيل: يأتيني بصيرا لأنه كان قد دعاه. قال الحسن: لم يعلم أنه يعود بصيرا إلا بعد أن أعلمه الله عز وجل .".

هذه الآية من سورة يوسف؛ ونعلم أنّ د. نوفل قد اجتهد في تفسير هذه السورة.  هل أنكر د. نوفل أنّ يعقوب عليه السّلام سيعود إليه بصره الذي فقده عندما يُلقى عليه قميصُ يوسف عليه السّلام؟!  وبالتالي أليست حادثة المعراج معجزة لرسولنا محمد كما أنّ هذه الحادثة معجزة أكرم الله بها يوسف ويعقوب عليهما السّلام؟  لماذا يقبل د. نوفل أن يعود يعقوب مبصراً؛ بل ويقبل أن يعرف يوسفُ إخوتَه العشرة؛ بينما هم مجتمعين لم يتمكّنوا من معرفته؟ وفي المقابل لماذا لا يقبل أن يُمكّنَ اللهُ رسولَنا من هذا التردّد على الله من أجل تخفيف الصلاة؟!  أللهمّ لا فرق إلا أنّ القرآن الكريم أخبرنا عن يوسف ويعقوب عليهما السّلام، والسّنة المطهرة هي التي أخبرتنا عن تردّد رسولنا محمد على الله من أجل تخفيف الصلاة.  أليس الله هو الواحد الأحد الفرد الصمد والذي أجرى هاتين المعجزتين؟!  فلماذا يقبل عقل د. نوفل إحداهما؛ بينما لا يستسيغ عقله المعجزة الثانية؟!

إنّ الله سبحانه الذي أعلم يوسف وأباه يعقوب عليهما السلام أنّ يعقوب سيعود بصيرا: (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (يوسف 96)، هو الله الأحد الفرد الصمد الّذي كلّف موسى لمهمة القول لرسولنا محمد ارجع إلى ربّك وسله التخفيف.

هذا الحديث الشريف (في الإسراء والمعراج) يذكر تماماً نفس المواضيع التي بينتها الآيات من مطلع سورة الإسراء!: الآية الأولى تذكر الإسراء، والآية الثانية تذكر موسى عليه السلام، وتبدأ الآيات مباشرة بالحديث عن إفساد بني إسرائيل!  ولعلّ د. نوفل قد أجاد في تفسيره لمعظم (لا كلّ) آيات هذه السورة.  وبالتالي أوجه إليه السؤال: لمَ القولُ بأن الحديث لا يصح متناً، والحديث يعزز ويؤكّد معاني الآيات من مطلع سورة الإسراء؟! ولماذا قولك برفض هذا الحديث مطلقاً؟!.  الذي ذكره الحديث وما لم يُذكر في الآيات الأول من سورة الإسراء هو التخفيف على هذه الأمة لاغير.  وهذا التخفيف وكما هو معلوم لدى الجميع منسجمٌ تماما مع أسماء الله وصفاته والتي منها أنّه سبحانه هو الرحمن الرحيم اللطيف الودود الرؤوف الجواد الكريم يضاعف الحسنات ولا يكلف نفساً إلاّ وسعها.  وإذا كان د. نوفل يستنكر هذا التخيف!، فهل هو كذلك يستنكر التخفيف الوارد في قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال 66) ؟!

وأرجِعُ د. نوفل إلى قصة العبد الصالح (خضر) مع موسى عليهما السلام:

يقول تعالى في سورة الكهف:  (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74)).

 الجواب الشافي إذا أراده د. نوفل؛ فهو في قوله سبحانه على لسان الخضر: (... وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف 82).  وبنفس الكيفية؛ فإنّ موسى عليه السلام الذي تعلم من خضر؛ تعلّم منه: (... وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) (82)فلقد كان موسى يقول لرسولنا محمد ارجع إلى ربك واسأله التخفيف بأمر ووحيٍ من الله سبحانه.  هذا هو حال الرسل مع ربّهم سبحانه: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (الأنبياء 27).  يقول القرطبي: لا يسبقونه بالقول أي لا يقولون حتى يقول، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم. وهم بأمره يعملون أي بطاعته وأوامره.  ثمّ إنّ هؤلاء الرّسل الذين قابلوا محمداً صلى الله عليه وسلّم في رحلة المعراج قد كانوا مستقبلين له وبأمر وتكليف من الله سبحانه! وإلاّ فأين الحديث من ذكر باقي الرّسل والأنبياء؟!

وعليه فإنني أدعوك يا د. نوفل إلى الصبر مع أحاديث الحبيب محمد؛ فهي وحيٌ من الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلّم!  وأيّ عقل هذا الذي يجعل من نفسه حكما على وحي الله إلى رسوله؛ ليقبل أحياناً أو يردّ بهواه غالباً؟!.  نعم يا د. نوفل: (ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) من أحاديث الصحيحين!  فليكن لك عبرة في قصة نبيّ الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح خضر.

 يقول سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء 1).

إنّ أبرز حكمة في معجزة الإسراء والمعراج هي: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا).  والإنسان الحكيم يقابل آيات الله الدالة على عظمته بالإيمان والتسليم؛ ولا يخضعها لعقل بشري قاصر يريد محاكمة الكمال الرباني المطلق الذي لن تدركه العقول المحدودة.

موسى في السماء السادسة، وليس في الثانية كما توهّم د. نوفل

 ( ... قال أنس: فذكر: أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر: أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة ([95]).

( ... ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه ... ثم فرض علي خمسون صلاة كل يوم، فرجعت، فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم،  ... فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قلت: سألت ربي حتى استحييت منه، ولكن أرضى وأسلم، فلما جاوزت ناداني مناد، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي ) ([96])

(... ثم صعد بي حتى إذا أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى ) ([97]).

(لَيْلَةَ أُسْرِيَ برَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، أنَّه جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أنْ يُوحَى إلَيْهِ وهو نَائِمٌ في المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقالَ أوَّلُهُمْ: أيُّهُمْ هُوَ؟ فَقالَ أوْسَطُهُمْ: هو خَيْرُهُمْ، فَقالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ، فَكَانَتْ تِلكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حتَّى أتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيما يَرَى قَلْبُهُ، وتَنَامُ عَيْنُهُ ولَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وكَذلكَ الأنْبِيَاءُ تَنَامُ أعْيُنُهُمْ ولَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ منهمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ ما بيْنَ نَحْرِهِ إلى لَبَّتِهِ حتَّى فَرَغَ مِن صَدْرِهِ وجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِن مَاءِ زَمْزَمَ بيَدِهِ، حتَّى أنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ فيه تَوْرٌ مِن ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إيمَانًا وحِكْمَةً، فَحَشَا به صَدْرَهُ ولَغَادِيدَهُ - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ به إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِن أبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أهْلُ السَّمَاءِ مَن هذا؟ فَقالَ جِبْرِيلُ: قالوا: ومَن معكَ؟ قالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ، قالَ: وقدْ بُعِثَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالوا: فَمَرْحَبًا به وأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ به أهْلُ السَّمَاءِ، لا يَعْلَمُ أهْلُ السَّمَاءِ بما يُرِيدُ اللَّهُ به في الأرْضِ حتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ في السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، فَقالَ له جِبْرِيلُ: هذا أبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عليه، فَسَلَّمَ عليه ورَدَّ عليه آدَمُ، وقالَ: مَرْحَبًا وأَهْلًا بابْنِي، نِعْمَ الِابنُ أنْتَ، فَإِذَا هو في السَّمَاءِ الدُّنْيَا بنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ، فَقالَ: ما هذانِ النَّهَرَانِ يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هذا النِّيلُ والفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى به في السَّمَاءِ، فَإِذَا هو بنَهَرٍ آخَرَ عليه قَصْرٌ مِن لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هو مِسْكٌ أذْفَرُ، قالَ: ما هذا يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هذا الكَوْثَرُ الذي خَبَأَ لكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَجَ به إلى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقالتِ المَلَائِكَةُ له مِثْلَ ما قالَتْ له الأُولَى مَن هذا، قالَ جِبْرِيلُ: قالوا: ومَن معكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالوا: وقدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالوا: مَرْحَبًا به وأَهْلًا، ثُمَّ عَرَجَ به إلى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وقالوا له مِثْلَ ما قالتِ الأُولَى والثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ به إلى الرَّابِعَةِ، فَقالوا له مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ عَرَجَ به إلى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَقالوا مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ عَرَجَ به إلى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَقالوا له مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ عَرَجَ به إلى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَقالوا له مِثْلَ ذلكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أنْبِيَاءُ قدْ سَمَّاهُمْ، فأوْعَيْتُ منهمْ إدْرِيسَ في الثَّانِيَةِ، وهَارُونَ في الرَّابِعَةِ، وآخَرَ في الخَامِسَةِ لَمْ أحْفَظِ اسْمَهُ، وإبْرَاهِيمَ في السَّادِسَةِ، ومُوسَى في السَّابِعَةِ بتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ، فَقالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أظُنَّ أنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أحَدٌ، ثُمَّ عَلَا به فَوْقَ ذلكَ بما لا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، حتَّى جَاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، ودَنَا لِلْجَبَّارِ رَبِّ العِزَّةِ، فَتَدَلَّى حتَّى كانَ منه قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى، فأوْحَى اللَّهُ فِيما أوْحَى إلَيْهِ: خَمْسِينَ صَلَاةً علَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَومٍ ولَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حتَّى بَلَغَ مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، مَاذَا عَهِدَ إلَيْكَ رَبُّكَ؟ قالَ: عَهِدَ إلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَومٍ ولَيْلَةٍ، قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ ذلكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وعنْهمْ، فَالْتَفَتَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى جِبْرِيلَ كَأنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذلكَ، فأشَارَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ: أنْ نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فَعَلَا به إلى الجَبَّارِ، فَقالَ وهو مَكَانَهُ: يا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا فإنَّ أُمَّتي لا تَسْتَطِيعُ هذا، فَوَضَعَ عنْه عَشْرَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إلى مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إلى رَبِّهِ حتَّى صَارَتْ إلى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الخَمْسِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ واللَّهِ لقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ قَوْمِي علَى أدْنَى مِن هذا فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُكَ أضْعَفُ أجْسَادًا وقُلُوبًا وأَبْدَانًا وأَبْصَارًا وأَسْمَاعًا فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذلكَ يَلْتَفِتُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عليه، ولَا يَكْرَهُ ذلكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنَّ أُمَّتي ضُعَفَاءُ أجْسَادُهُمْ وقُلُوبُهُمْ وأَسْمَاعُهُمْ وأَبْصَارُهُمْ وأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا، فَقالَ الجَبَّارُ: يا مُحَمَّدُ، قالَ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، قالَ: إنَّه لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، كما فَرَضْتُهُ عَلَيْكَ في أُمِّ الكِتَابِ، قالَ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ بعَشْرِ أمْثَالِهَا، فَهي خَمْسُونَ في أُمِّ الكِتَابِ، وهي خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إلى مُوسَى، فَقالَ: كيفَ فَعَلْتَ؟ فَقالَ: خَفَّفَ عَنَّا، أعْطَانَا بكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثَالِهَا، قالَ مُوسَى: قدْ واللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ علَى أدْنَى مِن ذلكَ فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أيضًا، قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا مُوسَى، قدْ واللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي ممَّا اخْتَلَفْتُ إلَيْهِ، قالَ: فَاهْبِطْ باسْمِ اللَّهِ قالَ: واسْتَيْقَظَ وهو في مَسْجِدِ الحَرَامِ.) ([98]).

(... وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بفضل كلام الله   ) ([99]).

(... فعرج بي حتى أتى السماء السادسة، فقال: من هذا؟ فقال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد – صلى الله عليه وسلم -، قال: وقد أرسل إليه: قال نعم، ففتح، فإذا موسى ... ) ([100])

(... فأتَيْنَا علَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قيلَ: مَن هذا؟ قيلَ جِبْرِيلُ، قيلَ: مَن معكَ؟ قيلَ: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ مَرْحَبًا به ولَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فأتَيْتُ علَى مُوسَى، فَسَلَّمْتُ عليه، فَقالَ: مَرْحَبًا بكَ مِن أخٍ ونَبِيٍّ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، فقِيلَ: ما أبْكَاكَ: قالَ: يا رَبِّ هذا الغُلَامُ الذي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِهِ أفْضَلُ ممَّا يَدْخُلُ مِن أُمَّتِي، فأتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، قيلَ مَن هذا؟ قيلَ: جِبْرِيلُ، قيلَ مَن معكَ؟ قيلَ: مُحَمَّدٌ، قيلَ: وقدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ، مَرْحَبًا به ولَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فأتَيْتُ علَى إبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عليه، فَقالَ: مَرْحَبًا بكَ مِنَ ابْنٍ ونَبِيٍّ، فَرُفِعَ لي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقالَ: هذا البَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فيه كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، إذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إلَيْهِ آخِرَ ما عليهم، ورُفِعَتْ لي سِدْرَةُ المُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا كَأنَّهُ قِلَالُ هَجَرَ ووَرَقُهَا، كَأنَّهُ آذَانُ الفُيُولِ في أصْلِهَا أرْبَعَةُ أنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، ونَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقالَ: أمَّا البَاطِنَانِ: فَفِي الجَنَّةِ، وأَمَّا الظَّاهِرَانِ: النِّيلُ والفُرَاتُ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، فأقْبَلْتُ حتَّى جِئْتُ مُوسَى، فَقالَ: ما صَنَعْتَ؟ قُلتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، قالَ: أنَا أعْلَمُ بالنَّاسِ مِنْكَ، عَالَجْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ أشَدَّ المُعَالَجَةِ، وإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فَسَلْهُ، فَرَجَعْتُ، فَسَأَلْتُهُ، فَجَعَلَهَا أرْبَعِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عِشْرِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرًا، فأتَيْتُ مُوسَى، فَقالَ: مِثْلَهُ، فَجَعَلَهَا خَمْسًا، فأتَيْتُ مُوسَى فَقالَ: ما صَنَعْتَ؟ قُلتُ: جَعَلَهَا خَمْسًا، فَقالَ مِثْلَهُ، قُلتُ: سَلَّمْتُ بخَيْرٍ، فَنُودِيَ إنِّي قدْ أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وخَفَّفْتُ عن عِبَادِي، وأَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْرًا، وقالَ هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في البَيْتِ المَعْمُورِ.) ([101])

(... ثم انطلقنا حتى انتهينا إلى السماء السادسة. فأتيت على موسى عليه السلام فسلمت عليه ...) ([102])

سرعة البراق (معجزات الإسراء والمعراج وسرعة البراق) ([103]):

 (أتيت بالبراق، و هو دابة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فلم نزايل ظهره أنا و جبريل، حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لنا أبواب السماء، و رأيت الجنة و النار) ([104])

قوله: ( يضع خَطوه ) ‏ بفتح المعجمة أوله المرة الواحدة، وبضمها الفعلة. ‏ قوله: ( عند أقصى طرْفه ) ‏ بسكون الراء ..أي نظره، أي يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره.   (فتح الباري / شرح صحيح البخاري).

 أقرب مجرة إلينا تبعد عنّا أكثر من مليوني سنة ضوئية.  ويمكن رؤيتها بالعين المجرّدة.  هذه المسافة إلى المجرة أندروميدا يحتاج الضوء أكثر من مليوني سنة حتى يقطعها.  أما البراق الذي يضع خَطوه عند أقصى طرفه، فيستطيع أن يصل إلى هذه المجرّة في جزء من الثانية (فهو يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره).

 إذن سرعة البراق في العروج إلى السماء قد تصل إلى مليارات أضعاف سرعة الضوء، c:

 V = 2.2*1000000*365*24*60*60*c = 69379200000000 c

وإذا هالك هذا الرقم واستكثرته ؛ فإليك برقم آخر أقل من عشره:

 "The farthest star we can see with our naked eye is V762 Cas in Cassiopeia at 16,308 light-years away. Its brightness is magnitude 5.8 or just above the 6th magnitude limit."

أبعد نجم يمكننا رؤيته بالعين المجردة هو V762 Cas في Cassiopeia على بعد16,308  سنة ضوئية.  يبلغ سطوعه القدر 5.8 أو أعلى بقليل من القدر السادس

هذه المسافة (16,308 سنة ضوئيّة) يقطعها البراق في حوالي خُمْسِ ثانية.  فتكون سرعة البراق حوالي

V = (16,308 c) (365.25)(24)(60)(60)(5) = 2,573,206,704,000 c

2.6 تريليون مرة ضعف سرعة الضوء!

وهذا يعني ببساطة أن المسير في رحلة المعراج قد استغرق فقط بضع ثوان.  أما الذي استغرق الزمن فهو مقابلة الرّب سبحانه، وكذلك الاستقبال والترحاب والسلام على الأنبياء.

إنّ سرعة الانتقال هذه هائلة، وهي غير فيزيائية؛ حيث أن سرعة الضوء هي أعظم سرعة انتقال ولا يستطيع أن يبلغها أي جسم ماديّ.  وبالتالي فإنّ سرعة البراق تخالف القوانين والنواميس المعهودة.  وهذا ينسجم مع كون رحلة المعراج معجزة.  نعم معجزة يريد د. نوفل وللأسف أن يخضعها لقوانين الفيزياء التي يجهلها هي الأخرى؛ ولا يعرف منها شيئاً!.  نعم هي معجزة أجراها الله لرسوله؛ وهل نستكثرٌ شيئاً على الله القدير؟!  لقد عرجَ به ربُّهُ سبحانه: (لما عرجَ بي ربِّي مررتُ بقومٍ لَهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمُشونَ وجوهَهم وصدورَهم فقلتُ من هؤلاءِ يا جبريلُ قالَ هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهم) ([105]).

المعجزة أمرُ خارق للقوانين والنواميس يجريه الله لرسول من رسله الكرام.  فكيف يريد د. نوفل أن يخضع معجزة المعراج لعقله؟!  وهل هو أيضا يريد أن يخضع معجزات عيسى عليه السلام؛ والتي ذكرها القرآن لعقله؟!  والتي منها إحياء الموتى بإذن الله ويخلق من الطين طيراً بإذن الله، وكلّم الناس في المهد ....  وبعض هذه المعجزات ذكرتها الآية الكريمة: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) (المائدة 110).  هل الخطوة اللاحقة للدكتور نوفل أن يقاضي هذه الآية؟! أم أنّ الأمر فقط هو التشكيك في السّنّة؛ ولن يجاوزه إلى القرآن؟!.

يقول تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (مريم 64).  يقول الطبري: ذُكر أن هذه الآية نـزلت من أجل استبطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل بالوحي.  على أية حال معلوم أنّ القرآن وحي الله إلى رسوله بواسطة جبريل؛ وقد نزل منجماً ومفرقاً، ولم يكن جبريل يملك أن يحدّد موعداً لنزوله؛ فكلّ شيء يتمُّ بأمر الله.  وكذا معجزة المعراج، وكذا معجزة مراجعة رسولنا صلى الله عليه وسلم ربَّه من أجل التخفيف؛ فكلُّ هذا يتمُّ بأمر الله ولا يحكمه شيء من سلطان البشر، فكيف ينبري اليوم د. نوفل ليقاضي المعجزات؟!

هل كان نوح عليه السلام يملك شيئاً من أمره وهو في رحلته الأرضية على السفينة؟!  الجواب في الآية الكريمة: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ    خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) (المؤمنون  30-28).  ويقول سبحانه: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (العنكبوت 15).  يقول الغوي: ( فأنجيناه وأصحاب السفينة ) يعني من الغرق. ( وجعلناها ) يعني السفينة، ( آية ) أي: عبرة ( للعالمين ) فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة. وقيل: جعلنا عقوبتهم للغرق عبرة.

ومن باب أولى أن لا يملك نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم شيئاً من الأمر وهو في رحلة المعراج الملكوتية!

ومثال أقربه للدكتور نوفل: عندما يسافر شخص برحلة طويلة عبر القارات، فإنّه ليس له أن يقرر خط سير الرحلة؛ فهذا محدّد من قَبْلُ ومن قِبَلِ ما يمكن أن نطلق عليه منظمة الطيران المدني الدولي (International Civil Aviation Organization (ICAO))، ومنوطٌ بقبطان الطائرة أن يُسيّرَ الطائرةَ على مسارها المحدّد؛ وفقاً للزمن المحدّد.  فما بالك بمعجزة رحلة المعراج؟! فهل كان رسولنا عليه السلام من ذاته وجهده وتلقاء نفسه يعاود ربّه؟!  أم أنّ مراجعة رسولنا هذه لربه من أجل التخفيف هي ضمن دائرة المعجزة والتي لا تحكم بقدرة رسولنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم؟ هل نسي د. نوفل أنّ المعراج معجزة؟! وإذا لم ينس، فهل فاتَهُ أنّ المعجزة لا تحاكم للعقل؟!

ودليل هذا واضح نصّاً في حديث المعراج: (...قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ ذلكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وعنْهمْ، فَالْتَفَتَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى جِبْرِيلَ كَأنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ في ذلكَ، فأشَارَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ: أنْ نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فَعَلَا به إلى الجَبَّارِ، فَقالَ وهو مَكَانَهُ: يا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا فإنَّ أُمَّتي لا تَسْتَطِيعُ هذا، فَوَضَعَ عنْه عَشْرَ صَلَوَاتٍ...)

وعندما اكتمل التخفيف، خمسٌ بأجر خمسين صلاة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه ). قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام .).

سؤال: هل نزول الرسول ليجد نفسه بعد لحظات في مسجد الحرام كان بقوته وإراته، أم أنّه نزول المعجزة التي لا تكون إلا بأمر الله؟! إن كان نزول المعجزة: (فاهبط باسم الله)، فكذلك مراجعته ربّه من أجل التخفيف على الأمة كانت بأمر الله، هذا وإنْ كنّا نقرأ في الحديث أنّ الله الرحمن الرحيم اللطيف والرؤوف بعباده قد أمر موسى ليعرض على رسولنا طلب التخفيف والذي وجد قبولاً عند محمد الرسول الرؤوف بالمؤمنين: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (التوبة 128)، فلماذا ينبري من يستنكره؟!

يرُدُّ الدكتورُ وجدي غنيم على طعن د. نوفل بحديث تخفيف عدد الصلوات المفروضة (من خمس إلى خمسين)، وعلى زعمه أنّ البخاري فيه الكثير من الأحاديث الضعيفة.  فيخاطبُ الدكتورُ وجدي غنيم الدكتورَ نوفل محذّراً إياه من خصال منها: الكبر، التدليس، أن يكون سبباً في إظلال الشباب، الحديث في غير تخصّصه، وأن يجعل من عقله حكماً على النصّ.  كما وقد حذّره من منهج المعتزلة الذين يجعلون العقل حكماً على نصوص القرآن والسّنّة ([106]).

د. نوفل لديه عدد وكمّ من الأحاديث يتهكم عليها وبشكل دوريّ؛ ولمرّات.

فلطالما تهكم د. نوفل على حديث المعراج وتخفيف عدد الصلوات.  فمثلا لا حصراً عاد من جديد ليكرّر الطرح الساخر من هذا الحديث؛ فيقول (تسع مرات رايح جاي حتى استقرت على خمسة؛ هذا الحديث عُمْرِي ما رويته ولن أرويه! لأنه متناً خارج عن المنطق! وعن الدين وعن العقل!.  موه الدين مش بالعقل يا شيخ.  حجّي! والدين أيضاً يجب أن يكون منسجماً مع العقل ... ) ([107]).

واستكمالاً للردّ على د. نوفل أقول: وكوني ليس لي اطلاع بعلم الحديث؛ فقد بحثت عن تعريف الراوي؛ فوجدتُ:  " راوي الحديث، هو مصطلح إسلامي يشير إلى الشخص الذي يروي الحديث النبوي عن من سبقه من طبقات الرواة إلى من يليه. ويُشترط فيه شروطًا مهمة للتأكد من ضبطه وعدالته."

وبالتالي لا يجوز لي مطلقاً أن أحكم على عدالة أو ضبط أحد؛ فهو وكما ترى علمٌ له رجاله وأدواته.  لكنّني أجزم أنّ الشخصَ الذي يتهكّمُ على أحاديث حكمَ الرّواةُ بصحتها؛ لا ولن يكون راوٍ للحديث حسب هذا التعريف للراوي.  فرواية الحديث تأتي من منطلق الحرص على السّنّة لا من منطلق إقصائها ولن يتشرّف بها شخصٌ يتّهم البخاري بأنّه يركّب سند لأحاديث تقوّلها على رسولنا صلّى الله عليه وسلّم!!.  يقول د. نوفل: (الخضر موجود بالحديث أنا بالنسبالي (بالنسبة لي) لا أجعل الظني مع القطعي اليهودية فيها خضر والنصرانية فيها خضر واحنا عندنا خضر! أخشى تكون من الإسرائيليات وركبولها سند! ([108]).

والأهم من كلّ ما ورد من ردّ داحض على د. نوفل، هنالك الردّ الفصل، وهو قوله سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء 1).

إنّ أبرز حكمة في معجزة الإسراء والمعراج هي: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا).  والإنسان الحكيم يقابل آيات الله الدالة على عظمته بالإيمان والتسليم؛ ولا يخضعها لعقل بشري فردي قاصر يريد محاكمة الكمال الرباني المطلق الذي لن تدركه العقول المحدودة.

9) يرفض تصديق معجزة إنشقاق القمر رُغم ثبوتها

يرفض د. أحمد نوفل تصديق حادثة (معجزة) إنشقاق القمر؛ رغم ثبوتها في القرآن والأحاديث في صحيح مسلم.

الآية الكريمة: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ) (سورة القمر 2-1) .

يرفض د. أحمد نوفل تصديق حادثة (معجزة) إنشقاق القمر فيقول مثلاً: (يعني حتؤلي انشق القمر، انشق القمر، ما انشقّ القمر، والله لو اجتمعت الإنس والجنّ ما اقتنعت!) ([109]). هذا كلامه رغم ثبوت وقوع هذه المعجزة كما أوضحت الأحاديث الصحيحة التي رويت من عدة طرق.  والحديث في صحيح مسلم.

معجزة انشقاق القمر: حادثة انشقاق القمر هي معجزة (آيَةً) من الله لرسولنا محمّد عليه السلام، تدلُّ على عظمة الرّبّ الخالق سبحانه، كما وتدلُّ على صدق هذا الرسول الكريم الذي أنزل عليه القرآن وأمره الله بتبليغ الرسالة.  والقمر هو أقرب جرم سماوي إلى الأرض؛ فهو تابعٌ لها.

معجزة الوحي والرسالة:

سورة القمر أكّدت مراراً التيسير الرباني للقرآن الرسالة الخاتمة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَان لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر الآيات رقم: 17، 22، 32، 40).  تكرّرت هذه الآية أربع مرّات ؛ ومن السّر أنّ الْقُرْآن لا يسمع ميسّرا مفهوما إلا بعد اكتمال التنزّلات الأربع الأُوَلْتنزله عن مرتبة كلام اللّه الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وبغير لغات البشر إلى مرتبة كلام اللّه المعجز باللّغة العربيّة (والّذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).  تنزّله (عربيّاً) إلى اللّوح المحفوظ وسماع جبريل الْقُرْءَان (عربيّاً) من اللّه: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الزخرف 3).

ثمّ نزول جبريل بالْقُرْءَان (عربيّاً) على الرسول محمد عليهما السّلام؛ أنزله على قلب سيّد المرسلين، بأن قرأه وهو يسمع ويعقل حتى ثبت في قلبه.  ثمّ سماع الصّحابة الْقُرْءَان من الرسول محمد (صلّى اللّه عليه وسلّم). لقد يسّر اللهُ وسهّل هذا القرآن الكريم: ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم، فهو كلام الله المنزّل بلغة القوم (عربيّاً)، فهو أحسن الكلام لفظا، وأصدقه معنى، فكل من أقبل عليه يَسَّرَ اللهُ عليه مطلوبَه غاية التيسير: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ).  تقع هذه الآية في نهاية الآيات التي تبين مصرع كلّ أمة كذبت رسولها.

محمد عليه السلام هو صاحب أعظم معجزة ؛ صاحب المعجزة الخالدة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ).  ولقد أيّده اللهُ بمعجزات أخرى كثيرة.  فمنها مثلا معجزة الإسراء والمعراج، والانتقال بسرعة هائلة تتضاءل معها سرعة الضوء!.  ومن معجزاته أيضاً كما تبين هذه السورة معجزة انشقاق القمر: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).

وبالتالي أعجب لحال من يؤمن بأعظم معجزة؛ معجزة الوحي والرسالة لكلام الله يتنزّل من اللوح المحفوظ؛ كيف يستنكر معجزة انشقاق القمر (تابعٌ للكرة الأرضيّة) والتي هي معجزة ماديّة، أقلُّ شأناً ورفعة وقدراً من معجزة وحي القرآن إلى محمد عليه السلام.

أرقام هذه الآيات: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَان لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر الآيات رقم: 17، 22، 32، 40) يقابل أرقام السور: الإسراء (17)، الحجّ (22)، السّجدة (32)،  غافر (40).  ومن جماله أنّ الله الغفار التواب قد فرض الصلاة (السّجدة) في رحلة الإسراء والمعراج (الإسراء)  فَنُودِيَ (النبيُّ) إنِّي قدْ أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وخَفَّفْتُ عن عِبَادِي، وأَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْرًا، وقالَ هَمَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في البَيْتِ المَعْمُورِ.  وفي الحديث؛ فَرُفِعَ لي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقالَ: هذا البَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فيه كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، إذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إلَيْهِ آخِرَ ما عليهم.

انشقاق القمر

انشقاق القمر ثابت بصريح القرآن؛ يقول تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ) (القمر 2-1) .

يقول القرطبي: " اِقْتَرَبَتْ " أَيْ قَرُبَتْ مِثْل " أَزِفَتْ الْآزِفَة " [ النَّجْم: 57 ]. فَهِيَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا مَضَى قَرِيبَة.  عَنْ أَنَس قَالَ: خَطَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَادَتْ الشَّمْس تَغِيب فَقَالَ: ( مَا بَقِيَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فِيمَا مَضَى إِلَّا مِثْل مَا بَقِيَ مِنْ هَذَا الْيَوْم فِيمَا مَضَى ) وَمَا نَرَى مِنْ الشَّمْس إِلَّا يَسِيرًا. .... ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: " وَانْشَقَّ الْقَمَر " أَيْ وَقَدْ اِنْشَقَّ الْقَمَر. وَكَذَا قَرَأَ حُذَيْفَة " اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَقَدْ اِنْشَقَّ الْقَمَر " بِزِيَادَةِ " قَدْ " ([110]) وَعَلَى هَذَا الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء.  وثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحي الْبُخَارِيّ ومسلم: ([111]).

ويقول القرطبي: "قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس فيها؛ لأنها كانت آية ليلية؛ وأنها كانت باستدعاء النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى عند التحدي. فروي أن حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضبا من سب أبي جهل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب أن يريه آية يزداد بها يقينا في إيمانه. وقد تقدم في الصحيح أن أهل مكة هم الذين سألوا وطلبوا أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر فلقتين كما في حديث ابن مسعود وغيره.  وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت، وإنَّ القمر قد انشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: هو على التقديم والتأخير، وتقديره انشق القمر واقتربت الساعة؛ قاله ابن كيسان. وقد مر عن الفراء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدم وتؤخر عند قوله تعالى: " ثم دنا فتدلى".

يرُدُّ د. أحمد نوفل أحاديث إنشقاق القمر؛ رغم ثبوتها في الأحاديث الصحيحة التي رويت من عدة طرق ومنها:

 (بيْنَما نَحْنُ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بمِنًى إذَا انْفَلَقَ القَمَرُ فِلْقَتَيْنِ، فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الجَبَلِ، وَفِلْقَةٌ دُونَهُ، فَقالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: اشْهَدُوا.) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2800، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[،  انظر شرح الحديث رقم 7744

التخريج: أخرجه البخاري (3869)، ومسلم (2800) واللفظ له

(انفلقَ القمرُ علَى عَهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: اشهدوا) (الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم:  3288، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 39412

(انتَهى أهلُ مكَّةَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ فقالوا هَلْ مِن آيةٍ نعرِفُ بها أنَّكَ رسولُ اللَّهِ فهبَط جَبْرائيلُ فقال يا محمَّدُ قُلْ لِأهلِ مكَّةَ أن يحتَفِلوا هَذِه اللَّيلَةَ فَسَيَرَوْا آيةً إِنِ انتَفَعوا بها فَأخبَرهمْ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بمقَالَةِ جَبرائيلَ فخرَجوا لَيلَةَ الشَّقِّ ليلَةَ أربَعَ عَشرَةَ فانشَقَّ القَمرُ نِصفَينِ نِصفًا على الصَّفا ونِصفًا على المرْوَةِ فنظَروا ثمَّ قالوا بأبصارِهِمْ فمَسحوها ثمَّ أعادُوا النَّظَر فنظروا ثمَّ مَسحوا أعينَهُمْ ثمَّ نظَروا فقالوا يا مُحمَّدُ ما هذا إلا سِحرٌ واهِبٌ (ذاهِبٌ) فأنزَل اللَّهُ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ{) (الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: ابن كثير، المصدر: البداية والنهاية، الصفحة أو الرقم:  3/118، خلاصة حكم المحدث:  ]إسناده قوي وله طرق[).  ذاهِبٌ؛ هكذا وردت في روايات أخرى للحديث.  ومعنى (مُّسْتَمِرٌّ) أي: ذاهب (تفسير ابن كثير).

(فخرَجوا لَيلَةَ الشَّقِّ ليلَةَ أربَعَ عَشرَةَ فانشَقَّ القَمرُ نِصفَينِ): انشق القمرُ بدراً لتسهل رؤيته ولتُرى المعجزة.  هذا وإنّ قوى المدّ المؤثرة على القمر تكون أكبر ما يمكن في بداية الشهر القمري وفي منتصفه (الشكل (https://earthsky.org/upl/2012/10/spring_tide.gif)).  وليس معنى هذا أنني أقدم تفسيراً للمعجزة، فإنّ المعجزات تخرق القوانين والنواميس التي تعمل في الكون.

إبّان حدوث كل قمر جديد وقمر مكتمل، تترتب الشمس والأرض والقمر بشكل أو بآخر على طول خط واحد في الفضاء. وبالتالي يزداد شدّ المدّ والجزر، لأن جاذبية الشمس تعزز جاذبية القمر. في الواقع، يبلغ ارتفاع متوسط المد الشمسي حوالي 50 في المائة من متوسط المد القمري. وبالتالي، عند تكون القمر الجديد أو عند اكتمال القمر بدراً، يكون نطاق المدّ عند الحد الأقصى.

Around each new moon and full moon, the sun, Earth, and moon arrange themselves more or less along a line in space. Then the pull on the tides increases, because the gravity of the sun reinforces the moon’s gravity. In fact, the height of the average solar tide is about 50 percent of the average lunar tide. Thus, at new moon or full moon, the tide’s range is at its maximum.

وبنفس المفهوم (قانون نيوتن الثالث) فإنّ قوى المدّ المؤثرة على القمر تكون أكبر ما يمكن في بداية الشهر القمري وفي منتصفه.

Also, the tidal forces from sun and earth that act on the moon are greatest at new moon or full moon.  This does not mean that I am giving an explanation of the miracle, where a miraculous event is meant to violate laws that naturally controls such an event.

أيضًا، تكون قوى المد والجزر التي يؤثر بها الشمس والأرض معاً على القمر، أكبر عند بداية الشهر القمري أو عند منتصفه (اكتمال القمر). هذا لا يعني أنني أقدم تعليلاً وشرحًا للمعجزة، حيث أنّ المعجزة تكون خارقة للقوانين التي أودعها الله في الكون

(نزلنا من المدائنِ على فرسَخٍ، فلمَّا جاءت الجمعةُ حضرنا فخطَبنا حذيفةُ فقال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ، ألا وإنَّ السَّاعةَ قد اقتربت، ألا وإنَّ القمرَ قد انشقَّ، ألا وإنَّ الدُّنيا قد آذنت بفِراقٍ، ألا وإنَّ اليومَ المضمارُ، وغدًا السِّباقُ، فقلتُ لأبي: أيستبِقُ النَّاسُ غدًا؟ قال: يا بنيَّ إنَّك لجاهلٌ، إنَّما يعني: العملُ اليومَ والجزاءُ غدًا، فلمَّا جاءت الجمعةُ الأخرَى حضرنا فخطَبنا حذيفةُ فقال: إنَّ اللهَ يقولُ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، ألا وإنَّ الدُّنيا قد آذنت بفِراقٍ، ألا وإنَّ اليومَ المِضمارُ وغدًا السِّباقُ، ألا وإنَّ الغايةَ النَّارُ، والسَّابقَ من سبق إلى الجنَّةِ) (الراوي: أبو عبدالرحمن السلمي، المحدث: المنذري، المصدر  الترغيب والترهيب، الصفحة أو الرقم:  4/202، خلاصة حكم المحدث:  ]إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما[)

(انطلَقْتُ مع أبي إلى الجمُعةِ بالمدائنِ، وبيْنَنا وبيْنَها فَرْسَخٌ، وحُذَيْفةُ على المدائنِ، فحمِد اللهَ، وأثْنى عليه، ثمَّ قال: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ } [القمر: 1]، ألَا وإنَّ السَّاعةَ قدِ اقترَبتْ، ألَا وإنَّ القَمرَ قدِ انشقَّ.) (الراوي: أبو عبد الرحمن السلمي، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج مشكل الآثار، الصفحة أو الرقم: 706، خلاصة حكم المحدث: صحيح).

 (سأل أهلُ مكةَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ آيةً فانشقَّ القمرُ بمكة مرتَين فقال اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (الراوي: أنس بن مالك، المحدث: ابن كثير، المصدر: البداية والنهاية، الصفحة أو الرقم:  3/116، خلاصة حكم المحدث:  ]إسناده قوي وله طرق[).  التخريج: أخرجه الترمذي (3286)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11554)، وأحمد (12711).

(سألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ آيةً فانشقَّ القمرُ بمَكَّةَ مرَّتينِ فنزلت اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ إلى قولِهِ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يقولُ ذاهِبٌ) (الراوي: أنس بن مالك، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم:  3286، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 4932). التخريج: أخرجه الترمذي (3286)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11554)، وأحمد (12711) )

(عن أَنَسٍ: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ] {القمر: 1]، قال: قدِ انشقَّ.) (الراوي: قتادة، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج مشكل الآثار، الصفحة أو الرقم:  708، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح، على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير مسدد فمن رجال البخاري).

(كنا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بمنًى وانشقَّ القمرُ حتى صار فرقتيْنِ فرقةٌ خلف الجبلِ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ اشهَدُوا اشهَدُوا) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: ابن كثير، المصدر: البداية والنهاية، الصفحة أو الرقم:  3/119، خلاصة حكم المحدث:  ]إسناده قوي وله طرق[).

(بينما نحنُ معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بمنًى فانشقَّ القمرُ فَلقتينِ فلقةٌ من وراءِ الجبلِ وفلقةٌ دونَهُ فقالَ لَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ اشهَدوا - يَعني - اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم:  3285، خلاصة حكم المحدث: صحيح ، انظر شرح الحديث رقم 4931). التخريج: أخرجه البخاري (3869)، ومسلم (2800) باختلاف يسير، والترمذي (3285) واللفظ له )

يقول تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ) (القمر 2-1) .

يقول ابن كثير: "وقوله: (وَإِن يَرَوْا آيَةً) أي: دليلا وحجة وبرهانا (يُعْرِضُوا) أي: لا ينقادون له، بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم، (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) أي: ويقولون: هذا الذي شاهدناه من الحجج سحر سحرنا به.  ومعنى (مُّسْتَمِرٌّ) أي: ذاهب. قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما، أي: باطل مضمحل، لا دوام له ."

يقول تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) (الإسراء 59)

تفسير الطبري: "القول في تأويل قوله تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ".  يقول تعالى ذكره: وما منعنا يا محمد أن نرسل بالآيات التي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمم المكذّبة، سألوا ذلك مثل سؤالهم؛ فلما آتاهم ما سألوا منه كذّبوا رسلهم، فلم يصدّقوا مع مجيء الآيات، فعوجلوا فلم نرسل إلى قومك بالآيات، لأنَّا لو أرسلنا بها إليها، فكذّبوا بها، سلكنا في تعجيل العذاب لهم مسلك الأمم قبلها.  وبالتالي ألا يخشى المكذّبون لمعجزة انشقاق القمر تعجيل العذاب؟!

ويقول تعالى:  (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ) (يونس 101)

التفسير الكبير ومفاتيح الغيب - الفخر الرازي -: 

" ولمّا وقع الأمرُ قالوا بأنّه مثل خسوف الشمس، وظهور شئ في الجوّ على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في تواريخهم، والقرآن أدلّ دليل وأقوى مثبت له، وإمكانه (الانشقاق) لا يشكّ فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات." (جزء 29، ص 29)

تفسير القاسمي – محاسن التأويل -:

"... وذلك أنّ كفّار أهل مكة سألوه آية، فأراهم – صلى الله عليه وسلّم – انشقاق القمر حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته.  فلما أراهم، أعرضوا وكذّبوا، وقالوا هذا سحرٌ مستمر، سحرنا محمد. ثم روي ذلك عن أنس وابن مسعود وابن عباس، وغير واحد من التابعين.  ..." (صفحة  5592).

* تفسير انوار التنزيل واسرار التأويل/ البيضاوي (ت 685 هـ) مصنف و مدقق

"... روي أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر. وقيل معناه سينشق يوم القيامة ويؤيد الأول أنه قرىء «وقد انشق القمر» أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر، وقوله: { وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ } عن تأملها والإِيمان بها. { وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } مطرد وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخر مترادفة ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك."

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق

"{ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } يعني دني قيام الساعة لأن خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - كان من علامات الساعة { وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علامة لنبوته فانشق القمر نصفين، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانشق القمر نصفين فرأيت حراء بين فلقتي القمر أي شقتي القمر، وعن جبير بن مطعم قال انشق القمر ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة وروى قتادة عن أنس قال سأل أهل مكة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية فانشق القمر بمكة وقال بعضهم اقتربت الساعة وانشق القمر يعني تقوم الساعة وينشق القمر يوم القيامة وأكثر المفسرين قالوا: إن هذا قد مضى،..."

يقول البغوي: (قُلِ انظُرُوا) أي: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا، (مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الآيات والدلائل والعبر، ففي السماوات الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفي الأرض الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها، (وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ) الرسل، (عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) وهذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون .

 ويقول سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) (النحل 13-10).  في هذه الآيات من سورة النحل، إنّ الكلمات " لَآيَةً "، " لَآيَات"  معناهما: لدلالة و لدلالات على قدرة الله الباهرة وسلطانه العظيم، لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه. ومن سورة النحل أيضاً قوله تعالى: ( وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ * وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 69-65).  ومن نفس السوة أيضاً قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل: 79-78)

ويقول تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) (الإسراء 59).

ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا ) (الإسراء 101).  وكذلك الآيات 20-25 من سورة الروم.

وبالتالي، فإنّ هذه الآيات القرآنية وغيرها العديد من الآيات تؤكد أنّ قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ) (القمر 1-2) يؤكد يقيناً حادثة انشقاق القمر: (وانْشَقَّ القَمَرُ) بصيغة الماضي.  (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا): فحادثة انشقاق القمر معجزة (آيَةً) من الله لرسولنا عليه السلام، تدل على عظمة الرّبّ الخالق سبحانه، كما وتدلُّ على صدق هذا الرسول الكريم الذي أنزل عليه القرآن وأمره الله بتبليغ الرسالة.

وبالتالي هل يليق في مقام دكتور في التفسير أن ينكر هذه المعجزة التي تأكدت مراراً: (وانْشَقَّ القَمَرُ)، (وَإِن يَرَوْا آيَةًوأكدتها الأحاديث المستفيضة؟!

وممن قرأوا لي هذا الكتاب ؛ كان تعليق أحدهم على الروايات السابقة في انشقاق القمر: "هو (د. نوفل) ينكر روايتي البخاري ومسلم فهل سيأخذ بهذه الروايات؟!".  وأقول أنّ بعض طرق الحديث أوردها البخاري ومسلم }أخرجه البخاري (3869)، ومسلم (2800) { .

سورة القمر أكّدت التيسير الرباني للقرآن الرسالة الخاتمة: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ). أي: ولقد يسرنا وسهلنا هذا القرآن الكريم، ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والعلم، لأنه أحسن الكلام لفظا، وأصدقه معنى، وأبينه تفسيرا، فكل من أقبل عليه يَسَّرَ اللهُ عليه مطلوبَه غاية التيسير، وسهله عليه (تفسير السعدي).

وبالتالي تشير السورةُ إلى وجوب الإيمان برسالة محمد (صلى الله عليه وسلّم)، وتحذّرُ من الكفر؛ وذلك من خلال عرض السورة لمصارع المكذبين بالرسل والآيات؛ ومع تكرار الآية الكريمة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)؛ يتّضح أنّه لا يمكن للبشر أن يعقل ويفهم معجزة الوحي ما لم ييسرها الرّبُّ اللطيفُ سبحانه له الحمدُ أن يَسَّرَ الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِوبالتالي فإنّ الحكمة والعقل والفهم السليم تُوجِبُ على المؤمن التصديق بالمعجزات والإيمان بها والتسليم لمجرد سماعه الخبر الصحيح؛ ولا يليق بأحدٍ أن يحاكم المعجزات للعقل البشري المحدود؛ فالمعجزة تكون خارقة لنواميس الكون وقوانينه؛ يجعلها الله لرسله تأييداً لهم وتصديقاً لرسالاتهم.  وبالتالي فإنّ العقل السليم يزداد إيماناً مع زيادة عظم المعجزة واستحالتها من منظور البشر والقوانين التي تحكم في هذا الكون.

 الآية الكريمة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) تقع في نهاية الآيات التي تبين مصرع كلّ أمة كذبت رسولها:

قوم نوح: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10)  فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)  وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17)

 قوم عاد: كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22)

 ثمود: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (32).

 قوم لوط: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ۖ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34) نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (40)

 آل فرعون وكفار قريش: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)

(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) تقع في نهاية الآيات التي تبين مصرع كلّ أمة كذبت رسولها.  وبالتالي ما بال الذين يكذبون الحديث في صحيح مسلم يشرح الآية الكريمة (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) ؟! ما بالهم والحديث يذكر لنا جليّاً معجزة انشقاق القمر؟!

محمد عليه السلام هو صاحب أعظم معجزة ؛ صاحب المعجزة الخالدة: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ).  ولقد أيده اللهُ بمعجزات أخرى كثيرة.  فمنها مثلا معجزة الإسراء والمعراج.  ومنها كما تبين هذه السورة معجزة انشقاق القمر: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).

لقد انفلق البحرُ معجزةً لموسى عليه السلام: (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) (الشعراء 63). (وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ) (الشعراء 65)، وأغرق فرعون وجنوده: (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) (الشعراء 66).  ولقد انشقّ القمر معجزة لنينا محمد عليه السلام: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (القمر 1).  وكلا المعجزتين ثبتتا بنص الآيات القرآنية؛ فلا يعقل التكذيب بأيّ منهما: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ) (القمر (46.

انشقاق القمر يوم القيامة:

 يومَ القيامة يُظلمُ القمرُ ؛ وذلك لأنّهُ يعكس ضياء الشمس والتي ستصبح نجمَ قزمٍ أبيض: (إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ) (التكوير 2-1)، (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (القيامة 9): قَالَ مُجَاهِد كُوِّرَا.  يوم القيامة يخسف القمر ويذهب ضوءه؛ كما توضح الآيات:

(يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (القيامة 9-6).  (وَخَسَفَ الْقَمَرُ): أَيْ ذَهَبَ ضَوْءُهُ. (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ).  قَالَ مُجَاهِد كُوِّرَا وَقَرَأَ اِبْن زَيْد عِنْد تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة (إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ).  فالجمع هو التكوير؛ فتضغط مادة الشمس مع توقف تفاعلات الإندماج النووي داخلها لتصبح نجم قزم أبيض.  كما تضغط مادة النجوم مع توقف تفاعلات الإندماج النووي داخلها لتصبح ذات كثافة عالية (Compact stars) .

 (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (القيامة 9): صارا أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران. وقيل: يجمع بينهما في ذهاب الضياء. وقال عطاء بن يسار: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار. وقيل: يجمعان فيطلعان من المغرب. وهذا المعنى الأخير يفيد أنّ الشمس ستخطف القمر من الأرض فتصبح تبعيّتُه للشمس أكثر من كونه تابعاً للكرة الأرضية ([112]).  وهذا ما تؤكده المعاني اللغوية لكلمة الانشقاق.

تعريف و معنى انشق ([113]):

في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي

اِنشَقَّ: (فعل)

 انشقَّ ينشقّ، انْشَقِقْ / انْشَقَّ، انشقاقًا، فهو مُنشقّ

انشقَّ الشَّيءُ: انفلق، انصدع أو انقسم.  وهذا النوع من الإنشقاق حصل للقمر معجزةً تؤيّدُ صدق نبيّنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.

اِنْشَقَّ الإِناءُ: أُصيبَ بِكَسْرٍ

اِنْشَقَّ الفَجْرُ: طَلَعَ، ظَهَرَ

اِنْشَقَّ البَرْقُ: لَمَعَ

اِنْشَقَّ الرَّأْيُ: تَفَرَّقَ اخْتِلافاً

اِنْشَقَّتْ عَصا الجماعَةِ: تَفَرَّقُوا

كانا لاَ يَفْتَرِقانِ فانْشَقَّ أَحَدُهُما عَنِ الآخَرِ: اِنْفَصَلَ عَنْهُ، وَابْتَعَدَ اِنْشَقَّ عَنْ جَماعَةٍ وَانْضَمَّ إلى جَماعَةٍ أُخْرَى

انشقّ الشّيء:

انفلق، انصدع أو انقسم "انشقّ الحائطُ- {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} - {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ{ ".

كانا لاَ يَفْتَرِقانِ فانْشَقَّ أَحَدُهُما عَنِ الآخَرِ: اِنْفَصَلَ عَنْهُ، وَابْتَعَدَ

اِنْشَقَّ عَنْ جَماعَةٍ وَانْضَمَّ إلى جَماعَةٍ أُخْرَى.

اِنْشَقَّ الحائِطُ: ظَهَرَتْ فيهِ شُقوقٌ، اِنْصَدَعَ.

انشقّ فلان: خرج عن قانون دولة أو جماعة وانضمّ إلى جماعةٍ مناهضة.

مصير القمر يوم القيامة ([114]، [115]):

هنالك احتمالان لمصير القمر:

الأول: طفرة الشمس وتحولها إلى عملاق أحمر توفر حجر عثرة كبير أمام ملاذ القمر، ومن المرجح أن تضمن أن تكون أيام القمر الأخيرة أشبه بالطريقة التي بدأ بها؛ كحلقة من حطام الأرض.  إن الكثافة ودرجة الحرارة كلاهما يزدادان بسرعة بالقرب من السطح الظاهري (الغلاف المرئي) للعملاق المستقبلي للشمس" كما أوضحت ويلسون. وبما أن الأرض والقمر قريبان من هذه المنطقة الساخنة الحارقة، فإن السَّحْبَ الناتج عن الغلاف الممتد من الشمس سوف يتسبب في انحدار مدار القمر. سيقترب القمر من الأرض إلى أن يصل إلى مسافة 11470 ميلاً (18470 كيلومتراً) فوق كوكبنا، وهي نقطة تسمى حدود روش.  إن اقتراب القمر من الأرض ليصل إلى حدود روش (Roche limit) يعني أن الجاذبية الذاتية التي تجمع مادة القمر معا أضعف من قوى المد والجزر التي تؤثر بها الأرض على القمر؛ والتي تعمل على فصل مادة القمر عن بعضها البعض"، كما قالت ويلسون.

 سوف يتمزق القمر إلى قطع، وسوف يتم تشتيت كل فوهة، وجبل، و وادي، وبصمة أو معلم، ليشكل حلقة من الحطام بقطر 23000 ميل (37000 كلم) فوق خط استواء الأرض؛ أشبه بحلقات زحل. سوف تكون حلقات قصيرة الأجل. تفرض النظرية أنها سوف تمطر في نهاية المطاف على سطح الأرض: (وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ).

 الثاني: يوم القيامة تدنو الشمس من الأرض؛ فتخطف بقوة جاذبيتها الهائلة القمر من الأرض: (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) [القيامة 9].  وذلك أن قوة الجاذبية بين جرمين سماويين تتناسب طردياً مع حاصل ضرب كتلتيهما، وعكسيّاً مع مربع المسافة الفاصلة بينهما.

بيّن القرآنُ والأحاديثُ أنّ طول يوم القيامة خمسين ألف سنة.  والسبب أنّ الأرض ستقترب كثيراً من الشّمس: (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) [القيامة 9]، فالقمر تابع للأرض.  وأكدته الأحاديث الشريفة: (إن الشّمس تدنو، حتى يبلغ العرق نصف الأذن)، مما يتسبب بمدّ الأرض (الزيادة فيها والتوسعة والتسخين والتضخم): (وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ وَيُزَاد في سعتها.  تنتفخ الأرض بسبب تفاعل المدّ المتبادل مع الشّمس، والانتفاخ أكثر من نصف قطر Roche يزيد بدوره من تفاعل المدّ (Trilling, et al. 1998).  وهذا يسهم في تعجيل الوصول إلى تزامن دورة الأرض حول نفسها مع زمن دورانها حول الشّمس، وبالتالي يتوقف تعاقب الليل والنهار انسجاماً مع تقرير القرآن الكريم والأحاديث أنّ طول يوم القيامة هو (خمسين ألف سنة).  في بداية تخلّق الأرض تزايد بعدها عن الشّمس (Bodenheimer et al., 2001)، وهو بعض ممّا تشير إليه الكلمتان القرآنيّتان: دحاها، مَدّ.  أمّا يوم القيامة فيحصل العكس (الاقتراب).  وكذلك يحصل اضطراب بسبب انتقال المادّة من كواكب المجموعة الشّمسية إلى الأرض (Bodenheimer et al., 2001)؛ بدليل الاقتراب: (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)، وبدليل المدّ: (وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ) (عمري، الإعجاز الفيزيائي في آيات مدّ الأرض).

ضمن حدود روش، لم تعد الجاذبية الذاتية التي تجْمع مادّة الكوكب قادرة على تحمل قوى المدّ والجزر الناتجة عن الشمس، فيتفكك الكوكب إلى حطام مشكلاً حلقة تدور حول الشمس (الشكل 1)

Description: Description: Description: https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/6/66/Roche_limit_%28tidal_sphere%29.svg/450px-Roche_limit_%28tidal_sphere%29.svg.png

Closer to the Roche limit, the body is deformed by tidal forces.

وفي موقع خارجي قريب من حدّ روش، يتشوه الجسم بفعل تأثير قوى المد والجزر.

Description: Description: Description: https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/9/9a/Roche_limit_%28ripped_sphere%29.svg/450px-Roche_limit_%28ripped_sphere%29.svg.png

Within the Roche limit, the mass's own gravity can no longer withstand the tidal forces, and the body disintegrates.

ضمن حدود روش، لم تعد الجاذبية الذاتية للكتلة نفسها قادرة على تحمل قوى المد والجزر، فيتفكك الجسم.

Description: Description: Description: https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/f/f2/Roche_limit_%28top_view%29.svg/450px-Roche_limit_%28top_view%29.svg.png

Particles closer to the primary move more quickly than particles farther away, as represented by the arrows.

الجسيمات الأقرب إلى النجم الأولي تتحرك بسرعة أكبر من سرعة الجسيمات البعيدة، كما توضح الأسهم (v2 r=constant).

Description: Description: Description: https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/3/3b/Roche_limit_%28ring%29.svg/450px-Roche_limit_%28ring%29.svg.png

The varying orbital speed of the material eventually causes it to form a ring.

السرعة المدارية المختلفة للمادة في نهاية المطاف تتسبب في تشكيل حلقة.

Fig. 1: gravitational effect around the Roche limit, when objects get close to Sun.

الشكل 1: التأثير الجاذبي قرب حدّ روش؛ عندما تقترب الأجرام من الشمس

 

وللمزيد من جوانب الرّد على تفسير د. نوفل؛ انظر: رد بتفصيل علمي (شرعي) على د. احمد نوفل بانكاره انشقاق القمر / د.عبدالسلام أبوسمحة.  على الرابط ([116]).

10) سجود الشمس تحت العرش

سُئلَ عن فحوى الحديث الذي يشير إلى سجود الشمس تحت العرش ([117]).  و بتقديري أنّ الإجابة كانت مجتزأة منقوصة.

الرّد عليه: يروي البخاري في صحيحه: (قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لأبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ؟، قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فإنَّهَا تَذْهَبُ حتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فيُؤْذَنُ لَهَا ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ، فلا يُقْبَلَ منها، وتَسْتَأْذِنَ فلا يُؤْذَنَ لَهَا يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِهَا، فَذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: }وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذلكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ] {يس: 38[) ([118]).

لقد كتبت بحثاً في موضوع هذا الحديث الشريف وفي موضوع الآية الكريمة: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذلكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ] {يس: 38[).  البحث بعنوان (تفسير قوله تعالى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، وهو موجود على الرابط في الحاشية ([119]).  وأقتبس منه الآتي: مستقر الشمس الحالي: من بعض جوانبه أن هنالك توازن بين قوة جذب الشمس على نفسها مع قوة ضغط إشعاعها، وكذلك حركتها الحالية المستقرة، فَمُسْتَقَرُّهَا بُلُوغهَا الْمَوْضِع الَّذِي لَا تَتَجَاوَزهُ بَلْ تَرْجِع مِنْهُ: فهي لَا تَزَال تَنْتَقِل فِي مَطَالِعهَا الصَّيْفِيَّة إِلَى مُدَّة لَا تَزِيد عَلَيْهَا ثُمَّ تَنْتَقِل فِي مَطَالِع الشِّتَاء إِلَى مُدَّة لَا تَزِيد عَلَيْهَا: (يُقَال لَهَا اِرْتَفِعِي اِرْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت فَتَرْجِع فَتُصْبِح طَالِعَة مِنْ مَطْلِعهَا).  فهي دوما ساجدة تحت العرش شأنها شأن كل مخلوق: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) (الرعد 15).  فهي في مستقرها وسجودها هذا تصْبِح طَالِعَة مِنْ مَطْلِعهَا.  إنّ العرش فوق كل مخلوق: الأرضون السبع الطباق يحملن المجرات والنجوم.  ومن فوقهن السماوات السبع الطباق.  والجنة فوق السماوات السبعوإن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، والفردوس أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة.  ومن هذا القبيل القول أن الشمس (تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى مُسْتَقَرّهَا تَحْت الْعَرْش فَتَخِرُّ سَاجِدَة فَلَا تَزَال كَذَلِكَ).

ثم يأتي مستقر الانقلاب الكوني (وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا اُطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت فَتَطْلُع مِنْ مَغْرِبهَا).  فتصبح طالعة من مغربها، ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.  والْمُرَاد بِمُسْتَقَرِّهَا هُوَ مُنْتَهَى سَيْرهَا وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة يَبْطُل سَيْرهَا وَتَسْكُن حَرَكَتهَا وَتُكَوَّر وَيَنْتَهِي هَذَا الْعَالَم إِلَى غَايَته وَهَذَا هُوَ مُسْتَقَرّهَا الزَّمَانِيّ الأُخروي يوضحهُ الحديث: (من سرّهُ أن ينظرَ إلى يومِ القيامةِ كأنّه رأَيَ العينِ فليقرأ إِذَا الشّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ). والتَّكْوِير جَمْع الشَّيْء بَعْضه عَلَى بَعْض وَمِنْهُ تَكْوِير الْعِمَامَة وَجَمْع الثِّيَاب بَعْضهَا إِلَى بَعْض فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى " كُوِّرَتْ " جُمِعَ بَعْضهَا إِلَى بَعْض ثُمَّ لُفَّتْ فَرُمِيَ بِهَا وَإِذَا فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ ذَهَبَ ضَوْءُهَاعندما تصبح الشمس في طور العملاق الأحمر تحصل تفاعلات الاندماج النووي في قشرة خارج قلب الشمس والمكون من الهيليوم.  وبالتي لا يوجد ضغط إشعاعي ليحول دون انكماش هذا القلب على نفسه.  فتتكور الشمس على نفسها بفعل قوة جاذبيتها الذاتية لتصبح نجم قزم أبيض (White dwarf star) تتراص فيه الإلكترونات.  فيعادل ضغط الإلكترونات (حسب مبدأ الاستبعاد للفيزيائي باولي) قوة جذب الشمس على نفسها (وهذا مستقر).  وهذا المستقر هو تكور الشمس على نفسها، فتضغط لتصبح كثافتها كبيرة (109 kg/m3 ).

11) تفسيره المغالط للآية الكريمة: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ)

يقول تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (القصص: 71- 72).

يقدم د. نوفل فهمه وتفسيره المغلوط لهذه الآية؛ فيقول: "أو الأرض كلها معتمة؛ ما هياش في مدار الشمس! خارج مدار الشمس واشوه المشكلة على الله يسير"   ([120]).

الرّدّ عليه: لقد كان بوسع د. نوفل أن لا يقحم نفسه في تقديم التفسير الفيزيائي.  وكذلك فإنّ جملته "ما هياش في مدار الشمس! خارج مدار الشمس! " غير صحيحة من حيث الصياغة اللغوية! فلعله أراد المعنى أنّ الأرض خارج نطاق المجموعة الشمسية ولا تدور حول الشمس!

الوضع أو الحالة التي تعرضها الآية تكون في حالة ما يسمى (synchronous rotation)؛ حيث يتساوى اليوم والسنة.  أي يكون زمن دورة الأرض حول محورها (طول اليوم) يساوي زمن دورة الأرض حول الشمس (طول السنة).  فلا يتغيّر الجزء من الأرض الذي يقابل الشمس (النهار سرمداً)، ولا يتغيّر الجزء الباقي الذي لا يصله ضوء الشمس (الليل سرمداً).

توضّح الأبحاث الفلكيّة أنّ معظم الكواكب التي ترتبط بنجوم مثل شمسنا ويكون بعدها عن شمسها أقل من 0.15AU (حيث AU متوسط بعد الأرض عن الشّمس) تكون قيم التغاير المركزي لمداراتها (eccentricities) أقل من 0.05.  وبالتالي، يفترض تزامن دورة هذه الكواكب حول نفسها مع زمن دورانها حول نجمها (rotate synchronously with their orbital period)وبالتالي فإنَّ نفس الوجه من الكوكب هو الّذي يقابل نجمه دائماً (Bodenheimer et al 2001).  بالنِّسبة لدوران القمر حول الأرض، تتزامن الدورتان، ممّا يجعلنا دائماً نرى أحد وجهيّ القمر (Parker 1984, p. 157).

وبيّنت الأحاديث أن هذا الأمر سيحصل للكرة الأرضيّة يوم القيامة، إذْ ستقترب الأرض كثيراً من الشّمس، بحيث تتزامن دورة الأرض حول نفسها مع زمن دورانها حول الشّمس، وبالتالي فإنَّ نفس الوجه من الأرض هو الّذي يقابل الشّمس يوم القيامة، وهذا يصدّقه القرآن والأحاديث التي أكّدت أنّ طول يوم القيامة خمسين ألف سنة .

تتبع معظم الكواكب (وليس جميعها) لنجومها.  لكنّ الفهم الذي يقدمه د. نوفل لا ينسجم مع الآية: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)؛ فكيف يكون نهار (النَّهَارَ سَرْمَدًا) إذا انتزعت الأرض وأخرجت من المجموعة الشمسية لتبقى في معزل (rogue planet) كما يخيّل للدكتور نوفل.

A rogue planet (also termed an interstellar, nomad, free-floating, unbound, orphan, wandering, starless, or sunless planet) ([121]): It is a planetary-mass object that does not orbit a star directly. Such objects have been ejected from the planetary system in which they formed or have never been gravitationally bound to any star or brown dwarf.[1][2][3] The Milky Way alone may have billions to trillions of rogue planets, a range which the upcoming Nancy Grace Roman Space Telescope will likely be able to narrow down.[4][5]

Some planetary-mass objects may have formed in a similar way to stars, and the International Astronomical Union has proposed that such objects be called sub-brown dwarfs.[6] A possible example is Cha 110913-773444, which may have been ejected and become a rogue planet, or formed on its own to become a sub-brown dwarf.[7]

كوكب مارق (يُطلق عليه أيضًا كوكب بين النجوم، أو شارد، أو عائم، أو غير مقيد، أو يتيم، أو متجول، أو عديم النجم، أو كوكب بلا شمس): إنه جسم ذو كتلة كوكبية لا يدور حول نجم بشكل مباشر. تم طرد مثل هذه الأجسام من النظام الكوكبي الذي تشكلت فيه، أو أنها لم ترتبط قطُّ جاذبيًا بأي نجم أو قزم بني. قد تحتوي مجرة درب التبانة وحدها على مليارات إلى تريليونات من هذه الكواكب المارقة، وهذا النطاق الواسع من المحتمل أن يتمكن التلسكوب الفضائي الروماني (Nancy Grace Roman Space Telescope) القادم من تضييقه ومعرفة أعدادها بدقة أفضل.

قد تكون بعض الأجسام ذات الكتلة الكوكبية قد تكونت بطريقة مشابهة للنجوم، وقد اقترح الاتحاد الفلكي الدولي أن تسمى هذه الأجسام بالأقزام شبه البنية. أحد الأمثلة المحتملة هو Cha 110913-773444، والذي ربما تم طرده وأصبح كوكبًا مارقًا، أو تشكل بمفرده ليصبح قزمًا شبه بني.

ومن أخطاء د. نوفل اللغوية في الحلقة نفسها: "يقول عن الليل والنهار نحن محتاجونهما !" (الزمن: 17:18).  وقوله: "لكن نحن من بني سِرحان" (الزمن: 29:20).  الاحترام والتقدير لعائلة بني سِرحان، والصوابُ يا د. نوفل أن تقول سَرْحان؛ وليس سِرحان.  ومن الغرائب ذكره كلمة مستحيل مع ترجمتها، لكن ليس بالانكليزية هذه المرّة، وإنّما الآن بالفرنسية (بناءً على قوله)! (الزمن: 33:55).  وأقول: حبذا لو أنّ د. نوفل بدلا من أن يشغل نفسه في الترجمات (انكليزي، فرنسي)، وبدلا من أن يشغل نفسه بمحاولات يائسة للحديث بما ليس له به أدنى علم من مواضيع الفلك والفيزياء! حبذا لو يشغل نفسه بالتحضير والتأصيل لتفسير الآيات حتى يجنب نفسه الأخطاء الجوهرية؛ التي تصل أحياناً إلى مخالفة صريح القرآن! بل ومخالفة مسلمات العقيدة! ومخالفة الحقائق العلميّة !

12) أمواج الصوت الصادرة عن الجمادات

ينكر د. نوفل سماع أمواج الصوت الصادرة عن الجمادات!

الآية: (وإن من شيءٍ إلَّايُسبِّحُ بحمدِه وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: 44)

يقول د. نوفل: " (وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) أوراق الشجر كل ورقة بتسبح، كل ذرة بالورقة بتسبح، لو كنت بتسمع مش حتنام، واحد بحكي مع حاله، إذا " وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " لا تسمعون، بلغتهم لا تفقهون يعني لو ترجمت مش حتفهم.  لا تفقهون إذاً لا تسمع ولا تفهم لغتهم لأنها لغة صامتة." ([122])

الرّد على د. نوفل:  لقد جمعتُ مادّة ورتّبتها من أجل تفسير قوله تعالى: (وإن من شيءٍ إلَّايُسبِّحُ بحمدِه).  ومن أراد التفاصيل الفيزيائية فيمكنه مراجعة المادة على الرابط في الحاشية ([123]).

وأختصر هنا، لأقول أنّ هذه الأمواج الصوتية الصادرة عن الأشياء يمكننا سماع بعضها، ويمكن رصد أو تسجيل جميع أشكالها.  ولقد أخبرنا سبحانه أنّ كلّ شيء في الوجود يسبّح، وأخبرنا أننا لا نفقه تسبيح الأشياء، ولم يخبرنا سبحانه أنه يتعذر سماع تسبيح هذه الأشياء كما يدّعي د. نوفل، فهنالك فرق بين أن نسمع الصوت أو الكلام وبين أن نعيه أو نفقهه.  الآية تقرّر أننا لا نفقه تسبيح الأشياء، ولم تنف الآية إمكانية سماع أصوات تسبيح الأشياء: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا )  (الإسراء: 44).

وللتقريب، فقد نسمع محطات تلفزة تبث بلغات مختلفة، وكلٌّ يفهم ويفقه بقدر إلمامه باللغة المتحدَّثِ بها، وبقدر إلمامة بالمحتوى العلمي للمادة المطروحة، وبقدر انتباهه ...  نعم الكل قد يسمع، لكن ليس الكل يفقه ويعي.  إذاً نستطيع أن نسمع بعض أمواج الصوت الصادرة عن المادة بجميع حالات المادة (الصلبة، السائلة، الغازية، والبلازما)، ونستطيع أن نفسّر فيزيائياً المسبب لهذه الأمواج، لكن المتعذر هو أن نترجم أمواج الصوت هذه إلى لغة بشرية؛ اللغة العربية مثلاً.

إذاً عبارة د. نوفل ("وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" لا تسمعون، بلغتهم لا تفقهون، يعني لو ترجمت مش حتفهم.  لا تفقهون إذاً لا تَسْمع ولا تفهم لغتَهم لأنها لغة صامتة) عبارة خاطئة فيزيائيا وبدهياً .

في اللغة العربية هنالك أسماء لأصوات الإنسان والحيوانات والحشرات والجمادات ويعرف د. نوفل بعض أسماء هذه الأصوات، فأستغرب كيف يدّعي أنّها لا تُسمع! بل وكيف يساوي بين كلمتي: تسمعون و تفقهون؟!، والقرآن قد فرّق بينهما .

"لا يفقهون" لا تعني "لا يسمعون"، ودليله من القرآن الآيات التالية:

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف 179)

(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (التوبة: 81)

(حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) (الكهف: 93 - 94)

(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) (الفتح: 15)

(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) (المنافقون: 7)

ويقول الله تعالى مبيّناً اعتراف وندم الكافرين يوم القيامة: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) (الملك: 10).  يقول السّعدي في تفسيره: "( وَقَالُوا ) معترفين بعدم أهليتهم للهدى والرشاد: ( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) فنفوا عن أنفسهم طرق الهدى، وهي السمع لما أنزل الله، وجاءت به الرسل، والعقل الذي ينفع صاحبه، ويوقفه على حقائق الأشياء، وإيثار الخير، والانزجار عن كل ما عاقبته ذميمة، فلا سمع ]لهم[ ولا عقل، وهذا بخلاف أهل اليقين والعرفان، وأرباب الصدق والإيمان، فإنهم أيدوا إيمانهم بالأدلة السمعية، فسمعوا ما جاء من عند الله، وجاء به رسول الله، علمًا ومعرفة وعملًا."

وقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36).  يقول الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: لا تقل للناس وفيهم ما لا علم لك به، فترميهم بالباطل، وتشهد عليهم بغير الحقّ، فذلك هو القفو. ".  وأقول: أنّ هذا التفسير يُذكّرُني بتقوّلات د. نوفل على السّنة، وعلى التفاسير.

14) ردّه الحديث: (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ) رغم ثبوته في صحيح البخاري

يقول د. نوفل: "الحديث (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) من خرجه؟! وإن صحّ؛ فهو بحاجة إلى تخريج سياسي"! ([124]).  يقول هذا مع العلم أنّه ومنذ عقود طويلة لا يوجد كيان سياسي للأمة المسلمة؛ والشريعة الإسلامية أقصيت ولا تحكم واقع الأمة المسلمة.  ومعلومٌ أن إقامة الحدود منوطة بالحاكم المسلم (أو القاضي يحكم بأمر الله).  وبالتالي أقول: ليتنا نعرف هدف د. نوفل من مناقشة هذا الحديث في ضوء علمه بالحال! فلعلّ هدفه محصور في التّشكيك في حديث نبويّ ثابت أورده الإمام البخاريّ في صحيحه!.

د. نوفل في تسجيلاته على اليوتيوب يناقش أمور معظمها لا يمت للواقع!  جزء من تسجيلاته كما رأيتم وسترون في ثنايا هذا الكتاب هو بهدف التشكيك في أحاديث صحيحة؛ بل وأحياناً في البخاري ومسلم!.  ولله درُّ الشاعر إذ يقول:

أَهلُ الحَدِيثِ هُمُو أَهلِي وَالعِزُّ كُلُّ العِزِّ عِندَ حَدثَنَا

وَقَولِهِم فِي ذَا إِنَّهُ ثِقَةٌ وَذَاكَ وَضَّاعٌ وَهَذَا كَيِّسٌ فَطِنَا

وَيَعلُوا بِهم مِقدَارُ مَادِحَهُم وَيَسفُلُ مَن عَادَاهُمُوا حَسَدَا

 (أُتِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، بزَنادِقَةٍ فأحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذلكَ ابْنَ عبَّاسٍ، فقالَ: لو كُنْتُ أنا لَمْ أُحْرِقْهُمْ، لِنَهْيِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تُعَذِّبُوا بعَذابِ اللَّهِ ولَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ.) ([125])

(أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عنْه، حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقالَ: لو كُنْتُ أنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: لا تُعَذِّبُوا بعَذَابِ اللَّهِ، ولَقَتَلْتُهُمْ كما قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ.) ( الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم:  3017، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[. )

- (مَنْ بدَّل دينَه فاقتُلوه) ([126]).

شرح الحديث: نهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ التَّعذيبِ بالنَّارِ بقولِه: لا يُعذِّبْ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ، وفي هذا الحديثِ أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه حرَّق قومًا بالنَّار، وهم السَّبَئِيَّةُ أتباعُ عبدِ اللهِ بن سَبَأٍ عليه مِن اللهِ ما يستحِقُّ، وكانوا يزعُمون أنَّ عليًّا ربُّهم! تعالى اللهُ وتقدَّس عن مقالتِهم، وقد جمَعهم علِيٌّ رضي الله عنه وأحرَقهم بالنَّارِ؛ مُبالَغةً في إذلالِهم على ما ادَّعَوْه مِن الشِّركِ والبهتانِ، وهذه حادثةُ عينٍ واجتهادُ من عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه خالفه فيه بعضُ الصحابةِ ومنهم عبدُ اللهِ بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما فلمَّا بلَغه ذلك، قال: لو كُنتُ مكانَه لَمَا أحرَقْتُهم، ثمَّ ذكَر قولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لا تُعذِّبوا بعذابِ اللهِ»، ولقتَلْتُهم؛ كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَن بدَّل دِينَه فاقتُلوه».

وفي الحديثِ: فضْلُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وسَعة عِلْمه وفِقهه بأحاديثِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.  وفيه: أدبُ الإنكارِ على المخالِف.  وأقول: يتوارى د. نوفل خلف الإشادة بعلم ابنِ عبَّاسٍ، فلا أدر لماذا يردّ روايته هذه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟!

أحاديث الصحيحين في حرب المرتدين:

لقد أصرّ خليفةُ رسول الله أبو بكر على حرب المرتدين إنطلاقاً من قول رسول الله (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ).  واليوم يخرج د. نوفل ليقول: "الحديث (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) من خرجه؟! وإن صحّ؛ فهو بحاجة إلى تخريج سياسي"!.

سؤال: هل سمع د. نوفل بحرب الرّدّة؟! هل سمع قولَ أبي بكر (واللَّهِ لو مَنَعُونِي عَناقًا كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِها):  هل سمع قولَ عمر: (فَواللَّهِ ما هو إلَّا أنْ رَأَيْتُ أنْ قدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ لِلْقِتالِ، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ).  أنتظر جواب د. نوفل ؛ إن كان يسمح له كبرياؤه.

سؤال: هل يخيل للدكتور نوفل أنّ الخير للأمة في تجاهل حديث رسول الله وتجاهل موقف خليفتيه الّذيْن زكاهما الله؟! لينشدوا الصواب عند د. نوفل؟!. هل يؤمن د. نوفل بخيرية القرون الثلاثة الأول؟:

 (خيرُ القرونِ قرني الذي بعثتُ فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ([127]).  (خيرُ القُرونِ قرني ثُمَّ الذين يلونَهم ثُمَّ الذين يلونَهم ثُمَّ يفشو الكَذِبُ) ([128]).

وفيما يلي الروايات التي تبين موقف الصّدّيق رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المرتدين:

(لَمَّا تُوُفِّيَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واسْتُخْلِفَ أبو بَكْرٍ، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قالَ عُمَرُ: يا أبا بَكْرٍ، كيفَ تُقاتِلُ النَّاسَ، وقدْ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فمَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فقَدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بحَقِّهِ، وحِسابُهُ علَى اللَّهِ قالَ أبو بَكْرٍ: واللَّهِ لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عَناقًا كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِها قالَ عُمَرُ: فَواللَّهِ ما هو إلَّا أنْ رَأَيْتُ أنْ قدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ لِلْقِتالِ، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ.) ([129]).

 (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وكانَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: كيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وقدْ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فمَن قالَهَا فقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بحَقِّهِ، وحِسَابُهُ علَى اللَّهِ فَقالَ: واللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ، فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِهَا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: فَوَاللَّهِ ما هو إلَّا أنْ قدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ.) ([130]).

 (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واسْتُخْلِفَ أبو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قالَ عُمَرُ لأبِي بَكْرٍ: كيفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وقدْ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فمَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ ونَفْسَهُ، إلَّا بحَقِّهِ وحِسَابُهُ علَى اللَّهِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ، فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِهِ، فَقالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ ما هو إلَّا أنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قدْ شَرَحَ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ. قال ابن بكير وعبدالله عن الليث (عناقا) وهو أصح) ([131]).

 (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، واسْتُخْلِفَ أبو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ: كيفَ تُقاتِلُ النَّاسَ، وقدْ قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فمَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فقَدْ عَصَمَ مِنِّي مالَهُ، ونَفْسَهُ، إلَّا بحَقِّهِ وحِسابُهُ علَى اللهِ، فقالَ أبو بَكْرٍ: واللَّهِ لأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بيْنَ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ، واللَّهِ لو مَنَعُونِي عِقالًا كانُوا يُؤَدُّونَهُ إلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لَقاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِهِ، فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: فَواللَّهِ، ما هو إلَّا أنْ رَأَيْتُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قدْ شَرَحَ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ لِلْقِتالِ، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ.) ([132]).

15) الملأُ حولَ فرعون يسميه د. نوفل " بٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ اللي حوالين فرعون"

يقول د. نوفل: "فما بال القرون الأولى" سؤال ذكي خبيث يسجله القرآن لنحكم احنا على العقل كيف يفكّر، لك أن تتخيل إنه المجلس عامر بال بالملأ الأعلى اللي حوالين فرعون وزراؤه مثلاً بعض شخصيات بعض الكبار الأثرياء ولا غيره ...!  ([133]).

الرد على د. نوفل: (الملأ الأعلى) لفظ يطلق على أكابر الملائكة المقربين عند ربهم: جبريل إسرافيل ميكائيل عليهم السلام ....  (ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ) أي الملائكة المقربون، والملأ هم الأشراف الذين يملئون المجالس والصدور عظمة وإجلالا ووصفوا بالأعلى إما لعلو مكانهم وإما لعلو مكانتهم عند الله تعالى.  فأستغرب كيف أنّ د. التفسير نوفل يستخدم هذا الإسم ليطلقه على الكفار " اللي حوالين فرعون وزراؤه "، وهذا الإسم أو الوصف يوجد في آية قرآنية: (مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) (ص: 69)).  وإن د. نوفل استخدم هذا الإسم استخداماً سليما على الأقل في المحاضرة على الرابط في الحاشية ([134]).

16) الاطمئنان يريده الرحمن ويؤكده القرآن ولا يرتضيه نوفل إلا لنفسه

يقول د. التفسير أحمد نوفل: بس مولانا بورجيك أحياناً بعض الهزات بعض الزلازل عشان يفهمك إنه أنا القدير إوعى تطمئن! بحرك شويه بخلع قلبك من محله بس عشان أذكرك إنه الكون فيه إله، إله مدبّر قديرإنْتَه اطمأنيت كيف الطيارة إذا بتطير وهي ماشية: آه بيرة إذا سمحت، واحد قله واين إذا سمحت، واحد قله Scotch إذا سمحت! بدت الطيارة ترجف، قلّه شيل شيل يا ألله يا ألله! ([135]).... والله مرة جايين من جدة، وبدت الطيارة ترقص، إطلعت على وجه الركاب ليمون كلها صارت؛ والله من فضل الله ما اهتز شعرة مش ... ([136]).

الرّد على د. نوفل: سؤال: إذا كان الله تعالى لا يريدك أن تطمئن على حدّ قولك: " إوعى تطمئن"! فلماذا لم تهتز لك شعرة ؟! أم أننا لا نعي ما نقول؟!

هل صحيح أن الله تعالى لا يريد لعباده الاطمئنان؟!  الجواب ليس من جعبة د. نوفل وإنما القول الحقّ بين واضح في كتاب الله لمن أراده:

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( (البقرة: 260).  إذا يَطْمَئِنُّ القلبُ بكمال الإيمان .

(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( (آل عمران: 126).  (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (الأنفال: 10).  الله سبحانه يريد الاطمئنان لأهل بدر: (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ)، (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ)، بينما د. نوفل يرى الإطمئنان نقصاً !

(فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ( (النساء: 103)

سؤال استنكاري في معرض مناقشة فهم لا يستقيم يا د. نوفل: هل يريد ربنا أن لا نطمئن ؟! أم أنّ ربنا سبحانه يأمرنا: (فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) ؟!

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).  نعم بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، وليس بالغفلة. وبالتالي ليس الاطمئنان عيباً أو نقصاً .

(مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النحل: 106)

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( (النحل: 112)

القلوب المطمئنة: (كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ).  وأما الكفر فهو الذي يجلب ويستوجب: (لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)

( قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا ) (الإسراء: 95).  ألله سبحانه يصف الملائكة الأخيار الأطهار الأبرار أنهم " مُطْمَئِنِّينَ "، بينما يرى د. نوفل أنّ الإطمئنان نقص!

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (الفجر: 27 - 30)

عزيزي د. نوفل: يُفترضُ أنّك تفسر كتاب الله، يَتوقّعُ منك السامعُ أن تفسر كلام الله.  فليتك تعطي للتحضير وقتاً، ولو على حساب الإخراج، أو المفردات الإنجليزية " Scotch "، فإنني كمستمع هذا الذي أنشده عند المفسر.   ألا هل بلغت أللهمّ فاشهد، والحكمة ظالة المؤمن أنّا وجدها فهو أحقّ الناس بها.

17) يزعم أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج، ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم

يزعم د. نوفل أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج، ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم، فيقول: يأجوج ومأجوج محبوسين تحت الطاولة! أين هم شيل الطاولة خلينا نشوف حجي (نظرات في سورة الكهف - الحلقة 29). ويقول أيضاً: " مش ملاحظ إنه يأجوج اسم فاعل ومأجوج اسم مفعول ...  ما فيه ناس مخبّاية!  ...  نحن عندنا التصوّر الحقّ ....  أنا بشرح مش بسرح ... ألخ " ([137]). 

الآيتان الكريمتان: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) (الأنبياء: 96، 97).

يقول ابن كثير: وقال: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) (الكهف: 98، 99)، وقال في هذه الآية الكريمة: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) أي: يسرعون في المشي إلى الفساد. ... .ألخ.

 ويتابع ابن كثير مستشهداً بالحديث الشريف: (... ثم يرسل اللهُ مطرًا لا يَكِنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٌ. فيغسل الأرضَ حتى يتركها كالزَّلفَةِ. ثم يقال للأرض : أَنبِتي ثمرَك، ورُدِّي بركتَك. فيومئذٍ تأكل العصابةُ من الرُّمَّانةِ. ويستظِلُّون بقِحْفِها. ويبارك في الرَّسْلِ. حتى أنَّ اللقحةَ من الإبلِ لتكفي الفِئامَ من الناس. واللَّقحةُ من البقرِ لتكفي القبيلةَ من الناس. والّلقحةُ من الغنمِ لتكفي الفَخِذَ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث اللهُ ريحًا طيِّبَةً. فتأخذُهم تحت آباطِهم. فتقبض رُوحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مسلمٍ. ويبقى شِرارُ الناسِ، يتهارَجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعةُ) ([138] )

"فيَغْسِلُ الأرضَ حتَّى يَتْرُكَها كالزَّلَفَةِ" وهي المِرْآةُ، والمرادُ: أنَّ الماءَ يَعُمُّ جميعَ الأرضِ بحيث يَرى الرائي وجهَه فيه

ويقول ابن كثير: " وقوله: ( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) يعني: يوم القيامة، إذا وجدت هذه الأهوال والزلازل والبلابل، أزفت الساعة واقتربت ... ".

الآية الكريمة: (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)

يزعم د. نوفل أن كل حضارة هي يأجوج ومأجوج؛ وليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج؛ ويتهكم على النصوص فيقول: يأجوج ومأجوج محبوسين تحت الطاولة! أين هم شيل الطاولة خلينا نشوف حجي؟!  فيقول له المحاور مقدم البرنامج؛ الآية: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) (الكهف: 94والآية (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)  (الكهف: 95).

 الرّد على د. نوفل: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) (الأنبياء - 96 97).   هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ وَقَوْله " وَاقْتَرَبَ الْوَعْد الْحَقّ " يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة (ابن كثير).  وفي الحديث أن من علامات الساعة نُزُول عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَخروج قوم يَأَجُوج وَمَأْجُوج: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) (الكهف 98).  وَقَوْله: " قَالَ هَذَا رَحْمَة مِنْ رَبِّي " أَيْ لِمَا بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ الجدار " قَالَ هَذَا رَحْمَة مِنْ رَبِّي " أَيْ بِالنَّاسِ حَيْثُ جَعَلَ بَيْنهمْ وَبَيْن يَأْجُوج وَمَأْجُوج حَائِلًا يَمْنَعهُمْ مِنْ الْعَبَث فِي الْأَرْض وَالْفَسَاد.

تفسير المنار - الذي غالباً ما يرجع إليه نوفل – يتوقف قبل تفسير هذه السورة.

 الأحاديث:

(ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فيه وَرَفَّعَ، حتَّى ظَنَنَّاهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذلكَ فِينَا، فَقالَ: ما شَأْنُكُمْ؟ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فيه وَرَفَّعْتَ، حتَّى ظَنَنَّاهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقالَ: غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي علَيْكُم، إنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فأنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وإنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتي علَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إنَّه شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بعَبْدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ، فمَن أَدْرَكَهُ مِنكُمْ، فَلْيَقْرَأْ عليه فَوَاتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ، إنَّه خَارِجٌ خَلَّةً بيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، وَما لَبْثُهُ في الأرْضِ؟ قالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، فَذلكَ اليَوْمُ الذي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فيه صَلَاةُ يَومٍ؟ قالَ: لَا، اقْدُرُوا له قَدْرَهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، وَما إِسْرَاعُهُ في الأرْضِ؟ قالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتي علَى القَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فيُؤْمِنُونَ به وَيَسْتَجِيبُونَ له، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عليهم سَارِحَتُهُمْ، أَطْوَلَ ما كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتي القَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عليه قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عنْهمْ، فيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ ليسَ بأَيْدِيهِمْ شيءٌ مِن أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بالخَرِبَةِ، فيَقولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبيْنَما هو كَذلكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ علَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتَّى يُدْرِكَهُ ببَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بدَرَجَاتِهِمْ في الجَنَّةِ، فَبيْنَما هو كَذلكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إلى عِيسَى: إنِّي قدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَانِ لأَحَدٍ بقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إلى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ علَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ ما فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فيَقولونَ: لقَدْ كانَ بهذِه مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حتَّى يَكونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِن مِئَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ اليَومَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فيُرْسِلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغَفَ في رِقَابِهِمْ، فيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى الأرْضِ، فلا يَجِدُونَ في الأرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى اللهِ، فيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لا يَكُنُّ منه بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأرْضَ حتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَومَئذٍ تَأْكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ في الرِّسْلِ، حتَّى أنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفِي الفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفِي القَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكْفِي الفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبيْنَما هُمْ كَذلكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعليهم تَقُومُ السَّاعَةُ. 7484- [111-...] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، وَالْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، قالَ ابنُ حُجْرٍ: دَخَلَ حَديثُ أَحَدِهِما في حَديثِ الآخَرِ، عن عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، بهذا الإسْنَادِ، نَحْوَ ما ذَكَرْنَا. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لقَدْ كانَ بهذِه مَرَّةً مَاءٌ، ثُمَّ يَسِيرُونَ حتَّى يَنْتَهُوا إلى جَبَلِ الخَمَرِ، وَهو جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ، فيَقولونَ: لقَدْ قَتَلْنَا مَن في الأرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَن في السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بنُشَّابِهِمْ إلى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عليهم نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا وفي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: فإنِّي قدْ أَنْزَلْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَيْ لأَحَدٍ بقِتَالِهِمْ.) ([139] ) .

(ذَكَرَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ الدَّجَّالَ ذاتَ غداةٍ، فخفَّضَ فيهِ ورفَّعَ حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخلِ، فلمَّا رُحنا قال فانصَرفنا مِن عندِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ثمَّ رجَعنا إليه فعرفَ ذلك في وجوهِنا، فقالَ : ما شأنُكُم؟ قال: قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ ذَكَرتَ الدَّجَّالَ الغداةَ فخفَّضتَ، ورفَّعتَ حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخلِ، قال: غيرُ الدَّجَّالِ أخوَفُ لي عليكُم إن يخرُجْ وأَنا فيكُم، فأَنا حَجيجُهُ دونَكُم، وإن يخرُج ولستُ فيكُم فامرؤٌ حجيجُ نفسِهِ، واللَّهُ خَليفتي على كلِّ مسلمٍ إنَّهُ شابٌّ قططٌ، عَينُهُ قائمةٌ شبيه بعبدِ العزَّى بنِ قطنٍ، فَمن رآهُ منكُم فليَقرأْ فواتحَ سورةِ أصحاب الكَهْفِ قال: يخرُجُ ما بينَ الشَّامِ والعِراقِ، فعاثَ يمينًا وَ شمالًا، يا عبادَ اللَّهِ فاثبُتوا قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ وما لُبثُهُ في الأرضِ؟ قال: أربَعين يومًا، يومٌ كَسنةٍ، ويومٌ كشَهْرٍ، ويومٌ كجُمعةٍ، وسائرُ أيَّامِهِ كأيَّامِكُم قال: قُلنا:  يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ اليومَ الَّذي كالسَّنةِ أتكفينا في صلاةُ يومٍ؟ قال: لا، ولكن اقدُروا لهُ. قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ فما سرعتُهُ في الأرضِ؟ قالَ: كالغيثِ استدبرتهُ الرِّيحُ فيأتي القومَ فيدعوهُم فيكذِّبونَهُ ويردُّونَ عليه قولَهُ فينصَرِفُ عنهُم فتتبعُهُ أموالُهم فيصبِحونَ ليسَ بأيديهِم شيءٌ. ثم يأتي القومَ فيدعوهُم فيستجيبونَ له ويصدِّقونَهُ، فيأمرُ السَّماءَ أن تُمْطِرَ، فتُنبتُ، فتروحُ عليهم سارحتُهُم كأطوَلَ ما كانَت ذرًى، وأمدَّهُ خواصرَ، وأدرَّهُ ضروعًا، ثم يأتي الخَربةِ فيقولُ لَها: أخرِجي كنوزَكِ فينصرِفُ منها فتتبعُهُ كنوزُها كيعاسيب النَّحلِ، ثم يدعو رجلًا شابا ممتلئًا شبابًا فيضربُهُ بالسَّيفِ فيقطعُهُ جزلتينِ، ثمَّ يدعوهُ فيقبلُ يتَهَلَّلُ وجهُهُ يضحَكُ، فبينما هوَ كذلِكَ إذ هبطَ عيسى بنَ مريمَ بشرقيِّ دمشقَ عندَ المَنارةِ البيضاءِ بينَ مَهْرودتينِ، قال: ويمرُّ واضعًا يدَه على أجنحةِ ملَكَينِ، إذ طَأطأَ رأسَهُ قطر، وإذا رفَعهُ تحدَّرَ منه جُمانٌ كاللُّؤلؤِ، قال: ولا يحلُّ لِكافرٍ يجدُ ريحَ نَفسِهِ – يعني أحدًا إلَّا ماتَ، وريحُ نَفسِهِ مُنتهى بصرِهِ، قال: فيطلُبُهُ حتَّى يدرِكَهُ بباب لدٍّ، فَيقتلُهُ. قال:  فيَلبَثُ كذلِكَ ما شاء اللَّهُ؟ قال: ثُمَّ يوحي اللَّهُ إليهِ أن جوِّزْ عِبادي إلى الطُّورِ فإنِّي قد أنزَلتُ عبادًا لي لا يَدَ لأحدٍ بقتالِهِم، قالَ: ويبعَثُ اللَّهُ يأجوجَ ومأجوجَ وَهُم كما قال اللَّه: وهم من كلِّ حدَب ينسِلونَ، أولهم ببُحَيرَةٍ الطَّبريَّة فيشرب ما فيها، ثم يمر بِها آخرُهُم فيقولونَ: لقد كان بهذه مرَّةً ماءٌ، ثم يسيرونَ حتى ينتَهوا إلى جبلِ بيتِ المقدِسِ فيقولونَ: لقد قتَلنا مَن في الأرضِ فهلمَّ فلنقتُلْ مَن في السَّماءِ، فيرمون بنِشابِهم إلى السَّماءِ فيَردُّ اللَّهُ عليهم نِشابَهم مُحمرًّا دمًا، ويحاصَرُ عيسى بنُ مريَمَ وأصحابُهُ حتَّى يَكونَ رأسُ الثورِ يومئذٍ خيرًا لهم مِن مائةِ دينارٍ لأحدِكُمُ اليومَ، قال: فيرغبُ عيسى بنُ مريمَ إلى اللَّهِ وأصحابُهُ قال: فيرسلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغفَ في رقابِهِم فيُصبحونَ فَرسى مَوتى كمَوتِ نفسٍ واحدةٍ، قال: ويهبِطُ عيسَى وأصحابُهُ، فلا يجدُ موضعَ شبرٍ إلا وقد ملأته زَهمتُهم ونتَنُهم ودماؤهم. قال: ونتنُهُم فيرغبُ عيسى إلى اللَّهِ وأصحابُهُ قال، فيرسلُ اللَّهُ، عليهم طيرًا كأعناقِ البُختِ، فتحملُهُم فتطرحُهُم بالمهبَلِ ويستوقِدُ المسلِمونَ من قِسيِّهم ونشابِهم وجِعابِهم سبعَ سنينَ، ويرسِلُ اللَّه علَيهِم مطرًا لا يَكُنُّ منهُ بيتُ وبَرٍ ولا مدَرٍ، قال فيغسلُ الأرضَ فيترُكَها كالزَّلِفةِ، قال ثمَّ يقالُ للأرضِ : أخرِجي ثَمرَتكِ وردِّي برَكَتَكِ، فيومَئذٍ تأكُلُ العِصابةُ منَ الرُّمَّانةِ ويستظِلُّونَ بقَحفِها، ويبارِكُ في الرِّسلِ حتَّى أنَّ الفئامَ مِن النَّاسِ ليكتفونَ باللِّقحَةِ منَ الإبلِ، وأنَّ القَبيلةَ ليكتفونَ باللَّقحَةِ من البَقَرِ، وإن الفخِذَ ليكتفونَ باللَّقحَةِ من الغنَمِ، فبينما هم كذلِكَ إذ بعثَ اللَّهُ ريحًا فقبضَت روحَ كلِّ مؤمنٍ، ويَبقى سائرُ النَّاسِ يتَهارجونَ كما يتَهارجَ الحُمُرِ، فعلَيهِم تقومُ السَّاعةُ)  ( الراوي : النواس بن سمعان،  المحدث: الألباني،  المصدر: صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2240،  خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 16805).

(اطَّلَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقالَ: ما تَذَاكَرُونَ؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قالَ: إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ، الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ.) ( الراوي: حذيفة بن أسيد الغفاري، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم:  2901، خلاصة حكم المحدث:  [صحيح] )

(لقيتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي إبراهيمَ وموسَى وعيسَى قال: فتذاكروا أمرَ الساعةِ فردُّوا أمرَهم إلى إبراهيمَ فقال: لا عِلْمَ لي بها فردُّوا الأمرَ إلى موسَى فقال: لا عِلْمَ لي بها فردُّوا الأمرَ إلى عيسَى فقال: أمَّا وَجْبَتُهَا فلا يعلمُها أَحَدٌ إلا اللهُ ذلكَ وفيما عهدَ إليَّ ربي عزَّ وجلَّ أنَّ الدجالَ خارجٌ قال: ومعي قضيبانِ فإذا رآني ذابَ كما يذوبُ الرَّصاصُ قال: فيُهلكُه اللهُ حتى إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه قالَ: فيُهلكُهم اللهُ ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم قال: فعندَ ذلكَ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ وهم من كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فيَطؤُونَ بلادَهم لا يأتونَ على شيٍء إلا أهلكوهُ ولا يَمرُّونَ على ماءٍ إلا شربوهُ ثم يرجعُ الناسُ إليَّ فيَشكونهم فأدعو اللهَ عليهم فيُهلكُهم اللهُ ويُميتُهم حتى تَجْوَى الأرضُ من نَتْنِ ريحِهم قال: فيُنزلُ اللهُ عزَّ وجلَّ المطرَ فتَجْرُفُ أجسادَهم حتى يَقذفَهم في البحرِ قال أبي: ذهبَ عليَّ هاهُنا شيٌء لم أفهمْهُ كأديمٍ وقال يزيدُ يعني ابنَ هارونَ: ثم تُنسفُ الجبالُ وتُمَدُّ الأرضُ مَدَّ الأديمِ ثم رجعَ إلى حديثِ هُشَيمٍ قال: ففيمَ عَهِدَ إليَّ ربي عزَّ وجلَّ أنَّ ذلكَ إذا كان كذلكَ فإنَّ الساعةَ كالحاملِ المُتِمِّ التي لا يدري أهلُها متى تَفْجَؤُهمْ بولادِهَا ليلًا أو نهارًا) ([140]) .

( ... فبينما همْ كذلِكَ إذْ أوحى اللهُ إلى عيسى: إِنَّي أخرجْتُ عبادًا لا يَدَانِ لأحَدٍ بقِتالِهِمْ فحرِّزْ عبادِي إلى الطُّورِ، ويبعَثُ اللهُ يأجوجَ ومأجوجَ، وهم مِنْ كُلِّ حدَبٍ ينسِلُونَ، فيَمُرُّ أوائِلُهُمْ علَى بُحَيْرَةِ طبرِيَّةَ، فيشربونَ ما فيها ويَمُرُّ آخرُهم، فيقولونَ : لقدْ كان بهذِهِ مرَّةً ماءً! ثُمَّ يسيرونَ حتى ينتَهُوا إلى جبلِ الخمْرِ، وهو جبَلُ بيتِ المقدِسِ فيقولونَ لقدْ قتَلْنا مَنْ في الأرضِ، هلُمَّ فلْنَقَتُلْ مَنْ فِي السماءِ، فيرمونَ بنشابِهم إلى السماءِ، فيردُّ اللهُ عليْهِمْ نشابَهم مخضوبَةً دمًا، ويُحْصَرُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُهُ، حتى يكونَ رأسُ الثورِ لأحدِهم خيرًا مِنْ مائَةِ دينارٍ لأحدِكُمْ اليومَ، فيرْغَبُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُهُ، فيرسِلُ اللهُ عليْهم النغَفَ في رقابِهم، فيَصبحونَ فَرْسَى كموْتِ نفْسٍ واحدَةٍ. ثُمَّ يَهْبِطُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُهُ إلى الأرضِ، فلا يَجدونَ فِي الأرضِ موضِعٌ شبرٍ إلَّا مَلَأهُ زهَمُهُمْ ونَتَنُهُمْ، فيرغَبُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُهُ إلى اللهِ عزَّ وجل، فيرسلُ اللهُ طيرًا كأعناقِ البُخْتِ، فتحملُهم فتطرحُهم حيثُ شاءَ اللهُ، ثُمَّ يرسِلُ اللهُ قطْرًا لا يُكِنُّ منه بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ، فيغسلُ الأرضَ حتى يتركَها كالزلَقَةِ، ثُمَّ يقالُ للأرضِ انبتِي ثَمَرتَكِ، ودِرِّي بَرَكَتَكِ، فيومئذٍ تأكُلُ العصابَةُ مِنَ الرمانَةِ ويستظلُّونَ بقحفِها، ويبارَكْ في الرِّسْلِ، حتى إنَّ اللَّقْحَةَ مِنَ الإبلِ لَتَكْفِي الفئامَ مِنَ الناسِ، واللَّقْحَةَ مِنَ البقَرِ لَتَكْفِي القبيلَةَ منَ الناسِ، واللِّقْحَةَ مِنَ الغنَمِ لَتَكْفِي الفخِذَ مِنَ الناسِ. فبينما هُمْ كذلِكَ إذ بعَثَ اللهُ ريحًا طيبَةً فتأخُذُهُمْ تَحَتَ آباطِهِم، فتَقْبضُ روحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مسلمٍ، ويبقَى شرارُ الناسِ يتهارجونَ فيها تَهارُجَ الحمُرِ، فعليْهِم تقومُ الساعَةُ) ([141] ).

(إنَّها لا تقومُ حتَّى ترَوْا قبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدَّجَّالَ والدُّخَانَ وعيسى ابنَ مَريمَ ويأجوجَ ومأجوجَ والدَّابَّةَ وطُلوعَ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها وثلاثَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشرِقِ وخَسْفٌ بالمَغرِبِ وخَسْفٌ بجزيرةِ العرَبِ وآخِرُ ذلك نارٌ تخرُجُ مِن قَعْرِ عدَنَ أو عَدَنَ أو اليمنِ تطرُدُ النَّاسَ إلى المَحشَرِ ) ( الراوي: حذيفة بن أسيد، المحدث: ابن حبان، المصدر: صحيح ابن حبان، الصفحة أو الرقم: 6843، خلاصة حكم المحدث: أخرجه في صحيحه )

(لن تَكُونَ- أو لن تَقُومَ- السَّاعةُ حتَّى يَكونَ قَبْلَها عشْرُ آياتٍ: طُلوعُ الشَّمسِ مِن مَغْرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ، وخُروجُ يَأْجوجَ ومَأْجوجَ، والدَّجَّالُ، وعيسى ابنُ مريمَ، والدُّخَانُ. وثلاثُ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَغرِبِ، وخَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وخَسْفٌ بجَزيرةِ العربِ. وآخِرُ ذلكَ تَخرُجُ نارٌ مِنَ اليَمَنِ، مِن قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إلى المَحْشَرِ.) ( الراوي: حذيفة بن أسيد الغفاري، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح أبي داود، الصفحة أو الرقم: 4311، خلاصة حكم المحدث: صحيح ).

(أشرَف علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحنُ نتذاكَرُ فقال: (ماذا كُنْتُم تتذاكَرونَ؟) قُلْنا: كنَّا نتذاكَرُ السَّاعةَ فقال: ( إنَّها لا تقومُ حتَّى ترَوْا قبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدَّجَّالَ والدُّخَانَ وعيسى ابنَ مَريمَ ويأجوجَ ومأجوجَ والدَّابَّةَ وطُلوعَ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها وثلاثَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشرِقِ وخَسْفٌ بالمَغرِبِ وخَسْفٌ بجزيرةِ العرَبِ وآخِرُ ذلك نارٌ تخرُجُ مِن قَعْرِ عدَنَ أو عَدَنَ أو اليمنِ تطرُدُ النَّاسَ إلى المَحشَرِ) (الراوي: حذيفة بن أسيد، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج صحيح ابن حبان، الصفحة أو الرقم: 6843، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط الشيخين غير صحابيه فمن رجال مسلم )

تفسير القاسمي: "...وأما قوله: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) فالمراد منه خروجهم بكثرة وانتشارهم في الأرض، كما يخرج الشئ المحبوس أو المضغوط إذا انفجر...". (صفحة 4114)

يقول ابن باز رحمه الله تعالى: "وقد صحت وتواترت هذه الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزول المسيح ابن مريم من السماء في آخر الزمان، ومن خروج يأجوج ومأجوج .... كل هذا ثابت بالأحاديث الصحيحة المتواتراة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنكارها كفر وضلال نسأل الله العافية والسلامة، فالدجال والمسيح ابن مريم ويأجوج ومأجوج، هؤلاء الثلاثة ليس فيهم شك ولا ريب تواترت فيهم الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم. " ([142]) .

يعود د. نوفل مجدّداً ليكرّر إنكاره يأجوج ومأجوج أو ليقدّم تصوراته المغلوطة عنهم؛ فيقول: " ... يأجوج ومأجوج همه يا شيخ محطوطين في خزان تحت الأرض سيبك من التصورات ؟! ... مش ملاحظ إنه يأجوج اسم فاعل ومأجوج اسم مفعول ...  ما فيه ناس مخبّاية!  ...  نحن عندنا التصوّر الحقّ ....  أنا بشرح مش بسرح ... ألخ " ([143]).  يعود د. نوفل ليطرح نفس تصوراته المغلوطة في قضية عقدية (يأجوج ومأجوج) تحسمها الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم! ولقد سبق تفنيد تصوراته والرّدّ عليها.  أقول: يأجوج ومأجوج يولدون بين يدي السّاعة؛ وقبل نزول المسيح عليه السلام، يولدون من سلالة أقوام يعيشون معنا الآن على الكرة الأرضية؛ وأصلهم القديم هم قبائل يأجوج ومأجوج والذين انخرطوا في الفساد زمن وجود ذي القرنين عليه السلام.  لنقل أنّ السلالة الحالية لقبيلتي يأجوج ومأجوج يتواجدون ضمن سكان الصين على سبيل المثال لا الحصر والتحديد.  ما هو الغريب في هذا الأمر حتى يحيله عقل د. نوفل ؟!  "ما فيه ناس مخبّاية!": نعم، لكن المخبّأ هو: من تكون السّلالة الحالية لقبيلتي يأجوج ومأجوج، ومتى يأذن الله بخروجهم للإفساد.  والحقيقة أنّ كلمة يأجوج على وزن (فاعول)؛ وليست على وزن فاعل كما خُيّل للدكتور نوفل ([144]).  تؤكد الروايات شدَّةِ فِتنةِ يأجوجَ ومأجوجَ، وكثرةِ عَددِهم.  وإنّ سكان الصين اليوم هم الأكثر عدداً، ومنهم يتوجّسُالعالمُ خيفة! وأكرّر، إنّني لا أجزم بالقول أنّ السّلالة الحالية لقبيلتي يأجوج ومأجوج يتواجدون ضمن سكان الصين .

المهم بيانه هنا هو أنّ د. نوفل يستعلي على أن يسمع لأحد حتى وإن استدل بصحيحي البخاري ومسلم! 

العبارة: " أنا بشرح مش بسرح ".  ألله أعلم بمراد د. نوفل من هذه العبارة، وفيما يلي بعض مدلولات الكلمة (يَسْرَحُ) ([145]):

يَسْرَحُ بِأفْكَارِهِ بَعِيداً: يَحْلُمُ، يَأْخُذُهُ خَيَالُهُ بَعِيداً، تَسْتَغْرِقُهُ الأفْكَارُ

سَرَحَ :شرَد، فقد القُدْرةَ على رَبْط أفكاره أو تعبيراته

سرَحتِ الماشيةُ: رعَت حيث شاءت

يَعْرِفُ الرَّاعِي وَقْتَ تَسْرِيحِ الْمَاشِيَةِ: إِرْسَالُها لِلرَّعْيِ

السّارحُ: الراعي

وأقول أنّ عدم التمييز بين صيغة فاعول وصيغة فاعل في معرض المحاولات التفسيرية هو نوع من السّرح (وعلى مراد د. نوفل)؛ وما هو بالشّرح.  وأعجب لدكتور تخصصه التفسير ولايفرق بين صيغة فاعول وصيغة فاعل ثمّ تجدهُ يتجرأ على ضرب الأمثلة من الفيزياء والفلك في معرض حديثه! (عمري، حسين يوسف: مناقضة المُسَلَّمات وأساسيّات علوم الفيزياء والكون والرياضيات في تفسير د. أحمد نوفل: دراسة تطبيقية.  ). أنت لم تتمكّن من تخصّصك بعد! فكيف تقحم نفسك الحديث في أصعب مجالات الاختصاص (رحم الله امرأً عرف قدر نفسه).

فَهْمُ د. نوفل هو الذي قاده لفرضية وجود أناس محبوسين داخل بئر لينطلق من هذا الفهم الخاطئ لردّ الحديث الصحيح: (أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هذِه وحَلَّقَ بإصْبَعِهِ الإبْهَامِ والَّتي تَلِيهَا، قالَتْ زَيْنَبُ بنْتُ جَحْشٍ فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ.) (الراوي: زينب أم المؤمنين، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3346، خلاصة حكم المحدث:  صحيح).

وللمزيد من طرق الحديث أنظر الحاشية ([146]).

هذا الحديث لا يشير أبداً إلى هذا الفهم الخاطئ الذي يحتجّ عليه د. نوفل ليرُدّ الحديث!.  والفهم السليم لهذا الحديث يتأتى في ضوء الحديث الآتي:

 (دخل أبو مسعودٍ عقبةُ بنُ عمرٍو الأنصاريُّ على عليِّ بنِ أبي طالبٍ فقال له عليٌّ أنت الذي تقولُ لا يأتِي مائةُ سنةٍ وعلى الأرضِ عينٌ تطرفُ؟! إنما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يأتِ على الناسِ مائةُ سنةٍ وعلى الأرضِ عينٌ تطرفُ ممن هو حيٌّ اليومَ واللهِ إن رخاءَ هذه الأمةِ بعدَ مائةِ عامٍ) (الراوي: علي بن أبي طالب، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 1/202، خلاصة حكم المحدث: رجاله ثقات).

 (دخل أبو مسعودٍ عقبةُ بنُ عمرو الأنصاريُّ على عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ فقال لهُ عليٌّ: أنت الذي تقولُ لا يأتي على الناسِ مائةُ سَنَةٍ وعلى الأرضِ عينٌ تطرُفُ؟! إنَّما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: لا يأتي على الناسِ مائةُ سَنَةٍ وعلى الأرضِ عينٌ تطرُفُ ممَّن هو حيٌّ اليومَ واللهِ إنَّ رجاء هذه الأُمَّةِ بعد مائةِ عامٍ) (الراوي: نعيم بن دجاجة الأسدي، المحدث: أحمد شاكر، المصدر: مسند أحمد، الصفحة أو الرقم: 2/94، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح).

وعوداً إلى تفسير الآية الكريمة:

)فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (الكهف 97)

يقول الطبري:

فما اسطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزا بينهم، وبين من دونهم من الناس، فيصيروا فوقه وينـزلوا منه إلى الناس.  يقال منه: ظهر فلان فوق البيت: إذا علاه، ومنه قول الناس: ظهر فلان على فلان: إذا قهره وعلاه.  (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) يقول: ولم يستطيعوا أن ينقبوه من أسفله.

تفسير ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد ولا قدروا على نقبه من أسفله. ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلا بما يناسبه فقال: ( فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ) وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه، ولا على شيء منه .

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد :"  حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ يأجوجَ ومأجوجَ لَيحفِرونَ السَّدَّ كلَّ يومٍ، حتَّى إذا كادوا يَرونَ شُعاعَ الشَّمسِ قال الَّذي عليهِم: ارجِعوا، فستحفِرونَه غدًا. فيَعودونَ إليه كأشدِّ ما كانَ، حتَّى إذا بلَغَ مدَّتُهمْ، وأراد اللهُ أن يبعثَهم على النَّاسِ، حفَروا حتَّى إذا كادوا يرونَ شُعاعَ الشَّمسِ قالَ الَّذي عليهِم: ارجِعوا، فستحفِرونَه غدًا إن شاءَ اللهُ، ويستَثنى فيَعودونَ إليه وهوَ كهيئَتِه حينَ تركوه، فيحفِرونَه ويخرُجونَ على النَّاسِ، فيُنشِّفون المياهَ، ويتحصَّنُ النَّاسُ منهُم في حُصونِهم، فيرمونَ بسهامِهمْ إلى السَّماءِ، فترجِعُ وعلَيها كهَيئةِ الدَّمِ، فيقولونَ: قَهرْنا أهلَ الأرضِ وعلَوْنا أهلَ السَّماءِ فيَبعثُ اللهُ عليهِم نَغَفًا في أقْفائهِمْ فيقتُلُهم بِها، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: والَّذي نفسي بيدِه، إنَّ دوابِّ الأرضِ لتَسمَنُ، وتشكرُ شَكرًا من لُحومهِمْ ودمائهِمْ) (الراوي: أبو هريرة، المحدث: ابن كثير، المصدر: تفسير القرآن، الصفحة أو الرقم: 5/194، خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد قوي في رفعه نكارة)".

ورواه أحمد أيضا عن حسن - هو ابن موسى الأشيب - عن سفيان، عن قتادة، به. وكذا رواه ابن ماجه، عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: حدث رافع. وأخرجه الترمذي، من حديث أبي عوانة، عن قتادة. ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وهذا إسناده قوي، ولكن في رفعه نكارة ؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته. ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار: أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون: غدا نفتحه. فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، ويصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون: غدا نفتحه. ويلهمون أن يقولوا: " إن شاء الله "، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه. وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب. فإنه كثيرا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم .

يقول ابن كثير: "ويؤكد ما قلناه - من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع - قول الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن ] زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة، عن ] زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قال سفيان أربع نسوة - قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه. وهو محمر وجهه، وهو يقول: " لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا ". وحلق. قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم إذا كثر الخبث ". هذا حديث صحيح، اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، من حديث الزهري، ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة، وأثبتها مسلم. وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الإسناد، منها رواية الزهري عن عروة، وهما تابعيان ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده، كلهن يروي بعضهن عن بعض. ثم كل منهن صحابية، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان، رضي الله عنهن.

وقد روي نحو هذا عن أبي هريرة أيضا، فقال البزار: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا " وعقد التسعين. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهيب، به .

أقول: في روايات البخاري ومسلم أنّ النغف يصيبهم في رقابهم، وليس نَغَفًا في أقْفائهِمْ؛ كما في هذه الرواية!.  ففي الرواية عند مسلم: (...فيُرْسِلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغَفَ في رِقَابِهِمْ، فيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى الأرْضِ، فلا يَجِدُونَ في الأرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى اللهِ، فيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لا يَكُنُّ منه بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأرْضَ حتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ...).  هذا وإنّ روايات البخاري ومسلم تتحدث كما نلاحظ عن نتنهم وريحهم لا "إنَّ دَوابَّ الأرضِ لتَسمَنُ وتَشكُرُ شُكرًا مِن لُحومِهم ودِمائِهم." كما في هذه الرواية التي في رفعها نكارة!.

السدّ جدار سميك طويل ومرتفع بالقدر الذي يحجز شيئاً؛ الماء مثلاً.  فهو لا يستطيع أن يحجب أشعة الشمس عند ارتفاعها كما قد يُفهم من بعض ألفاظ هذه الرواية والتي في رفعها نكارة.  كما أنّ هذه الرواية تشير إلى استمرار هؤلاء القوم عبر الزمن وتعاقب الأجيال وإلى ما قبيل الساعة في مهمة نقب سدّ! وهذا أمرٌ لا يُعقل!

وأقول: إنّ زعمهم الباطل وهمهم بقتل من في السماء، كما يذكر الحديث الصحيح، ليؤكد أنهم قد طغوا وأوغلوا في الإفساد؛ وهذه حال من لم يتأدب مع ربه، ولا يقرّ له بمطلق المشيئة، بينما يبين هذا الحديث الذي في رفعه نكارة ما يخالف ذلك: (ويقولون: غدا نفتحه. ويلهمون أن يقولوا: " إن شاء الله "، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه)

هذا وفي اتصال مع المحدث الدكتور محمد أبوصعيليك؛ قلت له لكنّ الألباني و شعيب الأرناؤوط يحكمون بصحة الحديث! ([147]فأجاب: "عند النظر في الأحاديث الواردة عن يأجوج ومأجوج نجد أن أدق من تكلم فيها الحافظ بن كثير في التفسير ثم السّاعاتي في الفتح الرباني ثم مكمل تحقيق تفسير الطبري طبعة دار ابن الجوزي.  وعليه ماكان فيه تهويل منقول عن كعب الأحبار لايصحّ، وأصحّ هذه الأحاديث حديث النواس بن سمعان عند مسلم وما بقي لا يسلم من جراح والله أعلم".

وعليه، أقول إنّ يأجوج ومأجوج قد كفّوا وتوقفوا بعد حين من بناء السّد عن محاولة نقبه كما توحي الآية: (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا).  يقول ابن كثير: ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته.  تؤكد الروايات شدَّةِ فِتنةِ يأجوجَ ومأجوجَ، وكثرةِ عَددِهم.

أليس فهم القرآن يتأتى عندما نجمع الآيات القرآنية ونردها إلى بعضها ونعلم الخاصّ والعامّ والناسخ والمنسوخ، المطلق والمقيّد، المكّي والمدني ...؟!.  فلماذا لا يتعامل د. نوفل مع الأحاديث بنفس الكيفية؟!  أصلاً د. نوفل يقصّر بالتعامل مع تفسير الآيات؛ فما بالك بالحديث الذي لا يؤمن بحجيّته؟!؛ بل ويردّه رغم صحّته وثبوته!

18) إنكاره توبة قاتل العمد

(وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ): يقول د. نوفل: "ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً"

توبة قتل العمد.  يقول: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ)، ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً:  يُسألُ د. نوفل عن توبة القتل العمد، وعن التوفيق بين الآيتين

 (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93).

 (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ( (النساء - 48 ) .

 جواب د. نوفل: يقول على قناة حياة FM ([148]): (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ)، ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً.

الرّدُّ عليه: يقول البغوي في تفسيره: " قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) الآية، نزلت في مقيس بن صبابة الكناني، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رجلا من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس فيقتص منه، وإن لم تعلموا أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ديته، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه، فقال: تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة، اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية؛ فتغفل الفهري فرماه بصخرة فشدخه، ثم ركب بعيرا وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا فنزل فيه: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) بكفره وارتداده، وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، عمن أمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة.  قوله تعالى: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) أي: طرده عن الرحمة.. .. والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمدا توبته مقبولة لقوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ) ( طه - 82 ) وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ( (النساء - 48 ) ".

يخالف د. نوفل رأي الأكثرين، وهو مذهب أهل السنة؛ فيقول على قناة حياة FM ([149]): (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ما لم يصب دماً، أو ما لم يكن دماً).  وبالتالي هل فعلا أراد المخالفة أم أنه نسي عبارته: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... إحكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([150]).  لا تتكلّم فيما لا تعلم.  إحكي فيما تحسن ([151]).)

وفي الحديث الشريف: ( أمَرَنِي عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبْزَى، قالَ: سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ، عن هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ما أمْرُهُما {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بالحَقِّ} [الأنعام: 151]، (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) (النساء: 93) فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقالَ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتي في الفُرْقَانِ، قالَ: مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ: فقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ، ودَعَوْنَا مع اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقدْ أتَيْنَا الفَوَاحِشَ، فأنْزَلَ اللَّهُ: (إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ) [مريم: 60]. الآيَةَ، فَهذِه لِأُولَئِكَ، وأَمَّا الَّتي في النِّسَاءِ: الرَّجُلُ إذَا عَرَفَ الإسْلَامَ وشَرَائِعَهُ، ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ، فَذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ فَقالَ: إلَّا مَن نَدِمَ.) (الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: البخاري، المصدر:  صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3855، خلاصة حكم المحدث:  صحيح.  التخريج: أخرجه البخاري (3855)، ومسلم [19 ـ (3023)] باختلاف يسير.

 شرح الحديث: سُئل ابن عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما عن الآيتين: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} [الأنعام: 151]، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93]، فقال: لَمَّا أُنزلَت التي في الفرقان قال مُشرِكو أهلِ مكَّةَ: فقد قتَلْنا النَّفسَ التي حرَّم اللهُ، ودَعَونا معَ الله إلَهًا آخَر، وقد أتَينا الفواحِشَ؛ فما يُغني عنَّا الإسلامُ وقد فعَلْنا ذلك كلَّه؟! فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} [الفرقان: 70]، فهذِه لأولئك الكفَّار، وأمَّا التي في سورة النِّساءِ ففي الرَّجلِ المسلِم إذا عرَف الإسلامَ وشرائعَه ثمَّ قَتَل فجَزاؤه جهنَّمُ خالدًا فيها، وقال مُجاهد بن جَبْر: إلَّا مَن نَدِم.  وأقول: يتوارى د. نوفل خلف الإشادة بعلم ابنِ عبَّاسٍ، فلا أدر لماذا يردّ روايته هذه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟!

( سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ، قالَ: آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أهْلُ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيهَا إلى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقالَ: نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} هي آخِرُ ما نَزَلَ، وما نَسَخَهَا شيءٌ.) ( الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4590، خلاصة حكم المحدث: صحيح).

ولا أدر ما رأي د. نوفل بتوبة نبي الله موسى عليه السلام؟!.  يقول تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ) (القصص 17-15).

يقول ابن كثير: (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ) أي: يتضاربان ويتنازعان، (هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ) أي: من بني إسرائيل، (وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ) أي: قبطي، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق. فاستغاث الإسرائيلي بموسى، عليه السلام، ووجد موسى فرصة، وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي (فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ). قال مجاهد: وكزه، أي: طعنه بجمع كفه. وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه.  (فَقَضَىٰ عَلَيْهِ) أي: كان فيها حتفه فمات، قال موسى: (قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

19) استراق السّمع

استراق السّمع: إنّ الحديث الشريف (الذي يقصيه د. نوفل) هو الذي كشف لنا عن معنى السّماء (العنان أي السّحاب) التي تسترق منها الشياطين السّمع: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) (الجنّ 8).

يقول د. نوفل: " (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا) ما السماء؟ هل هي هذا الفراغ؟ هذا مش فراغ. هل هي هذه القبة الزرقاء؟ هاي القبة الزرقاء انعكاس، للأشعة وانعكاس للنظر! المهم لمسنا السماء منطقة فين ما نعرفش! " ([152]).

الرد على د. نوفل: إنّ معنى السّماء التي تسترق منها الشياطين السّمع هو العنان أي السّحاب كما في الحديث الشريف: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. ) ( البخاري \ بدء الخلق \ حديث رقم (2971.  ومثاله معنى السماء في الآية: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) (الجنّ 8).

وفي رواية: (أنها سمعتْ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: إن الملائكةَ تنزلُ في العَنانِ وهو السحابُ، فتذكرُ الأمرَ قُضِيَ في السماءِ، فتسْتَرِقُ الشياطينُ السمعَ فتسمعُه، فتوحِيه إلى الكُهَّانِ، فيكذبون معها مائةَ كَذْبةٍ من عند أنفسِهم.) (الراوي:عائشة أم المؤمنين، المحدث: البخاري، المصدر:صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3210، خلاصة حكم المحدث:]صحيح[).

وأقول: إنّ الحديث هو الذي كشف لنا عن معنى السّماء (العنان أي السّحاب) التي تسترق منها الشياطين السّمع ؛ وبدون الاستعانة بهذا الحديث الشريف تبقى الآية ضمن دائرة المتشابه.  أقول هذا مؤكداً على أهمية الرجوع إلى السنة من أجل تحقيق الفهم السليم للقرءان الكريم.

هذا ولقد عرضت هذه الفكرة على د. نوفل قبل حوالي أربع سنوات؛ وذلك بعد تقديمه خاطرة بعد صلاة فجر في مسجد حرز الله (عمان) ؛ فقال لي وقتها نطلق معاني السماء! فأجبته أن الله في السماء مستوى على العرش، فلا يعقل هذا.  وهاهو يقول في هذا التسجيل " المهم لمسنا السماء منطقة فين ما نعرفش" !

وأقتبس هنا من بحث لي عنوانه محاولةُ الشياطين استراقَ السمع تكونُ من السماء بمعنى السحاب: " إذا كان الضوء ليس لديه الزمن الكافي ليبلغ حدود الكون، وإذا كانت أضخم التلسكوبات لا ترصد إلا ضمن نصف قطر صغير بالمقارنة مع قطر الكون ؛ والذي قد يزيد عن 250 ضعف قطر الكون المرئي؛ حوالي7 تريليون سنة ضوئية.  إذا علمنا هذا فإنه ولا شك يمكننا القول ليس هنالك شخصٌ عاقل يزعم أنّ الشياطين تستطيع الوصول إلى البناء السماوي.  إنّ الشياطين لا تستطيع الخروج من نطاق كرة الأرض.  إذا علمنا ذلك وبقي من يزعم أنّ الشياطين تصل إلى البناء السماوي المحيط بهذا الكون فلا شك أنّ هذا الإنسان يقرّ بعظمة لا متناهية للشياطين! وبالتالي فهو يفضي به إلى نوع من أنواع الشرك بالله.  كيف لا والله سبحانه وتعالى تحدى الثقلين أن يستطيعوا الهروب من حساب يوم القيامة؛ وذلك لاستحالة نفاذهم من أقطار السماوات والأرض: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (الرحمن 33).  " ([153]).

20) يقول د. نوفل بعدم قبول التوبة إذا خرج الدّخان أو خرجت الدّابة

يقول د. نوفل" خروج الدّابة كما تعلمون من علامات السّاعة الصغرى ولا الكبرى؟ الكبرى.  ما الفرق؟ بعد العلامات الصغرى الإيمان ينفع.  بعد العلامات الكبرى الإيمان لا ينفع. خرج الدخان خرجت الدّابة خلص قفلوا الدفاتر أوصاف الدّابة ما بهمناش إذا فيه حديث صحيح نأخذه ما فيش يكفينا ما في القرآن الكريم، رواه فلان أو رواه؛ أحاديث ضعيفة ما بلزمناش " ([154]).

الرّد عليه: حديث الدخان والدّابة صحيح وثابت؛ وإن لم يفصِّل.  فبالتالي لماذا يحاول د. نوفل أن يوهم السّامع بعدم وجود حديث صحيح في الباب؟!  هذا علماً أنّ حديث الدّابة والدخان ويأجوج ومأجوج هو نفس الحديث: (اطَّلَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقالَ: ما تَذَاكَرُونَ؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قالَ: إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ، الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدّابة، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ.) ([155]).  بل ويردّ الدكتور نوفل هذا الحديث الصحيح حين يقول: "أن ليس هنالك قوم بعينهم هم يأجوج ومأجوج!"  ويتهكم على الحديث في صحيح مسلم، فيقول: "يأجوج ومأجوج محبوسين تحت الطاولة! أين هم شيل الطاولة خلينا نشوف حجي (نظرات في سورة الكهف - الحلقة 29) ([156])"!.  يقول: " مش ملاحظ إنه يأجوج اسم فاعل ومأجوج اسم مفعول ...  ما فيه ناس مخبّاية!  ...  نحن عندنا التصوّر الحقّ ....  أنا بشرح مش بسرح ... ألخ " ([157]). 

أقول: ها هو د. نوفل يتناقض مع نفسه ويردّ الحديث الصحيح عند مسلم!  فأين هو من كلامه: " إذا فيه حديث صحيح نأخذه ".

يقول د. نوفل: " بعد العلامات الصغرى الإيمان ينفع.  بعد العلامات الكبرى الإيمان لا ينفع ". قوله هذا غير دقيق.  الصحيح هو أنّ التوبة تقبل ما لم تطلع الشمس من مغربها؛ والأدلّة هي:

3.1) الحديث: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: {لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا} [الأنعام: 158] ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما بيْنَهُما فلا يَتَبايَعانِهِ، ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بلَبَنِ لِقْحَتِهِ فلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقدْ رَفَعَ أحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إلى فيه فلا يَطْعَمُها) ([158]) .

 وبالتالي ينفع الإيمان زمن خروج الدّجال؛ وخروجه من علامات السّاعة الكبرى.  كما وينفعُ أهلُ الكتابِ إيمانُهم بعيسى عليه السّلام عند نزوله.  ونعلم أنّ عيسى عليه السّلام هو الموكل بقتل الدّجال.  وإنّ عودة المسيح عليه السلام تكون بين يدي السّاعة: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف 61).  وهذا عَائِد عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. ثُمَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ نُزُوله قَبْل يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته ".  وأقول هذه هي رحمة الله باليهود: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بالإيمان بعيسى عليه السلام عند عودته: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء 8).

الحديث: (والَّذي نفسي بيدِه ليوشِكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مرْيمَ حَكمًا عدلًا فيَكسرُ الصَّليبَ، ويقتلُ الخنزيرَ، ويضعُ الجِزْيةَ، ثمَّ يقولُ أبو هرَيرةَ اقرَؤوا إن شِئتُم وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) ([159] ) .

3.2) وكذلك الآية الكريمة: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) (الأنعام 158 ). هذه الآية دليل على أنّ باب التوبة مفتوح حتى بعد ظهور بَعْض علامات السّاعة الكبرى؛ ويغلق قبيل ظهور آخر (أو أواخر) علاماتها الكبرى؛ ويدلُّ عليه الكلمة (بَعْضُ) من الآية: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا).  وفي الحديث السابق: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: (لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا)...).  وتكون آيةُ طلوع الشمس من مغربها الآية التاسعة ؛ مباشرة قبيل الآية العاشرة والأخيرة: (وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ).  وللمزيد في الباب، أنظر البحث: الترتيب الزّماني للعلامات الكبرى للسَّاعة، عمري.

3.3) الحديث الشريف: (ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ.) ( الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 158، خلاصة حكم المحدث: [صحيح)

شرح الحديث: وفي هذا الحديث يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "ثلاثٌ إذا خرجْنَ"؛ أيْ: ثلاث آياتٍ عندما تظهرُ للناس، "فلا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قَبلُ أو كسبَتْ في إيمانِهَا خيرًا"، فلن تنفعَ التوبةُ ولن ينفعَ في هذا الوقتِ أن يَستدرِكَ المقصِّرُ ما قصَّرَ فيه من أعمالٍ يُزَادُ بها الإيمانُ، فيحثُّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على العملِ الصالحِ وزيادةِ الإيمانِ قبل تلك الثَّلاث: "طلوع الشَّمسِ من مَغْربها"، وهي أن تَخرُجَ في صَبيحةِ يومٍ من المَغْرب بدلًا من المَشْرق. و"الدَّجَّال" وهو المسيحُ الأعورُ مُدَّعي الألوهِيَّة الذي يدورُ في الأرض أربعينَ يومًا ويُمنعُ من دخول بعض الأماكن التي حَفِظَها الله سبحانه وتعالى منه كَمَكَّةَ والمَدِينَةِ. و"دابَّة الأرض" التي تخرجُ فتُخْبِرُ وتوضِّحُ المؤمنَ من الكافرِ. وقد جاء في صَحيح مُسلمٍ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى تطلُعَ الشمسُ من مَغْربها، فإذا طَلَعَتْ من مَغْربها آمَنَ الناسُ كلُّهم أجمعون، فيومئذٍ لا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قبلُ، أو كسبَتْ في إيمانها خيرًافهذا الحديث يدلُّ على أنَّ التوبةَ لا تنقطِعُ إلَّا إذا طلعَتِ الشمسُ من مَغْربها، وأمَّا قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: "ثلاثٌ إذا خرجْنَ، لا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قَبلُ أو كسبَتْ في إيمانِهَا خيرًا: طلوع الشمسِ من مَغْربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض"، فيدلُّ على أنَّ انقطاعَ التوبةِ يكونُ إذا خرجْنَ كُلُّهُنَّ، وذلك لا يكونُ إلَّا إذا طلعَتِ الشمسُ من مَغْربها، إلَّا أنَّ خروجَ الدَّجَّال، وكذلك الدَّابَّة، قريبٌ من طلوعِ الشمس من مَغْربهانستنتج ممّا سبق التالي: أنّ التوبة تقبل حتّى بعد خروج يَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ.  التوبة تقبل حتى بعد ظهور ثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ.  وللمزيد في الباب، أنظر البحث: الترتيب الزّماني للعلامات الكبرى للسَّاعة، عمري.  واسمحوا لي أن أذكّر د. نوفل بعبارته الجميلة: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... إحكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمائة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([160]).  لا تتكلّم فيما لا تعلم.  إحكي فيما تحسن ([161]).)

21) الآية: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ). يقول د. نوفل: "يومئذ: يوم القيامة"

الآية الكريمة: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ). يقول د. نوفل: (يومئذ) يوم القيامة ([162]).  وأقول: هذا أحد الأقوال؛ وهنالك ما هو أرجح: (وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد موت المسيح عليه السلام وموت المؤمنين؛ حيث يبقى شِرارُ الناسِ، يتهارَجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعةُ).

يقول د. نوفل: "رأينا في منتهى قصة ذي القرنين كيف أنه قال لهم أن هذا السدّ ذو أجَل إذا جاء أجَل هذا السد بإذن ربي (جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) بأن ينتهي كل شيء في أجله. من هذا الخيط القرآن ربط موضوع القيامة ففهم الناس أن السد سيظل على يأجوج ومأجوج إلى يوم القيامة، وهذه طريقة القرآن في الربط ما بين الآيات وما بين الكلمات (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ (99)) (يومئذ) يوم القيامة. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) إذاً انتهى أجل الوجود لأنه يتكلم عن نهاية أجل سدّ إلا أن القرآن من هذا الخيط أخذ نهاية أجَل الكون كله والوجود كله (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ) أي يوم القيامة (يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) كالموج بشر (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) جمعت الخلائق كلها (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ (23) الفجر) جاءت جهنم، أين كانت؟ نظرات في سورة الكهف - الحلقة 29 .

ولله المثل الأعلى، إذا القوى العظمى وضعت مخزونها الإستراتيجي من صواريخ في أنفاق تحت الأرض ثم بعد ذلك بالضغط على أزرار تخرج ولله المثل الأعلى كأن جهنم كانت مخفية بطريقة ما وأزيح الستار مثلاً، رفعت جهنم، جيء بها من مكان آخر، أياً كان، (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) رأوها مشاهدة ورأوها كالشاشة ورأوا جهنم عليها من باب التلويح بما سيكون عليه مصير الكافرين والظالمين والفاسقين والفاجرين والمعتدين والمستعبدين للشعوب والمستعمرين، هذا مصيركم يا من كنتم تهربون منها وتستهزئون بها وتستهزئون بالرسل الذين حذروكم منها ها قد جاءت وجاء أوانها.  ([163]).". انتهى كلام د. نوفل.

الرّد عليه: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ). يقول د. نوفل: (يومئذ) يوم القيامة.  وأقول: هذا أحد الأقوال المرجوحَةِ؛ وهنالك ما هو أرجح: (وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد موت المسيح عليه السلام وموت المؤمنين؛ حيث يبقى شِرارُ الناسِ، يتهارَجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعةُ).

بل إنّ عبارة د. نوفل: "(وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ) أي يوم القيامة (يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) كالموج بشر (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) " تفيد أنّ يوم القيامة يكون قبل نفخة الصُّورِ التي يكون بها الجمع والحشر! وبالتالي فعبارته لا تستقيم.

 جاء في تفسير ابن كثير: "وقوله: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) أي الناس يومئذ أي يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله:  (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍقال: ذاك حين يخرجون على الناس. وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال".  وهذا القول ثابت في الحديث الصحيح.  وأقول لعلّ العبارة (ويبقى شِرارُ الناسِ، يتهارَجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعةُ) الواردة في الحديث الصحيح تفسر الآية الكريمة: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ).  (ويَبْقَى شِرَارُ الناسِ يَتَهَارَجُونَ فيها تَهَارُجَ الحُمُرِ) أي: يُجامِعُ الرِّجَالُ النِّساءَ عَلَانِيَةً بِحَضْرَةِ الناسِ كما يَفْعَلُ الحَمِيرُ، لا يَكْتَرِثُونَ لذلك، «فعَلَيْهِم تقومُ الساعةُ»، أي: لا على غيرِهم.

 وفيما يلي نصّ الحديث الشريف: (ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فيه وَرَفَّعَ، حتَّى ظَنَنَّاهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذلكَ فِينَا، فَقالَ: ما شَأْنُكُمْ؟ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فيه وَرَفَّعْتَ، حتَّى ظَنَنَّاهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقالَ: غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي علَيْكُم، إنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فأنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وإنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتي علَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إنَّه شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بعَبْدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ، فمَن أَدْرَكَهُ مِنكُمْ، فَلْيَقْرَأْ عليه فَوَاتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ، إنَّه خَارِجٌ خَلَّةً بيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، وَما لَبْثُهُ في الأرْضِ؟ قالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، فَذلكَ اليَوْمُ الذي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فيه صَلَاةُ يَومٍ؟ قالَ: لَا، اقْدُرُوا له قَدْرَهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، وَما إِسْرَاعُهُ في الأرْضِ؟ قالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتي علَى القَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فيُؤْمِنُونَ به وَيَسْتَجِيبُونَ له، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عليهم سَارِحَتُهُمْ، أَطْوَلَ ما كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتي القَوْمَ، فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عليه قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عنْهمْ، فيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ ليسَ بأَيْدِيهِمْ شيءٌ مِن أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بالخَرِبَةِ، فيَقولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبيْنَما هو كَذلكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ علَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتَّى يُدْرِكَهُ ببَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بدَرَجَاتِهِمْ في الجَنَّةِ، فَبيْنَما هو كَذلكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إلى عِيسَى: إنِّي قدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَانِ لأَحَدٍ بقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إلى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ علَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ ما فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فيَقولونَ: لقَدْ كانَ بهذِه مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حتَّى يَكونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِن مِئَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ اليَومَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فيُرْسِلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغَفَ في رِقَابِهِمْ، فيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى الأرْضِ، فلا يَجِدُونَ في الأرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى اللهِ، فيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لا يَكُنُّ منه بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأرْضَ حتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَومَئذٍ تَأْكُلُ العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ في الرِّسْلِ، حتَّى أنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإبِلِ لَتَكْفِي الفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفِي القَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكْفِي الفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبيْنَما هُمْ كَذلكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعليهم تَقُومُ السَّاعَةُ. 7484- [111-...] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، وَالْوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، قالَ ابنُ حُجْرٍ: دَخَلَ حَديثُ أَحَدِهِما في حَديثِ الآخَرِ، عن عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، بهذا الإسْنَادِ، نَحْوَ ما ذَكَرْنَا. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لقَدْ كانَ بهذِه مَرَّةً مَاءٌ، ثُمَّ يَسِيرُونَ حتَّى يَنْتَهُوا إلى جَبَلِ الخَمَرِ، وَهو جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ، فيَقولونَ: لقَدْ قَتَلْنَا مَن في الأرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَن في السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بنُشَّابِهِمْ إلى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عليهم نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا وفي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: فإنِّي قدْ أَنْزَلْتُ عِبَادًا لِي، لا يَدَيْ لأَحَدٍ بقِتَالِهِمْ.)    ([164] ) .

هذا وفي اتصال مع المحدث الدكتور محمد أبوصعيليك؛ قال: "عند النظر في الأحاديث الواردة عن يأجوج ومأجوج نجد أن أدق من تكلم فيها الحافظ بن كثير في التفسير ثم الساعاتي في الفتح الرباني ثم مكمل تحقيق تفسير الطبري طبعة دار ابن الجوزي.  وعليه ماكان فيه تهويل منقول عن كعب الأحبار لايصح، وأصح هذه الأحاديث حديث النواس بن سمعان عند مسلم وما بقي لا يسلم من جراح والله اعلم".

22) اللمز لروايتي البخاري ومسلم في بيان مناسبة نزول الآية الكريمة: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)

د. أحمد نوفل يلمز الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في بيان مناسبة نزول هذه الآية؛ وذلك بحجة أن الرسول بُعِثَ رحمة للعالمين؛ وبالتالي لا يعقل أن يدعو رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على قُرَيْش: (اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ قالَ: فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شيءٍ، حتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الجُوعِ).

روى البخاري: (دَخَلْنَا علَى عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، قالَ: يا أيُّها النَّاسُ، مَن عَلِمَ شيئًا فَلْيَقُلْ به، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ، فإنَّ مِنَ العِلْمِ أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {قُلْ ما أسْأَلُكُمْ عليه مِن أجْرٍ وما أنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ} وسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَعَا قُرَيْشًا إلى الإسْلَامِ، فأبْطَئُوا (فأبْطَأوا) عليه، فَقالَ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عليهم بسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شيءٍ، حتَّى أكَلُوا المَيْتَةَ والجُلُودَ، حتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بيْنَهُ وبيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنَ الجُوعِ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: }فَارْتَقِبْ يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذَابٌ ألِيمٌ}، قالَ: فَدَعَوْا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ، أنَّى لهمُ الذِّكْرَى، وقدْ جَاءَهُمْ رَسولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عنْه، وقالوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ، إنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا، إنَّكُمْ عَائِدُونَ} أفَيُكْشَفُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ: فَكُشِفَ ثُمَّ عَادُوا في كُفْرِهِمْ، فأخَذَهُمُ اللَّهُ يَومَ بَدْرٍ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ{) ([165]).

رواية مسلم عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ: أنظر الحاشية ([166]).

يلمز د. أحمد نوفل هذا الأثر الذي يرويه الشيخان؛ بحجة أن رَسول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعث رحمة للعالمين؛ فلا يعقل أن يدعو على قُرَيْش: (اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ قالَ: فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شيءٍ، حتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الجُوعِ). ولا أدري ماهو موقف د. نوفل من احتجاز كفار قريش لنفر من الصحابة، وتعذيبهم ومنعهم من الهجرة؟!  ففي الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه: (أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا قال: (سمِع اللهُ لمَن حمِدَهُ ) في الركعةِ الآخِرَةِ من صلاةِ العِشاءِ قنَت: ( اللهم أَنجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعَةَ، اللهم أَنجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، اللهم أَنجِ سلَمَةَ بنَ هِشامٍ، اللهم أَنجِ المستضعَفِينَ من المؤمنينِ، اللهم اشدُدْ وطأتَك على مُضَرَ، اللهم اجعلْها عليهم سنينَ كسنِي يوسُفَ ) .) ([167]).

(اللَّهُمَّ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأَتَكَ علَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ.) ([168]). وللمزيد أنظر الحاشية: ([169])، وانظر شرح الحديث في الحاشية ([170]).

ولا أدري أيضاً ما هو موقف د. نوفل من قنوت الرسول صلى الله عليه وسلم ودعائه على أحْيَاءٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ وعَضَل والقارة لغدرهم بمن أرسلهم الرسولُ مع عَضَل والقارة من الحفاظ لكتاب الله لكي يعلموهم الإسلام ([171])؟!  وفي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم: (سَأَلْتُ أنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عنْه عَنِ القُنُوتِ، قَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَقُلتُ: إنَّ فُلَانًا يَزْعُمُ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: كَذَبَ، ثُمَّ حَدَّثَنَا، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّه قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو علَى أحْيَاءٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: بَعَثَ أرْبَعِينَ - أوْ سَبْعِينَ يَشُكُّ فيه - مِنَ القُرَّاءِ إلى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَرَضَ لهمْ هَؤُلَاءِ فَقَتَلُوهُمْ، وكانَ بيْنَهُمْ وبيْنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَهْدٌ، فَما رَأَيْتُهُ وجَدَ علَى أحَدٍ ما وجَدَ عليهم.) ([172]).

د. أحمد نوفل يطعن في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم: " اللهم اشدُدْ وطأتَك على مُضَرَ، اللهم اجعلْها عليهم سنينَ كَسِنيِّ يوسُفَ "!  يطعن في الحديث الذي اتفق عليه الشيخان؛ محتجّاً بأن الرسولَ بعث رحمة للعالمين ؛ وبالتالي لا يعقل أن يدعو رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على قُرَيْش!  ولا أدر ما إذا كان رأي نوفل هذا ينسحب اليوم على العدو الصهيوني الغاصب!  هل يجوّز لنا نوفل الدعاء على الصهاينة؟!  ولا أدر ما موقفه من احتجاز كفار قريش لنفر من الصحابة وتعذيبهم ومنعهم من الهجرة ؟!  فهذا هو سبب دعاء الرسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على مضر.

القنوت قبل أو بعد الركوع مسألة فقهية، ولكلّ حالة دلالتها من السّنّة، وليس المقام هنا لمناقشة هذه المسألة الفقهية.

وليس من نافلة القول الاستئناس بقولة د. أحمد نوفل الشهيرة: (لا تتكلّم فيما لا تعلم. ... منتاش متمكن أسكت ... احكي فيما تحسن ... إذا فيه عشرة بالمئة شك ما تتكلمش ... ما يتكلمش الإنسان إلا فيما يحسن). ([173]).  لا تتكلّم فيما لا تعلم.  احكي فيما تحسن ([174]).).  علّهُ يتوقّف عند مقولته قبل أن يتكلّم فيما يحسن وما لا يحسن!  ولقد كتبتُ بحثين اثنين في تفسير الآية (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) في ضوء الحديث الشريف وفي ضوء علم فيزياء الكون والفلك؛ المراجع في الحاشية (([175]([176])، ([177]) ).

23) يقول بعدم بعث الحيوانات

حلقة التفسير المسجلة! والتي أذيعت على قناة حياة FM ليوم الأربعاء الثاني عشر من شباط للعام 2020:

 عند الساعة (3:07) يقول بعدم بعث الحيوانات: "الحيوانات ليش تقوم".

الرّدّ عليه: حلقة التفسير مسجلة!.  وقوله خلاف الثابت والصحيح! وإليك بعض الأدلّة من آيات القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم:

 (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) (التكوير 5). يقول البغوي في تفسيره: " (وَإِذَا الْوُحُوشُ) يعني دواب البر (حُشِرَتْ) جمعت بعد البعث ليقتص لبعضها من بعض وروى عكرمة عن ابن عباس قال: حشرها: موتها. وقال: حشر كل شيء الموت، غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة. وقال أبي بن كعب: اختلطت. "

وفي الحديث: (لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَومَ القِيامَةِ، حتَّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ، مِنَ الشَّاةِ القَرْناءِ.) ([178])

شرح الحديث: أَمَر اللهُ تعالى بأداءِ حُقوقِ الخَلْقِ، فإنْ قَصَّر الخَلقُ في أَدائِها ولم يُؤدُّوها إلى أهلِها في الدُّنيا، فإنهم سيُؤدُّونها يومَ القيامةِ-كما في هذا الحديثِ-؛ حيثُ أخبَر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الحقوقَ ستُؤدَّى إلى أهلِها يومَ القيامة، حتَّى يُقادَ لِلشَّاةِ الجَلحاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرناءِ، أي: حتَّى إنَّه يُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الَّتي لَيسَ لها قرْنٌ مِنَ الشَّاةِ الْقَرنَاءِ الَّتي لها قَرْنٌ، والغالِبُ أنَّ الَّتي لها أَقْرُنٌ إذا نَاطَحَتِ الْجَلْحَاءَ الَّتي ليس لها قَرْنٌ تُؤذِيها أكثرَ، فإذا كان يومُ القيامةِ قَضى اللهُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الشَّاتَيْنِ، واقْتصَّ بينَهُما؛ هذا وهي بَهائِمُ لا يَعقِلْنَ ولا يَفْهمْنَ؛ لكنَّ اللهَ عزّ وجلّ حَكَمٌ عَدْلٌ.

 في الحديثِ: دليلٌ على أنَّ البهائمَ تُحشرُ يومَ القيامةِ وهو كذلك، وتُحشرُ الدَّوابُّ، وكلُّ ما فيه رُوحٌ يُحْشَرُ يومَ القيامةِ.  وفيه: أنَّ كلَّ شيءٍ مَكتوبٌ، حتَّى أعمالُ البهائمِ والحشراتِ مَكتوبةٌ في اللَّوحِ المحفوظِ.  وفيه: الحثُّ على أداءِ الحقوقِ إلى أصحابِها.

(لتؤدُّنَّ الحُقوقَ إلى أَهلِها، حتَّى تقادَ الشَّاةُ الجلحاءُ منَ الشَّاةِ القرناءِ) ([179])

وقوله تعالى: (إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ) (النبأ 40). 

(وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا).  يقول الطبري: يقول تعالى ذكره: ويقول الكافر يومئذ لما يلقى من عذاب الله الذي أعدّه للكافرين، يا ليتني كنت ترابًا كالبهائم التي جُعِلت ترابًا.  وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

 * ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر وابن أبي عديّ، قالا ثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: (إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّ الأديمُ وحُشِرَ الدَّوابُّ والبهائمُ والوحشُ ثم يحصلُ القِصاصُ بين الدوابِّ يُقتصُّ للشاةِ الجمَّاء من الشاةِ القرناءِ نطحَتْها فإذا فُرِغَ من القِصاصِ بين الدوابِّ قال لها كوني تُرابًا قال فعند ذلك يقول الكافرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تَرَابًا) ([180]).

ويقول تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) (الأنعام: 38).  وفي الحديث: (عن أبي هُرَيْرةَ في قولِهِ: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) قالَ: يُحشَرُ الخلقُ كلُّهم يومَ القيامةِ، البَهائمُ والدَّوابُّ والطَّيرُ وَكُلُّ شيءٍ، فيبلغُ من عدلِ اللَّهِ يومئذٍ أن يأخذَ للجمَّاء منَ القرَناءِ. قالَ: ثمَّ يقولُ: كوني ترابًا. قال فلذلِكَ يقولُ الكافرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا) ([181]).

هذه قضية عقدية تجلي عدل الخالق سبحانه وتعالى: (فيبلغُ من عدلِ اللَّهِ يومئذٍ أن يأخذَ للجمَّاء منَ القرَناءِ).  قضية عقدية فاتت د. نوفل إذ يقول: "الحيوانات ليش تقوم".  قضية عقدية أشارت لها أكثر من آية محكمة: (الأنعام: 38)، (النبأ 40)، (التكوير 5).  هذا والدكتور نوفل يرى بأنّ كلّ آيات القرآن بينة واضحة فليس هنالك آيات متشابهات!.  وبالتالي أتساءل، ما هو الحال مع أسئلة تطرح عليه وفي شتى مجالات العلوم ؟!. 

24) (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ): يقول د. نوفل ومعناها جدّ الجد، وما ثمّ ساق ولا قدم!

الآية الكريمة: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) (القلم 42). يقول د. نوفل: ربط البخاري هذه الآية بالحديث، ولكن يحق لنا التساؤل هل البخاري معصوم؟ البخاري نِعْمَ العالم، لكنه إذا أخطأ في حديث فإنه لا يسقط من أعيننا!

يرد على صفحة التعريف بالدكتور أحمد نوفل: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) قراءة في آية.  وسمعته أيضاً على قناة حياة FM يقول هو كناية عن الكرب والشدة.

وأقول: لا شك أن هنالك كرب وشدة؛ بدليل: (عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قرَأ: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] يُريدُ القيامةَ والساعةَ لشِدَّتِها، قال: وأَنشَدني بعضُ العربِ لجَدِّ أبي طَرَفةَ: كَشَفَتْ لَهُم عن ساقِها وبَدا منَ الشَّرِّ البَراحُ.) ( الراوي: عبد الله بن عباس، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم:  17/206، خلاصة حكم المحدث: سنده صحيح).  وأقول أيضاً أنّ الآية مفسّرة في الأحاديث الصحيحة: (يَكْشِفُ ربنا عن ساقِهِ).

ويقسم د. أحمد نوفل أنّ هذا (يَكْشِفُ ربنا عن ساقِهِ) غير صحيح ([182])!.  وفيما يلي بعض عبارات للدكتور نوفل: (ربط الآية بحديث قد يصح، لكنه ليس بالضرورة تفسيراً لهذه الآية: فالحديث صحيح، لكن أهو تفسير لهذه الآية؟ حديث قد يصح وقد لا يصح، لكن لا علاقة له بالآية، هذا الربط أشكل فهم الآية، مثل قوله تعالى (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ).  والدكتور نوفل يعيد ويكرّر طعنه في مجموعة من الأحاديث الصحيحة؛ فمثلا تجد نفس هذه العبارات والتي تطعن بهذه الرواية على رابط الموقع في الحاشية ([183]).

ويتابع د. أحمد نوفل قوله: (لقد كتبت حول هذه الآية حوالى 50 صفحة أناقش فيها روايات بعض الأحاديث، أرى أن الحديث الوارد في تفسيرها غير صحيح، ولئن صح فلا يصح تفسيراً للآية، فالحديث ليس له علاقة بالآية. والحديث « يَكْشِفُ ربنا عن ساقِهِ...»، نتحدث عن الأمة أولاً فنقول خذ نقطة نقد واحدة لتفسير الحديث لها. هي مكّي مبكّر، الناس وقتها لا يعرفون فهل آتي وأقول لهم سيكشف ربنا يا أهل مكة عن ساقه وهم يكفرون بربنا؟!!، إن ديننا دين منطق، فهل أقول للناس تعرفون ربنا من ساقه عندما يكشف عنها؟؟! هذا كلام غير مناسب، فكما قلنا الحديث في واد ـ ان صح ـ والآية في مكان آخر لا علاقة لها به.).

ويتابع د. أحمد نوفل قوله: (لقد ربط البخاري هذه الآية بالحديث، ولكن يحق لنا التساؤل هل البخاري معصوم؟ البخاري نِعْمَ العالم، لكنه إذا أخطأ في حديث فإنه لا يسقط من أعيننا، البخاري إمامنا ولكنه أخطأ في هذه المسألة، وذلك لا يخدش منزلته، نحن تعودنا أن نأخذ علماءنا بالتقديس لا بالتقدير، وحينها نخشى على أنفسنا من قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)، وهم شبكوا الآية مع الحديث وأنا في ظنّي أنه لا يوجد ارتباط، الآية تخاطب العرب بلسانهم وبلغتهم، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) ومعناها جدّ الجد، وما ثمّ ساق ولا قدم، وإنما هي كفاية (كناية) كما في قولهم حزمت الأمور، «شمّرت الحرب عن ساقها) وهل للحرب ساق؟. وهكذا...) ([184]).  أنظر كذلك المحاضرة: ([185]).

الرّدُّ على د. أحمد نوفل: وأنا أرى وعلى طريقة د. نوفل؛ أنّ هذا الكلام للدكتور نوفل يثير الشبهات حول مصادر الشريعة التي تلقتها الأمة بالقبول؛ البخاري ومسلم!.  وبالتالي فإنني أوجه لشخص د. نوفل نفس العبارات التي وجهها للبخاري، فأقول: لقد نفى د. نوفل أن يكون هنالك ربط أو علاقة لهذه الآية بالحديث!.  ولكن يحق لنا القول أنّ د. نوفل يُفسِّرُ الآيات بمزاجه؛ هكذا هو يقول: (من عقلي، ومن راسي!). يُفسِّرُ من غيرما استرشاد بالحديث أو تفاسير السلف! وكثيراً ما يخطئُ، لكنه إذا أخطأ في تفسير فإنه لا يسقط من أعيننا؛ ومعذرةً فهذه نفس جملة د. نوفل إذ يقول: (البخاري نِعْمَ العالم، لكنه إذا أخطأ في حديث فإنه لا يسقط من أعيننا!).  بل وأذكره بعبارته: " وحينها نخشى على أنفسنا من قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) "

وأتساءل: أين قول د. نوفل (وما ثمّ ساق ولا قدم) من عقيدة أهل السنة والجماعة؟ّ!  أليست هذه عقيدة المعطلة؟!.  وإنّ د. نوفل يتناغم في هذا القول مع عقائد الشيعة! وأنقل تالياً قول كمال الحيدري بأخطائه الإملائية ([186])؛ إذ يقول: (أنا إنما قدمت هذه المقدمة حتى يتضح تسلسل البحث يعني أن ابن تيمية والوهابية كيف ينتهون إلى نتائج أصلها الإيمان بالجسمية التي أمنوا بها وإلا لو لم يلتزموا بالجسمية لما انتهوا بالإيمان بالأطيط والصورة واليدين والرجلين والقدمين والنعلين … لما انتهوا إلى هذه النتيجة، لماذا انتهوا إلى هذه النتائج باعتبار أنهم في المقدمة أمنوا بأن الله سبحانه وتعالى محدود وأنه جسم ولكن لا كالأجسام.).  ولا أدر من أين أتى الكذاب الرافضي كمال الحيدري بصفة النعلين!!.

ورد على موقع الإسلام سؤال وجواب الآتي ([187]):

"من الصفات الثابتة لله عز وجل: الرِّجل أو القَدم.  ودليل ذلك: ما روى البخاري (6661) ومسلم (2848) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ) .

 وروى البخاري (4850) ومسلم (2847) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا ).

 ولفظ مسلم: ( فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا ).  فهذا يدل على إثبات القدم أو الرجل لله تعالى. وقال ابن عباس رضي الله عنه: " الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره " رواه ابن خزيمة في "التوحيد" (1/ 248 رقم: 154)، وابن أبي شيبة في "العرش" (61)، والدارمي في "الرد على المريسي"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة"، والحاكم في "المستدرك" (2/ 282)، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "مختصر العلو" ص 102، وأحمد شاكر في "عمدة التفسير" (2/ 163)

 وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: " الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل " رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة"، وابن أبي شيبة في "العرش" (60)، وابن جرير، والبيهقي، وغيرهم، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (8/ 47) والألباني في "مختصر العلو" ص 123-124.

وهذان الأثران يدلان على إثبات القدمين لله تعالى، وعلى هذا درج أهل السنة. وبالتالي ليس من عقيدة أهل السنة ما يقوله نوفل: (وما ثمّ ساق ولا قدم) !.  وبالتالي فإنّني أرى وعلى طريقة د. نوفل: (تعوّد العوام أن يأخذوا أشباه العلماء بالتقديس لا بالتقدير، وحينها نخشى على أنفسنا من قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله). فالذي يترك صريح القرآن والأحاديث الثابتة الصحيحة لرأي سقيم فهو يعبد صاحب هذا الرأي!.

قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: " هذه الأحاديث التي يقول فيها: ضحك ربنا من قنوط عبادِه وقُرْب غِيَره، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك قدمه فيها، والكرسي موضع القدمين، وهذه الأحاديث في الرواية هي عندنا حق، حملها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحدا يفسرها " رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ( 2/ 198)، وابن عبد البر في "التمهيد" (7/ 149)

 وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (2/ 376): " الواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من اليدين والقدمين والأصابع وغيرها من الصفات الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بالله سبحانه، من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل ؛ لقول الله سبحانه: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )، وقوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) وهي حقيقة لا مجاز. وأما التنطع في إثبات ما لم يرد به الكتاب والسنة فالواجب تركه ."

وإليك التناقض والاضطراب في كلام د. نوفل

- فتراه يقول الحديث صحيح وما يلبث أن يشكك في صحة الحديث!. يقول متناقضاً: " ربط الآية بحديث قد يصح، لكنه ليس بالضرورة تفسيراً لهذه الآية: فالحديث صحيح، لكن أهو تفسير لهذه الآية؟ حديث قد يصح وقد لا يصح، لكن لا علاقة له بالآية ".

- يقول د. نوفل: "لقد ربط البخاري هذه الآية بالحديث ... لكن لا علاقة له بالآية"!!وأقول متن الحديث ونصه الصريح الواضح هو الذي يربط الحديث بالآية وليس البخاري! إلا إذا كان د. نوفل يريد التلميح إلى أنّ البخاري غيّر متن الحديث ليربطه بالآية!!.

 - تعلم الأمة المسلمة أنّ أي عالم من العلماء المحْدَثين لم ولن يقدم الخدمة التي قدمها البخاري للشريعة ولهذا الدين؛ كما وأنه مغبون من يترك رأي البخاري لرأي شخص يُفسّرُ القرآنَ الكريمَ بمزاجهِ ومن غيرما حجة أو برهان!؛ وذلك لقوله: (من عقلي، ومن راسي!).  مغبون من يترك التفسير بالمأثور ليأخذ التفسير ممن يقول برأيه في القرآن، ويصرّ على إقصاء السنّة! فيقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([188]).  ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([189]).  بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([190]).

أسأل الله تعالى للدكتور نوفل أن يجلي من قلبه وصدره هذه المواقف المعادية لأحاديث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الحديث في صحيح البخاري: (يَكْشِفُ رَبُّنا عن ساقِهِ، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا.) ( الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4919، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[،  انظر شرح الحديث رقم 25588).

هذا الحديث بكل طرقه موْضُوعُهُ رؤية المؤمنين لرَبّهم يَومَ القِيَامَةِ.  وبالتال لماذا يستنكره د. نوفل؟! وهل يمكن للمؤمنين أن يروا ربهم إلا إذا كشف عن ذاته سبحانه؟!.  هل نسي د. نوفل الآية الكريمة: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) (الأعراف 143).

وأعيدُ ذكر كلام العلامة المفسّر عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله ([191]): "من أسمائه جلّ جلاله ومن أوصافه (النُورُ). الذي هو وصفه العظيم، فإنه ذو الجلال والإكرام وذو البهاء والسبحات الذي لو كشف الحجاب عن وجهه الكريم لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه ".  وبالتالي هل يمكنُ رؤيةُ ساق العظمة الإلهية يومَ القيامة من غير أن يكشفَ الرّبُ سبحانه عنها الحجاب؟!

وفي الحديث: (أنَّ حَبرًا من اليهودِ سأل النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: أيُّ البقاعِ خيرٌ؟ فسكتَ عنهُ، وقال:  أسكُتُ، حتَّى يجيءَ جبريلُ، فسكَت، ثمَّ جاء جبريلُ، فسألَه؟ فقال:  " ما المَسؤولُ عنها بأعلَمَ من السَّائلِ، ولكن أسألُ ربِّي تبارك وتعالى ؛ ثمَّ قال جبريلُ: يا مُحمَّدُ! إنِّي دَنوتُ من اللهِ دنُوًّا ما دَنوتُ مثلَه قطُّ ؛ قال:  كيفَ كان يا جبريلُ؟ قال:  كان بَيني وبينَه سَبعونَ ألفَ حِجابٍ مِن نورٍ، فقال:  شرُّ البقاعِ أسواقُها، وخيرُ البقاعِ مَساجدُها) (.[192])

سؤال أوجهه للدكتور نوفل: إذا كان جبريل عليه السلام، وبعد أن دنى من ربّه غاية الدنوّ لم يستطع رؤية الله: (كيفَ كان يا جبريلُ ؟، قال:  كان بَيني وبينَه سَبعونَ ألفَ حِجابٍ مِن نورٍ).  فكيف نستطيع نحن البشر رؤية ساق الرحمن إذا لم يكشف حجب النور عن ذاته سبحانه وتعالى؟!

الحديث (يَكْشِفُ رَبُّنا عن ساقِهِ) :

(قُلْنَا يا رَسولَ اللَّهِ هلْ نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ: هلْ تُضَارُونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إذَا كَانَتْ صَحْوًا؟، قُلْنَا: لَا، قالَ: فإنَّكُمْ لا تُضَارُونَ في رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَومَئذٍ، إلَّا كما تُضَارُونَ في رُؤْيَتِهِما ثُمَّ قالَ: يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إلى ما كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أصْحَابُ الصَّلِيبِ مع صَلِيبِهِمْ، وأَصْحَابُ الأوْثَانِ مع أوْثَانِهِمْ، وأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مع آلِهَتِهِمْ، حتَّى يَبْقَى مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، مِن بَرٍّ أوْ فَاجِرٍ، وغُبَّرَاتٌ مِن أهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأنَّهَا سَرَابٌ، فيُقَالُ لِلْيَهُودِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ ولَا ولَدٌ، فَما تُرِيدُونَ؟ قالوا: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنَا، فيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ في جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فيَقولونَ: كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ، ولَا ولَدٌ، فَما تُرِيدُونَ؟ فيَقولونَ: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنَا، فيُقَالُ: اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ في جَهَنَّمَ، حتَّى يَبْقَى مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِن بَرٍّ أوْ فَاجِرٍ، فيُقَالُ لهمْ: ما يَحْبِسُكُمْ وقدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فيَقولونَ: فَارَقْنَاهُمْ، ونَحْنُ أحْوَجُ مِنَّا إلَيْهِ اليَومَ، وإنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بما كَانُوا يَعْبُدُونَ، وإنَّما نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، قالَ: فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ في صُورَةٍ غيرِ صُورَتِهِ الَّتي رَأَوْهُ فِيهَا أوَّلَ مَرَّةٍ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا، فلا يُكَلِّمُهُ إلَّا الأنْبِيَاءُ، فيَقولُ: هلْ بيْنَكُمْ وبيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فيَقولونَ: السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عن سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ، ويَبْقَى مَن كانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْما يَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بالجَسْرِ فيُجْعَلُ بيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، قُلْنَا: يا رَسولَ اللَّهِ، وما الجَسْرُ؟ قالَ: مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خَطَاطِيفُ وكَلَالِيبُ، وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وكَالْبَرْقِ وكَالرِّيحِ، وكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ والرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، ونَاجٍ مَخْدُوشٌ، ومَكْدُوسٌ في نَارِ جَهَنَّمَ، حتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا، فَما أنتُمْ بأَشَدَّ لي مُنَاشَدَةً في الحَقِّ، قدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ المُؤْمِنِ يَومَئذٍ لِلْجَبَّارِ، وإذَا رَأَوْا أنَّهُمْ قدْ نَجَوْا، في إخْوَانِهِمْ، يقولونَ: رَبَّنَا إخْوَانُنَا، كَانُوا يُصَلُّونَ معنَا، ويَصُومُونَ معنَا، ويَعْمَلُونَ معنَا، فيَقولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا، فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ دِينَارٍ مِن إيمَانٍ فأخْرِجُوهُ، ويُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ علَى النَّارِ، فَيَأْتُونَهُمْ وبَعْضُهُمْ قدْ غَابَ في النَّارِ إلى قَدَمِهِ، وإلَى أنْصَافِ سَاقَيْهِ، فيُخْرِجُونَ مَن عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فيَقولُ: اذْهَبُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ نِصْفِ دِينَارٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ مَن عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فيَقولُ: اذْهَبُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن إيمَانٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ مَن عَرَفُوا قالَ أبو سَعِيدٍ: فإنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَؤُوا: {إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء: 40]، فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ والمَلَائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، فيَقولُ الجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فيُخْرِجُ أقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا، فيُلْقَوْنَ في نَهَرٍ بأَفْوَاهِ الجَنَّةِ، يُقَالُ له: مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ في حَافَتَيْهِ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، قدْ رَأَيْتُمُوهَا إلى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، وإلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَما كانَ إلى الشَّمْسِ منها كانَ أخْضَرَ، وما كانَ منها إلى الظِّلِّ كانَ أبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فيُجْعَلُ في رِقَابِهِمُ الخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فيَقولُ أهْلُ الجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ، أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، ولَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فيُقَالُ لهمْ: لَكُمْ ما رَأَيْتُمْ ومِثْلَهُ معهُ.) ( الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 7439، خلاصة حكم المحدث: صحيح)

 وفيما يلي بعض طرق هذا الحديث:

 (يَجْمَعُ اللهُ الأولِينَ والآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلومٍ قِيامًا أربعينَ سَنَةً، شَاخِصَةً أَبْصارُهُمْ إلى السَّماءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضَاءِ قال: ويَنْزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ مِنَ العرشِ إلى الكُرْسِيِّ ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ أيُّها الناسُ أَلْم تَرْضَوْا من رَبِّكُمُ الذي خلقَكُمْ ورَزَقَكُمْ وأمرَكُمْ أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بهِ شيئًا أنْ يُوَلِّيَ كلَّ أناسٍ مِنكمْ ما كانُوا يتولونَ ويعبدونَ في الدنيا، أَليسَ ذلكَ عَدْلا من رَبِّكُمْ؟ قالوا: بلى، فَيَنْطَلِقُ كلُّ قومٍ إلى ما كانُوا يعبدونَ ويَتَوَلَّوْنَ في الدنيا، قال: فَيَنْطَلِقُونَ، ويمثلُ لهُمْ أَشْباهُ ما كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إلى الشمسِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إلى القمرِ، والأوْثَانِ مِنَ الحِجَارَةِ وأشْباهِ ما كَانُوا يَعْبُدونَ، قال: ويمثلُ لِمَنْ كان يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى، ويمثلُ لِمَنْ كان يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، ويَبْقَى محمدٌ وأُمَّتُهُ، قال: فيتمثلُ الربُّ تباركَ وتعالى، فَيأتيهِمُ فيقولُ: ما لَكُمْ لا تَنْطَلِقُونَ كما انطلقَ الناسُ؟ قال: فَيقولونَ: إِنَّ لَنا إِلَهًا ما رَأَيْناهُ ( بَعْدُ ) فيقولُ: هل تَعْرِفُونَهُ إنْ رأيتُمُوهُ؟ فَيقولونَ: إنَّ بينَنا وبينَهُ عَلامَةٌ إذا رأيناهُ، عرفناهُ، قال فيقولُ: ماهيَ؟ فَيقولونَ: يَكْشِفُ عن ساقِهِ، ( قال: ) فعندَ ذلكَ يَكْشِفُ عن ساقِهِ، فَيَخِرُّ كلُّ مَنْ كان لِظهرِهِ طَبَقٌ ساجدًّا، ويَبْقَى قومٌ ظُهورُهُمْ كَصَياصِي البَقَرِ، يُرِيدُونَ السُّجُودَ فلا يَسْتَطِيعُونَ، ( وقد كَانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهُمْ سالِمُونَ ) ثُمَّ يقولُ: ارفعُوا رؤوسَكُمْ، فَيَرْفَعُونَ روؤسَهُمْ، فِيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ على قدرِ أَعْمالِهِمْ، فمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مثل الجَبَلِ العَظِيمِ، يَسْعَى بين أيديهِمْ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نورَهُ أَصْغَرَ من ذلكَ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى مثلَ النخلةِ بِيَمِينِهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى أَصْغَرَ من ذلكَ حتى يَكُونَ آخِرُهُمْ رجلًا يُعْطَى نُورَهُ على إِبْهامِ قَدَمِهِ، يُضِيءُ مرةً، ويطفأُ مرةً، فإذا أَضَاءَ قَدَمَهُ قدمٌ ( ومَشَى ) وإذا طُفِىءَ قامَ، قال: والربُّ تباركَ وتعالى أَمامَهُمْ حتى يَمُرَّ بِهَمْ إلى النارِ فَيَبْقَى أَثَرُهُ كَحَدِّ السَّيْفِ ( دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ) قال: فيقولُ: مُرُّوا، فَيَمُرُّونَ على قدرِ نُورِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كطرفةِ العَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالبَرْقِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كالسَّحابِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الكوكبِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الفَرَسِ، ومِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرجلِ، حتى يَمُرُّ الذي يُعطَى نورَهُ على ظهرِ ( إبهِامِ ) قَدَمِهِ يَحْبُو على وجهِهِ ويديْهِ ورِجْلَيْهِ، تخرُّ يدٌ وتعلقُ يدٌ، وتخرُّ رجلٌ، وتعلقُ رجلٌ، وتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النارُ فلا يزالُ كَذلكَ حتى يَخْلُصَ فإذا خَلَصَ وقَفَ عليْها فقال: الحمدُ للهِ الذي أَعْطَانِي ما لمْ يُعْطِ أحدًا، إذْ أنجانِي مِنْها بعدَ إذْ رأيْتُها قال: فَيُنْطَلَقُ بهِ إلى غَدِيرٍ عندَ بابِ الجنةِ فَيَغْتَسِلُ، فَيَعُودُ إليهِ رِيحُ أهلِ الجنةِ وأَلْوَانُهُمْ، فيَرَى ما في الجنةِ من خِلالِ البابِ، فيقولُ: رَبِّ أَدْخِلْنِي الجنةَ فيقولُ اللهُ (لهُ): أَتَسْأَلُ الجنةَ وقد نَجَّيْتُكَ مِنَ النارِ؟ فيقولُ: رَبِّ اجعلْ بَيْنِي وبينَها حِجابًا حتى لا أَسْمَعُ حَسِيسَها قال: فَيدخلُ الجنةَ، ويَرَى أوْ يُرْفَعُ لهُ مَنْزِلٌ أَمامَ ذلكَ كأنَّ ما هو فيهِ بالنسبةِ إليهِ حُلْمٌ، فيقولُ: رَبِّ! أعطِنِي ذلكَ المَنْزِلَ فيقولُ ( لهُ ) لَعَلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَ تَسْأَلُ غيرَهُ؟ فيقولُ لا وعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غيرَهُ، وأنَّى مَنْزِلٌ أحسنُ مِنْهُ؟ فَيُعْطَاهُ، فَيَنْزِلُهُ، ويَرَى أَمامَ ذلكَ مَنْزِلًا، كأنَّ ما هو فيهِ بالنسبةِ إليهِ حُلْمٌ قال: رَبِّ أعطِنِي ذلكَ المَنْزِلَ فيقولُ اللهُ تباركَ وتعالى لهُ: لَعَلَّكَ إنْ أَعْطَيْتُكَ تَسْأَلُ غيرَهُ؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ ( لا أسألُكَ ) وأنَّى منَزَلٌ أحسنُ مِنْهُ؟ فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ، ثُمَّ يسكتُ فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرهُ: ما لكَ لا تَسْأَلُ؟ فيقولُ: رَبِّ! قد سَأَلْتُكَ حتى اسْتَحْيَيْتُكَ، (أَقْسَمْتُ لكَ حتى اسْتَحْيَيْتُكَ) فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرهُ: ألمْ ترضَ أنْ أُعْطِيَكَ مثل الدنيا مُنْذُ خَلَقْتُها إلى يومِ أَفْنَيْتُها وعشرَةَ أَضْعَافِهِ؟ فيقولُ: أتهزأُ بي وأنتَ رَبُّ العزةِ؟ ( فَيَضْحَكُ الرَّبُّ عزَّ وجلَّ من قولِهِ قال: فَرأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ إذا بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحَدِيثِ ضَحِكَ، فقال لهُ رجلٌ: يا أبا عَبْدِ الرحمنِ! قد سَمِعْتُكَ تُحَدِّثُ بهِذا الحَدِيثِ مِرَارًا، كلَّما بَلَغْتَ هذا المكانَ ضَحِكْتَ؟ فقال: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ يُحَدِّثُ هذا الحديثَ مِرَارًا كلَّما بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحَدِيثِ ضَحِكَ حتى تبدُو أضراسَهُ)، قال: فيقولُ الرَّبُّ جلَّ ذكرهُ: لا، ولَكِنِّي على ذلكَ قادِرٌ، فيقولُ: أَلْحِقْنِي بِالناسِ، فيقولُ: الحَقْ بِالناسِ. فَيَنْطَلِقُ يرملُ في الجنةِ، حتى إذا دَنا مِنَ الناسِ رُفِعَ لهُ قَصْرٌ من دُرَّةٍ، فَيَخِرُّ ساجِدًا، فيقولُ لهُ: ارفعْ رأسَكَ مالكَ؟ فيقولُ: رأيْتُ ربِّي أوْ تَرَاءَى لي ربِّي، فيقالُ إِنَّما هو مَنْزِلٌ من مَنازِلِكَ قال ثُمَّ يَلْقَى رجلًا فَيَتَهَيَّأُ للسجودِ لهُ فيقالُ لهُ: مَهْ! فيقولُ: رأيْتُ أنَّكَ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ، فيقولُ: إِنَّما أنا خَازِنٌ من خُزَّانِكَ، وعَبْدٌ من عَبيدِكَ، تَحْتَ يَدَيَّ أَلْفُ قَهْرَمانٍ على ( مثل ) ما أنا عليهِ قال: فَيَنْطَلِقُ أَمامَهُ حتى يَفْتَحَ لهُ بابَ القصرِ، قال وهوَ من دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ شقائقُها وأبوابُها وإغْلاقُها ومَفَاتِيحُها مِنْها، تَسْتَقْبِلُهُ جَوْهَرَةٌ خَضْرَاءُ مُبَطَّنَةٌ بِحمراءَ فيها سبعونَ بابًا، كلُّ بابٍ يُقضِي إلى جوهرةٍ خضراءُ، مبطنةٍ كلُّ جوهرةٍ تُفضِي إلى جَوْهَرَةٍ على غَيْرِ لَوْنِ الأُخْرَى، في كلِّ جَوْهَرَةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووَصائِفُ، أَدْناهُنَّ حَوْرَاءُ عَيْناءُ، عليْها سبعونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ ساقِها من ورَاءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرْآتُهُ، وكَبِدُهُ مِرْآتُها إذا أَعْرَضَ عَنْها إِعْرَاضَةً ازْدَادَتْ في عَيْنِهِ سبعينَ ضِعْفًا عَمَّا كانَتْ قبلَ ذلكَ فيقولُ لها: واللهِ لَقَدِ ازْدَدْتِ في عَيْنِي سبعينَ ضِعْفًا عما كُنْتِ قبلَ ذلكَ، وتَقُولَ لهُ وأنت ( واللهِ ) لقد ازددت في عيني سبعينَ ضعفا فيقالُ لهُ: أشرف، أشرف. فيشرف، فيقالُ لهُ: ملكُكَ مسيرةُ مِئةِ عامٍ، يُنْفِذُهُ بَصَرُكَ قال: فقال لهُ عمرُ: ألا تسمَعُ ما يحَدَّثُنا ابنُ أمِّ عبدٍ يا كعبُ عن أَدْنَى أهلِ الجنةِ منزلًا، فكَيْفَ أعلاهُمْ؟ قال: يا أَمِيرَ المؤمنينَ مالا عينٌ رأَتْ ولا أذنٌ سمَعَتْ، فذكرَ الحَدِيثَ) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترغيب، الصفحة أو الرقم:  3591، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  شرح الحديث)

(يَجمَعُ اللهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ لميقاتِ يومٍ معلومٍ، قيامًا أربعين سَنَةً، شاخِصَةً أبصارُهم إلى السَّماءِ، ينتَظِرون فصلَ القضاءِ، قال: ويَنزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ في ظُلَلٍ من الغَمامِ من العَرشِ إلى الكُرسيِّ، ثم يُنادي مُنادٍ: أيُّها الناسُ، أَلَمْ تَرضَوْا من ربِّكُم الذي خَلَقَكم ورَزَقَكم وأَمَرَكم أنْ تَعبُدوه، ولا تُشرِكوا به شيئًا أن يُولِّيَ كُلَّ ناسٍ منكم ما كانوا يتوَلَّوْنَ ويَعبُدون في الدُّنيا؟ أليس ذلك عدلًا من ربِّكم؟ قالوا: بلى. قال: فينطَلِقُ كُلُّ قومٍ إلى ما كانوا يَعبُدون ويتوَلَّوْنَ في الدُّنيا، فينطَلِقون ويُمثَّلُ لهم أشباهُ ما كانوا يَعبُدون، فمنهم مَن ينطَلِقُ إلى الشَّمسِ، ومنهم مَن ينطَلِقُ إلى القَمَرِ، وإلى الأوثانِ من الحِجارَةِ وأشباهِ ما كانوا يَعبُدون، قال: ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عيسى شَيطانُ عيسى، ويُمثَّلُ لمَن كان يعبُدُ عُزيرًا شَيطانُ عُزيرٍ. ويَبقى مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأُمَّتُه، فيأتيهم الرَّبُّ عزَّ وجلَّ، فيقولُ: ما لكم لا تنطَلِقون كما انطَلَقَ الناسُ؟ فيقولون: إنَّ لنا إِلَهًا ما رأيْناهُ بعدُ، فيقولُ: هل تعرِفونَه إذا رأيْتُموه؟ فيقولون: إنَّ بينَنا وبينَه علامةً إنْ رأيْناها عَرَفْناها، قال: فيقولُ: ما هي؟ فيقولون: يُكشَفُ عن ساقِه، قال: فعندَ ذلك يُكشَفُ عن ساقٍ فيَخِرون له سُجَّدًا، ويَبقى قومٌ ظُهورُهم كصياصيِّ البَقَرِ، يُريدون السُّجودَ فلا يَسْتَطيعون، وقد كانوا يُدعَوْنَ إلى السُّجودِ وهم سالِمون. ثم يقولُ: ارْفَعوا رُؤُوسَكم، فيَرفَعون رُؤُوسَهم، ويُعْطيهم نُورَهم على قدْرِ أعمالِهم، فمنهم مَن يُعطى نورَه مثلَ الجَبَلِ العَظيمِ، يَسْعى بين يديْهِ، ومنهم مَن يُعطى أصغَرَ من ذلك، ومنهم مَن يُعطى نورًا مثلَ النَّخلةِ بيَمينِه، ومنهم مَن يُعطى نورَا أصغَرَ من ذلك، حتى يكونَ آخِرُهم رَجُلًا يُعطى نورَه على إبهامِ قَدَمِه يُضيءُ مرَّةً، ويُطفَأُ مرَّةً، فإذا أضاءَ قدَّم قَدَمَه فمَشى، وإذا طُفِئَ قامَ، والربُّ تَبارك وتَعالى أمامَهم حتى يمُرَّ في النارِ، فيبقى أثَرٌ كحَدِّ السَّيفِ، قال: ويقولُ: مُرُّوا، فيَمُرُّون على قدْرِ نورِهم. منهم مَن يمُرُّ كطرْفِ العَينِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالبَرقِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالسَّحابِ، ومنهم مَن يمُرُّ كانقِضاضِ الكَوكَبِ، ومنهم مَن يمُرُّ كالرِّيحِ، ومنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الفَرَسِ، ومنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الرَّحْلِ، حتى يمُرَّ الذي أُعطِيَ نورَه على إبهامِ قَدَمِه يَحْبو على وجْهِه ويديْهِ ورِجْليهِ، تَخِرُّ يَدٌ وتَعلَقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رِجلٌ وتَعلَقُ رِجلٌ، وتُصيبُ جوانِبَه النارُ، فلا يزالُ كذلك حتى يَخلُصَ، فإذا خَلَصَ، وَقَفَ عليها، وقال: الحمدُ للهِ، لقد أعْطانيَ اللهُ ما لم يُعطِ أحدًا؛ إذْ نجَّاني منها بعدَ إذْ رأيْتُها. قال: فيُنطَلَقُ به إلى غَديرٍ عندَ بابِ الجَنَّةِ، فيَغْتسِلُ، فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجَنَّةِ وألْوانُهم، فيَرى ما في الجَنَّةِ من خِلالِ البابِ، فيقولُ: ربِّ أدْخِلْني الجَنَّةَ، فيقولُ اللهُ تَبارك وتَعالى له: أَتَسأَلُ الجَنَّةَ وقد نَجَّيتُكَ من النارِ؟! فيقولُ: ربِّ اجعَلْ بيني وبينها حِجابًا لا أسَمُع حَسيسَها، قال: فيدخُلُ الجَنَّةَ، قال: ويَرى -أو يُرفَعُ له- مَنزِلٌ أمامَ ذلك كأنَّما الذي هو فيه إليه حُلمٌ، فيقولُ: ربِّ أعْطِني ذلك المَنزِلَ، فيقولُ: فلعلَّك إنْ أعطيتُكَهُ تَسأَلُ غيرَه، فيقولُ: لا وعِزَّتِك لا أَسأَلُك غيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه، فيُعطاه؛ فيَنزِلَه، قال: ويَرى أمامَ ذلك مَنزِلًا آخَرَ، كأنَّما هو فيه إليه حُلمٌ، فيقولُ: أَعْطِني ذلك المَنزِلَ، فيقولُ اللهُ جلَّ جلالُه: فلعلَّك إنْ أعطيتُكَهُ تَسأَلُ غيرَه؟ قال: لا وعِزَّتِك، لا أَسأَلُ غيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه؟ قال: فيُعطى؛ فيَنزِلَه، قال: ويَرى -أو يُرفَعُ له- أمامَ ذلك مَنزِلٌ آخَرُ، كأنَّما هو فيه إليه حُلمٌ، فيقولُ: أعْطِني ذلك المَنزِلَ، فيقولُ اللهُ جلَّ جلاله: فلعلَّك إنْ أعطيتُكَ إيَّاه تَسأَلُ غيرَه؟ قال: لا وعِزَّتِك لا أَسأَلُك غيرَه، وأيُّ مَنزِلٍ يكونُ أحسَنَ منه، قال: فيُعطاه؛ فيَنزِلَه، ثم يَسكُتُ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: مالَكَ لا تَسأَلُ؟ فيقولُ: رَبِّ، لقد سَأَلْتُك حتى استَحْيَيتُكَ، وأقْسَمْتُ لك حتى استَحْيَيتُكَ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أَلَا تَرضَى أنْ أُعْطيَكَ مثلَ الدُّنيا مُذْ يومِ خَلَقتُها إلى يومِ أفْنَيتُها وعَشْرةَ أضعافِه؟ فيقولُ: أتَسْتهزِئُ بي وأنتَ رَبُّ العِزَّةِ، فيضحَكُ الربُّ عزَّ وجلَّ من قولِه. قال: فرأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ إذا بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضَحِكَ، فقال له رَجُلٌ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، قد سَمِعتُكَ تُحدِّثُ هذا الحديثَ مِرارًا، كُلَّما بَلَغتَ هذا المَكانَ ضَحِكتَ، فقال: إني سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحدِّثُ هذا الحديثَ مِرارًا، كُلَّما بَلَغَ هذا المكانَ من هذا الحديثِ ضَحِكَ حتى تبدُوَ أضراسُه. قال: فيقولُ الربُّ عزَّ وجلَّ: لا: ولكني على ذلك قادِرٌ، سَلْ، فيقولُ: ألْحِقْني بالناسِ، فيقولُ: الْحَقِ بالناسِ قال: فينطَلِقُ يرمُلُ في الجَنَّةِ حتى إذا دَنا من الناسِ، رُفِعَ له قصرٌ من دُرَّةٍ، فيَخِرُّ ساجِدًا، فيُقالُ له: ارفَعْ رأسَك، ما لَك؟ فيقولُ: رأيتُ ربي، -أو تراءَى لي ربي- فيُقالُ له: إنَّما هو مَنزِلٌ من منازِلِكَ، قال: ثم يَلْقى رَجُلًا، فيتهيَّأُ للسُّجودِ، فيُقالُ له: مَهْ، ما لَك؟ فيقولُ: رأيتُ أنَّك مَلَكٌ من الملائكةِ، فيقولُ: إنَّما أنا خازِنٌ من خُزَّانِكَ، عبدٌ من عَبيدِكَ، تحتَ يديَّ ألفُ قَهْرَمانٍ على مِثلِ ما أنا عليه. قال: فينطَلِقُ أمامَه حتى يُفتَحَ له القَصرُ، قال: وهو في دُرَّةٍ مُجوَّفةٍ، سقائِفُها، وأبوابُها، وأغلاقُها، ومفاتيحُها منها، تستقبِلُه جَوهرةٌ خَضراءُ مُبطَّنةٌ بحَمراءَ، كُلُّ جَوهرةٍ تُفضي إلى جَوهرةٍ فيها سَبعون بابًا، كُلُّ بابٍ يُفضي إلى جَوهرةٍ خَضْراءَ مُبطَّنةٍ بحَمراءَ، كُلُّ جَوهرةٍ تُفضي إلى جَوهرةٍ على غيرِ لَوْنِ الأخرى، في كُلِّ جَوهرةٍ سُرُرٌ وأزْواجٌ، ووصائِفُ أدناهُنَّ حَوراءُ عَيناءُ عليها سَبعون حُلَّةً، يُرى مُخُّ ساقِها من وراءِ حُلَلِها، كَبِدُها مِرآتُه، وكَبِدُه مِرآتُها، إذا أعرَضَ عنها إعراضةً ازدادتْ في عَينِه سَبعينَ ضِعفًا عمَّا كانتْ قبلَ ذلك، فيقولُ لها: واللهِ لقدِ ازْدَدتِ في عَيني سَبعين ضِعفًا، وتقولُ له: واللهِ وأنتَ، لقدِ ازْدَدتَ في عَيني سَبعينَ ضِعفًا، فيُقالُ له: أشْرِفْ، قال: فيُشرِفُ، فيُقالُ له: مُلْكُكَ مَسيرةُ مِئَةِ عامٍ يَنفُذُه بَصَرُه. قال فقال عُمَرَ: أَلَا تَسمَعُ إلى ما يُحدِّثُنا ابنُ أُمِّ عبدٍ يا كعْبُ، عن أدْنى أهلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا، فكيف أعْلاهم؟ قال كعبٌ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، ما لا عينٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعتْ، إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ دارًا فيها ما شاءَ من الأزواجِ، والثَّمَراتِ، والأشرِبَةِ، ثم أطْبَقَها، فلم يَرَها أحَدٌ من خَلْقِه، لا جِبريلُ ولا غيرُهُ من الملائِكَةِ. ثُمَّ قَرَأَ كعبٌ: { فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [السجدة: 17]. قال: وخَلَقَ دُون ذلك جَنَّتينِ، فزيَّنهما بما شاءَ، وأراهما مَن شاءَ من خَلْقِه، ثم قال: مَن كان في عِليِّينَ نَزَلَ تلك الدارَ التي لم يَرَها أحدٌ، حتى إنَّ الرَّجُلَ من أهلِ عِليِّينَ؛ لَيخرُجُ فيسيرُ في مُلْكِه، فما تَبقى خَيمةٌ من خِيَمِ الجَنَّةِ إلَّا دَخَلَها من ضَوءِ وجْهِه، فيَسْتبشِرون برِيحِه، فيقولون: واهًا لهذه الرِّيحِ، هذا رَجُلٌ من أهلِ عِليِّينَ قد خَرَجَ يَسيرُ في مُلْكِه. فقال: وَيحَك يا كعبُ! هذه القُلوبُ قد استَرْسَلَتْ فاقْبِضْها، فقال كعبٌ: والذي نفْسي بيَدِه، إنَّ لجهنَّمَ يومَ القيامَةِ لَزفرَةً ما يَبقى من مَلَكٍ مُقرَّبٍ ولا نَبيٍّ مُرسَلٍ إلَّا خَرَّ لرُكْبتيهِ، حتى إنَّ إبراهيمَ خليلَ اللهِ عليه السَّلامُ يقولُ: ربِّ نَفْسي نَفْسي، حتى لو كان لكَ عَمَلُ سَبْعينَ نبيًّا إلى عَمَلِكَ لظَنَنتَ أنَّك لا تَنْجو.) ([193])

(إذا جمع اللهُ تعالى العبادَ لِصعيدٍ واحدٍ نادى مُنادٍ لِيَلْحَقْ كلُّ أمةٍ ما كانوا يعبدونَ ويبقَى المسلمونَ على حالِهِم فيأتيهِم فيقولُ: ما بالُ الناسِ ذهبوا وأنتم ها هنا فيقولونَ نَنْتَظِرُ إلَهَنا فيقولُ: فتعرفونَه فيقولونَ إذا تَعَرَّف لنا عَرَفْناه قال: فَيَكْشِفُ لهم عن ساقٍ فَيَقَعُونَ سُجَّدًا وذلك قولُه تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ{) (الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني، المصدر  تخريج كتاب السنة، الصفحة أو الرقم: 732، خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن،  انظر شرح الحديث رقم 69023.  التخريج: أخرجه الدارمي (2803)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (732) واللفظ له).

وللمزيد أنظر كذلك الأحاديث في الحاشية ([194]).

بعض التفاسير:

* تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل/ الخازن (ت 725 هـ) مصنف و مدقق

يستشهد بالأحاديث السابقة، فيقول: " ... لفظ مسلم والبخاري نحوه بمعناه. فصل في شرح ألفاظ الحديث وما يتعلق به أما الرؤية وما يتعلق بها فسيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله تعالى. قوله " حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها وفي رواية أبي هريرة فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه "

قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله وغيره اعلم أن هذا الحديث من أكبر أحاديث الصفات وأعظمها وللعلماء فيه وفي أمثاله قولان: أحدهما: وهو قول معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد أن لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوقين وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم وقال الخطابي هذا الحديث تهيب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا الباب. والقول الثاني: وهو مذهب معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على حسب مواقعها وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله (ليس من أهل العقول الفردية) فعلى هذا المذهب يقال في قوله صلى الله عليه وسلم فيأتيهم الله أن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه  ... "

* تفسير زاد المسير في علم التفسير/ ابن الجوزي (ت 597 هـ) مصنف و مدقق

وهذا اليوم هو يوم القيامة. وقد روى عكرمة عن ابن عباس: «يوم يُكْشَفُ عن ساق» قال: يُكْشَفُ عن شِدَّةٍ. ... قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إِلى معاناته والجدّ فيه، شمّر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة، هذا قول الفراء، وأبي عبيدة، واللغويين. وقد أضيف هذا الأمر إِلى الله تعالى. فروي في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " يكشف عن ساقه "، وهذا إضافة إليه، لأن الكل له وفعله. وقال أبو عمر الزاهد: يراد بها النفس، ومنه قول علي رضي الله عنه: أقاتلهم ولو تلفت ساقي، أي: نفسي. فعلى هذا يكون المعنى: يتجلّى لهم.

* تفسير بحر العلوم/ السمرقندي (ت 375 هـ) مصنف و مدقق

"...قوله تعالى: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يعني اذكر ذلك اليوم ويقال معناه إن الثواب والعقاب الذي ذكر في يوم يكشف عن ساق قال ابن عباس يعني يظهر قيام الساعة، وروى سفيان عن مغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس قال عن ساق يعني عن أمر عظيم وقال مجاهد يوم يكشف عن ساق عن بلاء عظيم وقال قتادة يكشف الأمر عن شدة الأمر { وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } قال الفقيه حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا بن منيع حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة عن علي ابن زيد عن عمارة القرشي عن أبي بردة بن أبي موسى قال حدثنا أبي قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم كيف بقيتم وقد ذهب الناس فيقولون إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا ولم نره قال أوتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال لهم وكيف تعرفونه ولم تروه قالوا لا شبه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجداً ويبقى أقوام ظهروهم مثل صياصي البقر فيريدون السجود فلا يستطيعون فيقول الله تعالى عبادي ارفعوا رؤوسكم قد جعلت بدل كل رجل منكم رجلاً من اليهود والنصارى في النار ..."

محاسن التأويل للقاسمي وكذلك المنار – محمد رشيد رضا - لم يفسّرا سورة القلم.

25) يخالف صريح القرآن فيزعم أنّ الجبّار يطلب شهادة زعماء الكفر والشرك على الأمم!

د. نوفل يخالف صريح القرآن في مسألة إيمانية (عقائدية)؛ فيدّعي أنّ الجبّار سبحانه وتعالى يطلب شهادة زعماء الكفر والشرك على الأمم!

الآية الكريمة: (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (القصص 75).  ما هو تفسير د. نوفل؟  يقول د. نوفل ([195]): " استخرج مولانا من كلّ أمّة شهيدا. أهم الرسل؟ ممكن.  أهم زعماء الكفر؟ ممكن!!!!  النصّ يحتمل!!!! ...الشهيد ممكن يكون مثل ما قلنا إحتمالات.  فقلنا ما دام قال هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هاتوا دليلكم على ما زعمتم من الشرك يبقى هم زعماء الشرك مثلاً!! ".

يقول البغوي: " (فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) حجتكم بأن معي شريكا ."

 وأقول: د. نوفل لم يفكّر للحظة في جملته هذه! ولم يستند فيها على أساس ولا على فهم؛ حين يدّعي أنّ الجبّار سبحانه وتعالى يطلب شهادة زعماء الكفر والشرك على الأمم! ويساويهم بالرّسل!.  إنّ هذا القول للدكتور نوفل يعارض صريح القرآن؛ يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (الحديد 19).  يقول ابن كثير: "وقال آخرون: بل المراد من قوله: (أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم) فأخبر عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون وشهداء. حكاه ابن جرير، عن مجاهد ."

إنّ هذا القول للدكتور نوفل يعارض الآية الكريمة من سورة ياسين: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (يس 65).  وإنّ هذا القول للدكتور نوفل يعارض الآية الكريمة: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) ( النحل 84).

 يقول البغوي: قوله عز وجل: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) يعني رسولا (ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) في الاعتذار، وقيل: في الكلام أصلا (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) يسترضون، يعني: لا يكلفون أن يرضوا ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون.  وحقيقة المعنى في الاستعتاب: أنه التعرض لطلب الرضا، وهذا الباب منسد في الآخرة على الكفار .

 يقول الطبري: " وقوله: (وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) وأحضرنا من كلّ جماعة شهيدها وهو نبيها الذي يشهد عليها بما أجابته أمته فيما أتاهم به عن الله من الرسالة. وقيل: (وَنـزعْنَا) من قوله: نـزع فلان بحجة كذا، بمعنى: أحضرها وأخرجها.  وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.  * ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: (وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) وشهيدُها: نبيّها، يشهد عليها أنه قد بَلَّغ رسالة ربه.

 حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا؛ عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ قوله: (وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) قال: رسولا.

وبالتالي أقول: يا لنكارة قول د. نوفل: " استخرج مولانا من كلّ أمّة شهيدا. أهم الرسل؟ ممكن.  أهم زعماء الكفر؟ ممكن!!!!  ".  يا دكتور نوفل هل ينسجم تفسيرك هذا مع ما ذكرتَه أنتَ في بداية الحلقة من صفات الله وأسمائه الحسنى والتي تُصوّر لنا الكمال المطلق واللانهائي؟!

يقول البغوي: (وَنـزعْنَا) أخرجنا، (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) يعني: رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد"  ( النساء - 41)، (فقلنا هاتوا برهانكم) حجتكم بأن معي شريكا.  (فعلموا أن الحق) التوحيد، (لله وضل عنهم ما كانوا يفترون) في الدنيا .

 وفي الحديث: (قالَ لي النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أُنْزِلَ، قالَ: نَعَمْ فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حتَّى أتَيْتُ إلى هذِه الآيَةِ: {فَكيفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بشَهِيدٍ، وجِئْنا بكَ علَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا { (النساء: 41)، قالَ: حَسْبُكَ الآنَ فالْتَفَتُّ إلَيْهِ، فإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ.) ([196]).

( وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا )، والرسول محمد صلى الله عليه وسلّم هو الشهيد على هذه الأمة.  ويقول تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فقياساً وعندما نفسّر القرآن بالقرآن؛ فإنّ الرسل والأنبياء هم شهداء الله على خلقه.  وأمّة محمد هم شهداء الله في الأرض من بعد الرّسل ([197]) .

 قوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النور 24).

 يقول البغوي:  (يوم تشهد) قرأ حمزة والكسائي بالياء لتقديم الفعل، وقرأ الآخرون بالتاء، (عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ) وهذا قبل أن يختم على أفواههم.  (وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم) يروى أنه (تختم) الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا.  وقيل: معناه تشهد ألسنة بعضهم على بعض وأيديهم وأرجلهم، (بما كانوا يعملون).

 هذا القول للبغوي لم يرد فيه إلا حديث ضعيف؛ وهو: (إذا كان يومُ القيامةِ عُرِّفَ الكافرُ بعمَلِه، فجحَدَ وخاصَمَ، فيُقال: هؤلاء جِيرانُك يَشْهَدون عليك، فيقول: كَذَبوا، فيقولُ: أهلُكَ عشيرتُكَ، فيقولُ: كَذَبوا، فيقولُ: احْلِفوا، فيحلفون، ثمَّ يُصمِتُهم اللهُ وتَشهَدُ ألْسِنَتُهم، ويُدخِلُهم النَّارَ.) ([198]).  شهادة الأهل والعشيرة لم تثبت، و د. نوفل لا يحتجّ بالأحاديث مطلقاً وحتى الصحيح منها! وبالتالي لا أدر ما هو دليله على شهادة زعماء الكفر!. إنّ هذا التفسير الذي قدمه د. نوفل يناقض صريح القرآن؛ وأقوال المفسّرين!

يقول تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ) ( النساء 41).

 يقول ابن كثير: "يقول تعالى - مخبرا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه: فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة وحين يجيء من كل أمة بشهيد - يعني الأنبياء عليهم السلام؟ كما قال تعالى: (وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون )  ( الزمر: 69 ) وقال تعالى: ( ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) ( النحل: 89) .

 يقول السعدي: "ثم قال تعالى: } فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا { أي: كيف تكون تلك الأحوال، وكيف يكون ذلك الحكم العظيم، الذي جمع أن من حكم به كاملُ العلم، كاملُ العدل، كامل الحكمة، بشهادة أزكى الخلق وهم الرسل على أممهم مع إقرار المحكوم عليه؟" فهذا -والله- الحكم الذي هو أعم الأحكام وأعدلها وأعظمها. وهناك يبقى المحكوم عليهم مقرين له لكمال الفضل والعدل، والحمد والثناء. وهناك يسعد أقوام بالفوز والفلاح والعز والنجاح. ويشقى أقوام بالخزي والفضيحة والعذاب المهين. ".  أقول: وأمّا د. نوفل فيريده حكماً بشهادة زعماء الكفر!!.

 يقول البغوي: قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) .  أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد يعني: بنبيها يشهد عليهم بما عملوا، ( وجئنا بك ) يا محمد، ( على هؤلاء شهيدا ) شاهدا يشهد على جميع الأمم على من رآه وعلى من لم يره .

 الأحاديث:

(أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانَ إذا قرأَ هذه الآيَةَ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا بكى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال يا ربِّ هذا شهِدتُّ على مَنْ أنا بينَ ظَهْرَانَيْهِ فكيفَ بمن لم أَرَ) ([199]‏‏).

(أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أتاهم في مسجِدِ بَنِي ظفَرٍ فجلَسَ علَى الصخرةِ التي في مسجدِ بني ظفَرٍ اليومَ ومعه عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ ومعاذُ بنُ جبلٍ وأناسٌ من أصحابِهِ وأمَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قارِئًا فقرَأَ حتى أَتَى علَى هذِهِ الآيَةِ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا فبكى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى اضطرب لِحْيَاهُ فقال أيْ ربِّ شهِدتُّ على مَنْ أنا بينَ ظَهْرانَيْهِ فكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَ) ([200]).

(أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أتاهُم في بني ظُفُرٍ ومعه ابنُ مسعودٍ ومعاذُ بنُ جبَلٍ وناسٌ من أصحابِهِ فأمرَ قارئًا فقرأَ فأتى على هذهِ الآيةِ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا فبكى حتى اضطرَبَ لِحياهُ وجَنباهُ وقال: يا ربِّ هذا شهِدتُ على مَن أنا بين ظَهريهِ فكيفَ بمن لَم أرَهُ) ([201]).

(أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أتاهُم في بَني ظفرٍ، فجلسَ علَى الصَّخرةِ الَّتي في بَني ظفرٍ اليومَ، ومعَهُ ابنُ مسعودٍ ومعاذُ بنُ جبلٍ وَناسٌ من أصحابِهِ، فأمرَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قارئًا فقرأَ فأتَى علَى هذِهِ الآيةِ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا فبَكَى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى اضطربَ لِحياهُ وجَنباهُ، فقالَ: يا ربِّ، هذا شَهِدْتُ علَى من أَنا بينَ ظهرَيهِ، فَكَيفَ بمَن لم أرَهُ) ([202]).

26) يزعم أنّ الآية: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) خاصة بالكفار!

الآية الكريمة: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) (الانشقاق 19). يرى أنّ هذه الآية خاصة بالكفار؛ يقول نوفل: " (طَبَقًا عَن طَبَقٍ) بالكفر بالمعاصي" ([203]).  وفهمه هذا غير صحيح!

الردّ على نوفل: (عنِ ابنِ عباسٍ في قولِهِ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ قال محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم). وقرأ أهل مكة وحمزة والكسائي: " لَتَرْكَبَنَّ "  بفتح الباء يعني لَتَرْكَبَنَّ يا محمد (طَبَقًا عَن طَبَقٍ) قال الشعبي ومجاهد: سماء بعد سماء (المعراج). قال الكلبي: يعني تصعد فيها.  ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى والرفعة.

يرى د.نوفل أنّ هذه الآية خاصة بالكفار، وهذا غير صحيح بدليل الحديث: (قَالَ الْبُخَارِيّ أَخْبَرَنَا سَعِيد بْن النَّضْر أَخْبَرَنَا هُشَيْم أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْر عَنْ مُجَاهِد قَالَ: قَالَ اِبْن عَبَّاس " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " حَالًا بَعْد حَال قَالَ هَذَا نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ([204]) وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ مُحْتَمِل أَنْ يَكُون اِبْن عَبَّاس أَسْنَدَ هَذَا التَّفْسِير عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ قَالَ سَمِعْت هَذَا مِنْ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُون قَوْله نَبِيّكُمْ مَرْفُوعًا عَلَى الْفَاعِلِيَّة مِنْ قَالَ وَهُوَ الْأَظْهَر وَاَللَّه أَعْلَم كَمَا قَالَ أَنَس: لَا يَأْتِي عَام إِلَّا وَاَلَّذِي بَعْده شَرّ مِنْهُ سَمِعْته مِنْ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.  وشرح الحديث هو ([205]):  لا شكَّ أنَّ اختلافَ القِراءات في اللَّفظةِ الواحدةِ أو في الضَّبطِ يؤثِّرُ في توجيهِ المعنى وتفسيرِه بحسَبِ تغيُّرِ اللَّفظِ أوِ الضَّبطِ، وفي هذا الحديثِ يفسِّرُ ابنُ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما قولَه تعالى:  }لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: 19] حالًا بعد حالٍ، أي: تغيَّرَ الحالُ مِن حالٍ إلى أخرى، وذَكَرَ أنَّ المقصودَ بها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيكونُ المعنى تقَلُّبَ حالِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى النَّصْرِ والفَتْحِ بعدَ التَّكذيبِ والشِّدَّةِ، وفي رواية: (عنِ ابنِ عباسٍ في قولِهِ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ قال محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) (الراوي: ]مجاهد بن جبر المكي[،  المحدث :الهيثمي،  المصدر: مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 7/138، خلاصة حكم المحدث: رجاله ثقات)أو يكونُ تنقُّلُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في رحلةِ المعراجِ مِن سماءٍ إلى سماءٍ، وتأويلُ ابنِ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما هذا صحيحٌ، وذلك أنَّ قراءتَه - وهي قِراءةُ غيرِ واحدٍ مِنَ القرَّاءِ العشرةِ المتواترةِ قراءتُهم – بفتْحِ البَاءِ مِن {لَتَرْكَبَنَّ} على أنَّ الِخطابَ للمفرَدِ، وفي قراءاتٍ أخرى متواترةٍ أيضًا – وهي قراءةُ حفصٍ عَن عاصمٍ – بضمِّ الباءِ على أنْ يكونَ الخطابُ لِلجمعِ، وبذلك يكونُ المعنى: تَغَيُّرُ حالِ النَّاسِ فيكونُ الواحدُ منهم رضيعًا ثُمَّ فَطيمًا ثُمَّ طفلًا ثُمَّ شابًّا ثُمَّ شيخًا، أو يكونُ المقصودُ الغِنَى بعد الفقرِ والفقرَ بعْدَ الغنَى، والصِّحَّةَ بعْدَ السَّقَمِ، والسَّقمَ بعدَ الصِّحَّةِ، وقيل في تفسيرِها غيرُ ذلك.  وأقول: يتوارى د. نوفل خلف الإشادة بعلم ابنِ عبَّاسٍ، فلا أدر لماذا يردّ تفسيره لهذه الآية؟!

وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا هُشَيْم أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْر عَنْ مُجَاهِد أَنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَقُول " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " قَالَ يَعْنِي نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول حَالًا بَعْد حَال وَهَذَا لَفْظه وَقَالَ عَلِيّ اِبْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " طَبَقًا عَنْ طَبَق " حَالًا بَعْد حَال وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَمُرَّة وَالطَّيِّب وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك وَمَسْرُوق وَأَبُو صَالِح وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " حَالًا بَعْد حَال قَالَ هَذَا يَعْنِي الْمُرَاد بِهَذَا نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُون مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّ هَذَا وَنَبِيّكُمْ يَكُونَانِ مُبْتَدَأ وَخَبَرًا وَاَللَّه أَعْلَم وَلَعَلَّ هَذَا قَدْ يَكُون هُوَ الْمُتَبَادِر إِلَى كَثِير مِنْ الرُّوَاة كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَغُنْدَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " قَالَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَيُؤَيِّد هَذَا الْمَعْنَى قِرَاءَة عُمَر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَامَّة أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة لَتَرْكَبَن بِفَتْحِ التَّاء وَالْبَاء. وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ إِسْمَاعِيل عَنْ الشَّعْبِيّ " لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق " قَالَ لَتَرْكَبُنَّ يَا مُحَمَّد سَمَاء بَعْد سَمَاء. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَمَسْرُوق وَأَبِي الْعَالِيَة" طَبَقًا عَنْ طَبَق " سَمَاء بَعْد سَمَاء " قُلْت " يَعْنُونَ لَيْلَة الْإِسْرَاء؟ (تفسير ابن كثير).).

وفي تفسير البغوي:

(لَتَرْكَبُنَّ) قرأ أهل مكة وحمزة والكسائي: " لَتَرْكَبَنَّ " بفتح الباء يعني لَتَرْكَبَنَّ يا محمد (طَبَقًا عَن طَبَقٍ) قال الشعبي ومجاهد: سماء بعد سماء. قال الكلبي: يعني تصعد فيها. ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى والرفعة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال قال ابن عباس: " لتركبن طبقا عن طبق " حالا بعد حال، قال هذا نبيكم - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل: أراد به السماء تتغير لونا بعد لون، فتصير تارة كالدهان وتارة كالمهل، وتنشق بالغمام مرة وتطوى أخرى. وقرأ الآخرون بضم الباء، لأن المعنى بالناس أشبه، لأنه ذكر من قبل: " فأما من أوتي كتابه بيمينه " " وشماله " وذكر من بعد: " فما لهم لا يؤمنون " وأراد: لتركبن حالا بعد حال، وأمرا بعد أمر في موقف القيامة، يعني: الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا. و " عن " بمعنى بعد .

وقال مقاتل: يعني الموت ثم الحياة ] ثم الموت ثم الحياة [ ..  وقال عطاء: مرة فقيرا ومرة غنيا. وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس: يعني الشدائد وأهوال الموت، ثم البعث ثم العرض. وقال عكرمة: حالا بعد حال، رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وقال أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عمرو الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لتتبعن سنن من ] كان [ قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم " قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ .

ثمّ إن هذه الآية جاءت بعد ذكر مشاهد القيامة وأخذ الناس صحف أعمالهم ثم صيرورة الناس إما إلى الجنة أو إلى النار.  وهذا الحشر كوني وللملائكة وللثقلين؛ فكيف بالله عليك يعذر من يفسر برأيه ليقول: هذه الآية خاصة بالكفار!

وللمزيد في بيان مدلولات الآية أنظر البحث: ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ ).  حسين عمري ([206]) .

27) ردُّهُ أحاديث الشفاعة الواردة في صحيحي البخاري ومسلم

د. نوفل يردُّ أحاديث الشفاعة الواردة في صحيحي البخاري ومسلم؛ وقد فاته أنّ الكذب الوارد في الحديث ليس من الخطايا الممنوعة، وإنما هو من التعريض المباح، كما قال ابن العربي في الأحكام، وابن تيمية في الفتاوى، والسرخسي في السير، وابن حجر، وابن عاشور، وغيرهم.

الأحاديث النبويّة:

- (أُتِيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَوْمًا بلَحْمٍ، فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّراعُ، وكانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْها نَهْسَةً فقالَ: أنا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القِيامَةِ، وهلْ تَدْرُونَ بمَ ذاكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ يَومَ القِيامَةِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والْكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ، وما لا يَحْتَمِلُونَ، فيَقولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ألا تَرَوْنَ ما أنتُمْ فِيهِ؟ ألا تَرَوْنَ ما قدْ بَلَغَكُمْ؟ ألا تَنْظُرُونَ مَن يَشْفَعُ لَكُمْ إلى رَبِّكُمْ؟ فيَقولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيَقولونَ: يا آدَمُ، أنْتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، ونَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ، وأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى إلى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ آدَمُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه نَهانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فيَقولونَ: يا نُوحُ، أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى الأرْضِ، وسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهمْ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ كانَتْ لي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بها علَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى إبْراهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَيَأْتُونَ إبْراهِيمَ، فيَقولونَ: أنْتَ نَبِيُّ اللهِ وخَلِيلُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى إلى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهمْ إبْراهِيمُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وذَكَرَ كَذَباتِهِ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فيَقولونَ: يا مُوسَى، أنْتَ رَسولُ اللهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ برِسالاتِهِ، وبِتَكْلِيمِهِ علَى النَّاسِ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهمْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بقَتْلِها، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولونَ: يا عِيسَى أنْتَ رَسولُ اللهِ، وكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ، وكَلِمَةٌ منه ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ورُوحٌ منه، فاشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى ما قدْ بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهمْ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ له ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِّي فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ، أنْتَ رَسولُ اللهِ، وخاتَمُ الأنْبِياءِ، وغَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ، وما تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لنا إلى رَبِّكَ، ألا تَرَى ما نَحْنُ فِيهِ؟ ألا تَرَى ما قدْ بَلَغَنا؟ فأنْطَلِقُ، فَآتي تَحْتَ العَرْشِ، فأقَعُ ساجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ ويُلْهِمُنِي مِن مَحامِدِهِ، وحُسْنِ الثَّناءِ عليه شيئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقالُ: يا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرْفَعُ رَأْسِي، فأقُولُ: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيُقالُ: يا مُحَمَّدُ، أدْخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسابَ عليه مِنَ البابِ الأيْمَنِ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ، وهُمْ شُرَكاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذلكَ مِنَ الأبْوابِ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، إنَّ ما بيْنَ المِصْراعَيْنِ مِن مَصارِيعِ الجَنَّةِ لَكما بيْنَ مَكَّةَ وهَجَرٍ، أوْ كما بيْنَ مَكَّةَ وبُصْرَى.) ( الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 194، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[  ).

- (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ بلَحْمٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ، وكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ منها نَهْشَةً، ثُمَّ قالَ: أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ، وهلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذلكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ، فيَقولُ النَّاسُ: ألَا تَرَوْنَ ما قدْ بَلَغَكُمْ، ألَا تَنْظُرُونَ مَن يَشْفَعُ لَكُمْ إلى رَبِّكُمْ؟ فيَقولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: علَيْكُم بآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السَّلَامُ فيَقولونَ له: أنْتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، ونَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ، وأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، ألَا تَرَى إلى ما قدْ بَلَغَنَا؟ فيَقولُ آدَمُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فيَقولونَ: يا نُوحُ، إنَّكَ أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ، وقدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي عزَّ وجلَّ قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ كَانَتْ لي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا علَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى إبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ فيَقولونَ: يا إبْرَاهِيمُ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وخَلِيلُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فيَقولُ لهمْ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أبو حَيَّانَ في الحَديثِ - نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى مُوسَى فَيَأْتُونَ، مُوسَى فيَقولونَ: يا مُوسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ برِسَالَتِهِ وبِكَلَامِهِ علَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولونَ: يا عِيسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ عِيسَى: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلى غيرِي اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ رَسولُ اللَّهِ وخَاتِمُ الأنْبِيَاءِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فأنْطَلِقُ فَآتي تَحْتَ العَرْشِ، فأقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عزَّ وجلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِن مَحَامِدِهِ وحُسْنِ الثَّنَاءِ عليه شيئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ علَى أحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ فأرْفَعُ رَأْسِي، فأقُولُ: أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسَابَ عليهم مِنَ البَابِ الأيْمَنِ مِن أبْوَابِ الجَنَّةِ، وهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذلكَ مِنَ الأبْوَابِ، ثُمَّ قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّ ما بيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كما بيْنَ مَكَّةَ وحِمْيَرَ - أوْ كما بيْنَ مَكَّةَ وبُصْرَى) ([207])

كذبات سيدنا إبراهيم ليست من الخطايا الممنوعة، وإنما هي من التعريض المباح (رقم الفتوى: 256372) ([208])

"فهذا الكذب المذكور هنا لا يعني به ما جاء في آية الأنعام، وإنما يعني به ما في آيتي الأنبياء، والصافات، وقصة سارة، كما في الصحيحين، وغيرهما عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ عليه السَّلَامُ إلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ منهنَّ في ذَاتِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، قَوْلُهُ {إنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]. وقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} [الأنبياء: 63]. وقالَ: بيْنَا هو ذَاتَ يَومٍ وسَارَةُ، إذْ أَتَى علَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فقِيلَ له: إنَّ هَا هُنَا رَجُلًا معهُ امْرَأَةٌ مِن أَحْسَنِ النَّاسِ، فأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقالَ: مَن هذِه؟ قالَ: أُخْتِي، فأتَى سَارَةَ قالَ: يا سَارَةُ: ليسَ علَى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غيرِي وغَيْرَكِ، وإنَّ هذا سَأَلَنِي فأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي، فلا تُكَذِّبِينِي، فأرْسَلَ إلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عليه ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقالَ: ادْعِي اللَّهَ لي ولَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقالَ: ادْعِي اللَّهَ لي ولَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقالَ: إنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بإنْسَانٍ، إنَّما أَتَيْتُمُونِي بشيطَانٍ، فأخْدَمَهَا هَاجَرَ، فأتَتْهُ وهو قَائِمٌ يُصَلِّي، فأوْمَأَ بيَدِهِ: مَهْيَا، قالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، في نَحْرِهِ، وأَخْدَمَ هَاجَرَ قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلكَ أُمُّكُمْ يا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.) ([209])

جاء في شرح الحديث: "... وإنَّما قال عن ثِنتَينِ فقط إنَّها في ذاتِ الله؛ لأنَّ الثالِثةَ فإنَّها وإنْ كانتْ في ذاتِ اللهِ لكنَّ فيها حَظًّا لنَفسِهِ، وإنَّما أُطلِقَ الكذِبُ على هذِه الأمورِ لكونِهِ قالَ كلامًا يظُنُّهُ السامِعُ كذبًا لكنَّ حقيقةَ الأمرِ أنَّهُ لم يكنْ كذلِكَ لأنَّهُ مِن المَعاريضِ فليسَ بكذِبٍ مَحضٍ ... ".

إن الكذب الوارد هنا ليس من الخطايا الممنوعة، وإنما هو من التعريض المباح، كما قال ابن العربي في الأحكام، وابن تيمية في الفتاوى، والسرخسي في السير، وابن حجر، وابن عاشور، وغيرهم.

يقول القرطبي: " فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم: بل فعله كبيرهم هذا. أي إنه غار وغضب من أن يعبد هو ويعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين ؛ تنبيها لهم على فساد اعتقادهم. كأنه قال: بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء. وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: أراد بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون. بين أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد. وكان قوله من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. "

قال ابن العربي: قوله تعالى: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } اختلف الناس في ظاهر المقصود به، فمنهم من قال: هذا تعريض، وفي التعاريض مندوحة عن الكذب، ومنهم من قال: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون؛ فشرط النطق في الفعل، والأول أصح: لأنه عدده على نفسه، فدل على أنه خرج مخرج التعريض.. اهـ

وقال ابن حجر في فتح الباري عند شرحه لحديث الشفاعة قال: وفي رواية همام: إني كنت كذبت ثلاث كذبات. زاد شيبان في روايته قوله: إني سقيم، وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله لامرأته: أخبريه أني أخوك. وفي الحقيقة أنها ليس خطيئات؛ لأنه صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما منها كَذِبَةٌ إلا ما حَلَّ بها عن دِينِ اللهِ ."

(أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ، وبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ ولا فَخْرَ، وما من نبيٍّ يَوْمَئِذٍ، آدمُ فَمَن سِوَاهُ إلا تَحْتَ لِوَائِي، وأنا أَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عنه الأرضُ ولا فَخْرَ. قال: فيَفْزَعُ الناسُ ثلاثَ فَزَعاتٍ، فيَأْتُونَ آدمَ فيقولونَ: أنت أَبُونا آدمُ فاشْفَعْ لنا إلى ربِّكَ، فيقولُ: إني أَذْنَبْتُ ذَنْبًا أُهْبِطْتُ منه إلى الأرضِ، ولكِنِ ائْتُوا نوحًا، فيَأْتُونَ نُوحًا فيقولُ: إني دَعَوْتُ على أهلِ الأرضِ دَعْوَةً فأُهْلِكُوا، ولكِنِ اذْهَبُوا إلى إبراهيمَ، فيَأْتُونَ إبراهيمَ فيقولُ: إني كَذَبْتُ ثلاثَ كَذِباتٍ. ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما منها كَذِبَةٌ إلا ما حَلَّ بها عن دِينِ اللهِ، ولكِنِ ائْتُوا موسى، فيَأْتُونَ موسى فيقولُ: إني قد قَتَلْتُ نَفْسًا، ولكِنِ ائْتُوا عيسى، فيَأْتُونَ عيسى فيقولُ: إني عُبِدْتُ من دونِ اللهِ، ولكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. قال: فيَأْتُونِي فأَنْطَلِقُ معهم. قال ابنُ جُدْعَانَ: قال أَنَسٌ: فكَأَنِّي أنظرُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: فآخُذُ بحَلْقَةِ بابِ الجنةِ فأُقَعْقِعُها فيُقالُ: مَن هذا؟ فيُقَالُ: مُحَمَّدٌ، فيَفْتَحُونَ لي ويُرَحِّبُونَ بي، فيقولون: مَرْحَبًا، فأَخِرُّ ساجدًا، فيُلْهِمُنِي اللهُ من الثناءِ والحمدِ، فيُقالُ لي: ارْفَعْ رأسَكَ وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وقُلْ يُسْمَعْ لقولِكَ، وهو المَقامُ المحمودُ الذي قال اللهُ: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) (الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: الترمذي، المصدر: سنن الترمذي، الصفحة أو الرقم:3148، خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح).

"وقال ابن حجر في الفتح أيضًا: قال ابن عقيل: دلالة العقل تصرف ظاهر الكذب على إبراهيم (يفسره الحديث: (مَن كذَبَ عليَّ فلْيتبَوَّأْ مَقعَدَه منَ النَّارِ ([210]))، وذلك أن العقل قطع بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون موثوقًا به؛ ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه؟ إنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع، وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليه السلام - يعني إطلاق الكذب على ذلك - إلا في حال شدة الخوف لعلو مقامه، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعًا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات، فلا يريد أنها تذم، فإن الكذب وإن كان قبيحًا مخلًا، لكنه قد يحسن في مواضع، وهذا منها.

وأما آيات الأنعام التي ابتدأها الله تعالى بقوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) ]الأنعام: 76]، وآخرها قوله تعالى: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ]الأنعام: 79[ .

فقد اختلف العلماء في تفسيرها على عدة أقوال، وقد لخصها العلامة صديق حسن القنوجي في تفسيره فتح البيان بقوله: ثم اختلف في تأويل هذه الآية، فقيل: أراد إقامة الحجة على قومه، كالحاكي لما هو عندهم، وما يعتقدونه، لأجل إلزامهم، وقيل: معناه، أهذا ربي؟ أنكر أن يكون مثل هذا ربًّا، ومثله قوله تعالى: (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) [الأنبياء:34]، أي: أفهم الخالدون؟ وقيل المعنى: وأنتم تقولون: هذا ربي، فأضمر القول، وقيل المعنى: على حذف مضاف، أي هذا دليل ربي. انتهى

وقال ابن كثير في تفسيره: اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة، فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلاً بقوله (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)... والحق أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- كان في هذا المقام مناظرًا لقومه مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام. اهـ

وقال ابن حجر في فتح الباري: "... وقيل: قاله على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهًا على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية، وهذا قول الأكثر إنه قال توبيخًا لقومه، أو تهكمًا بهم، وهو المعتمد؛ ولهذا لم يُعدّ ذلك في الكذبات، وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولاً يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبًا؛ لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذب محض. انتهى."

ومن معاني الكلمة كَذَبَ في اللغة: أَخْطأ؛ كما في الأحاديث التالية.

الحديث: (سَأَلْتُ أنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عنْه عَنِ القُنُوتِ، قَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَقُلتُ: إنَّ فُلَانًا يَزْعُمُ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ؟ فَقَالَ: كَذَبَ، ثُمَّ حَدَّثَنَا، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّه قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو علَى أحْيَاءٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: بَعَثَ أرْبَعِينَ - أوْ سَبْعِينَ يَشُكُّ فيه - مِنَ القُرَّاءِ إلى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَرَضَ لهمْ هَؤُلَاءِ فَقَتَلُوهُمْ، وكانَ بيْنَهُمْ وبيْنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَهْدٌ، فَما رَأَيْتُهُ وجَدَ علَى أحَدٍ ما وجَدَ عليهم.) ([211]).  فقالَ أَنَسٌ: كَذَبَ، أي: أخْطَأَ.

أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ    *    وكل نعيم لامحالة زائل

وفي الحديث: (أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ، وكادَ أُمَيَّةُ بنُ أبِي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ.) ([212])

(أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيدٍ ألا كلُ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ فقالَ عثمانُ إلا نعيمُ الجنةِ) ([213])

(..... ولَبِيدُ بنُ رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ يُنْشِدُهُمْ فَأَخَذَ الوَلِيدُ بِيَدِ عُثْمَانَ فَأَتَى بِهِ قُرَيْشًا فقال إِنَّ هذا غَلَبَنِي وحَمَلَنِي على أنْ أَنْزِلَ إليه عن جِوَارِي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ فَجَلَسَا مع القَوْمِ وأَخَذَ لَبِيدٌ يُنْشِدُهُمْ فقال أَلَا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلَا اللهَ باطِلُ فقال عُثْمَانُ صَدَقْتَ ثمَّ إِنْ لَبِيدًا أَنْشَدَهُمْ تَمَامَ البَيْتِ فقال وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زَائِلُ فقال كذَبْتَ فَسَكَتَ القَوْمُ ولَمْ يَدْرُوا ما أَرَادَ بِكَلِمَتِهِ ثمَّ أَعَادَهَا الثَّانِيَةَ وأَمَرَ بِذَلِكَ فَلمَّا قالهَا قال مثلَ كَلِمَتِهِ الأُولَى والْأُخْرَى صَدَقْتَ مَرَّةً وكَذَبْتَ مَرَّةً وإِنَّمَا يُصَدِّقُهُ إِذَا ذَكَرَ كُلَّ شَيْءٍ يَفْنَى وإِذَا قال كُلُّ نَعِيمٍ ذَاهِبٌ كَذَّبَهُ عِنْدَ ذَلِكَ؛ إِنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الجَنَّةِ لا يَزُولُ نَزَعَ عِنْدَ ذلك رَجُلٌ من قُرَيْشٍ فَلَطَمَ عَيْنَ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ فَاخْضَرَّتْ مَكَانَهَا فقال الوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ وأَصْحابُهُ قَدْ كُنْتَ في ذِمَّةٍ مَانِعَةٍ مَمْنُوعَةٍ فَخَرَجْتَ مِنْهَا إلى هذا فَكُنْتَ عَمَّا لَقِيتَ غَنِيًّا ثمَّ ضَحِكُوا فقال عُثْمَانُ بَلْ كُنْتُ إلى هذا الذي لَقِيتُ مِنْكُمْ فَقِيرًا وعَيْنِي الَّتِي لَمْ تُلْطَمْ إلى مِثْلِ هذا الذي لَقِيتُ صاحِبَتُهَا فَقِيرَةٌ لِي فِيمَنْ هو أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ أُسْوَةً فقال لَهُ الوَلِيدُ إِنْ شِئْتَ أَجَرْتُكَ الثَّانِيَةَ قال لا أَرَبَ لِي في جِوَارِكَ) ([214])

أعاذكِ اللَّهُ من عذابِ القَبْرِ: (أنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا، فَقالَتْ لَهَا: أعَاذَكِ اللَّهُ مِن عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُعَذَّبُ النَّاسُ في قُبُورِهِمْ؟ فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عَائِذًا باللَّهِ مِن ذلكَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ ظَهْرَانَيِ الحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وقَامَ النَّاسُ ورَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وهو دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ وانْصَرَفَ، فَقالَ ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ، ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَتَعَوَّذُوا مِن عَذَابِ القَبْرِ.) ([215]).

(أنَّ يهوديَّةً كانت تدخلُ على عائشةَ فتحدَّثُ عندَها فإذا قامت قالت أعاذكِ اللَّهُ من عذابِ القبرِ فلمَّا جاءَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أخبرتُهُ بذلكَ فقالَ كذبتْ إنَّما ذلكَ لأهلِ الكتابِ فكسفتِ الشَّمسُ فقالَ أعوذُ باللَّهِ من عذابِ القبرِ ثمَّ كبَّرَ فقامَ فأطالَ القيامَ ثمَّ ركعَ فأطالَ الرُّكوعَ ثمَّ رفعَ رأسَهُ فقامَ وأطالَ القيامَ ثمَّ ركعَ فأطالَ الرُّكوعَ وهوَ دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ ثمَّ ركعَ ركعتَينِ وسجدَ سجدتَينِ يقولُ فيهما مثلَ قيامِهِ ويركعُ مثلَ ركوعِهِ) ([216]‏).

(بعث إليَّ عبدُ اللهِ بنُ زيادٍ فأتيتُه فقال: ما أحاديثُ تُحدثُ بها وترويها عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا نجدُها في كتابِ اللهِ تحدثُ أن له حوضًا في الجنةِ. قال: قد حدثناه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووعدناه. فقال: كذبتَ ولكنك شيخٌ قد خَرِفتَ. قال: إني قد سمعته أذنايَ ووعاه قلبِي من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: من كذَب علَيَّ متعمِّدًا فليتبوأْ مقعدَه من النارِ وما كذبتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ([217]).

وأما د. أحمد نوفل، فيردّ حديث (الشفاعة) مبرراً بأن اتهام الراوي أولى من إتهام الرسول: (وذَكَرَ كَذَباتِهِ) ([218]).  وفي حقيقة الأمر ليس هنالك اتهام للرسول (إبراهيم عليه السلام)؛ حيث تبيّن أنّ من معاني الكلمة كَذَبَ في اللغة: أَخْطأ.  ود. أحمد نوفل نفسه يجوز الخطأ وعدم العصمة للرسل من الوقوع في الذنوب! وهذا من تناقضات د. نوفل إذ يقول: "فيش تجميع فيه لخبطيشن مختصر الكلام الأنبياء لو كانوا معصومين بمعنى المنع الإلهي أن يقعوا في الذنوب من فوق لانتهت الأسوة " ([219]). وللمزيد من الرّد يمكن مراجعةُ المسألة على الرّابط في الحاشية ([220]).

الرّسلُ عليهم السلام قد يصدر عنهم بعضُ اللّمم، لكنّ الوحي يتنزّل وعلى الفور منبهاً لهم، ولتكون توبتهم مباشرة ودون أدنى تراخ في الزّمن.  وبالتالي فالأحكام ظاهرة جليّة، ويكون الرسل قدوةً لنا في هذه التوبة التي تعقب الصغائر ودونما تباطؤ.  وأما الكبائر فهم معصومون منها، كما أنهم معصومون في تبليغهم الوحي.

ومعلومٌ أنّه لا يجوز الحكم على الرّواية بالعقل الفردي، ومن قِبَلِ غير مختص في الحديث! وأتساءل: كيف يقبل د. نوفل لموسى عليه السلام أن يقتل نفساً بغير حقّ (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (القصص: 19)، لكنّه لا يقبل لإبراهيم عليه السلام التورية في ثلاثة مواقف؟! أيهما أعظم عند الله، قتل النفس بغير حقّ أم التورية؟! هل الهدف هو مجرّد الطّعن في حديث صحّحه الشيخان؟!

ولقد رجعت إلى تفسير القاسمي - والذي هو أحد مراجع د. نوفل - فلم أجد شيئاً من الفهم الذي يقدمه نوفل، لا بل إنّ القاسمي ليستشهد بالحديث فيقول: (أخرجه البخاري في: 60 – كتاب الأنبياء، 8- باب قول الله تعالى: واتخذ اللهُ إبراهيمَ خليلاً. حديث 1113 ونصّه: عن أبي هريرة قال: لم يكذب إبراهيم عليه السّلام إلاّ ثلاث كَذَبات. ثنتين منهنّ في ذات الله عزّ وجلّ. قوله: إني سقيم. وقوله: بل فعله كبيرهم هذا). (تفسير القاسمي، صفحة 334 )

يقول د. نوفل: " (وليتذكر أولو الألباب) لماذا؟ وهو ما معنى تدبر: هو إعمال العقل، هذا الموضوع قديم، فلماذا نبحثه، حيث إن هذه الأمور البديهية؟ لأن المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات، يعني قوله تعالى في قصة يوسف أو في قصة آدم، أو في أي موضوع من الموضوعات، في قصة آدم مثلاً، قوله تعالى (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كيف عرف الملائكة أن آدم أو ذريته سيخرج منه (منهم) هذا، هل القرآن أعطانا تفسيراً؟ ما الدليل إن كان هناك مخلوقات سابقة؟ لا يوجد دليل، هذا خبط في البيداء على العمى!"

عباراتُ نوفل التي تصفُ الأمّة بالتخلّف وجهل البدهيات هي نفس عبارات نوفل التي ينسبُ الإفسادَ فيها إلى آدم عليه السلام!!  سبحانك ربنا نبرأ إليك من إتّهام رسلك وانتقاصهم بنسبة الإفساد إليهم! فأنت قد اصطفيتهم، وأنت الذي زكّيتهم.  نسألك سبحانك أن تعصمنا من الزلل والشهوات والشبهات والخرف.

عبارة د. نوفل "إنّ المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات !!!!"  مفادها أنّه يرى حوالي ملياري مسلم متخلفين! ويريد هو بمفرده أن يؤسس في عقولهم البدهيات!  ألا يذكرنا هذا بالحديث الشريف: (إذا قالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهو أهْلَكُهُمْ) ([221]).

( إذا سمِعتَ الرَّجلَ يقولُ: هلكَ النَّاسُ فهوَ أهلَكُهُمْ) ([222]).  (إذا سمِعتَ الرَّجُلَ يَقولُ: هلَكَ النَّاسُ؛ فهو أهلَكُهم.) ([223])

سؤال: هل يعرف د. نوفل المراد بالبدهيات؟!

البديهيات (axioms) تُعبِّرُ عن أشياءَ صحيحةٍ بالبديهة، ونسلم بصحتها دون نقاش، أما المسلَّمات (postulates)، فهي أيضًا أشياء نسلِّم بصحتها بالسليقة، دون إقامة البرهان على صحتها.  بيد أنَّ الفارق بينهما هو أنَّ الشكوك التي تحومُ حول المسلَّمات مبررةٌ أكثرَ من التي قد تقوم حول البديهيات ...([224]).  أمرٌ بديهيّ / أمرٌ بدهيّ: واضحٌ، بيِّن، جليّ، مُسَلَّم به لا يحتاج إلى دليل ([225]).

إذاً البدهيات لا يختلف عليها اثنان!  وبما أن عبارة د. نوفل (أنّ المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات) قالها في معرض ما يقدمه من محاولات في التفسير تضمنت انتقاصه الصريح من عصمة الرّسل! فيفهم من كلام د. نوفل أحدُ أمرين:

الأوّل: أنّه يجهل معنى البدهيات! ونحنُ نحسنُ الظنّ به هنا؛ فلهذا ظنّ أنّ المسلمين متخلّفون محتاجون إلى تأسيس البديهيات في عقولهم.  وهذا توهُّمٌ منه بأنّ البديهيات شيءٌ يحتاج إلى تعليم وتأسيس!

الثاني: أنّه يعرفُ معنى البديهيات، ولكنّه يحتقرُ عموم المسلمين ويصفهم بالتخلّف، ويرى أنّه واحد عصره ونابغة زمانه، يعرف ما لا يعرفه الآخرون؛ لذا فإنّهُ يتجشّمُ عناء تعليم الأمّة، كان اللهُ في عونه!.  

28) مغالطاته في حقيقة جمع الكون وقبضه يومَ القيامة

يصرّح د. أحمد نوفل على قناة حياة FM بأنّ الآية (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر 67] تُفْهمُ على المجاز وليس على الحقيقة! وهذا القول بلا شكّ انتقاص من كمال القدرة الإلهية! وبدون الاستعانة بعلم الكون، أو الرجوع للحديث الشريف (الذي يقصيه د. نوفل!)  تبقى الآية ضمن دائرة المتشابه الذي ينكره د. نوفل!

الْأَرْضُ هنا تعني الأرضين السّبع (المادة المظلمة الحاضن الجاذبي لنجوم الكون ومجرّاته)بدأت الأرضون رتقاً (قبضاً)، ثمّ فتقها الخالق سبحانه وتعالى سبعاً. حالة فتق الأرضين يُبيّنها الشكل رقم 1 ([226]).  وستعود الأرضون السّبع يوم القيامة إلى حالة القبض: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) .

وهناك أحاديث تبيّنُ تغيّر حالة الأرضين بين القبض يوم القيامة والبسط الآنوبالتالي ليحذر الذين يقولون أنّ هذه الآية على المجاز!  ليحذروا أن يكون مؤدّى قولهم خدشٌ في الإيمان بأسماء الله وصفاته، التي منها (القابضُ و الباسط و القادر و القدير سبحانه).

figure13

Figure 1. Void and wall galaxies in the SDSS. Shown is a projection of a 10 h-1 Mpc slab with wall galaxies plotted as black crosses and void galaxies plotted as red crosses. Blue circles indicate the intersection of the maximal sphere of each void with the midplane of the slab ([227]).

الشكل 1. الفراغ وتحيطه مجرات جدارية في SDSS. يوضح الشكل إسقاط شريحة 10 h-1 Mpc مع رسم مجرّاتها على شكل صلبان سوداء كالجدر، وأماكن فارغة تخلو من المجرات مخططة على شكل صلبان حمراء. تشير الدوائر الزرقاء إلى تقاطع المجال المحيط بكل فراغ مع المستوى الأوسط للشريحة التي تحوي المجرّات.

لعلّ هذه الآية أبرز الآيات تجلية وبياناً لعظيم قدرة الله التي تجلي اللانهاية: إنّ حجم الكرة الأرضية بالنسبة لمجموعتنا الشمسية لا يكاد يذكر.  وكذلك فإنّ حجم مجموعتنا الشمسية لا يكاد يذكر بالنسبة لسعة مجرتنا (درب التبانة أو اللبانة).  إنّ حجم مجرتنا مهمل مقارنة مع سعة الجزء المرئي من الكون.  وسعة الجزء المرئي من الكون مهملة بالقياس إلى سعة الكون: يمكن للعلماء حساب شيء واحد بدقة جيدة، وهو أقصى مدى للرؤية.  الضوء يسير بسرعة محددة، ولأن عمر الكون حوالي 13.8 مليار سنة، لا يمكننا أن نرصد أي شيء أبعد من 13.8 مليار سنة ضوئية.  إنّ الفضاء يتوسع، والتوسع يمكن أن يحدث بأي سرعة، بما في ذلك سرعة أكبر من سرعة الضوء كما في حقبة التضخم (inflation).  لذلك فإن أبعد المجرات المرئية كانت في الواقع أقرب إلينا بكثير مما هي عليه الآن.  مع مرور الزمن، فإنّ التوسع الكوني ينقل المجرات البعيدة، ليضعها في أماكن أكثر بعداً.  وهذا يعني أنّ مدى الرؤية يمكن أن يصل إلى 46.6 مليار سنة ضوئية.  نحن ومجرتنا في قلب هذا الجزء الذي يمكننا رصده، والذي يشكل كرة قطرها يقارب من 93 مليار سنة ضوئية.  بينما قد يزيد قطر الكون (المحاط بالبناء السماوي الأول) عن 250 ضعف قطر الكون المرئي؛ أي حوالي 7 تريليون سنة ضوئية ([228]).  هذا كلّه مجموع مقبوض بيد الجبار يوم القيامة: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).  نعم هذا هو الإله الخالق الرّب العظيم مالك الملك الذي نعبده رغباً ورهباً.  أمّا أصحاب فرية المجاز فيستكثرون على الله هذه العظمة وهذه القدرة: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)!

الآية (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ..) على الحقيقة وليست على المجاز

لا بدّ من التأكيد على أنّ الآية الكريمة (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ..) على الحقيقة وليست على المجاز ومن عدّة منطلقات:

المنطلقُ الأوّل: ما يؤكده علمُ الكون ([229]) وينسجم مع القرآن الكريم، من أنّ حال السّموات والأرضين السّبع في الدّنيا فتق وبسط؛ بعد أن كانتا رتقاً عند بداية الخلق؛ كما تبينُ الآيتان الكريمتان: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) (الأنبياء 30)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة 29).   ولعلّ الإزاحة الحمراء للمجرات التي تحقق سرعة ابتعادها العلاقة الخطية لقانون هابل (Hubble) دليل على أنّ هذه المجرّات مربوطة بجذب بناء مادة مظلمة (وَالأرْضَ) يتم فرشها ومهادها نتيجةً لتوسع بناء السّماء: (وَالسمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)يتوسع الكون بقوة الله التي ترفع بناء السماء المحكم الذي ليس فيه شقوق أو فطور، وهو ما يشير إليه علماءُ الكون بمسمى الطاقة المظلمة (Dark energy) أو طاقة الفراغ (Vacuum energy).  يتوسّع بناء السماء مخلِّفاً فراغاً تندفع فيه المادة المظلمة (الأرضين السّبع) حاملة معها المجرات؛ حيث المادة المظلمة هي الحاضن الجاذبي لمجرّات الكون.

وكما أنّ الخلائق تموت ثمّ تبعثُ وتحشر يوم القيامة، فإنّ بناء السماء المحكم الشديد الخالي من الفطور يتفطّرُ وينشقُّ يومَ القيامة، فيتوقّف رفعُ سمْكها وتوسعتها، ثمّ يُجمعُ الكونُ ويقبضُ، وكذا السّماوات والأرضون السّبعُ، كما تؤكدُّ الآيات: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء 104). 

(Yawm (Judgment Day) when We will fold the Sama in a way that resembles how the registrar or the record folder folds the books (documents) it contains. As We began the first creation, We will repeat it. [That is] a promise binding upon Us. Indeed, We will do it.) (Sura Al-Anbiyaa, verse 104).

وكذلك الآية: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

المنطلقُ الثاني:  ما يؤكده الحديث النبوي الشريف:

بدون الرجوع إلى الحديث الشريف الذي يُقْصيه د. نوفل تبقى الآية ضمن دائرة المتشابه؛ وفيما يلي بعض الأحاديث الشريفة التي تفسّر الآية:

- (عن النضر بن أنس أنه حدثه عن ربيعة الجرشي وله صحبة قال في قوله تعالى { وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } قال: بيده ) ([230]).  (قال: بيده): إذاً جمع الأرضين السّبع وطيُّ السماوات هو على الحقيقة، وليس على المجاز كما يتوهم د. نوفل!

- (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ} [إبراهيم: 48]، فأيْنَ يَكونُ النَّاسُ يَومَئذٍ يا رَسُولَ اللهِ؟ فَقالَ: علَى الصِّرَاطِ.) (الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2791 ، أحاديث مشابهة، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[ )

- (قالَ ابنُ عبَّاسٍ أتَدري ما سَعةُ جهنَّمَ؟ قلتُ: لا، قالَ: أجَل واللَّهِ ما تدري أنَّ بينَ شَحمةِ أُذنِ أحدِهِم وبينَ عاتقِهِ مَسيرةَ سبعينَ خَريفًا تَجري فيها أوْديةُ القَيحِ والدَّمِ قلتُ أنهارًا قالَ لا بلْ أوْديةً ثمَّ قالَ أتدرونَ ما سَعةُ جهنَّمَ قلتُ لا قالَ أجَل واللَّهِ ما تَدري حدَّثتني عائشةُ أنَّها سألَت رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ عن قولِهِ وَالْأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ فأينَ النَّاسُ يومئذٍ يا رسولَ اللَّهِ قالَ هم علَى جِسرِ جهنَّمَ) ([231])

إنّ سؤال أمّنا عائشة: " فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ " يتطلب أنها فهمت أنّ الآية على الحقيقة وليس على المجاز.

الشرح: " أي: إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالى يَقبِضُ الأرَضينَ السَّبْعَ بكُلِّ أجزائِها وطبَقاتِها، وكذلك يَقبِضُ السَّمَواتِ في قَبضةِ يَدِه اليُمْنى، وكِلْتا يَدَيْه يَمينٌ سُبحانَه وتَعالى ([232])، ولهما صِفةُ الكَمالِ على ما يَلِيقُ بالربِّ الجليلِ سُبحانَه، ولا تُمثَّلُ صِفاتُه بصِفاتِ خَلْقِه؛ فليسَ كمِثْلِه شيءٌ، ولا يَعلَمُ كيفيَّتَها إلَّا هو سُبحانَه، فتعَجَّبَتْ عائِشةُ رضِيَ اللهُ عنها، وسأَلتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "فأين الناسُ يومَئذٍ يا رسولَ اللهِ؟ قال: همْ على جِسْرِ جهنَّمَ " وهُو الصِّراطُ الذي يُنصَبُ على ظَهْرِ "جَهَنَّمَ"، والمعنى: يَكونون واقِفينَ على الصِّراطِ، وهذا بَيانٌ لِمَدى سَعَةِ النَّارِ؛ حيثُ اجتمَعَتْ تلكَ الخلائقُ كلُّها على جِسْرٍ جهنَّمَ.  وفي الحديثِ: إثباتُ صِفةِ اليدِ للهِ تَعالى.  وفيه: بَيانُ عظمةِ قُدْرَةِ اللهِ وعَظَمَةِ خَلْقِه وسَعَتِه بما لا يُدْرِكُه أحَدٌ .".

( يا رسولَ اللهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ فأين المؤمنونَ يومئذٍ قال على الصراطِ يا عائشةُ) ([233]).  (يا رسولَ اللهِ! وَالْأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، فأينَ المؤمنونَ يومئذٍ؟ قال: علَى الصِّراطِ يا عائشة) ([234]) .

(قالَ ابنُ عبَّاسٍ: أتَدري ما سَعةُ جهنَّمَ؟ قلتُ: لا: قال: أجَلْ واللَّهِ ما تدري، حدَّثتني عائشةُ، أنَّها سألتْ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ عن قولِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ قالَت: قلتُ فأينَ النَّاسُ يومَئذٍ ؟، قالَ: على جسرِ جَهَنَّمَ) ([235]) .

(قالَ ابنُ عبَّاسٍ أتَدري ما سَعةُ جهنَّمَ؟ قلتُ: لا، قالَ: أجَل واللَّهِ ما تدري أنَّ بينَ شَحمةِ أُذنِ أحدِهِم وبينَ عاتقِهِ مَسيرةَ سبعينَ خَريفًا تَجري فيها أوْديةُ القَيحِ والدَّمِ قلتُ أنهارًا قالَ لا بلْ أوْديةً ثمَّ قالَ أتدرونَ ما سَعةُ جهنَّمَ قلتُ لا قالَ أجَل واللَّهِ ما تَدري حدَّثتني عائشةُ أنَّها سألَت رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ عن قولِهِ وَالْأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ فأينَ النَّاسُ يومئذٍ يا رسولَ اللَّهِ قالَ هم علَى جِسرِ جهنَّمَ) ([236]) .

المنطلقُ الثالثما يوضّحه المفسّرونيقول الطبري في تفسيره: وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) يقول في قدرته نحو قوله: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ أي وما كانت لكم عليه قدرة وليس الملك لليمين دون سائر الجسد، قال: وقوله (قَبْضَتُهُ) نحو قولك للرجل: هذا في يدك وفي قبضتك. والأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعن أصحابه وغيرهم، تشهد على بُطُولِ (بطلان) هذا القول.  قول الطبري هذا يؤكّد أنّ جمع الأرضين السّبع وطيّ السماوات هو على الحقيقة، وليس على المجاز كما يتوهم د. نوفل!

المنطلقُ الرابعما يتطلّبه تمام تنزيه الخالق وإقرار قدرته وعظمته الإلهية التي تليق بجلاله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

المنطلقُ الخامس:  منطلق مخالفة عقائد اليهود، كما يوضّح الحديث الشريف:

- (أتَى النَّبيَّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – رجلٌ من أهلِ الكتابِ، فقال: يا أبا القاسمِ: أَبَلغَك أنَّ اللهَ – عزَّ وجلَّ – يحمِلُ الخلائقَ على أصبعٍ، والسَّماواتِ على أصبعٍ، والأرْضين على أصبعٍ، والشَّجرَ على أصبعٍ، والثَّرَى على أصبعٍ، قال: فضحِك النَّبيُّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – حتَّى بدت نواجذُه، قال: فأنزل اللهُ تعالَى:  } وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ { إلى آخرِ الآيةِ) ([237]) .

(جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأحْبَارِ إلى رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّا نَجِدُ: أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ علَى إصْبَعٍ، والأرَضِينَ علَى إصْبَعٍ، والشَّجَرَ علَى إصْبَعٍ، والمَاءَ والثَّرَى علَى إصْبَعٍ، وسَائِرَ الخَلَائِقِ علَى إصْبَعٍ، فيَقولُ: أنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: }وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67[) ([238]) .

- (جاءَ جَائِي من أَهلِ الكتابِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال: يا محمَّدُ! إنَّ اللَّهَ يَضعُ السَّماواتِ على أصبَعٍ، والجبالَ على أصبَعٍ، والشَّجرَ على أصبَعٍ، والماءَ والثَّرى على أصبَعٍ، ثمَّ يقولُ: أنا الملِكُ؟ فضحِك رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى بدَت نواجِذُه، ثمَّ قال: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ([239]).

(مرَّ يهوديٌّ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو جالسٌ، قال: كيفَ تقولُ يا أبا القاسمِ يومَ يجعَلُ اللهُ السَّماءَ على ذِهْ -وأشار بالسَّبَّابةِ- والأرضَ على ذِهْ، والماءَ على ذِهْ، والجبالَ على ذِهْ، وسائرَ الخلقِ على ذِهْ؟ كلَّ ذلك يشيرُ بأصابعِه، قال: فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91].) ([240]).

من زاد (وتصديقاً له) فليست بشيء فإنها من قول الراوي وهي باطلة

(أنَّ يهودِيًّا جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا محمَّدُ إنَّ اللَّهَ يُمسِكُ السَّمواتِ على إصبَعٍ والأرضينَ على إصبَعٍ والجبالَ على إصبَعٍ والشَّجرَ على إصبَعٍ والخلائقَ على إصبَعٍ ثمَّ يقولُ: أنا الملِكُ. فضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى بدت نواجِذُه ثمَّ قرأَ { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } قالَ يحيى بنُ سعيدٍ وزادَ فيهِ فضيلُ بنُ عياضٍ عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن عبيدةَ عن عبدِ اللَّهِ فضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ تعجُّبًا وتصديقًا لهُ) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: ابن حجر العسقلاني، المصدر: فتح الباري لابن حجر، الصفحة أو الرقم: 13/404، خلاصة حكم المحدث: من زاد (وتصديقاً له) فليست بشيء فإنها من قول الراوي وهي باطلة.  التخريج: أخرجه البخاري (7414) واللفظ له، ومسلم (2786) )

بعض روايات هذا الحديث فيها إضافة للراوي، من أنّ الرّسول - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - ضحك (تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ) (انظر الحاشية ([241]))وهذا الفهم أو التقدير من الرّاوي غير سليم، وإنّ الآية التي قرأها الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) كانت ردّاً على التكييف والتشبيه الذي ورد من الحبر، وتبيّن صورة مختلفة، وأكّدت أنّ اليهود لم يقدروا اللّه حقّ قدره، وهي تنزّهُ اللّهَ عن شرك اليهود.

العبارة: (وسائرَ الخلقِ على ذِهْ؟ كلَّ ذلك يشيرُ بأصابعِه) تشير إلى أن رسول اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ - لم يكن ضحكُه تصديقا لقول الحبر كما خُيّل لبعض رواة هذا الحديث.  ففي مقام الحديث عن صفات الله لا تجوز الإشارة بالأصابع أو اليد: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى  11).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في توضيح عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات: فالأصل أن يوصفَ اللهُ تعالى بما وصفَ به نفسَهُ، وبما وصفتهُ به رسلُهُ نفياً وإثباتاً، فيُثبتُ لله ما أثبتهُ لنفسهِ، وينفى عنهُ ما نفاهُ عن نفسه.  إثباتُ ما أثبتهُ من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه سبحانه وتعالى.  الإيمانُ بالأسماء والصفات يتضمن إثبات الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيهاً بلا تعطيل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: 11). ([242])

وممّا يؤكد أنّ قراءة الرسول للآية: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) كان ردّا على قول الحبر الآتي:

العبارة (والجبالَ والشَّجرَ على أصبعٍ) لا تتفق مع آيات دكّ الجبال وتسييرها :-

- (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) (طه 105)

- (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) (الطور 10-9).  وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا: أَيْ تَذْهَب فَتَصِير هَبَاء مُنْبَثًّا وَتُنْسَف نَسْفًا (ابن كثير).

العبارة (وسائرَ الخلائقِ على إصبَعٍ) لا تتفق مع الحديث الصحيح الذي بيّن أنّ الناس يومئذ على جسر جهنم :

(قالَ ابنُ عبَّاسٍ: أتَدري ما سَعةُ جهنَّمَ؟ قلتُ: لا: قال: أجَلْ واللَّهِ ما تدري، حدَّثتني عائشةُ، أنَّها سألتْ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ عن قولِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ قالَت: قلتُ فأينَ النَّاسُ يومَئذٍ ؟، قالَ: على جسرِ جَهَنَّمَ) ([243])

أقول: هذا هو التفسير للآية، كما يبيّن علمُ الكون؛ ويؤكد المفسرون؛ وكما يتطلب كمال وتمام التنزيه للقدرة والعظمة الإلهية: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).  يومَ القيامة يقبضُ اللهُ سبحانه وتعالى الكونَ بسماواته وأرضيه وكلّ ما فيه؛ فيعود الكون إلى حالة القبض والطيّ والرتق؛ وهذا على الحقيقة لا على المجاز الذي يزعمه د. نوفل.  وإنّه ليستحيلُ أن يحملَ على المجاز قولُه تعالى: (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

رُبَّ مبلَّغٍ أوعَى من سامعٍ

قد يقول قائل: حتى ولو كانت العبارة (تَصديقًا لقولِ الحَبرِ) من كلام الراوي؛ أوليس الراوي أقدر على فهم الرواية منا؟

الجواب: ليس بالضروة، وليس دائماً: " رُبَّ مبلَّغٍ أوعَى من سامعٍ" ؛ وفيما يلي طرق الحديث: ]أحاديثُ أنه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان يوصِي أصحابَه في خطبتِه أن يبلِّغَ شاهدُهم غائبَهم، ويقولُ لهم[: (رُبَّ مبلَّغٍ أوعَى من سامعٍ) ) ([244]).  (خطبَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ النَّحرِ فقالَ ليبلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ فإنَّهُ رُبَّ مبلَّغٍ يبلغُهُ أوعَى لهُ من سامعٍ) ([245]) .

المنطلقُ السادس:  الآية على الحقيقة كما توضّح الأبحاث في الإعجاز والتفسير العلمي للقرآن الكريم ([246]).

29) يقول د. نوفل: "يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت... لماذا تسكت؟!"!

يقول د. نوفل وبالعامّيّة: (يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت... لماذا تسكت(!.

كلام د. نوفل مردودٌ من وجوه: كلامه تقول على الرسول!  كما وقد غفل عن الاستثناء في الآية الكريمة: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (هود 107).

 يقول د. نوفل ([247]): "القرآن مهيمن على السُنة، هل قال ربنا إن جهنم ستسكت؟، بل استأنف بقوله: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت) وتظل تقول (هل من مزيد) يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت، القرآن يقول (وتقول) أي باستمرار، فهنا مَن يُهيمن على مَن؟ القرآن يهيمن على السُنة، أولاً: لماذا لا تبقى جهنم تقول هل من مزيد؟ لماذا تسكت؟ حتى يبقى الكفار في رعب وتبقى تتلظى وتخرج صوتاً (سمعوا لها شهيقاً وهي تفور)، ربنا يقول (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون)."

الرّد على د. نوفل: القرآن مهيمن على السُنة بلا شك.  لكن أرجو أن لا يغيب عن د. نوفل أنّ السنة قد تشرح القرآن بل وقد تخصصه.  ألم نستدل من السنة على تحريم لحوم الحمر الأهلية؟!  ألم تبين لنا السنة أركان الصلاة و واجباتها وسننها؟!  ألم تبين السنة الأنصبة في الزكاة؟! ... ألخ.  أرجو أن لا يكون استخدام د. نوفل للعبارة " القرآن مهيمن على السُنة " غطاءً للنيل من السّنة.  ومثلها كذلك عبارة د. نوفل: "إن كان هنالك حديث صحيح أخذنا به، وإن لم يكن! فيكفينا القرآن"!!

 يقول د. نوفل وبالعامّيّة: (يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت... لماذا تسكت(! وأقول: كلامه مردودٌ من وجوه عديدة ومنها:

 أولاً: لا يوجد حديث بالنص الذي يذكره د. نوفل: (يأتي الحديث ويقول لي لا، جهنم ستسكت)!!.  فهل قوله هذا كذبٌ على الرسول صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ؟!

 ثانياً: قوله مردودٌ إذا أراد الطعن في الحديث الذي يرويه البخاري: (يُقالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ، وتَقُولُ هلْ مِن مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالَى قَدَمَهُ عليها، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ) ([248]).  وفي رواية: (لا تَزالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هلْ مِن مَزِيدٍ، حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيها قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وعِزَّتِكَ، ويُزْوَى بَعْضُها إلى بَعْضٍ) ([249]).

بل ولعلّه أراد الطعن في هذا الحديث بدليل قوله في مكان آخر: (ومعناها جدّ الجد، وما ثمّ ساق ولا قدم، وإنما هي كفاية (كناية) كما في قولهم حزمت الأمور، "شمّرت الحرب عن ساقها" وهل للحرب ساق؟. وهكذا...) ([250]).  نعم لقد كرّر الطعن في هذا الحديث يوم الأربعاء الحادي عشر من آذار 2020 من خلال برنامجه على قناة حياة.  بل ويزعم أنه يتكلّم عن علم إذ يقول أنّه درس هذا الحديث لمدة خمس سنوات!

ثالثاً: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) (ق 30)؛ هذا كائنٌ يومَ القيامة.

عند تتبّع الآيات القرآنيّة الّتي ترد فيها كلمة (يَوْمَ) متبوعة بفعل مضارع، نجد أنّ الحديث دائما هو عن يوم القيامة.  وشواهده من القرآن الكريم الآيات:

(يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) إلى قوله (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) [المعارج: 8-11].

(يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعاً) [المعارج: 43].

(يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً) [المزّمّل: 14]:  وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة (الطبري).

(هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) [المرسلات: 35].  "هَذَا" أَيْ يَوْم الْقِيَامَة (الجلالين).

(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً) [النّبإ: 18]. " فَتَأْتُونَ " مِنْ قُبُوركُمْ إِلَى الْمَوْقِف جَمَاعَات مُخْتَلِفَة (الطبري).

 (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلآئِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) [النّبإ: 38].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) [التحريم: 8]. 

(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ) [القلم: 42]. "يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق"  يَوْم الْقِيَامَة لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاء (الجلالين).  يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة وَمَا يَكُون فِيهِ مِنْ الأهْوَال وَالزَّلازِل وَالْبَلاء وَالإمْتِحَان وَالأمُور الْعِظَام وَقَدْ أوردَ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " يَكْشِفُ رَبُّنا عن ساقِهِ، فَيَسْجُدُ له كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا." وَهَذَا الْحَدِيث مُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ (ابن كثير).

 (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ) [النّبإ: 40].  يَعْرِض عَلَيْهِ جَمِيع أَعْمَاله خَيْرهَا وَشَرّهَا قَدِيمهَا وَحَدِيثهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى" وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً " .. (ابن كثير).

(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) [النّازعات: 6]. 

(يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ مَا سَعَى) [النّازعات: 35].  كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَوْمئِذٍ يَتَذَكَّر الإنْسَان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى " (ابن كثير).

(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) [النّازعات: 46].  أَيْ إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورهمْ إِلَى الْمَحْشَر يَسْتَقْصِرونَ مُدَّة الْحَيَاة الدُّنْيَا... وَقَالَ قَتَادَة: وَقْت الدُّنْيَا فِي أَعْيُن الْقَوْم حِين عَايَنُوا الآخِرَة (ابن كثير).

(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) [عبس: 34].

(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) [الانفطار: 19]. لا يُنَازِعهُ فِيهِ أَحَد، كَمَا قَالَ: " لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار. الْيَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْم " [ غَافِر: 16 - 17 ] (القرطبي).  و" كَقَوْلِهِ " لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار " وَكَقَوْلِهِ " الْمُلْك يَوْمئِذٍ الْحَقّ لِلرَّحْمَنِ" وَكَقَوْلِهِ " مَالِك يَوْم الدِّين.  قَالَ قَتَادَة " يَوْم لا تَمْلِك نَفْس لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمْر يَوْمئِذٍ لِلَّهِ " وَالأمْر وَاَللَّه الْيَوْم لِلَّهِ وَلَكِنَّهُ لا يُنَازِعهُ فِيهِ يَوْمئِذٍ أَحَد (ابن كثير).

رابعاً: طول يوم القيامة خمسين ألف سنة من سنيّ الدنيا

قول د. نوفل مردودٌ إذْ غفل أنّ طول يوم القيامة (يوم العرض والحساب) محدود (خمسين ألف سنة)، وأنّ عدد المكلفين محدود؛ والمحدود إلى انتهاء وانقضاء.  فلماذا تبقى جهنم تطلب المزيد وقد انتهى الحسابُ؛ ودخل أهلُ الجنّةِ الجنّةَ ودخلَ أهلُ النّارِ النّارَ؟!

يقول تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خمسين ألف سنة * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلا إِنَّهَا لَظَى ) (المعارج آية 1- 15).

 يتّضح من سياق الآيات أنّها حديث عن يوم القيامة.  (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خمسين ألف سنة): " فِي يَوْم" مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ أَيْ يَقَع الْعَذَاب بِهِمْ فِي يَوْم الْقِيَامَة.  عَنْ اِبْن عَبَّاس " فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة " قَالَ يَوْم الْقِيَامَة وَإِسْنَاده صَحِيح وَرَوَاهُ الثَّوْرِيّ عَنْ سِمَاك بْن حَرْب عَنْ عِكْرِمَة فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة يَوْم الْقِيَامَة وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك وَابْن زَيْد وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " تَعْرُج الْمَلآئِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة " قَالَ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَار خمسين ألف سنة (ابن كثير، م 4، ص 539).  وهناك العديد من الأحاديث الصحيحة الّتي تبيّن أنّ طول يوم القيامة هو خمسين ألف سنة ([251]).

الأحاديث النبويّة

- عن أبي هريرة: (ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، صُفِّحَتْ له صَفائِحُ مِن نارٍ، فَأُحْمِيَ عليها في نارِ جَهَنَّمَ، فيُكْوَى بها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إمَّا إلى الجَنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، فالإِبِلُ؟ قالَ: ولا صاحِبُ إبِلٍ لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها، ومِنْ حَقِّها حَلَبُها يَومَ وِرْدِها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ، أوْفَرَ ما كانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنْها فَصِيلًا واحِدًا، تَطَؤُهُ بأَخْفافِها وتَعَضُّهُ بأَفْواهِها، كُلَّما مَرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخْراها، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلى الجَنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ، فالْبَقَرُ والْغَنَمُ؟ قالَ: ولا صاحِبُ بَقَرٍ، ولا غَنَمٍ، لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ، لا يَفْقِدُ مِنْها شيئًا، ليسَ فيها عَقْصاءُ، ولا جَلْحاءُ، ولا عَضْباءُ تَنْطَحُهُ بقُرُونِها وتَطَؤُهُ بأَظْلافِها، كُلَّما مَرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخْراها، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلى الجَنَّةِ، وإمَّا إلى النَّارِ قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، فالْخَيْلُ؟ قالَ: الخَيْلُ ثَلاثَةٌ: هي لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وهي لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وهي لِرَجُلٍ أجْرٌ، فأمَّا الَّتي هي له وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَها رِياءً وفَخْرًا ونِواءً علَى أهْلِ الإسْلامِ، فَهي له وِزْرٌ، وأَمَّا الَّتي هي له سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبيلِ اللهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ في ظُهُورِها ولا رِقابِها، فَهي له سِتْرٌ وأَمَّا الَّتي هي له أجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَها في سَبيلِ اللهِ لأَهْلِ الإسْلامِ، في مَرْجٍ ورَوْضَةٍ، فَما أكَلَتْ مِن ذلكَ المَرْجِ، أوِ الرَّوْضَةِ مِن شيءٍ، إلَّا كُتِبَ له، عَدَدَ ما أكَلَتْ حَسَناتٌ، وكُتِبَ له، عَدَدَ أرْواثِها وأَبْوالِها، حَسَناتٌ، ولا تَقْطَعُ طِوَلَها فاسْتَنَّتْ شَرَفًا، أوْ شَرَفَيْنِ، إلَّا كَتَبَ اللَّهُ له عَدَدَ آثارِها وأَرْواثِها حَسَناتٍ، ولا مَرَّ بها صاحِبُها علَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ منه ولا يُرِيدُ أنْ يَسْقِيَها، إلَّا كَتَبَ اللَّهُ له، عَدَدَ ما شَرِبَتْ، حَسَناتٍ قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، فالْحُمُرُ؟ قالَ: ما أُنْزِلَ عَلَيَّ في الحُمُرِ شيءٌ، إلَّا هذِه الآيَةَ الفاذَّةُ الجامِعَةُ: {فمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}. [الزلزلة:7-8] ) (الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 987، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[،  شرح الحديث).

- عن زيد بن أسلم أن أبا صالح ذكوان أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: ( قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله، إما إلى جنة وإما إلى نار. رواه مسلم في الصحيح عن سويد بن سعيد. وكذلك رواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم) (سنن البيهقي الكبرى، كتاب الزكاة، باب زكاة الذهب، رقم: 7625).  وروايات أبي هريرة للحديث الصحيح الذي يؤكد أنّ طول يوم القيامة خمسين ألف سنة وردت في العديد من كتب السّنّة ( [i]).

وفي رواية عكرمة: (عن ابن عباس في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، قال: يوم القيامة) (صحيح: المحدث: ابن كثير، المصدر: تفسير القرآن، الصفحة أو الرقم 8/249 ؛ ابن كثير، نهاية البداية والنهاية، الصفحة أو الرقم 1/323 ).

 - عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ [ المعارج :4 ] فقيل: ما أطول هذا اليوم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا ) ([252]).

- عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ( تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم الآية يوم يقوم الناس لرب العالمين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة ثم لا ينظر الله إليكم) (مستدرك الحاكم، كتاب الأهوال، حديث رقم: 8707، صحيح الإسناد).

 - عن ابن عمر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) [ المطففين:6 ] في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتى إن الرجل يتغيب في رشحه إلى أنصاف أذنيه) (صحيح ابن حبان، كتاب مناقب الصحابة، باب البعث وأحوال الناس في ذلك، رقم: 7331 ؛ مسند أحمد، مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، رقم: 5876؛ صحيح، المحدث: أحمد شاكر  - المصدر:  مسند أحمد - الصفحة أو الرقم 8/158).  للمزيد أنظر ([253]).

 توضّح الأبحاث الفلكيّة أنّ معظم الكواكب التي ترتبط بنجوم مثل شمسنا ويكون بعدها عن شمسها أقل من 0.15AU (حيث AU بعد الأرض عن الشّمس) تكون قيم التغاير المركزي لمداراتها (eccentricities) أقل من 0.05.  وبالتالي، يفترض تزامن دورة هذه الكواكب حول نفسها مع زمن دورانها حول نجمها (rotate synchronously with their orbital period)وبالتالي فإنَّ نفس الوجه من الكوكب هو الّذي يقابل نجمه دائماً (Bodenheimer et al  2001).  وهذه هي الحال الآن بالنِّسبة للقمر مع الأرض؛ ممّا يجعلنا دائماً نرى أحد وجهيّ القمر (Parker 1984, p. 157).

 وبيّنت الأحاديث أن هذا الأمر سيحصل للكرة الأرضيّة يوم القيامة، إذْ ستقترب الأرض كثيراً من الشّمس، بحيث تتزامن دورة الأرض حول نفسها مع زمن دورانها حول الشّمس، وبالتالي فإنَّ نفس الوجه من الأرض هو الّذي يقابل الشّمس دائماً (بحث مدّ الأرض: عمري). وهذا يصدّقه القرآن والأحاديث التي أكّدت أنّ طول يوم القيامة هو (خمسين ألف سنة).

خامساً: قوله مردودٌ بدليل الآية الكريمة: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (هود 106 - 107).

30) الآية الكريمة: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)

خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض، وذلك مدة العالم، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه.

 (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (هود 107).

خلاصة القول في الاستثناء

عن ابن عباس والحسن أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر: (فأنْطَلِقُ حتَّى أسْتَأْذِنَ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنَ لِي، فإذا رَأَيْتُ رَبِّي وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وسَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرْفَعُ رَأْسِي، فأحْمَدُهُ بتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ إلَيْهِ فإذا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ الرَّابِعَةَ، فأقُولُ ما بَقِيَ في النَّارِ إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، ووَجَبَ عليه الخُلُودُ قالَ أبو عبدِ اللَّهِ: إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعالَى:  }خالِدِينَ فيها{).

ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله. كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة.  (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) أي الكافرين، فَفِي النَّارِ خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض، وذلك مدة العالم، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه.  ولعلّ من مشيئة الله (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) المترتبة على سعة رحمته والتي سبقت غضبه، أنه وبعد هذا المكث الطويل للكافرين في النار، سيأتي على جهنمَ يومٌ لا يَبْقى فيها أحدٌ.  وقد روي في تفسير هذه الآية عن جابر، وأبي سعيد، من الصحابة: (إلا ما شاء ربُّك إنَّ ربَّك فعَّالٌ لما يُريدُ قال:  هذه الآيةُ قاضيةٌ على القرآنِ كلِّه، يقول حيثُ كان في القرآنِ: خالدينَ فيها تأتي عليهِ).

سادساً: تفسير الآية (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)

 تفسير ابن كثير: (قال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت: " هذا دائم دوام السموات والأرض "، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار، ...  يعنون بذلك كلمة: " أبدا "، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم، فقال:  (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) .

 قلت: ويحتمل أن المراد بـ  (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ): الجنس؛ لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض، كما قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) [ إبراهيم: 48 ] ؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) قال:  تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض .

...وعن ابن عباس (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) قال:  لكل جنة سماء وأرض .

 وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما دامت الأرض أرضا، والسماء سماء .

 وقوله: (إلا ما شاء ربُّك إنَّ ربَّك فعَّالٌ لما يُريدُ) كقوله تعالى: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) [ الأنعام: 128 ] .

 " مَا دَامَتْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف ؛ أَيْ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض،  وَالتَّقْدِير: وَقْت ذَلِكَ ([254]) .

الخلود لا يعني مالانهائية (infinity)، كما في الآية الكريمة: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (الأعراف: 20).  ودليله العبارة التالية من موقع الإسلام سؤال وجواب (الشيخ محمد صالح المنجد)، يقول: "وعلى تسليم الخلود، فلا يلزم منه عدم الموت، فإن الشيطان أطمعَ آدمَ إذا أكلَ من الشجرة كي يطول عمره ويبقى فيما هو فيه من النعيم أزمانا طويلة، كما هو حال الملائكة التي إن ماتت فإن موتها يكون لفترة يسيرة يوم القيامة فقط، ثم لا تلبث أن تحيا مرة أخرى." ([255]).  يقول القرطبي في تفسيره (7/178): " وقيل: طمع آدم في الخلود ؛ لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة " .

يقول ابن كثير: وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء، على أقوال كثيرة، حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه " زاد المسير " وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان، والضحاك، وقتادة، وأبي سنان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله. كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمضمون ذلك من حديث أنس، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها. وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة .

حديث أنس: (يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ يَومَ القِيامَةِ، فيَقولونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فيَقولونَ: أنْتَ أبو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، وأَسْجَدَ لكَ مَلائِكَتَهُ، وعَلَّمَكَ أسْماءَ كُلِّ شيءٍ، فاشْفَعْ لنا عِنْدَ رَبِّكَ حتَّى يُرِيحَنا مِن مَكانِنا هذا، فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي، ائْتُوا نُوحًا، فإنَّه أوَّلُ رَسولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ الأرْضِ، فَيَأْتُونَهُ فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ سُؤالَهُ رَبَّهُ ما ليسَ له به عِلْمٌ فَيَسْتَحِي، فيَقولُ: ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَهُ فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وأَعْطاهُ التَّوْراةَ، فَيَأْتُونَهُ فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بغيرِ نَفْسٍ، فَيَسْتَحِي مِن رَبِّهِ، فيَقولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ ورَسولَهُ، وكَلِمَةَ اللَّهِ ورُوحَهُ، فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فأنْطَلِقُ حتَّى أسْتَأْذِنَ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنَ لِي، فإذا رَأَيْتُ رَبِّي وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وسَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرْفَعُ رَأْسِي، فأحْمَدُهُ بتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ إلَيْهِ فإذا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ الرَّابِعَةَ، فأقُولُ ما بَقِيَ في النَّارِ إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، ووَجَبَ عليه الخُلُودُ قالَ أبو عبدِ اللَّهِ: إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعالَى:  }خالِدِينَ فيها{) ([256])

 (اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِن أهْلِ البَصْرَةِ فَذَهَبْنَا إلى أنَسِ بنِ مَالِكٍ، وذَهَبْنَا معنَا بثَابِتٍ البُنَانِيِّ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ لَنَا عن حَديثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هو في قَصْرِهِ فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَّا، فأذِنَ لَنَا وهو قَاعِدٌ علَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لا تَسْأَلْهُ عن شيءٍ أوَّلَ مِن حَديثِ الشَّفَاعَةِ، فَقالَ: يا أبَا حَمْزَةَ هَؤُلَاءِ إخْوَانُكَ مِن أهْلِ البَصْرَةِ جَاؤُوكَ يَسْأَلُونَكَ عن حَديثِ الشَّفَاعَةِ، فَقالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: إذَا كانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيَقولونَ: اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، فيَقولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ علَيْكُم بإبْرَاهِيمَ فإنَّه خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ، فيَقولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ علَيْكُم بمُوسَى فإنَّه كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فيَقولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ علَيْكُم بعِيسَى فإنَّه رُوحُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ علَيْكُم بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَيَأْتُونِي، فأقُولُ: أنَا لَهَا، فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنُ لِي، ويُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أحْمَدُهُ بهَا لا تَحْضُرُنِي الآنَ، فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، وأَخِرُّ له سَاجِدًا، فيَقولُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيَقولُ: انْطَلِقْ فأخْرِجْ منها مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِن إيمَانٍ، فأنْطَلِقُ فأفْعَلُ، ثُمَّ أعُودُ، فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ له سَاجِدًا، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيَقولُ: انْطَلِقْ فأخْرِجْ منها مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - أوْ خَرْدَلَةٍ - مِن إيمَانٍ فأخْرِجْهُ، فأنْطَلِقُ، فأفْعَلُ، ثُمَّ أعُودُ فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ له سَاجِدًا، فيَقولُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ أُمَّتي أُمَّتِي، فيَقولُ: انْطَلِقْ فأخْرِجْ مَن كانَ في قَلْبِهِ أدْنَى أدْنَى أدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمَانٍ، فأخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فأنْطَلِقُ فأفْعَلُ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِن عِندِ أنَسٍ قُلتُ لِبَعْضِ أصْحَابِنَا: لو مَرَرْنَا بالحَسَنِ وهو مُتَوَارٍ في مَنْزِلِ أبِي خَلِيفَةَ فَحَدَّثْنَاهُ بما حَدَّثَنَا أنَسُ بنُ مَالِكٍ، فأتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عليه، فأذِنَ لَنَا فَقُلْنَا له: يا أبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِن عِندِ أخِيكَ أنَسِ بنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ ما حَدَّثَنَا في الشَّفَاعَةِ، فَقالَ: هِيهْ فَحَدَّثْنَاهُ بالحَديثِ، فَانْتَهَى إلى هذا المَوْضِعِ، فَقالَ: هِيهْ، فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا علَى هذا، فَقالَ: لقَدْ حدَّثَني وهو جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فلا أدْرِي أنَسِيَ أمْ كَرِهَ أنْ تَتَّكِلُوا، قُلْنَا: يا أبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا فَضَحِكَ، وقالَ: خُلِقَ الإنْسَانُ عَجُولًا ما ذَكَرْتُهُ إلَّا وأَنَا أُرِيدُ أنْ أُحَدِّثَكُمْ حدَّثَني كما حَدَّثَكُمْ به، قالَ: ثُمَّ أعُودُ الرَّابِعَةَ فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ له سَاجِدًا، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ ائْذَنْ لي فِيمَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فيَقولُ: وعِزَّتي وجَلَالِي، وكِبْرِيَائِي وعَظَمَتي لَأُخْرِجَنَّ منها مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.) ([257])

شرح الحديث في الحاشية ([258]).

يقول ابن كثير: وقد روي في تفسير الآية عن جابر، وأبي سعيد، من الصحابة: (إلا ما شاء ربُّك إنَّ ربَّك فعَّالٌ لما يُريدُ قال:  هذه الآيةُ قاضيةٌ على القرآنِ كلِّه، يقول حيثُ كان في القرآنِ: خالدينَ فيها تأتي عليهِ) ([259]).

وقال السدي: هي منسوخة بقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [ النساء: 57 ].  وهذا الرأي غير مقبول أبداً؛ والدليل قول ابن جرير: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا، والمحظور مباحا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ؛ لأن هذا يفضي إلى البداء.

تفسير القرطبي

قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) ما دامت في موضع نصب على الظرف ؛ أي دوام السماوات والأرض، والتقدير: وقت ذلك. واختلف في تأويل هذا؛ فقالت طائفة منهم الضحاك: المعنى ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما، والسماء كل ما علاك فأظلك، والأرض ما استقر عليه قدمك؛ وفي التنزيل: وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء (الأرض بمعنى أرض الجنة). وقيل (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ): أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده ؛ كقولهم: لا آتيك ما جن ليل، أو سال سيل، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام، وما دامت السماوات والأرض، ونحو هذا مما يريدون به طولا (من غير نهاية!) ؛ فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك.  وإن كان قد أخبر بزوال السماوات والأرض.  وأرى أنّ هذا القول فيه اعتراف ضمني أنّ الخلود لا يعني اللانهاية ولا يكافئها.  ولا يجوز أن نزعم أنّ النار تدوم فترة لانهائية من الزمن؛ فالله سبحانه وتعالى هو وحده الأوّل لا شيء قبله، وهو الآخر لا شيء بعده.

قوله تعالى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ في موضع نصب ؛ لأنه استثناء ليس من الأول ؛ وقد اختلف فيه على أقوال عشرة ([260]): الأولى: أنه استثناء من قوله: ففي النار كأنه قال:  إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من تأخير قوم عن ذلك ؛ وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر - رضي الله عنهما -. وإنما لم يقل من شاء؛ لأن المراد العدد (أي الصنف أو القوم) لا الأشخاص ؛ كقوله: ما طاب لكم.  ... الثاني: أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار ؛ وعلى هذا يكون قوله: " فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ " عامّاً في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من " خالدين " ؛ قاله قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم (أي العصاة من المؤمنين مستثنون من الخلود في النّار). وفي الصحيح قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لَيُصِيبَنَّ أقْوامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بذُنُوبٍ أصابُوها عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الجَنَّةَ بفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقالُ لهمُ الجَهَنَّمِيُّونَ.) ([261]). الثالث: أن الاستثناء من الزفير والشهيق ؛ أي لهم فيها زفير وشهيق إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من أنواع العذاب الذي لم يذكره، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر، وما لم يذكر. حكاه ابن الأنباري. الرابع: قال ابن مسعود: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم. قلت: وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل، وتجديد الخلق. الخامس: أنّ إلا بمعنى " سوى " كما تقول في الكلام: ما معي رجل إلا زيد، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك. قيل: فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود. السادس: أنه استثناء من الإخراج، وهو لا يريد أن يخرجهم منها. كما تقول في الكلام: أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل ؛ فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم ؛ ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها، ذكر هذين القولين الزجاج عن أهل اللغة، قال:  ولأهل المعاني قولان آخران، فأحد القولين: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من مقدار موقفهم على رأس قبورهم، وللمحاسبة، وقدر مكثهم في الدنيا، والبرزخ، والوقوف للحساب. والقول الآخر: وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب، وتقديره: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم. قلت: فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا، واختاره الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي، أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض، وذلك مدة العالم، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه، وهو قوله سبحانه: " يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ " فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم، واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق، فمن وفى بذلك العهد فله الجنة، ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السماوات والأرض؛ فإنما دامتا للمعاملة ؛ وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك ؛ فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله؛ قال الله تعالى: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما، وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة؛ ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق الأحدية؛ فمن لقيه موحدا لأحديته بقي في داره أبدا، ومن لقيه مشركا بأحديته إلها بقي في السجن أبدا؛ فأعلم الله العباد مقدار الخلود، ثم قال:  إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها؛ فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبدا. وقد قيل: إن إلا بمعنى الواو، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو الثامن: والمعنى: وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: إلا الذين ظلموا أي ولا الذين ظلموا. وقال الشاعر:

وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان

أي والفرقدان. وقال أبو محمد مكي: وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون إلا بمعنى الواو، وقد مضى في البقرة بيانه. وقيل: معناه كما شاء ربك ؛ كقوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف أي كما قد سلف، وهو: التاسع، العاشر: وهو أن قوله تعالى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام ؛ فهو على حد قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين فهو استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك؛ كأنه قال:  إن شاء ربك ؛ فليس يوصف بمتصل ولا منقطع ؛ ويؤيده ويقويه قوله تعالى: عطاء غير مجذوذ ونحوه عن أبي عبيد قال:  تقدمت عزيمة المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين ؛ فوقع لفظ الاستثناء، والعزيمة قد تقدمت في الخلود، قال:  وهذا مثل قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وقد علم أنهم يدخلونه حتما، فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خيارا ؛ إذ المشيئة قد تقدمت، بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام؛ ونحوه عن الفراء. وقول - حادي عشر -: وهو أن الأشقياء هم السعداء، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم، والاستثناء في الموضعين راجع إليهم ؛ وبيانه أن " ما " بمعنى " من "، استثنى الله - عز وجل - من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بما معهم من الإيمان، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة. وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني ؛ كأنه قال تعالى: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ألا يخلده فيها، وهم الخارجون منها من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بإيمانهم وبشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء، وبدخولهم الجنة يسمون السعداء ؛ كما روى الضحاك عن ابن عباس إذ قال:  الذين سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة. وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي وأما الذين سعدوا بضم السين. وقال أبو عمرو: والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا. قال النحاس: ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية! إذ كان هذا لحنا لا يجوز ؛ لأنه إنما يقال:  سعد فلان وأسعده الله، وأسعد مثل أمرض ؛ وإنما احتج الكسائي بقولهم: مسعود ولا حجة له فيه ؛ لأنه يقال:  مكان مسعود فيه، ثم يحذف فيه ويسمى به. وقال المهدوي: ومن ضم السين من سعدوا فهو محمول على قولهم: مسعود وهو شاذ قليل ؛ لأنه لا يقال:  سعده الله ؛ إنما يقال:  أسعده الله. وقال الثعلبي: سعدوا بضم السين أي رزقوا السعادة ؛ يقال:  سعد وأسعد بمعنى واحد وقرأ الباقون " سعدوا " بفتح السين قياسا على شقوا واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقال الجوهري: والسعادة خلاف الشقاوة ؛ تقول: منه سعِد الرجل بالكسر فهو سعيد، مثل سلِم فهو سليم، وسعِد فهو مسعود ؛ ولا يقال فيه: مسعد، كأنهم استغنوا عنه بمسعود. وقال القشيري أبو نصر عبد الرحيم: وقد ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده الله فهو مسعد ؛ فهذا يقوي قول الكوفيين وقال سيبويه: لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان ؛ لأنه مما لا يتعدى .

تفسير الطبري:

(وقوله:  (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)، يعني تعالى ذكره بقوله:  (خَالِدِينَ فِيهَا)، (لابثين فيها)، ويعني بقوله: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، (أبدًا).  وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: " هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار ...  يعنون بذلك كله " أبدًا ".  فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا. ... وقال ابن زيد: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.  وبالتالي فإنّ أبداً لا تعني مالانهاية.

 ثم قال: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في أهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار.  ذكر من قال ذلك:

 18573- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، قال: الله أعلم بثُنَياه.

 وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الجنة.

18574- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، والله أعلم بثَنيَّته.  وفي الحديث: (لَيُصِيبَنَّ أقْوامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بذُنُوبٍ أصابُوها عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الجَنَّةَ بفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقالُ لهمُ الجَهَنَّمِيُّونَ.) ([262]).

شرح الحديث: مِمَّا يَمُنُّ اللهُ تعالى به على بَعضِ أهلِ التَّوحِيد-وإنْ كانوا استَحَقُّوا دخولَ النارِ بمعاصِيهم-: أنْ يُخرِجَهم منها بعدما يَمَسُّهم منها سَفْعٌ، أي: تَغيِيرٌ في لَوْنِ جُلودِهم للسُّمْرة بسببِ حرارة النارِ وحرْقِها لهم؛ يُقال: سَفعَتْه النَّارُ: إذا لفَحَتْه لَفْحًا يَسيرًا، فغيَّرتْ لونَ البَشَرةِ. فيُدخِلهم الله تعالى الجنَّةَ برحمتِه، فيُسمِّيهم أهلُ الجنَّةِ مِمَّنْ سَبقهم إليها: الجَهَنَّمِيِّينَ؛ نِسبةً لِجَهَنَّمَ، وهذه التَّسميَّةُ ليستْ تَنقيصًا لهم، بل هي استذكارٌ؛ ليَزيدوا فرحًا على فرَحٍ، وابتهاجًا على ابتهاجٍ، ولِيَعلموا أنَّهم عُتقاءُ اللهِ تعالى.

وأقول: إنّ سفعة النار هذه " سَفعَتْه النَّارُ: إذا لفَحَتْه لَفْحًا يَسيرًا" لتختلف عن عذاب الكافرين الوارد في الآية الكريمة: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ).  فظاهرٌ جليّاً أنّ العذاب الذي تذكره الآية الكريمة يليق بالكفار؛ بينما سفعة النار " سَفعَتْه النَّارُ: إذا لفَحَتْه لَفْحًا يَسيرًا" تليق بالمؤمنين الذين رجحت سيئاتهم.

حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ)، إلى قوله:  (لما يريد)، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ ما مَسَّهُمْ مِنْها سَفْعٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فيُسَمِّيهِمْ أهْلُ الجَنَّةِ: الجَهَنَّمِيِّينَ.) ( [263]).

18576- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، قال: استثناء في أهل التوحيد.

18577- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ)، إلى قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.

 18578- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا، (سورة النبأ: 23)، وقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، أنهما في أهل التوحيد.

 وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: (إلا ما شاء ربك)، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ )، (إلا ما شاء ربك)، لا من " الخلود ". (أي: إلا ما شاء ربك ( الاستثناء) من دخول النار).

*ذكر من قال ذلك: 18579- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد، يعني الخدري، أو: عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن (خَالِدِينَ فِيهَا)، تأتي عليه، قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.

 (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (هود 107).

 وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.

 *ذكر من قال ذلك: 18580- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَقال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.  وفي الحديث: (عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهما قال يأتي على النارِ زمانٌ تُخفقُ أبوابُها ليس فيها أحدٌ يعني منَ الموحِّدِينَ) ([264]).

18581- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.

 وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض .قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.

 *ذكر من قال ذلك: 18582- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، فقرأ حتى بلغ: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

 * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا، وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: " لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن "، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.

وقوله: (إن ربك فعال لما يريد)، يقول تعالى ذكره: إن ربك، يا محمد، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ.

اللّه سبحانه هو الأول لاشيء قبله، وهو الآخِر لا شيء بعده، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولهُ الكمال المطلق أللانهائي. ولا رادّ لأمره ؛ وله المشيئة المطلقة: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82)،  ويقول سبحانه:  (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (سورة البروج).

 وخلود الكافرين في النار تحكمه المشيئة المطلقة في قوله سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) (هود 107)

 وبالتالي فإنّ الزعم أو القول بعدم وجود تتابع زماني للأكوان هو حدّ وتقييد لمشيئة الله المطلقة.  هذا وإنّني لفي صدد إعداد كتاب أبين فيه محاولاتي من أجل شرح هذه الآية الكريمة.  هذا ولقد اكتفى د. نوفل بالطعن في الحديث الشريف الذي يرويه البخاري: (يُقالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ، وتَقُولُ هلْ مِن مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالَى قَدَمَهُ عليها، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ) ([265]وذلك في معرض الإشارة إلى الآية: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ)، وليس في معرض محاولة تفسيرها ولا حتى قراءتها!.

الله هو الخالق الحي القيوم المبديء المعيد الواحد الأحد الفرد الصمد المتفرد بالجمال والكمال أللانهائي.  وأما ما عداه سبحانه، فالكل مخلوق يموت ثمّ يبعث؛ وكذا الكون ؛ ليستبدل بآخر: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (إبراهيم: (48)؛ ويكون هذا والناس على الصراط: ([266]).  وكذا الجنة والنار؛ فلكل دورة كونية جنتها ونارها الخاصين بها.  النار مخلوقة وتفنى بعد زمن يقدر بطول فترة حياة الكون ؛ ولتنشأ من جديد ناراً جديدة للكفرة والعصاة من أهل دورة كونية جديدة.  ولا يجوز أن نزعم أنّ النار تدوم فترة لانهائية من الزمن؛ فالله سبحانه وتعالى هو وحده الأوّل لا شيء قبله، وهو الآخر لا شيء بعده، وكل ما سواه فهو مخلوق له بداية في الزمان والمكان؛ كما أنّ له نهاية في الزمان والمكان.

وينافح د. نوفل عن رأي رجّحه القاسمي، وهو: (يعني أنّ الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار.  والنكتة في الاستثناء بيان أنّ هذه الأمور الثابتة الدائمة إنّما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها في نفسها، ولو شاء الله تعالى أن يغيرها لفعل.)  (تفسير القاسمي، صفحة 3486 - 3487).

وأقول يسهل الاستدراك على هذا الرأي وهذا الترجيح باعتقادنا وقولنا أنّ مشيئة الله تعالى مطلقة؛ فيقول القاسمي: ولو شاء الله تعالى أن يغيرها (الأمور الثابتة الدائمة) لفعل.

20) تحت عنوان: الأردن. عالم تفسير يثير جدلا حول أحاديث الصحيحين ([267])

كتب بسام ناصر:  السبت، 18 أبريل 2020 12:52 م بتوقيت غرينتش

 (...  وقال نوفل: "هذا الحديث خارج عن الدين والمنطق والعقل، ولم تسبق روايته من قبل، ولن أرويه"، مخاطبا من يقولون إن الدين ليس بالعقل بقوله: "والدين كذلك يجب أن يكون منسجما مع العقل والمنطق".  ... وبحسب الداعية الأردني الدكتور بشار شريف فإن "بعض الردود كانت متحاملة على الشيخ نوفل، وكأنها وجدت فرصة للنيل منه، وكان فيها ظلم له، وسوء أدب مع أن الشيخ لمن خالطه وعرفه، وتتلمذ على يديه يرى أدبه الجم، وحرقته على الدين، ومواقفه في نصرة المظلومين".

وأوضح شريف في منشور عبر صفحته على الفيسبوك أن الدكتور نوفل "لا ينكر السنة، وليس قرآنيا كما يُقال عنه، وليس معتزليا ولا أشعريا أيضا، غير أنه يتبع في قبول الروايات وردها (المنهج الأصولي) منذ أكثر من 40 عاما، وهو منهج أهل الرأي وهو ما يختلف عن منهج مدرسة المحدثين في قبول الروايات وردها".  ) انتهى كلام د. بشار.

 يقول الكاتب: وقد كان رد الدكتور عبد السلام أبو سمحة، أستاذ الحديث المشارك في جامعة الوصل بدبي من أكثرها تداولا.  ركّز أبو سمحة في ردوده على نوفل على ضرورة التفريق "بين النقد العقلي المستند إلى المسلمات العقلية، وبين النقد بالرأي" معتبرا نقد نوفل نقدا بالرأي غير مستند إلى المسلمات القطعية، التي لا يمكن لأي حديث صحيح أن يتعارض معها بحال، وبالتالي فإن انتقادات نوفل لا تمثل أي حجة معتبرة، ولا تعدو أن تكون رأيا له يمكن مناقشته والرد عليه بسهولة.

 وشدد أبو سمحة في ردوده المكتوبة والمسجلة صوتيا، على أهمية التفريق بين ما يقال عن معارضة الأحاديث النبوية لصريح القرآن، وبين معارضتها لفهم فلان أو علان لآيات قرآنية، فيتوهم أن الأحاديث تتعارض مع القرآن، ما يوجب ردها وعدم الأخذ بها، وهي في الحقيقة تتعارض مع فهمه هو، وهذا ما يرى أبو سمحة أنه ينطبق تماما على انتقادات نوفل للأحاديث الصحيحة التي اعترض عليها.  ...

بدوره قال الأكاديمي الأردني، الدكتور عاصم الخوالدة: "لا تكاد مسألة مهما كان مستواها الجدلي تخلو من الانتقال من نقد الفكرة إلى نقد الشخص، والذي غالبا ما يُوظف كوسيلة لإسقاط الخصم، والاستقواء عليه بتحشيد العوام والدهماء، خاصة إذا تعلق الأمر بمسلمات مستقرة عندهم، ومحاطة بهالة من التقديس". . ..  ونبّه الخوالدة على أن "خطاب نوفل ـ كتوصيف له وحتى لا نحمل الآخرين الأمر كله ـ  يبدو مستفزا متعاليا على الخصوم، وهو لا يخلو من السخرية والتهكم والاندفاعية العفوية في الرد، دون مراجعة مسبقة للمسألة، وربما جنح الشيخ إلى توظيف مقص "مخالفة القرآن" لتجريم الأقوال التي تخالف رأيه بلسان حاله، ولا يجعل قوله مجرد مساهمة علمية في التفسيرات المطروحة".). انتهى مقال بسام ناصر

يتّفقُ مؤلّفُ هذا الكتاب مع رأي كلّ من الدكتور عبد السلام أبو سمحة ؛ والخوالدة كما عرضهما صاحب هذا المقال.  وأما الدكتور بشار شريف والذي أصُلّي عنده الجمعة، وأعْجبُ بمنطقه؛ فقد نبّه هنا إلى ما يعرف بمنهج أهل الرأي.

التفسير بالرأي ([268]):

"والمراد بالرأي: الاجتهاد ويسمى تفسير بالدّراية، أو تفسيرٌ بالمعقول. هو تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسّر لكلام العرب، ومعرفة الألفاظ العربية ووجوه دلالتها، ومعرفة أسباب النزول". (وأقول أنّ أسباب النزول موجودة في الأحاديث؛ و د. نوفل يعتقد أنّ تسعة أعشار الروايات في مهبّ الريح تصح أو لا تصحّ، ويعتقد أنّ السّنّة ليست وحياً)، "ومعرفة الناسخ والمنسوخ من آيات القرآن" (وأقول أنّ د. نوفل ينكر النسخ!)، "وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر. غير أن الاجتهاد يجب أن يكون مبنياً على العلم والفقه، ولذلك قال الإمام السيوطي: التفسير بالرأي هو الاجتهاد في تفسير القرآن الكريم، وفق قواعد وشروط أهمها: معرفة كلام العرب ومناحيهم في القول، ومعرفة الألفاظ العربية والوقوف على دلالتها ومقتضياتها. والعلم بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والحديث والأصول والفقه، وأن يكون المفسر بعيداً عن الهوى ونزعة التعصب ".[1]

 وأقول دعونا نتلمس هذه الشروط لدى د. نوفل:

يقول البغوي: "قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ) قال السدي: هي النبوة وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه، وأمثاله وقال الضحاك: القرآن والفهم فيه وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام لا يسع المؤمنين تركهن حتى يتعلموهن ...".  وأقول: يتوارى د. نوفل خلف الإشادة بعلم ابنِ عبَّاسٍ، فلا أدر كيف يناقض قول ابن عباس: "علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه" ؛ حيث ينكر د. نوفل وجود آيات منسوخة، أو آيات متشابهة!

إنّ هذا المعنى للحكمة يعيدنا إلى أقوال د. نوفل بأنّ كل آيات القرآن محكمة! وليس في القرآن آيات متشابهات!.  كما ويذكّرنا بقوله أنّ الآيات المنسوخة في القرآن ليست سوى حوالي ثلاث آيات! بل وله المقولة: (ما فيه مشكلة إذا أنا لا أومن بالنسخ)!. وبالتالي هذه الأقوال تنافي هذا البعد للحكمة.  وأما البعد الآخر بأنّ الحكمة هي السّنّة فلا يرتضيه د. نوفل!.  وإنّ أقوال نوفل التي لا تستند إلى أساس لتنافي ما قاله الضّحاك: "في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة".

تفسير بالدراية: د. نوفل وفي معرض محاولاته التفسيرية تجده يكلف نفسه عناء الحديث فيما يخيل إليه أنّه ربط للآية مع علوم الكون والفيزياء والرياضيات! وكلها علوم لا يعرف د. نوفل شيئاً منها! (أنظر: عمري، حسين يوسف: مناقضة المُسَلَّمات وأساسيّات علوم الفيزياء والكون والرياضيات في تفسير د. أحمد نوفل: دراسة تطبيقية.  ).

الأخطاء اللغوية:

 يقول د. نوفل: (بالدين وبالعقل معاً ننهض إخواني إياكم أن يخدعوكم ويمكن يخدعوكم باسم الدين العقل لا جنّبلي الدين يا عشان يقودونا كقطيع الغنم باسم الدين لا... )  ([269]).

هذه العبارة غير صحيحة من حيث الصياغة! وألله أعلمُ بمراد د. نوفل منها وحول ماذا كان يحوم.  ودون ذكر لاسم صاحب هذه العبارة، فقد سألت أستاذ دكتور في اللغة العربية: "هل هذه العبارة سليمة"؟، فقال: "هذا ليس عربي"!.

بل تجد كلماته غير صحيحة وحتى من حيث الصياغة اللغوية!؛ يقول: "أو الأرض كلها معتمة؛ ما هياش في مدار الشمس! خارج مدار الشمس واشوه المشكلة على الله يسير"   ([270]).  جملته غير صحيحة حتى من حيث الصياغة اللغوية! فلعله أراد المعنى أنّ الأرض خارج نطاق المجموعة الشمسية ولا تدور حول الشمس!  وحتى هذا الفهم يناقض القوانين الفيزيائية؛ حيث تتبع الكواكب لنجومها، وتدور حولها في مسارات محدّدة.

ومن أخطائه اللغوية في نفس الحلقة، "يقول عن الليل والنهار نحن محتاجونهما !" (الزمن: 17:18).  ومن أخطائه اللغوية وفي نفس الحلقة قوله: "لكن نحن من بني سِرحان" (الزمن: 29:20).  الإحترام والتقدير لعائلة بني سِرحان، والصوابُ يا د. نوفل أن تقول سَرْحان؛ وليس سِرحان.  ومن الغرائب ذكره كلمة مستحيل مع ترجمتها، لكن ليس بالانكليزية هذه المرّة، وإنّما الآن بالفرنسية؛ على حدّ قوله! (الزمن: 33:55).

يقول: " مش ملاحظ إنه يأجوج اسم فاعل ومأجوج اسم مفعول ...  ما فيه ناس مخبّاية!  ...  نحن عندنا التصوّر الحقّ ....  أنا بشرح مش بسرح ... ألخ " ([271]).  والحقيقة أنّ كلمة يأجوج على وزن (فاعول)؛ وليست على وزن فاعل كما خُيّل للدكتور نوفل ([272]).

ومن العجب أنّ د. نوفل يكرّر طرح الموضوع الواحد في حلقات متباعدة؛ ويتناقض أحياناً!  فمثلاً تفسيره للآية الكريمة: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا).  يقول د. نوفل: "( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا).  فيه اشي إسمه ننسها؟ لأ ... هذا من باب الإحتمال المحال ... ارجع للغة العربية. ... في بحثي ما ننسخ من آية أو ننسها؛ كتاب منشور... معاني "أو" في كتب اللغة قلك: "أو" ما قبلها مضمون!؛ بلغتي طبعاً؛ وما بعدها مظنون! ([273])."

الردّ على د. نوفل: هذه العبارة غير سليمة من الناحية العلمية؛ فهي تجعل الاحتمال الكلي أكثر من واحد! وهذا مرفوض من وجهة نظر الإحصاء والاحتمالات.  وبناءً على كلام د. نوفل، فإنّ النسخ مضمون، لكن العجيب أنّ د. نوفل يقول في إحدى حلقاته على قناة حياة "ما فيه مشكلة إذا أنا لا أومن بالنسخ" !.  يا للعجب؛ ماهذا التناقض الصارخ؟!

أما عبارته " بلغتي طبعاً " فيحلو الردُّ عليها بالعبارة: you are not the center of the universe  .

وعبارته التالية غير صحيحة لغةً: " معاني "أو" في كتب اللغة قلك: "أو" ما قبلها مضمون!؛ بلغتي طبعاً؛ وما بعدها مظنون! ".  عندما سألت بعض أساتذة اللغة في جامعاتنا الأردنيّة أخبروني أنّ هذا الكلام خطأ وليس له نصيب من الصّحة!.

ولمزيد من الرّد وبيان فهمه الخاطئ لمعاني "أو"؛ فإنّ معاني "أو" في مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري هي ([274]): 1- الشّكّ، 2- الإبهام، 3- التخيير، 4- الإباحة، 5- الجمع المطلق كحرف الواو، 6- الإضراب، 7- التقسيم، 8- بمعنى إلاّ في الإستثناء، 9- بمعنى إلى، 10- التقريب، 11- الشّرطيّة، 12- التبعيض.  وبالتالي، فإنّ ما ذهب إليه د. نوفل ليس من العربية في شيءٍ واللّهُ أعلمُ.  إنّ معنى "أو" الذي يقول به د. نوفل شبه جديد!  إلاّ إذا كان يقصد المعنى السّادس (الإضراب)، فهو يفيد العكس تماماً؛ أي النسخ مضرب عنه (يعني غير وارد) والنسيان (وارد) !

وأرجو أن لا يُتوهّم أنّني هنا في معرض الرّد على د. بشار، بل إنّه في كلامه هذا قد فتح لي أفقاً في مجال الرّدّ على د. نوفل.  بل وأثبتُ هنا كلاماً من إحدى خطب د. بشار إذ يقول مستهلاً خطبة الجمعة (2\9\2022): (من المشكلات التي تواجهنا في حياتنا وفي تعاملاتنا مع البعض أنّ هذا البعض يتمركز حول ذاته وأناه متضخّمة ولا يرى إلا ذاته أو نفسه. ..." ).

عبارة د. نوفل: " معاني "أو" في كتب اللغة قلك: "أو" ما قبلها مضمون!؛ بلغتي طبعاً؛ وما بعدها مظنون! ".  هذه العبارة تناقض قوانين الإحصاء والاحتمالات، وفيما يلي التوضيح.

مجموع احتمالات النتائج المتميزة (distinct) داخل مساحة عينة ومغالطات د. نوفل

مساحة العينة للتجربة العشوائية هي مجموعة كل النتائج الممكنة. الحدث المرتبط بتجربة عشوائية هو مجموعة فرعية من مساحة العينة. احتمال أي نتيجة هو رقم بين 0 و 1.

على سبيل المثال، عند دحرجة حجر نرد، تكون مساحة العينة 1 أو 2 أو 3 أو 4 أو 5 أو 6. وبالتالي فإن حجم مساحة العينة هو 6. احتمال حدوث كل نتيجة هو 1/6. احتمال وجود عدد صحيح زوجي هو 3/6. احتمال وجود عدد صحيح فردي هو 3/6. احتمال أن يكون الناتج عددًا صحيحًا موجبًا أقل من 7 هو 6/6 = 1. مجموع احتمالات جميع النتائج المحتملة هو 1. لا يمكن أن يكون هناك احتمال أكبر من 1.

مجموع احتمالات جميع النتائج المميزة الممكنة داخل مساحة عينة هو 1.

مساحة العينة لتجربة عشوائية هي مجموعة جميع النتائج المحتملة لتلك التجربة. بالنسبة لكل تجربة، فإن مجموع احتمالات كل النتائج هو P=1.  مجموع احتمالات النتائج المتميزة داخل مساحة عينة هو 1.

د. نوفل يقدّم الطّرح التالي باحتمالية تزيد على واحد!: احتمال مضمون (P=1) + احتمال مظنون (0<P<1)!، فيكون مجموع الاحتمالات أكبر من واحد! وهذا يناقض أسس الإحصاء والاحتمالات!

وأقول: قد يَبْلُغُ عِنْدَ شخصٍ ما الْكِبَرَ أَحَدُ والديه أَوْ كِلاهُمَا، أو قد يموتُ هو قبلَهما؛ أو قد يموت الوالدُ قبل أن يولد الطفلُ، ونعلم أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلّم قد أصابه اليُتم وهو طفل.  وبالتالي فإنّ عبارة د. نوفل ليس لها نصيببٌ من الصّحة!

عندما تضيق اللغتان العربية (14.5 مليون مفردة) والإنكليزية (0.6 مليون مفردة)؛ تجد د. نوفل يختلق كلمة مثل: (bothهما، bothohoma، بُوثُهُما)!.  هذا الإستخدام غير المسبوق تجده في حلقة عنوانها غير صحيح على الأقل من حيث الصياغة اللغوية!  والعنوان هو: " هل ما فيه العرب اليوم من عمى سياسي أم عمالة ؟! ".  يقول د. نوفل ([275]): "ضموا الضفة وموقف السلطة التّحفة. ضموا الضفة وموقف السلطة التّحفة. التّحفة الموقف ولا السلطة؟! bothهما، الموقف تحفة والسلطة تحفة والأمور ملبن والإشيا معدن وأولك إيه أؤلك إيه".

يا د. نوفل: أنتظر منك أن تقول لي كلام مفسّر أو مفكّر لا كلام مسرحيّ: "تحفة والأمور ملبن والإشيا معدن وأولك إيه أؤلك إيه" !.

نعم أخطاء الصياغة هذه تجدها أحيانا حتى في عنوان المحاضرة!  ومثاله أيضاً العنوان: من أنوار القرآن || د. أحمد نوفل || فضل الله وزيادة || #14 ([276]).  ولا أدر ما هي الزيادة على فضل الله؟!.  لقد اختار نوفل هذا العنوان من الآية الكريمة: (ويزيدهم من فضله)، فالآية تقول أنّ الزيادة هي من فضله سبحانه، ولا زيادة على فضل الله، كما يوهم عنوان محاضرة د. نوفل.

حبذا لو أنّ د. نوفل بدلا من أن يشغل نفسه في الترجمات (انكليزي، فرنسي)، وبدلا من أن يشغل نفسه بمحاولات يائسة للحديث بما ليس له به أدنى علم من مواضيع الفلك والفيزياء! وبدلا من أن يشغل نفسه في الإخراج! حبذا لو يشغل نفسه بالتحضير والتأصيل لتفسير الآيات حتى يجنب نفسه الأخطاء الجوهرية؛ والتي تصل أحياناً إلى مخالفة صريح القرآن!؛ بل ومخالفة عقيدة أهل السُّنّة!.

وأن يكون المفسر بعيداً عن الهوى ونزعة التعصب:

الآية: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ...) (العنكبوت 20)يقول د. نوفل: (كيف تخلقت هذه الكيانات العربية أنشأها الإنكليز. موه عشان نفهم. إخواني ما لم يفعّل هذا العقل نخرج نخرج عن الإنسانية والله. نخرج عن الإنسانية. ..). 

الرّد عليه: إنّ ربط تخلّق هذه الكيانات التي أنشأها الكفار (الإنكليز) بدعوة القرآن للنظر في خلق الله: (فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) فهم سقيم!، وتحريفٌ للكلم عن مواضعه!.

ما يزال د. نوفل يصر على زوال إسرائيل (عام 2022): يقول: " ... أقول ستسمعون زوال إسرائيل على لسان مجموعة من كبار قادة الموساد ... " ([277]).  ولا يزال د. نوفل يكرّر ذكر رقمين: عدد آيات سورة الإسراء (111) وعدد آيات سورة يوسف (111)؛ ليصرح بحتمية زوال إسرائيل عام (2022 م)! ([278]).  وكذلك المرجع ([279]).   ويتكرّر هذا القول في العديد من محاضراته ([280]).

ويقول: " ... أقول ستسمعون زوال إسرائيل على لسان مجموعة من كبار قادة الموساد ... " ([281]).  ولا يزال د. نوفل يكرّر ذكر هذين الرّقمين: عدد آيات سورة الإسراء (111) وعدد آيات سورة يوسف (111)؛ ليصرح بحتمية زوال إسرائيل عام (2022 م)! ([282]).

سؤالي للدكتور نوفل: ما هي العملية أو العمليات (اللاحسابية!) التي أجريتموها لتحصلوا على الرقم (2022) من مجموع آيات السورتين (222) ؟!

سؤال لن يستطيع د. نوفل أن يقدم له جواباً! وأتحدى إن كان بوسعه أن يفرد حلقة يقدم جواباً من خلالها!  د. نوفل ابتدأ بالرقم (222) ليتحدث مباشرة عن النتيجة (2022).  اختار أن يُقْحِمَ الرقم صفر على رقم من ثلاث خانات (222) ليحصل على نتيجة من أربع خانات (2022).  لماذا أدخل الرقم صفر وليس غيره من باقي الأرقام التسعة؟!  ولماذا أقْحَمَ الرقم صفر على خانة المئات؟! لمَ كل هذا الاستعجال والتفاؤل والأماني؟! فهلاّ أقْحَمَ صفرَهُ السّحريّ على خانة العشرات مثلاً (2202)؟!  نعم إنها بحق عمليات لاحسابية! ولا منطقية!

وأقول: إذا كان د. نوفل ينفي قتال الملائكة مع المؤمنين يوم بدر! فمن باب أولى أن ينفي قتال الملائكة في صفّ العربان في المعركة التي قزمناها! لا بل وألغيناها من كلّ الاعتبارات! وبالرغم من كونها في الحقيقة معركة عقيدة مع الكيان الصهيوني الغاصب المعادي للرَشَد وللإنسانية!  وبالتالي ما هي المعطيات ؟! وما هو الواقع الزاهر الذي نعيشه؟! وما هو الإعداد الذي قدّمَتْهُ الأمّةُ وعلماؤها فجعل د. نوفل يجزم بزوال إسرائيل عام (2022 م)؟!

وأتساءل كيف يوفّق د. نوفل بين أقواله المتناقضة؟! ومنها:

- "مجموع آيات السورتين 222 آية. وتاريخ زوال إسرائيل إن شاء الله تعالى المتوقع بحوله وإذنه سبحانه 2022، ومجموع أرقام السورتين 222  ... سيبك من الظاهر المقيت الضعيف الهزيل!" ([283]).  فهو هنا يريد نصراً من غير أسبابه!  ومتناقضاً مع أقواله التالية:

- " إنّ الأقصى عائد لكم بأيديكم وقتالكم واستبسالكم وليس عبر طاولات المفاوضات، والمغامرات السياسية الخرقاء العابثة والعبثية والعدمية.  إنها -أي هذه الآية- تحدّد المنهج والطريقة لاستعادة المسرى السليب الحبيب وتحرير القدس الشريف درة فلسطين وسائر فلسطين. وتبشرهم بأنّ ذلك كائن طالما التزمتم نهج الهدى فالبشرى لكم.  ([284])."

- "ضيّعْنا الأقصى بالتقصير ضيّعْنا فلسطين بالتقصير ... نحن ما مشينا المطلوب ... الانتصار بده سنن بده شروط ما أخذنا بها.  المعركة ماخذة من حياتنا كم؟ المعركة ماخذة صفر بالمائة" ([285]).

الرّدّ على د. نوفل:

أتساءل: ما هذا التناقض؟! وهل نسي د. نوفل الدعوة لمؤتمر البحرين (أو صفقة القرن) والذي عقد بعد أسبوعين من قولِه بزوال دولة الكيان الغاصب عام (2022 م)؟!

يقول الأستاذ الدكتور محمد سعيد حوّى - تخصص الحديث الشريف وعضو هيئة التدريس في كلية الشريعة بجامعة مؤتة – وذلك في خطبة الجمعة بعنوان متى وكيف تتحرّر القدس بتاريخ 28-5-2021؛ يقول حوّى: (أنّ قول القائلين بزوال إسرائيل عام 2022 هو إفراطٌ وخارجٌ عن منهج القرآن) ([286]).

وعليه فإنّني أجزم يقينا أن دولة الكيان الغاصب لن تزول عام (2022 م).  لكن الذي أرجوه على د. نوفل إذا ما كنّا أحياءً في العام (2023 م)؛ ودولة الكيان الصهيوني في أوجها وطغيانها أن يعتذر عن كل مواقفه السلبية والإقصائية للسُّنة النبوية؛ ومواقفه هذه كثيرة! وقد أشرت إلى القليل منها في كتابي ([287]).  وآمل أن يكون الاعتذار جريئاً قويّاً صريحاً؛ لا اعتذاراً مشوباً وعلى استحياء مبْلَغُهُ أن ينفي صفة التخلف عن كتاب البخاري؛ ودافِعُهُ أن يُبْعِد عن نفسه تهمة أن يكون قد جرّأ الأعداء على الصحيحين! فيقول نوفل: (العلماء قد يناقشوا العلماء مش من هبّ ودبّ، بعض الأحاديث ثلاثة أربعة خمسة أيّاً كان! يناقشونها سنداً ومتناً ما فيه مشكلة ما فيه مشكلة قد يكون تسرب إلى البخاري فيه بعض الإسرائيليات مثلاً! بعض الأحاديث متنا ومعنى تحتاج إلى مراجعة، لكن أن يأتي من يقول البخاري كتابٌ متخلفّ، يعني وصف متخلف فيه ذوق فيه علم فيه أدب؟! فيه مسحة من أخلاق؟! لا والله ولا وفاء ولا دين، ولا شيء من هذا القبيل، ولا علم طبعاً، كتاب متخلف! أولا هل موضوع القائل أو القائلة العلم الديني أو العلم الشرعي؟! شغّالة بعلم الإجتماع، اشتغلي أو اشتغل بعلم الإجتماع تاعك، ما تتعداش على اختصاص ليس من اختصاصك! ولاّ الهجمة مرتبة على أن تهدموا أصول الدين شيئاً شيئاً. أن يناقش العلماء المختصون حديث البخاري ويردوه سنداً، بعض الأحاديث اثنين ثلاثة أربعة مثلاً مثلا تناقش متنا تناقش سنداً! هذا شغل علماء متخصّصين ([288])". إنتهى كلامه

الرّدّ على د. نوفل: يُفتَرَضُ أنّ مجال اختصاص د. نوفل هو التفسير وليس علم الحديث! لكنّه قد ردّ العديد من أحاديث الصحيحين!  ولا يلتزم د. نوفل هذا الخلق التي يدعونا إليه الآن (اشتغل في مجالك)!  وبالتالي إن كان هنالك شكل من أشكال الاعتذار أو الإنابة (وأشُكُّ)، فلا أقلّ من الاعتذار الجريء والصريح!  نعم أشكّ في أنّ يكون هذا اعتذاراً وذلك لعباراته التالية: * بعض الأحاديث ثلاثة أربعة خمسة أيّاً كان! يناقشونها سنداً ومتناً ما فيه مشكلة * قد يكون تسرب إلى البخاري فيه بعض الإسرائيليات مثلاً. * أن يناقش العلماءُ المختصون حديث البخاري ويردوه سنداً، بعض الأحاديث اثنين ثلاثة أربعة مثلاً مثلا تناقش متنا تناقش سنداً !

قوله: "بعض الأحاديث اثنين ثلاثة أربعة مثلاً مثلا": هنا لفظة " مثلاً مثلا" تفيد أنّ نوفل لم يُرِد الأعداد اثنين ثلاثة أربعة حصراً، وبالتالي فإنّ عبارته لتشير ضمناً إلى وجود عدد أكثر من الأحاديث التي تحتاج إلى مراجعة !

قوله: " بعض الأحاديث ثلاثة أربعة خمسة أيّاً كان! يناقشونها سنداً ومتناً": هنا لفظة " أيّاً كان! " تفيد أنّ نوفل لم يرد الأعداد ثلاثة أربعة خمسة حصراً، وبالتالي فإنّ عبارته لتشير ضمناً إلى وجود عدد أكثر من الأحاديث التي تحتاج إلى مراجعة !

وأثناء حلقة التفسير التي قدمها نوفل على قناة حياة يوم الأربعاء الرابع من آذار 2020، وبعد أن سُئل د. نوفل عن قوله بزوال إسرائيل في عام 2022، فلم يدّعيه لنفسه! بل آثر أن ينسبه إلى الأخ الذي قال به (والذي لم يُسمِّه)! وألمح إلى حساب الجمّل!  وبعدها أردف قائلاً: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ): يعني الآخرة! أي لا. إذا هيك ما بدنياها ترجع! إحنا بدنا نحكم (at least) ألف سنة!!.

الرد على عبارة نوفل: " ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ): يعني الآخرة! أي لا. إذا هيك ما بدنياها ترجع! إحنا بدنا نحكم (at least) ألف سنة "

عبارة نوفل: " إذا هيك ما بدنياها ترجع! " تُذكّرُني بعبارته عندما عُرض عليه مسودة كتابي فقال "لكلٍّ وجهة". لماذا؟ لأن هذا الفهم الذي يستنكره نوفل كان مضمناً في الردود عليه؛ بل هو عنوان كتبتُ فيه ([289])

نعم د. نوفل يشترطُ على الله أن يكون تحرير فلسطين هذا العام! ويريد أن يحكم (at least) ألف سنة! وبالتالي ليس عندي ما أردُّ به على هذا التألّي على الله إلا الآيات الكريمات: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 80)، (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا) (مريم: 78)، (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (النساء: 123).  وأذكّرُ هنا بعبارة د. حوى: " أنّ قول القائلين بزوال إسرائيل عام 2022 هو إفراطٌ وخارجٌ عن منهج القرآن" ([290]).

 يقول تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء 7). 

ويقول د. نوفل: "( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ): أي حتى إذا جاء وعد مرة الإفساد الثانية -" ([291]).  وأشرتُ لأمنية نوفل: "تاريخ زوال إسرائيل إن شاء الله تعالى المتوقع بحوله وإذنه سبحانه 2022، ومجموع أرقام السورتين 222 ."

الرّدّ على د. نوفل: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ): يَعْنِي نزول المسيح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِن السَّمَاء بين يدي السّاعة.  يقول تعالى: (وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) (الإسراء 104). "اسْكُنُوا الْأَرْضَ" أَيْ أَرْض الشَّأْم (الطبري).  "وَعْدُ الْآخِرَةِ " أَيْ الْقِيَامَة (الطبري)، السَّاعة (الجلالين).  وَقَالَ الْكَلْبِيّ: " فَإِذَا جَاءَ وَعْد الْآخِرَة " يَعْنِي مَجِيء عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ السَّمَاء  (الطبري، القرطبي).

 أشار القرآن إلى نهاية الإفسادة الأولى بقوله سبحانه "فَإِذَا جَاءَ وَعْد أُولَاهُمَا" أُولَى مَرَّتَيْ الْفَسَاد" بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ".   أما الإفسادة الثانية فلم تذكر بلفظ مشابه: كأن تقول "فَإِذَا جَاءَ وَعْد ثانيهما" ثاني مَرَّتَيْ الْفَسَاد.  كما أنها لم تذكر بلفظ "فَإِذَا جَاءَ وَعْد الأخيرة"، ولم تذكر بلفظ "فَإِذَا جَاءَ وَعْد الأخرى"، ولم تذكر بلفظ "فَإِذَا جَاءَ وَعْد أُخراهما".  وإنما جاءت في القرآن بقوله سبحانه: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) من الآية الكريمة: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء 7).  يؤكُّد ذلك أنّ قوله تعالى: (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) يكون بين يدي الساعة (الآخرة) عندما ينزل عيسى عليه السلام.  وللمزيد في الباب أنظر الكتاب: "وَعْدُ الْآخِرَةِ نُزولُ المسيح عيسى عليه السلامُ لينهي طغيانَ اليهودِ وإفسادَهم" ([292]) .

في محاولته تفسير (حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ؛ قدّم د. أحمد نوفل ما يبدو أنه نوع من الدفاع عن الآية الكريمة! لكن بألفاظ تسيء إلى سماحة الإسلام، فكرّر عبارات مثل: (البسطار فوق راسه)، (الجزمة فوق راسه)، (رجله فوق راسه)، (داعس على راسه)! ([293]).  وأتساءل: ألم يكن بوسع د. أحمد نوفل عرض ما جاء في التفاسير من كلام رائع لا مجال لانتقاده أو استغلاله من قبل أعداء الأمة بدلاً عن أقواله والتي ليست من مدلولات الآية؛ بل والآية منها براء؟!.  كما وأتساءل أين أقواله هذه من حكمة العقل التي كثيراً ما يذكرها د. نوفل؟!

حلقات ما يسمى بـ (لقاء الأسبوع، تجربتي مع التفسير): هذه الحلقات على اليوتيوب تتمحور في الإجابة على أسئلة معدّة مسبقاً ومكتوبة ومتفق على صيغتها وطريقة عرضها بين كلٍّ من د. نوفل ومحاوره خليل الزيود!.  كلّ هذه الأسئلة، وفي جميع هذه الحلقات؛ وبلا استثناء تنصبّ في انتقاد الأحاديث النبوية الشريفة؛ وغالباً ما تكون هذه الأحاديث صحيحة!؛ إلا أنّ د. نوفل يرُدُّها جميعها؛ وفي جوّ من الإستهزاء بالنصّ!.  يرُدُّها د. نوفل في أحسن أحواله لأنّها لم تنسجم مع فهمه الشخصي غير الموسوعي قطعاً وغير المؤصّل أيضاً، بل وتجده يحاكم النصَّ من منظور ضيّق لايستند إلى علم!.  كما وتشتمل جميع هذه الحلقات على الإستهزاء بتفاسير السّلف؛ بل وأحياناً التقوّل عليها!.  وهذه الحلقات تبرز د. نوفل عالماً كونيّاً!.  أي بمعنى المتفرد بالعلم المطلق بعد الرّب سبحانه؛ وعلى مستوى الكون؛ لا على أنّه عالمٌ في علوم الكون: يقول مقدم البرنامج واصفاً د. نوفل بأنه: "أللقاء اليوم مع شخصية إنسانية، إسلامية. مع شخصية كونية !" ([294])..

أنواع التفسير بالرأي:

التفسير بالرأي منه الممدوح المقبول ومنه المذموم المردود، وهو على نوعين:[4]

نوع قام على أصل لغوي ورد عند العرب، أو برهان عقلي وافق الشرع. وهو التفسير المبني على المعرفة الكافية بالعلوم اللغوية، والقواعد الشرعية، والأصوليةأصول الدين، وأصول الفقه، وعلم السنن والأحاديث (وأقول: لكن د. نوفل في تفسيره لا يقيم للأحاديث وزناً ولا يستشهد بها مطلقاً، ولا يذكر حديثاً إلا في معرض الطعن واللمز!)، ولا يعارض نقلا صحيحا (وأقول: تجد في هذا الكتاب أنّ د. نوفل يعارض عشرات الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم؛ وتجد في تسجيلاته المعارضة لمئات الأحاديث الصحيحة.  السّنة النّبويّة الشريفة كلامُ سيّد الخلقِ وأصدقهم الذي لا ينطق عن الهوى، كلامٌ صحيحٌ مُحقّقٌ مُدقّقٌ مرفوعٌ إليه بالسّند المتّصِلِ عن الرّواةِ الثّقاتِ الذين قلّ أن يجودَ الزّمانُ بمثلِهمِ. فلا يأتينَّ من لا يعرفُ علمَ الحديث فيُعمِلَ أداتَه التي لا تستندُ إلى أساس علميٍّ متين في علم الحديث ثمّ يُحكّمَ منهجه العقليّ الخاص - وأيّ منهج - ليردّ من كلام سيّد الخلقِ على هواه، فتضِلّ بكلامِهِ قلوبٌ ضعيفةٌ ويتّبعه من لا باع عنده في الأمر، فيفسِدَ على النّشء من أمّةِ محمّدٍ - صلى الله عليه وسلّم-  دينَها. ولا يعارض عقلا سليما، ولا علما يقينا ثابتا مستقرا (انظر: عمري، حسين يوسف: مناقضة المُسَلَّمات وأساسيّات علوم الفيزياء والكون والرياضيات في تفسير د. أحمد نوفل مع بذل غاية الوسع في البحث والاجتهاد والمبالغة في تحري الحق والصواب (وأقول د. نوفل يجتهد في الإخراج – لهجات ونبرات الصوت - ويجتهد في ترجمة بعض الكلمات إلى الإنكليزية؛ ويجتهد في محاولات الطعن في الأحاديث الصحيحة، ويفسر من عقله ومن رأسه على حدّ تعبيره!)، وتجريد النفس من الهوى، والاستحسان بغير دليل، ومع مراقبة الله غاية المراقبة في كل ما يقول (ولا أدر أين د. نوفل من هذه الشروط، وهو الذي يزعم أنّ السنّة ليست وحياً، وأنّ الحكمة هي العقل وليست السّنّة!، ولا أدر أين مراقبة الله مع اتهام البخاري ومسلم أنّهما يختلقان أسانيد لأحاديث لا يرتضيها عقل نوفل!. يقول د. نوفل: (الخضر موجود بالحديث أنا بالنسبالي (بالنسبة لي) لا أجعل الظني مع القطعي اليهودية فيها خضر والنصرانية فيها خضر واحنا عندنا خضر! أخشى تكون من الإسرائيليات وركبولها سند! ([295]).  وأقول: الخضر مع موسى ثابت في صحيحي البخاري ومسلم: ( إنما سمي الخضر أنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء ) ([296]). )

ونوع (من التفسير بالرأي) لم يقم على أصل لغوي ولا برهان عقلي موافق للشرع، وإنما هو رأي مجرد لا شاهد له.  وأقول غالباً ما يكون هذا هو الحال بالنسبة لمحاولات التفسير لدى د. نوفل!.  كيف لا وقد شارك التفاسير المذمومة في مخالفة عقيدة أهل السُّنّة؟!

وأما حكم التفسير بالرأي، فما كان على المعنى الأول، وهو قيامه على أصل من أصول اللغة أو برهان عقلي موافق للشرع فجائز لا غبار عليه.  وأما ما كان على المعنى الثاني، وهو تفسير القرآن بمجرد الرأي والهوى الذي لا يقوم على أصل لغوي ولا برهان عقلي موافق للشرع، فغير جائز لقوله تعالى: ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. وقوله: ﴿ وأن تَقولوا على الله ما لا تعلمون.  وأقول: أين د. نوفل من هاتين الآيتين الكريمتين عندما يقحم نفسه الحديث في علوم الفلك والفيزياء في محاولاته التفسيرية؟!

31) الآراء والأهواء الخاصة تخدش الخضوع لله وتناقض العقل الجمعي

يقول أ.د. محمد سعيد حوى: "العقل بمعنى التعقّل في الأمور وفهمها وفحصها والتثبّت منها إلى غير ذلك. إن كان الدليلُ قطعيُّ الثبوت لكنّه ظنيُّ الدلالة نبحث في فهمه. إذا كان الدليلُ مثلاً ظنيُّ الدلالة و ظنيُّ الثبوت فيمكن أن يبحث من حيث الوجهتين معاً، وضربنا أمثلة في ذلك وذكرنا أنّ بعضهم يدخل في معنى العقل ما هو محلّ الآراء والأهواء الخاصة وما ينبني على الظنون وما ينبني على أفكار ذاتية، وقلنا هذه لا علاقة لها بمعنى العقل هنا؛ لأنّها مجرّد آراء ذاتية قد تكون مبنية على هوى، قد تكون مبنية على دليل ظنيّ، فلا يجوز أن نخلطها بقوانين العقل ههنا ." ([297]) .

ثمّ يتابع د. حوى حديثه عن العقل: "لكن قلنا هنالك المعنى الرابع للعقل، أو لما يسمى الأحكام العقلية أو الأمور العقلية، أي تلك التي تسمى العقل الكلّي والعقل الجمعي والعقل الإنساني. أي تلك القوانين الكُلّيّة، التي أدار اللهُ الكونَ وفقها، بحيث أنّ هذه القوانين الكُلّيّة ثابتة لا تتغيّر لا تتبدّل لا تتخلّف إطلاقاً.  ولو قدّر أن تتبدّل أو تتغيّر أو تتخلّف لن يكون إسمها قضايا عقليّة.  وعندما يقال القضايا العقلية أو الحكم العقلي أي أنّ هذه الأمور مصدرها العقل ذاته، ولا يُحتاج إلى مصدر آخر.  فهنالك الحكم الشرعيّ والحكم العادي وهنالك الحكم العقليّ.  الحكم العقلي يؤخذ من التجربة ومن تكرار الأمور عادةً، والحكم الشرعيّ من حيث هو شرعيّ يؤخذ من النّصّ مباشرةً.  لكن هنالك أمور عقلية مصدرها العقل ذاته ولا تحتاج إلى مصدر آخر، ولا يتصوّرُ أبداً إختلاف العقلاء فيها.  ولو اختلف العقلاء فيها وصحّ هذا الاختلاف ما سميت بالأمور العقلية عندئذٍ؛ وإن كان العقل يبحث فيها ويفكّرُ فيها، فكانت من المعنى السّابق الذي ذكرناه التعقّل بمعنى البحث في الأمور والتفحّص لها والتدبّر فيها والتفكّر فيها وهكذا. "

أقول إنّ د. نوفل يقدم عقله على العقل الجمعي كما تنطق محاضراته وكتاباته! بل إنّهُ ليُصّرح بهذا حيث يقول: "... قد تكون على الحقّ وإن كنت وحدك! بس إحنا غلّبنا العقل الجمعي على ثقتنا بأنفسنا .. وانا منكم، ناخذ درس" ([298]).  إذاً د. نوفل يتصوّر أنّ لديه العقل والمستوى من الفهم لدرجة تجعله يردّ العلوم التجريبية ويردّ أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.  وإنّ د. نوفل يسخر ممن يخالفه الرأي ويطلب منهم وبلغة الإشارة أن يغلقوا أفواههم ([299]).

أقول: إنّ إقصاء الأحاديث، وتقديم العقل عليها، واعتبار أنّ الحكمة هي العقل وليست السّنّة! لا ينسجم مع حقيقة أنّ الحكم الشرعيّ من حيث هو شرعيّ يؤخذ من النّصّ مباشرةً!.  وإنّ تفسير آيات القرآن الكونية لا بدّ أن يستند إلى علم الكون والفيزياء، وبعض العلوم التجريبية الأخرى؛ وبالتالي لايؤبه لكلام د. نوفل: " قد تكون على الحقّ وإن كنت وحدك! بس إحنا غلّبنا العقل الجمعي على ثقتنا بأنفسنا ".  بل إنّ د. نوفل يتناقض مع نفسه؛ بدليل عبارته: "لن نفهم هذا الكلام العظيم إلاّ بالعقل، ورصيدنا من اللغة ورصيدنا من الفهم، والخبرة والتجربة والمطالعة.  كل هذا الرصيد به نفهم كلام الله. من غير هذا الرصيد مش حنفهم هذا الكلام.  رصيد من اللغة رصيد من القراءات: في الكون والتاريخ والجغرافيا والمعلومات حتى نستطيع أن نفهم هذا الكلام. لا بدّ من أرصدة تكون لديك وذخر في هذا العقل (مع وضع يده على رأسه)" ([300]). 

وأنصحُ نفسي أولاً وجميع المسلمين ثانياً بالعبارة التالية من محاضرة للدكتور محمد سعيد حوى منسوبة إلى الإمام المحاسبي ([301]): "يقول الإمام المحاسبي: واعلم أنّ كلّ عقلٍ لا يصحبهُ (يصاحبهُ) ثلاثةُ أشياء هو عقل مكيد (يكيدُ صاحبَهُ).. . إيثار الطاعة على المعصية، بمعنى آخر: إرادةُ الخضوع لله تعالى كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الحجرات 1). وكما قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء 65 ).  والأمر الثاني إيثار العلم على الجهل، بمعنى آخر، أن يكون هذا العلم مستمداً من أصوله من مصادره من حقائقه، وبالتالي يقدمُ ما يبديه العلمُ على جهلهِ هو ولا يستكبرُ بجهلهِ ويعرضُ عن العلم.  والأمر الثالث عندما يقول إيثار الدين على الدنيا، أي التقوى.. . بعض الناس يدعي العلم لكن عقله قد يكيد له ... وقد تغلبه الشهوات والأهواء.  متى ينجو من هذا.  لا بدّ من إرادة الخضوع لله وبالتالي الإيمان.. . وأن يتوافر العلم، وأن يكون حاكماً على أعمالنا، والعلم مأخوذ من مصادره (الكتاب والسّنّة) وأدلته ذلك كلُّه مع التقوى.  أحيانا تزين للإنسان الأمور، وتزين له الأهواء، ويحاول أن يستحضر أدلّة في كل شيء يريد أن يقوله!  لكنه إذا حكم على نفسه أو حكم أفعاله وأقواله بالتقوى بالقلب إذاً تستقيم طريقة التفكير عنده"

32) يُقدّمُ فهماً مغلوطاً على أنه بدهيات، ويتهم المسلمين بالتخلف والجهل بالبدهيات

يُقدّمُ د. نوفل فهماً مغلوطاً على أنه بدهيات! ويقول: "... المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات "([302])

يقول د. نوفل: " (وليتذكر أولو الألباب) لماذا؟ وهو ما معنى تدبر: هو إعمال العقل، هذا الموضوع قديم، فلماذا نبحثه، حيث إن هذه الأمور البديهية؟ لأن المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات، يعني قوله تعالى في قصة يوسف أو في قصة آدم، أو في أي موضوع من الموضوعات، في قصة آدم مثلاً، قوله تعالى (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كيف عرف الملائكة أن آدم أو ذريته سيخرج منه (منهم) هذا، هل القرآن أعطانا تفسيراً؟ ما الدليل إن كان هناك مخلوقات سابقة؟ لا يوجد دليل، هذا خبط في البيداء على العمى!"

عباراتُ نوفل التي تصفُ الأمّة بالتخلّف وجهل البدهيات هي نفس عبارات نوفل التي ينسبُ الإفسادَ فيها إلى آدم عليه السلام!!  سبحانك ربنا نبرأ إليك من إتّهام رسلك وانتقاص عصمتهم! فأنت قد اصطفيتهم، وأنت الذي زكيتهم.  نسألك سبحانك أن تعصمنا من الزلل والشهوات والشبهات والخرف.

عبارة د. نوفل "إنّ المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات !!!!"  مفادها أنّه يرى حوالي ملياري مسلم متخلفين! ويريد هو بمفرده أن يؤسس في عقولهم البدهيات!  ألا يذكرنا هذا بالحديث الشريف: (إذا قالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهو أهْلَكُهُمْ) ([303]).

( إذا سمِعتَ الرَّجلَ يقولُ: هلكَ النَّاسُ فهوَ أهلَكُهُمْ) ([304]).  (إذا سمِعتَ الرَّجُلَ يَقولُ: هلَكَ النَّاسُ؛ فهو أهلَكُهم.) ([305])

سؤال: هل يعرف د. نوفل المراد بالبدهيات؟!

3.1) تعريف البديهيَّات (axioms) والمسلَّمات (postulates): في الرياضيات

يقوم الاستدلالُ الرياضي على العقل المجردِ - في أغلب أحيانه - ويستند في ذلك إلى جملة من المبادئ العقلية؛ من أبرزها البديهيات والمسلَّمات، وهي قضايا أوليَّة نستند إليها للبرهنة على قضايا أخرى، فهي أساس الاستدلال، ولا تحتاج إلى استدلال آخر.

فالبديهيات (axioms) تُعبر عن أشياء صحيحة بالبديهة، ونقوم بالتسليم على صحتها دون نقاش، أما المسلَّمات (postulates)، فهي أيضًا أشياء نسلِّم بصحتها بالسليقة، دون إقامة البرهان على صحتها؛ بيد أنَّ الفارق بينهما أنَّ الشكوك التي تحومُ حول المسلَّمات مبررةٌ أكثرَ من التي قد تقوم حول البديهيات ...([306]).  أمرٌ بديهيّ / أمرٌ بدهيّ: واضحٌ، بيِّن، جليّ، مُسَلَّم به لا يحتاج إلى دليل ([307]).

إذاً البدهيات لا يختلف عليها اثنان!  وبما أن عبارة د. نوفل (أنّ المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات) قيلت في معرض اختلافه مع المفسرين وانتقاصه من عصمة الرّسل! فيفهم من كلام د. نوفل أمرين:

الأوّل: أنّه يجهل معنى البدهيات! ونحنُ نحسنُ الظنّ به هنا؛ فلهذا ظنّ أنّ المسلمين متخلّفون محتاجون إلى تأسيس البديهيات في عقولهم.  وهذا توهُّمٌ منه بأنّ البديهيات شيءٌ يحتاج إلى تعليم وتأسيس!

الثاني: أنّه يعرفُ معنى البديهيات، ولكنّه يحتقرُ عموم المسلمين ويصفهم بالتخلّف، ويرى أنّه واحد عصره ونابغة زمانه، يعرف ما لا يعرفه الآخرون؛ لذا فإنّهُ يتجشّمُ عناء تعليم الأمّة، كان اللهُ في عونه!.  وهذا يُذكّرُنا بأثرٍ عن الخليفة الراشد عليّ رضي الله عنه: (دخل أبو مسعودٍ عقبةُ بنُ عمرو الأنصاريُّ على عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ فقال لهُ عليٌّ: أنت الذي تقولُ لا يأتي على الناسِ مائةُ سَنَةٍ وعلى الأرضِ عينٌ تطرُفُ إنَّما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: لا يأتي على الناسِ مائةُ سَنَةٍ وعلى الأرضِ عينٌ تطرُفُ ممَّن هو حيٌّ اليومَ واللهِ إنَّ رجاء هذه الأُمَّةِ بعد مائةِ عامٍ) ([308])، وفي رواية: (إذ جاء أبو مسعودٍ فقال عليٌّ قد جاء فرُّوخُ فجلس فقال عليٌّ إنك تُفتِي الناسَ قال أجلْ وأُخبِرُهم الساعةَ أن الآخرَ شرٌّ قال فأخبرني هل سمعتَ منه شيئًا قال نعم سمعتُه يقولُ لا يأتِي على الناسِ مائةُ سنةٍ وعلى الأرضِ عينٌ تطرِفُ فقال عليٌّ أخطأتِ استُكَ الحفرةَ وأخطأتَ في أولِ فتياك إنما قال ذاك لِمَن حضرَه يومئذٍ هل الرخاءُ إلا بعدَ المائةِ) ([309]) .

3.2) أمثلة لبدهيات في الجبر والهندسة المستوية

 بعض البدهيات في علم الجبر:

1) إذا كانت أ = ب، فإنّ ب = أ

2) الشيئان المساويان لشيء ثالث يكونان متساويين:

إذا كان أ = ب، وكذلك ب = جـ، فإنّ أ = جـ

3) إذا كان أ = ب وكذلك جـ = د إذن أ + جـ = ب + د. إذا تساوت كميتان وأضيفت كمية متساوية إلى كل منهما، فإن النواتج تظل متساوية.

4) إذا كان a = b وكذلك c = d فإن ac = bd

Some of the Axioms of Euclidean Plane Geometry ([310]).  Four of the axioms were so self-evident; that it would be unthinkable to call any system a geometry unless it satisfied them:

 1. A straight line may be drawn between any two points.

 2. Any terminated straight line may be extended indefinitely.

 3. A circle may be drawn with any given point as center and any given radius.

 4. All right angles are equal.

بعض البدهيات في الهندسة الإقليدية المستوية.  كانت أربع من المسلمات بديهية للغاية. حيث أنه من غير المعقول تسمية أي نظام بهندسة ما لم يحققها:

 1. يمكن رسم خط مستقيم بين أي نقطتين.

 2. يجوز مدّ أي خط مستقيم منتهي ليصبح غير محدود.

 3. يمكن رسم دائرة مع أي نقطة معينة كمركز وبأي نصف قطر معين.

 4. جميع الزوايا القائمة متساوية.

هذه بعضُ البدهيات في الرياضيات؛ لربما يعرفها غالبيّةُ سكان الكرة الأرضية.  وبالتالي لماذا الظلم والحيف في عبارة د. نوفل: " المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات".  هذه هي عبارة نوفل في معرض مخالفته بدهيات ومسلمات عقيدة أهل السنة! وذلك أنه نسب الإفساد إلى آدم عليه السلام! وزعم وجود شكلين من القرآن! شكل نزل على الملائكة! وفيه الآية تختلف عن النص الذي أنزل على رسولنا محمد عليه السلام!

33) مسلمات في الدين، أو مسلمات في العقيدة

الموضوع مقتبسٌ من مقال للشيخ أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل ([311])

لماذا هذا المقال تحديداً؟  الجواب: ببساطة بحثت على (Google) تحت عنوان مسلمات في العقيدة فكان هذا العنوان أبرز نتائج البحث.  قرأت الموضوع فوجدت أنه ينطبق مع مسلمات كنتُ قد تعلمتُها.  أختلفت مع الكاتب في فهم آية؛ وهي قوله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) (هود:118-119). فيرى مفسّروا السلف أنّ الآية تتحدث عن اختلاف الأديان: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك.  واستثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان.

يقول الشيخ أ. د. ناصر حفظه الله: "والآن لنتحدث عما يتيسر مما هو معلوم بالضرورة من مسلمات الدين، التي لا يسع المسلم أن يجهلها، والتي تدخل تحت الفريضة الواجبة على كل مسلم ومسلمة.

 مصادر الدين هي الكتاب والسنة: ... الدين لا يستمد أبداً إلا من القرآن والسنة والإجماع المبني على القرآن والسنة، فيجب على كل مسلم أن يسلم قطعاً أنه لا يمكن أن يستمد الدين إلا من الكتاب والسنة."

ويؤسفني القول أنّني قد سمعت مئات الساعات من محاضرات د. نوفل، وأتحدى أن يكون فيها استشهاد بحديث واحد أو أكثر! بل وأتحدى أن يخلوا ولو عُشرُ هذه التسجيلات من الطعن بالأحاديث الثابتة أو الصحيحة!

وأتابع مع الشيخ أ. د. ناصر:

"إكمال الله تعالى للدين

من المسلمات: أن الدين هو ما شرعه الله وشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم.  ومن المسلمات: أن الله قد أكمل الدين، وهذا الكمال باق إلى قيام الساعة، منذ أن أنزل الله قوله عز وجل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة: 3)، والدين قد اكتمل بجزئياته وكلياته. ... قد يقول قائل: أليس باب الاجتهاد باق إلى قيام الساعة؟

نقول: نعم، الاجتهاد باق، لكن لا يمكن أن يصح حكم مبني على الاجتهاد إلا وله دليل من الكتاب والسنة، أو مبني على قاعدة استمدت من الكتاب والسنة، وهذه مسلمة لا بد منها، وإلا نكون قد فتحنا باب الأهواء في الدين، وانتقض اعتقادنا بأن الله أكمل الدين، وانتقض اعتقادنا بأن الله ختم النبوة، وانتقض اعتقادنا بأن الوحي قد انقطع. ... .

العمل بخبر الآحاد الصحيح في العقائد وغيرها

من المسلمات: أن كل ما جاء في كتاب الله، وكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير وجب قبوله، سواء كان من المتواتر أو من الآحاد؛ لأن أهل الأهواء خالفوا أهل السنة والجماعة، وخالفوا طريق الحق باعتقادهم أنه لا يصح اعتقاد شيء لم يثبت بالتواتر، وإذا قلنا بهذا المبدأ نقضنا أكثر الدين، والمقصود أن ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند صحيح وجب قبوله في الاعتقاد والعمل؛ لأن الكثير من أمور الدين انبنى على أحاديث الآحاد، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، .... إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أفراد الصحابة لتبليغ الدين ...، كما أرسل معاذاً إلى اليمن، وكما فعل الصحابةُ حينما بُلِّغُوا بتحويل القبلة إلى الكعبة فاتجهوا إلى الكعبة بخبر واحد، ثم إن الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلوا كثيراً من الدين بخبر الواحد من الصحابة، إذا روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً أخذوا به، وجعلوه من الدين، وعلى هذا فإن أكثر الدين فيما يتعلق بالأحكام مبني على أخبار الآحاد. فهذه من المسلمات."

وقبل أن أنتهي من استكمال بيان مسلمات الدين كما يراها مؤلف المقال الذي أقتبس عنه، أقول وللأسف: إنّ د. نوفل لا يعتبر السّنّة وحياً: ولقد صرّح بذلك من خلال ذكره لكتاب اسمه تيسير الوحيين فيقول: (تيسير الوحيين أنا عندي والله.  وحيين؟! أي لأه) ([312]).  وهو يصرّحُ أنّ الأحاديث ظنيّة الثبوت؛ فيقول د. نوفل: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([313]).  وهو يقدم العقل على السنة، ويعتبر أنّ الحكمة هي عقله وليست السنّة! يقول: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)، وحتى يضيّع البعض بركة الفهم قالوا: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والسنة، بهذه الطريقة نكون قد قضينا على طريقة الفهم تماماً، وقطعنا دابره نهائياً. هل المراد بالحكمة في الآية في سورة الأحزاب السنة؟ قولاً واحداً لا، ...، انما الحكمة أحسنية الفهم... الحكمة الفهم والفهم المناسب للنص الذي يضع الأمور في نصابها ومعاييرها.) ([314]).  نعم يتوهم د. نوفل أنّ عقله الفردي يرشده إلى ما هو أكمل وأصوب ممّا جاء في السنّة النبوية!  بل إنّ د. نوفل لا يستدلُّ مطلقاً بالأحاديث النبوية!  ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([315]).  بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([316])!  أقول: وهل خفي أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - مشرّع بأمر الله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى‏.‏ ولا يشرع من عند نفسه‏.‏  ‏وهل خفي أنّ الدين الذي تعبدنا الله به هو كلامه وكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط‏.‏

يقول د. نوفل في حديثه عن القرآن: "لن نفهم هذا الكلام العظيم إلاّ بالعقل، ورصيدنا من اللغة ورصيدنا من الفهم، والخبرة والتجربة والمطالعة.  كل هذا الرصيد به نفهم كلام الله. من غير هذا الرصيد مش حنفهم هذا الكلام.  رصيد من اللغة رصيد من القراءات: في الكون والتاريخ والجغرافيا والمعلومات حتى نستطيع أن نفهم هذا الكلام. لا بدّ من أرصدة تكون لديك وذخر في هذا العقل (مع وضع يده على رأسه)" ([317]).  ويقول أيضاً: "وسنشير ابتداءً الى معوقات الفهم الصحيح للتعامل مع كتاب الله، ويذكر عند النقطة العاشرة: عدم الاطلاع على المعارف الإنسانية والتاريخ الإنساني والاجتماع الإنساني: لظن البعض أن العقل المسلم مكتف بذاته، وهذا غير صحيح، إذ العقل يحتاج الى المعارف الإنسانية وهي مترابطة متشابكة يأخذ بعضها من بعض ـ فالمسلم غير معزول عن العالم ولا منبت ولا منقطع ـ نستفيد من معارف العالم الكونية والاجتماعية والإنسانية... الخ."انتهى كلامه.

أقول: أمّا السنّة فيرفض د. نوفل الاستدلال بها في التفسير

أسباب النزول

يقول د. نوفل: "أسباب النزول سبعة بالعشرة منها بده غربلة! خارج الغربال بده ننسفه نسفاً! بظل ثلاثة بالعشرة أسباب النزول معوان على فهم النازل. وليس تضييقا وتحديدا لمعنى النازل. إطلاقا لا أبدا لا.  "ولله المشرق والمغرب فأينما تكونوا فثم وجه الله"! ([318])

الردّ على د. نوفل:

الآية هي: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ( البقرة: 115). وليست كما قرأها د. نوفل: "ولله المشرق والمغرب فأينما تكونوا فثم وجه الله"!  فهذه القراءة وللأسف قد تعطي معناً كفريّاً !

يقول الطبري: "خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر، من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهها قبل بيت المقدس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مدة، ثم حولوا إلى الكعبة. فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال الله تبارك وتعالى لهم: المشارق والمغارب كلها لي، أصرف وجوه عبادي كيف أشاء منها، فحيثما تُوَلوا فثم وجه الله. "

أقول: هذا هو أحد أسباب نزول الآية، وهو أقوى وأصحّ سنداً من السبب الذي عرضه د. نوفل؛ إذ يقول: " الصحابة غمّ عليهم القبلة ذات غزوة فصلّوا هكذا وهكذا - مشيرا بيديه ذات اليمين وذات الشمال -  غيم ومطر شلون صليتوا الدنيا مطر لا فيه نجم يبين الشمال من الجنوب، صلاة الفجر ولا شمس صلينا بهذا الاتجاه وهضول (هؤلاء) قالوا بهذا الاتجاه إذا فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ." ( [319]).

الأحاديث في سبب نزول الآية:

 (كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُصَلِّي وَهو مُقْبِلٌ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ علَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كانَ وَجْهُهُ، قالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ }فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ{ (البقرة: 115). [وفي رواية]:، ثُمَّ تَلَا ابنُ عُمَرَ، }فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ{ (البقرة: 115)، وَقالَ في هذا: نَزَلَتْ.) ([320])

- (أوَّلُ ما نُسِخَ منَ القرآنِ - فيما ذُكِرَ لَنا واللَّهُ أعلمُ - شَأن القبلةِ. قال اللَّهُ تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فاستقبلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ وترَكَ البَيتَ العتيقَ، ثمَّ صرفَهُ اللَّه إلى بيتِهِ ونسخَها. فقالَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ([321]).

(بَعَث رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَرِيَّةً كُنتُ فيها فأصابَتْنا ظُلمةٌ، فلم نَعرِفِ القِبلةَ، فقالت طائفةٌ مِنَّا: قد عَرَفْنا القِبلةَ إلى هاهنا قِبَلَ الشَّمالِ، فصَلَّوا وخَطُّوا خُطوطًا، فلَمَّا أصبحوا وطلَعَت الشَّمسُ أضحَت تلك الخُطوطُ لغَيرِ القِبلةِ، فلَمَّا قفَلْنا مِن سَفَرِنا سأَلْنا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَكَت وأنزَلَ اللهُ عزَّ وجَلَّ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ{. ) ([322])

يقول د. نوفل: " أسباب النزول سبعة بالعشرة منها بده غربلة! خارج الغربال بده ننسفه نسفاً "، وانتهى به الحال ليعرض سببا لنزول هذه الآية هو أقل الأسباب رجوحاً من حيث قوة الحديث وصحة سنده!  ويتابع د. نوفل قائلاً: " إللي لُه أسباب نزول واحد بالمئة من الآيات أو أقل ... " (نفس الحلقة السابقة، الزمن - 8: 47).

ويقول د. نوفل:

"ربط النص بسبب نزول غير صحيح: كثير من أسباب النزول تشوش الفهم، من علمائنا من قال إن أسباب النزول تعين على فهم النص، وهذا كلام صحيح، لكن عندما يكون سبب النزول ملفّقاً تلفيقاً يصبح معيقاً ولا يكون معيناً على فهم النص.

"ربط الآية بحديث قد يصح، لكنه ليس بالضرورة تفسيراً لهذه الآية: فالحديث صحيح، لكن أهو تفسير لهذه الآية؟ حديث قد يصح وقد لا يصح، لكن لا علاقة له بالآية، هذا الربط أشكل فهم الآية، مثل قوله تعالى (يوم يُكشف عن ساق ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون). " ([323]).

أقول: يريد د. نوفل رصيدا من مختلف جوانب المعرفة حتى يُفسّر القرآن، ولم يذكر من ضمنها سنة الحبيب صلى الله عليه وسلّم! لا بل تجده يحرص على إقصائها!  وبالتالي فهذه مسلمة من مسلمات الدين لم يراعها د. نوفل!.

وأقول إنّ د. نوفل يتناقض مع نفسه: فتجده هنا يريد رصيدا من مختلف جوانب المعرفة حتى يُفسّر القرآن، وتجده في مكان آخر يقدم عقله على العقل الجمعي كما تنطق محاضراته وكتاباته! بل إنّهُ ليُصّرح بهذا حيث يقول: "'طالما ما حدش يتكلم إحنا كلنا مدركين إنّه الجلوس غلط.  لكن لأنه فكرنا بالعقل الجمعي، ما حدش يتكلم إذا أنا غلط، شكّينا كل واحد في نفسه، وصلت الرّسالة؟ قد تكون على الحقّ وإن كنت وحدك! بس إحنا غلّبنا العقل الجمعي على ثقتنا بأنفسنا .. وانا منكم، ناخذ درس" ([324]).

وأتابع مع الشيخ أ. د. ناصر:

"العمل بمقتضى الشهادتين

من المسلمات: أن رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلا يصح إسلام المسلم إلا بهما، ولا يصح إسلام الكافر إذا دخل الإسلام إلا بهما؛ فهي أصل الإسلام، ولا تصح ولا تعتبر الشهادتان إلا بشروطهما ...

قيام الدين على أركان وواجبات وشروط

... وذكر الكاتب مراتب الدين الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان. وقال: لا يصح إسلام المسلم إلا بأن يؤمن بأركان الإيمان الستة وما يندرج تحتها من الأصول، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله عز وجل.  هذه الأركان الستة لا تصح وحدها مجردة، لو أن إنساناً آمن بالله، لكنه أنكر أسماء الله وصفاته وأفعاله، وجحد ما يلزم لله عز وجل من التعظيم والتوقير والمحبة. ...

اتباع سبيل المؤمنين

من المسلمات: أن الدين إنما يتمثل بالسنة وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، والدين هو سبيل المؤمنين، وسبيل المؤمنين هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين من أئمة الهدى، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهم أهل السنة والجماعة، السلف الصالح، ومن خالف خالف السنة وخرج عن مقتضى الصراط وهو سبيل المؤمنين فهم نوعان: إن خرج بما يقتضي الردة فهو ليس من المسلمين، وإن خرج بما لا يقتضي الردة فهو يخرج من أهل السنة ولا يخرج من مسمى المسلمين".

قيام دعوة الرسل على عبادة الله عز وجل واجتناب الطاغوت

عدم قبول دين غير الإسلام

من المسلمات: أن الدين عند الله الإسلام، بحيث لا يقبل الله من البشر غير الإسلام، كما قال عز وجل: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) (آل عمران:19).  وقال سبحانه: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران:85).  وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره: (والله! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).

الإسلام هو دين الله في كل زمان بحسبه، فالإسلام في عهد جميع الأنبياء هو ما جاء به كل نبي، ثم الإسلام بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الدين، فليس الإسلام غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه، وهو هذا الدين المتمثل بالكتاب والسنة.

حكم تكفير الكفار الأصليين

من هذه المسلمات: أنه لا بد من الحكم بكفر الكافرين الخلص، وأنهم من أهل النار، فهذا أمر لا ينبغي أن يجادل فيه مسلم، الكافرون الخلص هم اليهود والنصارى وأصحاب جميع الديانات الوضعية والوثنية كل من لم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويدخل في ذلك المنافقون الخلص، ويدخل في ذلك المرتدون، هؤلاء يدخلون في حكم الكفر الخالص، وأنهم من أهل النار، وهذا الحكم إجمالي لا يتعلق بمعين؛ لأن المعين لا نعلم على أي حال لقي الله عز وجل.  إذاً: الأصل في المسلمين الإسلام، والأصل في الكفار الكفر، ولا ينبغي للإنسان أن يجادل في هذه المسلمة إلا بما يحكم به أهل العلم على ضوء قواعد الشرع.

 عدم عصمة أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم

من المسلمات: أنه لا عصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ليس من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم من هو معصوم، يؤخذ قوله بلا عرض على الكتاب والسنة، بل كل أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم قد يقع في الخطأ والزلة، حتى العلماء الكبار قد يقعون في بعض الزلات؛ ليسوا معصومين ..."

وأقول اسمع تناقض د. أحمد نوفل إذ يقول: "فيش تجميع فيه لخبطيشن مختصر الكلام الأنبياء لو كانوا معصومين بمعنى المنع الإلهي أن يقعوا في الذنوب من فوق لانتهت الأسوة " ([325]).

وأتابع مع الشيخ أ. د. ناصر:

"عدم اجتماع الأمة على ضلالة

... ولو افترض أن يخفى الحق أو تخفى السنة أو تعم البدعة لضاع الدين بذلك، ووقع عليه اللبس والشك، وهذا لا يمكن أبداً، ولاحتاج الناس إلى النبوة وإلى الوحي، وهذا لا يمكن أبداً.

ولا أدر أين مقولة د. نوفل "... المسلمين في تخلف ومحتاجون أن نؤسس في عقولهم البدهيات "([326]) من المسلّمة (عدم اجتماع الأمة على ضلالة)؟!

الأصل التوحيد والفطرة لا الشرك والضلال

من المسلمات: أن الأصل التوحيد والفطرة، وأن الشرك والضلال أمور تطرأ على البشر، إنّ الله عز وجل جعل آدم على الفطرة وعلى الدين القويم، بل كان نبياً وكذلك كان أبناؤه الأولون على الفطرة وعلى الدين القويم، وإن حدثت منهم أخطاء، ولم يكن الشرك إلا بعد أحقاب طويلة بعد آدم عليه السلام، وكذلك (الأصل) في الأفراد الفطرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة(كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، هذه الفطرة إجمالية ليست تفصيلية، فلا يفطر أحد على معرفة تفاصيل الدين، لكن يفطر على قبول الحق والهدى والفضيلة والخلق القويم، ثم بعد ذلك التربية إما أن تنشئه على العمل الصالح والعقيدة السليمة، وإما أن تنشئه على غير ذلك كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال: (خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين).

 ضرورة فهم العقيدة والدين بمقتضى النصوص الشرعية وفق منهج الاستدلال

من المسلمات: أن فهم العقيدة وسائر أمور الدين لا يمكن أن يكون إلا على مقتضى النصوص الشرعية، وعلى منهج الاستدلال الصحيح، لكن ليس لكل أحد أن يتناول نصوص الشرع ثم يقول أنا أفهم معناها ومقتضاها، لا؛ لأن الدين يقوم على الاتباع والاهتداء والاقتداء، ويقوم على الأصول والضوابط والشروط التي جاءت في الاجتهاد، ففهم الدين إنما يقوم على منهج كسائر العلوم الأخرى، بل هو أولى؛ لأن الخوض في الدين بغير علم وعلى غير أساس من المنهج السليم هو القول على الله بغير علم، فلا بد أن تفهم العقيدة وسائر أمور الدين على منهج شرعي وفق استدلال السلف، وأعني بذلك أن فهم الدين على نوعين: الأول: فطري وبديهي، الثاني: يحتاج إلى استنتاج من الكتاب والسنة على ضوء قواعد الاجتهاد، وليس لكل أحد أن يجتهد في الدين بمجرد رأيه وبمجرد مزاجه؛ لأن الله عز وجل قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)  (النحل:43)، وقال سبحانه: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83)، وهم العلماء، ولذلك نوه الله عز وجل عن الراسخين، وأنهم هم الذين يعلمون ما أشكل من كثير مما ورد في نصوص الكتاب والسنة، ولأن الله عز وجل أخبرنا بطائفة من أهل الزيغ والضلال يتبعون ما تشابه من نصوص الشرع، كما قال سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ) (آل عمران:7). بالوقف على لفظ الجلالة، وفي قراءة أخرى صحيحة بالوصل: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) .

بينما يؤكد د. نوفل على عدم الوقوف على اسم الجلالة (اللَّهُ ۗ) فيطلب الوصل في قراءة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).  ويقول للإمام حبذا لو قرأت بالوصل.  بل ويؤكد على عدم وجود آيات متشابهة في القرآن محتجّاً بأن ابن عباس يعلم كلّ آية فيما أنزلت! ([327]). أنظر كذلك المحاضرة ([328])؛ إذ يقول وبالعامّيّة: "(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) غلط! إذاً شو استفدنا من القرآن".  ويصرُّ على نفي وجود المتشابه في آي القرآن ([329]).  ويقول مشيراً بكلتا يديه إلى صدره "ابن عباس كان يقول أنا من الراسخين في العلم أعلم تأويله اسألوني. ما فيه آية كان يقول أنا بعرفهاش والله!... في القرآن ما فيه متشابه على أولي العلم، فيه متشابه على اللي ما عنده علم! ما فيه متشابه. ... ابن عباس عنده المتشابه صفر. !." هذا الكلام وبالعامّيّة وبالحرف هو كلام د. نوفل ([330]).  وهذا القول الذي يستشهد به وينسبه لإبن عباس لا يرتقي سنده إلى الصحيح ([331])! لكن د. نوفل الذي غالباً ما يردّ أحاديث متفق على صحتها! يستشهدُ به كثيراً!

يقول تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (الأعراف: 53) .

تفسير الطبري: " هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ"، قال: " تَأْوِيلَهُ "أي: عاقبته، ثوابه، جزاؤه، عواقبه، مثل وقعة بدر، والقيامة وما وعد فيها من موعد.  " تَأْوِيلَهُ "أي: حقيقته، فلا يزال يقع من تأويله أمرٌ بعد أمر، حتى يتم تأويله يوم القيامة، ففي ذلك أنـزل: " هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ "، حيث أثابَ الله تبارك وتعالى أولياءَه وأعداءه ثواب أعمالهم. يقول يومئذ الذين نسوه من قبل: " قد قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ "، الآية.

تفسير ابن كثير: "(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) أي: ما وعد من العذاب والنكال والجنة والنار. قاله مجاهد وغير واحد.  وقال مالك: ثوابه. وقال الربيع: لا يزال يجيء تأويله أمر، حتى يتم يوم الحساب، حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ.  ( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي: يوم القيامة، قاله ابن عباس - ( يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ) أي: تركوا العمل به، وتناسوه في الدار الدنيا: (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا) أي: في خلاصنا مما نحن فيه، ( أَوْ نُرَدُّ) إلى الدار الدنيا ( فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) كما قال تعالى: ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) [ الأنعام: 27، 28 ] كما قال هاهنا: ( قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: قد خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيه، ( وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله فلا ينصرونهم، ولا يشفعون لهم ولا ينقذونهم مما هم فيه ."

تفسير القرطبي: " ... أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب. وقيل: ينظرون من النظر إلى يوم القيامة. فالكناية في تأويله ترجع إلى الكتاب. وعاقبة الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب. وقال مجاهد: تأويله جزاؤه، أي جزاء تكذيبهم بالكتاب. قال قتادة: تأويله عاقبته. والمعنى متقارب. يوم يأتي تأويله أي تبدو عواقبه يوم القيامة. ... "

وأعود إلى كلام الشيخ الدكتور ناصر العقل: "إذاً: هناك جزء كبير من أمور الدين ليس لكل أحد أن يتناوله ما لم تتوافر فيه الشروط والضوابط الشرعية باجتهاد..... ومع ذلك الجرأة على الدين وعلى العلوم الشرعية كثرت، مع أنها أولى أن تحترم، وأن يرجع فيها إلى أهل الاختصاص، الدين علم من العلوم التي ينبغي أن تؤخذ على أصولها ومناهجها وقواعدها وشروطها، وإلا لماذا أرشدنا الله عز وجل إلى سؤال أهل الذكر، وإلى الرجوع إلى الراسخين، وإلى احترام العلماء، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن العلماء هم ورثة الأنبياء، وأخبر بأن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، إنما ورثوا العلم، وهو الدين. وبمقتضى المغايرة، فليس هنالك علمٌ يرتجى عند الّذين يردون الحديث الشريف ولا يعتبرونه حجّة.  بل يبلغ بأحدهم أن يحاول فهم العقيدة وحتى فلسفة المعجزة بعقله ومع الحرص على إبعاد وإقصاء الأحاديث الثابتة والصحيحة!.

 وجوب التزام السنة والجماعة وعدم التفرق في الدين

من المسلمات في الدين: أنه لا يجوز التفرق في الدين، ويجب التزام السنة والجماعة، كما أمر الله عز وجل: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:103).

 والافتراق واقع في هذه الأمة، فحين نهانا الله عن التفرق في الدين، فقد أخبرنا أن التفرق سيكون، فالافتراق واقع لا شك، لكن لا يعني ذلك أن جميع الأمة ستقع في الافتراق، بل لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن الافتراق أخبر أن طائفة تبقى على الحق ظاهرين وهم الجماعة وهم أهل السنة، ولما سأله الصحابة عن هؤلاء: من هم؟ قال: من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي، وبهذا نعرف تميز أهل السنة والجماعة بهذا الوصف.

 إذاً: الافتراق واقع في طوائف من المسلمين، وقد يكون في الأكثرية؛ لأن الإسلام قد يكون في غربة أحياناً، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الدين سيعود غريباً كما بدأ غريباً، والغربة نسبية قد تكون في زمن دون زمن، وفي مكان دون مكان، لكن لا يمكن أن ينمحي الدين بالكلية أبداً، لا بد أن يبقى أهل السنة وأهل الحق وهم الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد أن يبقوا إلى قيام الساعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم حتى تقوم الساعة)، وهم الذين يقاتلون الدجال ويقاتلون مع المهدي ومع عيسى عليه السلام، وبعد أن تقبض أرواحهم لا يبقى بعدهم إلا شرار الخلق مدة يسيرة ثم تنتهي الدنيا وتقوم الساعة.

 وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ، قُلْنا: يا رَسولَ اللَّهِ، اليَهُودُ والنَّصارَى؟ قالَ: فَمَنْ.) ([332]). وفي بعض الروايات:  (حذوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ). وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلاً قال: (حتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ) يعني: طوائف من الأمة، وليس كلهم.  وأقول هاهم العربان اليوم يدورون في فلك الدولة الصهيونية!.

 ومن يبقى على الحق هم أهل الحق، هم الذين على السنة، ولذلك سموا أهل السنة، وهم الجماعة المعتصمون بحبل الله، ولذلك سموا الجماعة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الأهوال والفتن، قال: (عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي، عضُّوا عليها بالنَّواجذِ) وقال: (عليكم بالجماعة؛ فإن يدَ الله مع الجماعة) .. إلى آخره من النصوص التي تدل أن الجماعة لا بد أن تبقى وإن قلّت، ولا بد أن تظهر السنة وإن قل أهلها، وهم الذين على السنة على منهج السلف الصالح، وهم الطائفة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم أنها على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك: (تركتُكم على الواضحةِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها إلَّا جاحدٌ، وعليكم بسُنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ الهادينَ عضُّوا عليها بالنَّواجذِ ([333]).

إذاً: على كل مسلم أن يحفظ نفسه من الوقوع في الأهواء ويحذرها، وإلا فالشرور والأهوال والبدع والافتراق لا بد أن تحدث إلى قيام الساعة وتتجدد أيضاً، لكن ينبغي أن يعلم أن المفارقين للسنة والجماعة على صنفين:

 الصنف الأول: الذين يخرجون من الملة، نسأل الله العافية، فهؤلاء لا يُعدّون من فرق المسلمين الثنتين (الثلاث) والسبعين فرقة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (... وإنَّ هذهِ المِلَّةَ ستَفترِقُ على ثلاثٍ وسبعين: ثِنتانِ وسبعونَ في النَّارِ، وواحدةٌ في الجنَّةِ، وهيَ الجماعةُ ...) ([334]). وبالمناسبة فإنّ د. نوفل يقول عن هذا الحديث: "أنه مزق الأمة ... ولا يصحّ سنداً ... وهذا الحديث مصيبة"!! ([335]).

يتابع الشيخ ناصر قوله: "وهذه الواحدة هي أهل السنة والجماعة، لكن الفرق التي تفارق الجماعة إلى أمر يخرجها من الملة ليست من الفرق الثنتين والسبعين المتوعدة، ومن هؤلاء الذين يخرجون من الملة: غلاة الجهمية، الرافضة الباطنية، الفلاسفة، أهل الردة، المنافقون الخُلّص.. ونحو هؤلاء، هؤلاء لا يعدون -وإن انتسبوا للإسلام- من فرق المسلمين، لكن الذين خالفوا السنة بالبدع والأهواء والافتراق، ولم يقعوا فيما يُخْرجُ من الملة، وهم الأكثرية من فرق المسلمين الثنتين والسبعين، هؤلاء من المسلمين، لكنهم ضلوا، يسمون: أهل الأهواء، ويسمون أهل البدع، ويسمون: أهل الافتراق، ويسمون: أهل الوعيد، وأعمالهم وأفعالهم هي من كبائر الذنوب، ويخشى على الواحد منهم إذا لم يتب أن يدخل النار إذا لم يتغمده الله برحمته.

أقول: إن الفرق الثنتين والسبعين مثل: فرق الخوارج، والمرجئة، وبعض فرق القدرية، وأكثر المعتزلة، وأهل الكلام، ومتكلمة الأشاعرة، والماتريدية، وأكثر الفرق التي تعد من فرق المسلمين لا تخرج من الدين، وإنما تعد من الفرق المخالفة للسنة لا الخارجة عن الإسلام.

 ينبغي أن يكون هذا الأمر من المسلمات؛ لأنه محل اتفاق عند أئمة السلف المحققين لم يخالف فيه إلا بعض من يجهلون هذه القاعدة من المتأخرين، لكن بعض هذه الفرق التي سميتها وغيرها قد يكون من أفرادها من يغلو أو يتعصب ويرد نصوص الكتاب والسنة، فهذا يخرج من الملة، لكن الكلام على عموم هذه الفرق، فهؤلاء لا يخرجون من الملة إلا إذا ارتكبوا ما يقتضي خروجهم، بمقتضى اجتهاد المحققين من أئمة الدين.  فليس لكل أحد أن يتناول مسألة التكفير بمجرد رأيه، ولم تتوافر فيه شروط الأصول في العلم.

 التباس طريق السنة الواضح على كثير من الناس

من المسلمات: أن طريق السنة مع وضوحه ومع جلائه، ومع أنه هو مقتضى الوحي الذي أنزله الله فسماه النبي صلى الله عليه وسلم: الصراط المستقيم، وسماه الله عز وجل: حبل الله، فرغم وضوح السنة ورغم وضوح الدين ونهج السلف الصالح، إلا أنه من المسلمات التي قد تلتبس على بعض المسلمين وعلى أهل الأهواء والابتداع والافتراق؛ وذلك أن الهداية هي لله عز وجل، فلا أحد من الناس ينفعه ذكاؤه ولا مقدرته ولا مواهبه مهما قويت ولا علمه إذا لم يوفقه الله للسنة والحق.

 فعلى هذا نتأمل هذه المسألة تأمل اعتبار وعظة وعبرة، وندرك مدى وصية النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك)، وأن يسأل المسلم ربه العافية دائماً، وأن يعتصم بالله ويدعوه بأن يوفقه ويثبته؛ لأن أي بشر مهما توافرت عنده المواهب والقدرات إذا لم يوفقه الله عز وجل فإنه قد ينتكس عن السنة وتخفى عليه، وقد يظن الباطلَ أنه الحق، ولذلك أشير إلى ظاهرة في الآونة الأخيرة: ظاهرة الخروج عن السنة من قبل بعض المتعالمين والمغرورين من المثقفين..، فلا يمكن أن يَضِلّ مثل هؤلاء إلا عن دفينة في قلوبهم، والله أعلم بما في القلوب؛ لأن من يتق الله يجعل له مخرجاً، لكن هؤلاء لا بد أن يكون عندهم خلل فعميت بصائرهم عن الحق نسأل الله العافية.

 عدم اختلاف أهل السنة والجماعة في أصل من أصول الدين: "من البديهيات ومن المسلمات: أن أهل السنة والجماعة الذين يتمثل فيهم سبيل المؤمنين، والذين هم على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته إلى قيام الساعة، أنهم لا يختلفون في أصل من أصول الدين أبداً، وليس عندهم خلاف في قضايا العقيدة إطلاقاً، وهذه مسلمة أتحدى من يأتي بخلافها، لكن قد توجد بعض المسائل ملحقة بأصول العقيدة، وهي ليست من الأصول يختلف عليها السلف، تذكر من الناحية العلمية فقط، مثلاً: السلف لا يشكون أبداً بوقوع الرؤية العينية من قبل المؤمنين لربهم في الجنة، نسأل الله أن يمتعنا بذلك جميعاً، ولكن مع ذلك اختلفوا في الرؤية العامة في يوم المحشر مع أنها ثابتة قطعاً، لكن اختلفوا هل هي بالعين أم بالقلب؟ بينما رؤية المؤمنين لربهم في الجنة ثابتة بالعين لا شك في ذلك، وليس عند السلف اختلاف في ذلك، لكن هناك خلاف في نوع الرؤية العامة لا في أصلها.

أقول وللأسف أنّ د. نوفل ينكر هذه الرؤية العامة في يوم المحشر؛ فيقول: (وما ثمّ ساق ولا قَدَم، وإنما هي كفاية (كناية) كما في قولهم حزمت الأمور، "شمّرت الحرب عن ساقها" وهل للحرب ساق؟. وهكذا...) ([336]).  ويمكن كذلك سماعُ انكارهِ صفتي السّاق والقَدَم من خلال محاضرته على الرابط في الحاشية: ([337]).

أيضاً السلف ألحقوا كثيراً من المسائل بأصول العقيدة، واختلفوا في هذه الملحقات الفرعية لهذه الأصول، ولذلك هذه ميزة يدركها من بصره الله ووفقه للحق: أن أهل السنة بحمد الله إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة لا يختلفون في أصل من أصول الدين إطلاقاً، وليس عندهم أصل من الأصول ليس عليه دليل ...

إذاً: أهل السنة لا يختلفون في أصل من أصول الدين، لكن مع ذلك قد يكون من بعض أفراد أهل السنة حتى من العلماء من تكون له أقوال شاذة، لكن ليست محسوبة على العقيدة، قد تكون منهم مواقف شاذة من أفرادهم لا من جملتهم، أما في الجملة فهم معصومون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالةلكن أفرادهم ليسوا بمعصومين، فقد يقع إمام من أهل السنة في زلة في عقيدة أو في قول أو في موقف أو في خلق أو في تعامل مع الآخرين، فالدين بريء من هذه الزلات، والسنة بريئة منها، لذلك لا نجد أصلاً من أصول السنة إلا وهو متفق عليه، وما لم يتفق عليه فليس بأصل، وما ليس له دليل من الكتاب والسنة فليس بأصل، وما أثاره أولئك الملبسون الذين أشرت إليهم من أن أهل السنة يستدلون بالضعيف والمرجوح، هذه مهزلة، لا يجب أن تنطلي على أحد، فهم خلطوا بين الاستدلال وبين وجود الأحاديث الضعيفة والموضوعة في بعض كتب أهل السنة، نعم، قد توجد في كتب أهل السنة أحاديث ضعيفة، لكن ليست أدلة، إنما جاءت عند بعض السلف الذين ظنوا أنها صحيحة، أو عرفوا أنها ضعيفة، لكن جاءوا بها للاعتضاد، مثلما تجيش جيوشاً من القادة المدربين ومن عامة الناس غير المدربين، فالأصل والعمدة هم أولئك المدربون القادة، فهم الذين يعتمد عليهم بعد الله عز وجل في القيادة، فكذلك النصوص الشرعية لا يؤخذ منها في الدين إلا ما كان صحيحاً، وما لم يصح قد يستدل به بعض الأئمة من باب الاعتضاد لا من باب الاعتماد، فليس عند أهل السنة ولا أقرانهم استدلال على أصل من أصول الدين القطعية بدليل ضعيف، لكن يستدلون بالآية وبالحديث الصحيح، ثم قد يأتون بأدلة ضعيفة من باب الاعتضاد؛ لأنها محتملة الصحة، كذلك من الأحاديث الموضوعة بعض الأئمة قد يرى صحته فيرويه، وغيره يرى أنه موضوع، فقد نحكم على هذا الحديث بأنه موضوع، ومن يرويه يرى أنه ضعيف.

 أقول: وقع من بعض المسلمين من يزعم أن أهل السنة يستدلون بهذه الأحاديث الضعيفة، وأنه وجدت في كتبهم الأحاديث الضعيفة، نقول: نعم، توجد أحاديث ضعيفة خاصة في غير الصحيحين، مثل السنن فيها أحاديث ضعيفة، لكن ليست عمدة في الاستدلال، ولذلك في القضايا الاجتهادية يرى بعض أئمة السلف أن الحديث الضعيف يعمل به في باب الآداب والأحكام لا في العقيدة، فالأحكام التي لا نجد لها دليلاً صريحاً نعيدها لقواعد الشرع ونؤيد هذه القواعد بالحديث الضعيف، وهذا قول صائب، والقول الصائب من الحكمة، والحكمة ضالة المؤمن.

إذاً: أعود وأقول: أهل السنة لا يستدلون بالحديث الضعيف ولا بالمنامات ولا الحكايات، ولا الكرامات.. ولا غيرها في الأصول، إنما يأتون بهذه الأحاديث الضعيفة في كتبهم من باب الاعتضاد ومن باب حشد النصوص، لا من باب الاعتماد على غير الصحيح."

أقول وللأسف أنّ د. نوفل يطالب وبإصرار بترك الاستدلال بالسّنّة؛ للحجة الواهية التي ناقشها الكاتب وفنّدها! وهي أنّ بعض كتب السنّة فيها بعض الروايات الضعيفة!.  نعم د. نوفل يصرّ على إقصاء السنّة حيث يقول: "التفسير بالعقل أبويه ... رواه رواه رواه رواه وهي لا تنسجم مع دينّا"! ([338]).  ويقول د. نوفل: "أحياناً شبك السنة مع النص القرآني (كمّل!) بجيب إشكال "! ([339]).  بل ويزعم د. نوفل أنّ "تسعة أعشار الروايات في مهب الريح؛ تصح أو لا تصح" ([340]).

ولقد ذكر فضيلة الشيخ أ. د. ناصر بن عبد الكريم العقل مسلمات أخرى في العقيدة؛ أكتفي هنا بذكر عناويتها ومن غير سرد شرحها الذي كتبه الشيخ.  وهذه المسلمات  هي:

لا يصح إيمان المسلم حتى يستقر الإيمان في قلبه .

الرضا بحكم الله عز وجل وشرعه وقدره .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

التزام جماعة السنة والسمع والطاعة لولاة الأمر المؤمنين بالمعروف .

ضرورة التزام أصول الدين التي عليها أهل السنة والجماعة .

براءة السلف الصالح من الأهواء والبدع .

محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تميز منهج أهل السنة عن سائر المناهج الضالة .

براءة أهل السنة والجماعة مما وصفهم به خصومهم .

الخلاصة

وماذا بعد أن أثار دكتور نوفل حفيظة المسلمين مناصري السّنّة؟  هل غيّر د. نوفل في خطابه؟!

الدكتور نوفل لم يفد من الرّدود عليه!  بل هو يصرّ على عدم الإفادة حين تجده يكرّر أخطاءَهُ نفسها:

 ما يزال د. نوفل يستخدم الكلمة "حجّي" في معرض السخرية والاستهزاء؛ يقول: "أفلام يا حجّي! أنتوا مع بشار حجّي"! ([341]).  ويقول: "قال يعني بكفيكم إحكاية التعدّد وتخرفوا أه اه الغرب معدّد بالحرام يا حجّي هيه، إنت يا مفتون ما فيه واحد غربي مكتفي بواحده..." ([342]).  سؤال: هل كلمة مفتون بدل من كلمة حجّي في كلام د. نوفل؟!.  ويقول د. نوفل: "موه التوحيد كلام.  توحيد الأسماء والصفات سمّع ياه سمعلي يآه مش تسميع التوحيد، التوحيد أن أحيا به  .... التوحيد موه تسميع حجّي!  " ([343]).

كما وإنّ د. نوفل يعاود ويكرّر استخدامه لكلمة شيخ في معرض السخرية والاستهزاء!.  يقول: " يأجوج ومأجوج همه يا شيخ محطوطين في خزان تحت الأرض سيبك من التصورات... " ([344]).  ويقول د. نوفل: "برامج تلفزيونية قال بتقعد مذيعة كتفها عريان يمين أو شمال وأحياناً الكتفين عريانين نيلة تنيّل عيشتكم يا شيخ" ([345]).  يقول: "أو لويش الفلسفة كورونا وضربت العالم إح إح أو هاظا (هذا) هو واخلصنا يا شيخ ..." ([346]).

يقول ابن باز رحمه الله تعالى: "وقد صحت وتواترت هذه الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزول المسيح ابن مريم من السماء في آخر الزمان، ومن خروج يأجوج ومأجوج .... " ([347]) .

يعود د. نوفل مجدّداً ليكرّر إنكاره يأجوج ومأجوج أو ليقدّم تصوراته المغلوطة عنهم: " ... يأجوج ومأجوج همه يا شيخ محطوطين في خزان تحت الأرض سيبك من التصورات ؟! ... مش ملاحظ إنه يأجوج اسم فاعل ومأجوج اسم مفعول ...  ما فيه ناس مخبّاية!  ...  نحن عندنا التصوّر الحقّ ....  أنا بشرح مش بسرح ... ألخ " ([348]).  والحقيقة أنّ كلمة يأجوج على وزن (فاعول)؛ وليست على وزن فاعل كما خُيّل للدكتور نوفل ([349]).

لا يزال د. نوفل يتهجم على المدافعين عن السنة: يقول: " يعني تهزأ بالسنة؟!.  شوف التصيد؟!  مش بالماء العكر، المصطنع والمفتعل والمدّعى " ([350]).  يا دكتور نوفل: أتحدى أن يكون لكم أيّ تسجيل تستشهدون له بحديث صحيح! بل أنتم غالباً ما تثيرون الشبهات حول الكثير من الأحاديث في الصحيحين!.

لا يزال د. نوفل يتهجم على كتب التفاسير: يقول: " ... هذه التفاسير السقيمة.."! ([351]).

ما يزال د. نوفل يقحم الفيزياء في حديثه:  يسترسل في حديث غير علمي عن الثقوب السوداء ([352])! ليتساءل قائلاً: "ما علاقة الوضع السياسي التياسي بالثقوب السوداء !"... ألخ.

الآية الكريمة: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) ( القصص: 71- 72)

قد يصبح النهار سرمديّاً والليل كذلك عندما ينطبق محور دوران الأرض حول نفسها مع الخط الواصل بين الأرض والشمس.  هذا وقد يصبح النهار سرمديّاً في حالة ما يسمى (synchronous rotation)؛ حيث يتساوى اليوم والسنة.  أي يكون زمن دورة الأرض حول محورها (طول اليوم) يساوي زمن دورة الأرض حول الشمس (طول السنة).  فلا يتغيّر الجزء من الأرض الذي يقابل الشمس (النهار سرمداً)، ولا يتغيّر الجزء الباقي الذي لا يصله ضوء الشمس (الليل سرمداً).

توضّح الأبحاث الفلكيّة أنّ معظم الكواكب التي ترتبط بنجوم مثل شمسنا ويكون بعدها عن شمسها أقل من 0.15AU (حيث AU بعد الأرض عن الشّمس) تكون قيم التغاير المركزي لمداراتها (eccentricities) أقل من 0.05.  وبالتالي، يفترض تزامن دورة هذه الكواكب حول نفسها مع زمن دورانها حول نجمها (rotate synchronously with their orbital period)وبالتالي فإنَّ نفس الوجه من الكوكب هو الّذي يقابل نجمه دائماً (Bodenheimer et al 2001).

وبيّنت الأحاديث أن هذا الأمر سيحصل للكرة الأرضيّة يوم القيامة، إذْ ستقترب الأرض كثيراً من الشّمس، بحيث تتزامن دورة الأرض حول نفسها مع زمن دورانها حول الشّمس، وبالتالي فإنَّ نفس الوجه من الأرض هو الّذي يقابل الشّمس دائماً، وهذا يصدّقه القرآن والأحاديث التي أكّدت أنّ طول يوم القيامة خمسين ألف سنة .

ويقدم د. نوفل فهماً غير فيزيائي؛ يقول: "أو الأرض كلها معتمة؛ ما هياش في مدار الشمس! خارج مدار الشمس واشوه المشكلة على الله يسير"   ([353]).  وأقول: لقد كان بوسع د. نوفل أن لا يقحم نفسه في تقديم التفسير الفيزيائي.  وكذلك فإنّ جملته "ما هياش في مدار الشمس! خارج مدار الشمس! " غير صحيحة حتى من حيث الصياغة اللغوية! فلعله أراد المعنى أنّ الأرض خارج نطاق المجموعة الشمسية ولا تدور حول الشمس!  وحتى هذا الفهم يناقض القوانين؛ حيث تتبع الكواكب لنجومها.

عبارته: (والقوانين فيها (الفيزياء) مش بالملايين بالمليارات من الذرّة إلى المجرّة).  إذاً يا دكتور نوفل لماذا تتحدث في علم الكون والفيزياء في معرض المحاولات التفسيرية؛ والقوانين فيها بالمليارات؟! وأنت لا تعرف شيئاً عن هذه القوانين؛ ولماذا تحاول وبطريقة غير سليمة ضرب الأمثلة الفيزيائية الصعبة في محاولاتكم التفسيرية؟!  أليس الأولى تركيز جهدكم في تحضير مادّة التفسير وتصويب المنهجيّة؟!

ومن أخطائه اللغوية وفي نفس الحلقة، "يقول عن الليل والنهار نحن محتاجونهما !" (الزمن: 17:18).  ومن أخطائه اللغوية وفي نفس الحلقة قوله: "لكن نحن من بني سِرحان" (الزمن: 29:20).  والصوابُ يا د. نوفل أن تقول سَرْحان؛ وليس سِرحان.  ومن الغرائب ذكره كلمة مستحيل مع ترجمتها، لكن ليس بالانكليزية هذه المرّة، وإنّما بالفرنسية؛ على حدّ قوله! (الزمن: 33:55) .

عبارته: (يعني كيف ألله تعالى كيف ألله خلق الأرض كيف خلق السماوات كيف خلق آدم هذه المعلومات ما بجيبها العقل من عند نفسه).  أقول: لعلّ عبارة د. نوفل تتناقض مع نفس الآية: (فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)؟.  وهاهم علماء الكون والفلك والفيزياء؛ ومن حيث لا يشعرون؛ يحاولون غاية وسعهم خدمة الآية الكريمة: (فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)، وخدمة سائر الآيات التي موضوعها خلق الكون.

يقول د. نوفل: (بالدين وبالعقل معاً ننهض إخواني إياكم أن يخدعوكم ويمكن يخدعوكم باسم الدين العقل لا جنّبلي الدين يا عشان يقودونا كقطيع الغنم باسم الدين لا وانت شايف بعض المشايخ big names كما يقولون عم عم بزينوا الواقع الرديء وبدافعوا عنه دفاع المستميت مقابل بدهاش شرح!).

عبارته: (بعض المشايخ big names كما يقولون عم عم بزينوا الواقع الرديء): أقول سحقاً وبعداً للعلماء الذين يبيعون آخرتهم بدنياهم كما وضّح د. نوفل (مقابل بدهاش شرح!).  وأتفق مع د. نوفل بقوله نعم: (بالدين وبالعقل معاً)؛ وبالتالي سحقا وبعداً أيضا لمن يريدون اليوم تحييد سنة الرسول صلى الله عليه وسلّم؛ وانت شايف بعض المشايخ big names كما يقولون.  وسحقاً وبعداً أيضا لمن يرُدّون أحاديث الصحيحين لأنّ عقولهم القاصرة لم تستوعبها! ولم تستوعب حفظ السنّة وحُجِّيّتها.

عبارة د. نوفل: (ويمكن يخدعوكم باسم الدين العقل لا جنّبلي الدين يا عشان يقودونا كقطيع الغنم باسم الدين لا).  أقول: هذه العبارة غير صحيحة من حيث الصياغة! وألله أعلمُ بمراد د. نوفل منها وحول ماذا كان يحوم.  ومن غيرما ذكر لاسم صاحب هذه العبارة (د. نوفل)، فقد سألت أستاذ دكتور في اللغة العربية: "هل هذه العبارة سليمة؟"، فأجاب: "هذا ليس عربي"!. 

وأقول: حبذا لو أنّ د. نوفل بدلا من أن يشغل نفسه في الترجمات (انكليزي، فرنسي)، وبدلا من أن يشغل نفسه بمحاولات يائسة للحديث بما ليس له به أدنى علم من مواضيع الفلك والفيزياء! حبذا لو يشغل نفسه بالتحضير والتأصيل لتفسير الآيات حتى يجنب نفسه الأخطاء الجوهرية والمنهجية؛ والتي تصل أحياناً إلى مخالفة صريح القرآن! بل ومخالفة عقيدة أهل السّنّة!.

ما يزال د. نوفل يصر على زوال إسرائيل (عام 2022): " ... أقول ستسمعون زوال إسرائيل على لسان مجموعة من كبار قادة الموساد ... " ([354]).  ولا يزال د. نوفل يكرّر ذكر رقمين: عدد آيات سورة الإسراء (111) وعدد آيات سورة يوسف (111)؛ ليصرح بحتمية زوال إسرائيل عام (2022 م)! ([355]).  وكذلك المرجع ([356]).

يعود د. نوفل ليكرّر إنكاره يأجوج ومأجوج أو ليقدّم تصوراته المغلوطة عنهم: " ... يأجوج ومأجوج همه يا شيخ محطوطين في خزان تحت الأرض سيبك من التصورات ؟! ... مش ملاحظ إنه يأجوج اسم فاعل ومأجوج اسم مفعول ...  ما فيه ناس مخبّاية!  ...  نحن عندنا التصوّر الحقّ ....  أنا بشرح مش بسرح ... ألخ " ([357]).  يعود د. نوفل ليطرح نفس تصوراته المغلوطة في قضية عقدية (يأجوج ومأجوج) تحسمها الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم! ولقد سبق تفنيد تصوراته والرّدّ عليها.

المهم بيانه هنا هو أنّ د. نوفل يستعلي على أن يسمع لأحد، وخاصةً إن استدل بصحيحي البخاري ومسلم!.  وعليه، فإنّني أكرّرُ القول: دَوْرُ مَصْدَرَيّ الدين (القرآن والسنة معاً) أن يستخدما ويعتمدا من أجل أن ينتظم العقل وينسجم العقل إذا ما فُعّل.  وأما العقول التي لا تستشهد بالأحاديث النبوية؛ بل وتصرُّ على إقصائها! بل وتقحم نفسها الحديث في شتّى مجالات المعرفة! فإنّها غالباّ ما تخرج تخرج عن السّويّة والله.

وإنّه لمن الخطورة بمكان أن يصبح الهمّ معاداة نصوص السّنّة! والزعم أنّها ليست الحكمة! وأنّها لا تنسجم مع العقل! وأنّها ليست وحياً!.  وأتساءل: هل أقوال وأفعال الرسول إلاّ السّنة؟!  وهل يوجد نموذج للإقتداء به أفضل من نموذج الرسول الذي يوحى إليه؟! وهل يوجد من فَهِمَ الوحيَ أفضل من فهم الذي أُنزِلَ عليه القرآنُ؟! وهل هنالك ما يبرز النموذج النبوي أفضل ممّا تبرزه السّنّة؟!
 المصادر

1) القرآن الكريم

2) كتب السّنّة المطهّرة

3) التفاسير:

1) البغوي، أبو محمد الحسين الفراء (ت 510 هجري)، معالم التنـزيل في التفسير والتأويل، دار الفكر (بيروت 1405 هجري 1985 ميلادي)، 5 أجزاء. م 5، ص 407.

2) البيضاوي، ناصر الدين الشيرازي (ت 791 هجري)، أنوار التنـزيل وأسرار التأويل، دار الفكر (بيروت 1416 هج- 1996 م)، خمسة أجزاء.

3) الرّازي، محمد فخر الدين (ت 604 هج- 1208 ميلادي)، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب المشهور بتفسير الفخر الرّازي، دار الفكر (بيروت 1415 هج -1995 ميلادي)، ستة عشر مجلداً.

5) وقال الزركشي في البحر المحيط: ونص الشافعي في "الرسالة" على أن السنة منزلة كالقرآن

6) السعدي، عبدالرحمن بن ناصر، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان، تحقيق عبدالرحمن اللويحق، دار السلام للنشر والتوزيع (الرياض - السعودية). (الطبعة الثالثة  1422 هـ-2002 م).

7) السيوطي، عبدالرحمن جلال الدين، الدّر المنثور في التفسير المأثور911 هجري)، دار الفكر (بيروت-لبنان الطبعة الثانية 1414 هـ-1993 م)، ثمانية أجزاء.

8) السمرقندي، نصر محمد أحمد (ت 375 هجري)، تفسير بحر العلوم، تحقيق علي معوّض، عادل عبدالموجود، زكريا النوتي، دار الكتب العلمية (بيروت - لبنان). (الطبعة الأولى 1413 هـ -1993 م)، ثلاثة أجزاء.

9) الشوكاني، محمد بن علي بن محمّد (ت 1250 هـ)، الفتح الرباني، فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التّفسير، عالم الكتب (بلا تاريخ)

10) الطبري، ابن جرير، (ت 310 هجري)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر للطباعة والنشر (بيروت 1415 هـ - 1995 م).

11) ابن عاشور، محمد الطاهر.  التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر (1984 م).

12) العسقلاني، أحمد بن حجر (852-773 هجري).  فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة (بيروت-لبنان 1418 هج- 1997 م)  خمسة عشر مجلّداً.  

13) القاسمي، محمد جمال الدين (ت 1332 هـ - 1914 م)، محاسن التأويل، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء الكتب العربية (الطبعة الأولى  1376 هـ-1957 م)، سبعة عشر جزءاً.

(14 القرطبي، أبي عبدالله محمد بن أحمد (ت 671 هجري)، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب العلمية (بيروت-لبنان الطبعة الخامسة 1417 هـ - 1996 م)، واحد وعشرون مجلّدا.

(15 الأندلسي الغرناطي، محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان (654-754 هـ)، البحر المحيط، دار الفكر (بيروت-لبنان 1412 هـ- 1992 ميلادي)، تسعة أجزاء .

10) Mushaf Al-Madinah An-Nabawiyah, The Holy QUR-AN, English translation of the meaning and commentary, The presidency of the Islamic researches, Ifta, King Fahd Holy QUR-AN printing complex, p 1456

المراجع:

BODENHEIMER, P., Lin, D. N. C. and MARDLING, R. A. SHORT-PERIOD EXTRASOLAR PLANETS1, ApJ, 2001, 548: 466-472.

2) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري.  مكتبة الآداب، القاهرة، الطبعة الأولى:  2009 م -  1429 هـ.  صفحة 53 - 59.

3) العمري، حسين يوسف راشد، المرحوم الأستاذ الدكتور راجح عبدالحميد الكردي، أسرار حروف فواتح السور في تنـزيه كلام الله وفي أسماء القرءان وإنـزاله وجعله عربيّاً. على الرابط:

http://eijaz.mutah.edu.jo/fawathsuarabstract.htm

4) العمري، حسين يوسف راشد، الوصف القرآني لحالة الأرض والجبال والكواكب مع نهاية العالم وبداية يوم القيامة على الرابط:  https://eijaz.mutah.edu.jo/QDSEMPDJ.htm

5) العمري، حسين يوسف راشد وآخرون.  الإعجاز الفيزيائي في آيات مدّ الأرض ‘ على الرابط:

http://eijaz.mutah.edu.jo/eartharabic.htm

6) العمري، حسين يوسف راشد: معنى السّماء التي تسترق منها الشياطين السّمع، على الرابط:

http://eijaz.mutah.edu.jo/Satan.htm

7) العمري، حسين يوسف راشد: تفسير قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، على الرابط:

https://eijaz.mutah.edu.jo/sunstabilevol.htm

8) العمري، حسين يوسف راشد: الترتيب الزّماني للعلامات الكبرى للسَّاعة، على الرابط:

https://eijaz.mutah.edu.jo/OMSDayHereafter.htm

 



[1]  https://www.islamweb.net/ar/fatwa/137308/ شبهات-وجوابها-حول-الحديث-والسنة-وبعض-الحدود

[2] https://islamqa.info/ar/answers/604/ الادلة-الشرعية-على-حجية-السنة-النبوية

[3] الراوي: عبدالله بن الزبير، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2357، خلاصة حكم المحدث:  صحيح

[4] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 15، خلاصة حكم المحدث:  صحيح

[5] الراوي: هشام بن حجير، المحدث: ابن حجر العسقلاني، المصدر: المطالب العالية، الصفحة أو الرقم:  1/154، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[6]  الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترغيب، الصفحة أو الرقم: 40، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[7] الراوي: -، المحدث: الألباني، المصدر: منزلة السنة، الصفحة أو الرقم: 13، خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن

[8] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: الألباني، المصدر: التوسل، الصفحة أو الرقم: 16، خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن وله شاهد

[9] الراوي: مالك بن أنس، المحدث: الألباني، المصدر: تخريج مشكاة المصابيح، الصفحة أو الرقم: 184، خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن.  التخريج: أخرجه مالك في ((الموطأ)) (2/899) بلاغاً

[10] الراوي: -، المحدث: الفيروزآبادي، المصدر: سفر السعادة، الصفحة أو الرقم: 355، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[11] الراوي: المقدام بن معدي كرب، المحدث: ابن حجر العسقلاني، المصدر: تخريج مشكاة المصابيح، الصفحة أو الرقم: 1/129، خلاصة حكم المحدث: [حسن كما قال في المقدمة]

[12] الراوي: -، المحدث: الشوكاني، المصدر: فتح القدير، الصفحة أو الرقم: 2/169، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[13] الراوي: -، المحدث: الشوكاني، المصدر: نيل الأوطار، الصفحة أو الرقم: 8/278، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[14] الراوي:  ]المقدام بن معدي كرب[، المحدثون: ابن باز، المصدر: مجموع فتاوى ابن باز، الصفحة أو الرقم: (441/23، 53/8)، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

المحدث: أحمد شاكر، المصدر: عمدة التفسير، الصفحة أو الرقم: 1/42، خلاصة حكم المحدث: ]أشار في المقدمة إلى صحته[

[15] الراوي: المقدام بن معدي كرب، المحدث: الألباني، المصدر: الحديث حجة بنفسه، الصفحة أو الرقم: 28، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[16] الراوي: المقدام بن معدي كرب، المحدث: الألباني، المصدر: تخريج مشكاة المصابيح، الصفحة أو الرقم: 162، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[17] الراوي: -، المحدث: الألباني، المصدر: تحذير الساجد، الصفحة أو الرقم: 77، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[18] الراوي: المقدام بن معدي كرب، المحدث: الألباني، المصدر: الحديث حجة بنفسه، الصفحة أو الرقم: 21، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[19] الراوي: -، المحدث: الألباني، المصدر: صفة الصلاة، الصفحة أو الرقم: 171، خلاصة حكم المحدث: صحيح مشهور

[20] الراوي: -، المحدث: الألباني، المصدر: منزلة السنة، الصفحة أو الرقم: 10، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[21] الراوي: المقدام بن معدي كرب، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 17174، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.  التخريج: أخرجه أبو داود (4604)، وأحمد (17174) واللفظ له

[22] الراوي: عبدالرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح أبي داود، الصفحة أو الرقم: 4607، خلاصة حكم المحدث: صحيح.  التخريج: أخرجه أبو داود (4607) واللفظ له، وأحمد (17185)

[23] الراوي: -، المحدث: البزار، المصدر: جامع بيان العلم، الصفحة أو الرقم: 2/924، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[24] الراوي: العرباض بن سارية، المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى، الصفحة أو الرقم: 20/309، خلاصة حكم المحدث: صحيح .  التخريج: أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17145) مطولاً.

[25] الراوي: -، المحدث: ابن تيمية، المصدر: منهاج السنة، الصفحة أو الرقم: 4/164، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[26] الراوي: [العرباض بن سارية]، المحدثون: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى، الصفحة أو الرقم: 4/399، خلاصة حكم المحدث: ثابت .  المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى، الصفحة أو الرقم: 28/493، خلاصة حكم المحدث: صحيح.  التخريج: أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17145) مطولاً

[27] الراوي: العرباض بن سارية، المحدث: العيني، المصدر: نخب الافكار، الصفحة أو الرقم:  2/146، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 77860

[28] الراوي: ]العرباض بن سارية[، المحدث: الشوكاني، المصدر: إرشاد الفحول، الصفحة أو الرقم: 2/275، خلاصة حكم المحدث: صحيح. التخريج: أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17145) باختلاف يسير مطولاً.، انظر شرح الحديث رقم 68484

[29] الراوي:  ]العرباض بن سارية[، المحدث: الشوكاني، المصدر: إرشاد الفحول، الصفحة أو الرقم: 1/160، خلاصة حكم المحدث: صحيح. التخريج: أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17145) مطولاً، انظر شرح الحديث رقم 68414

[30] الراوي: العرباض بن سارية، المحدث: الشوكاني، المصدر: الفتح الرباني، الصفحة أو الرقم: 5/2177، خلاصة حكم المحدث: صحيح.  التخريج: أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17145) مطولاً.، انظر شرح الحديث رقم 63163

[31] الراوي: -، المحدث: الألباني، المصدر: النصيحة، الصفحة أو الرقم: 20، خلاصة حكم المحدث: اتفق العلماء قاطبة على صحته، مع تعدد طرقه،  انظر شرح الحديث رقم 61395

[32] الراوي: أبو نجيح، المحدث: شعيب الأرناووط، المصدر: تخريج شرح السنة، الصفحة أو الرقم: 4/119، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[33] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم:  1401، خلاصة حكم المحدث:  صحيح. التخريج: أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401) واللفظ له.

[34] https://islamqa.info/ar/answers/الادلة-الشرعية-على-حجية-السنة-النبوية

[35] https://islamqa.info/ar/answers/الادلة-الشرعية-على-حجية-السنة-النبوية

[36] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: الألباني، المصدر: تخريج كتاب السنة، الصفحة أو الرقم: 808، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط الشيخين.  التخريج: أخرجه البخاري (6565)، ومسلم (193)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11243)، وابن ماجه (4312)، وأحمد (12153) باختلاف يسير، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (808) واللفظ له

[37] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح ابن ماجه، الصفحة أو الرقم: 3499، خلاصة حكم المحدث: صحيح.  التخريج: أخرجه البخاري (7410)، ومسلم (193)، والنسائي في (السنن الكبرى) (11243)، وابن ماجه (4312) واللفظ له، وأحمد (12153)، انظر شرح الحديث رقم 7960

[38] الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6509، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[، انظر شرح الحديث رقم 24329

[39] الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4437، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[

[40] الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2444، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[

[41] الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم: 3148، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 9776

[42] الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4718، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 5838

[43] الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: ابن حجر العسقلاني، المصدر: تخريج مشكاة المصابيح، الصفحة أو الرقم: 5/194، خلاصة حكم المحدث: ]حسن كما قال في المقدمة[

[44] الراوي: جابر بن عبدالله، المحدث: السيوطي، المصدر: البدور السافرة، الصفحة أو الرقم: 43، خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد

[45] الراوي: سلمان الفارسي، المحدثون: السيوطي، المصدر: البدور السافرة، الصفحة أو الرقم: 126، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.  الألباني، المصدر: صحيح الترغيب، الصفحة أو الرقم: 3638، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[46] عضو هيئة تدريس سابقاً في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، له عدد من الأبحاث والكتب، وهو مقدّم وضيف دائم على عدد من البرامج

[47] https://www.youtube.com/watch?v=9AN5sP5cYfQ

(الزمن:  17:06).

[48] https://www.youtube.com/watch?v=P72SjtELm-E

الدقيقة: (22:55).

[49] https://www.youtube.com/watch?v=praM_QgYv50

الزمن: (26:55)

[50] https://www.youtube.com/watch?v=C9pEPm5nFGM

الزمن: (25:00- 26:10)

[51] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[52] مناقضة المُسَلَّمات وأساسيّات علوم الفيزياء والكون والرياضيات في تفسير د. أحمد نوفل: دراسة تطبيقية.  تأليف أ.د. حسين يوسف عمري \ قسم الفيزياء – جامعة مؤتة .

[53] أرسلت نسخة أولية من الكتاب للدكتور نوفل بتاريخ 15-6-2019، على صفحته على أل facebook:

https://www.facebook.com/messages/t/141000869247436

أرسلت نسخة أولية من الكتاب للدكتور بشار الشريف بتاريخ 16-6-2019، على صفحته على أل facebook: السلام عليكم. أرجو القراءة مع خالص التقدير

ردّ الدكتور بشار، بتاريخ 10-7-2019 فقال: " حياكم الله دكتور.. قرأته.. و أرسلته إلى د. أحمد نوفل".

بتاريخ 13-7-2019 تسلمت رسالة من الدكتور بشار الشريف يقول فيها: " تحياتي لك دكتور.. ردّ  د. أحمد نوفل على بحثكم فقال: لكل وجهة ولا نحجر على أحد.. و إن أراد الكاتب نشر بحثه فهذا حقه.. ".

[54] https://www.youtube.com/watch?v=wHGRGQFi4DI

الزمن: (13: 00-13: 52)

[55] https://www.islamweb.net/ar/fatwa/161651/

[56] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[57] https://www.youtube.com/watch?v=wHGRGQFi4DI

الزمن: (20:20)، الزمن: (21:14-23:00).

[58] https://www.youtube.com/watch?v=wHGRGQFi4DI

الزمن (20:07)

[59] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: ابن خزيمة، المصدر: التوحيد، الصفحة أو الرقم: 79/1، خلاصة حكم المحدث:  ]أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح[

[60] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح النسائي، الصفحة أو الرقم:  1618، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 8345

[61] https://islamqa.info/ar/answers/226255/ هل-النور-من-الاسماء-الحسنى

[62] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة. ص: 158-159

[63] الأسنى في أسماء الله الحسنى، للإمام الحافظ محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي (توفي 671 هـ)  صفحة: 286 .

[64] الزمن ( 34:36) على الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=-ftP-M8ln0A

[65] الزمن ( 40:55) على الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=-ftP-M8ln0A

[66] الصابوني، مختصر تفسير بن كثير. م 3، ص 63 ؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن. ج 14، ص 40

[67] الصابوني، مختصر تفسير بن كثير. م 2، ص 268-269 ؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن. ج 9، ص 184

الموضوع مجموعة أبحاث: منها بحث منشور في مجلة مؤتة للبحوث والدّراسات (سلسلة العلوم الإنسانية والإجتماعيّة)، المجلد السابع عشر، العدد السادس، 2002، ص 187 211.

وبحث منشور في مجلة كلية المعارف الجامعة - الأنبار- العراق عدد 6، السنة الخامسة 2004 ص 10 (بتصرّف).

[68] https://www.livescience.com/64797-river-of-stars.html ) By Rafi Letzter, Staff Writer | February 19, 2019 08:26am ET

[69] الأسماء والصفات:

المؤلف / المشرف: أحمد بن الحسين البيهقي المحقق / المترجم: عماد الدين أحمد حيدر الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى سنة الطبع: 1405هـ تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج تصنيف فرعي: أسماء و صفات - أعمال شاملة الموقع: ع 2 - 5

[70] https://www.youtube.com/watch?v=QEdLfrMzkYs&t=25s

لقاء الأسبوع، تجربتي مع التفسير 4، الدقيقة: 22

[71] تأليف: الأستاذ الدكتور حسين يوسف عمري/ قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة/ الأردن

المرحوم أسأل الله أن يكون كِتَابهُ فِي عِلِّيِّينَ الأستاذ الدكتور راجح عبدالحميد كردي/ قسم أصول الدين - الجامعة الأردنية (زمن التأليف)

العنوان:  أسرار حروف فواتح السور في تنزيه كلام الله وفي أسماء القرآن وإنزاله وجعله عربيا

ملخص الكتاب:  https://eijaz.mutah.edu.jo/fawathsuarabstract.htm

 الكتاب :  https://eijaz.mutah.edu.jo/fawatehSuar.pdf

[72] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[73] الراوي: عبدالله بن عمرو، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2653، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  شرح الحديث

[74] الراوي: عبدالله بن عمرو، المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى، الصفحة أو الرقم: 18/232، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 118676

[75] الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: الألباني، المصدر: السلسلة الصحيحة، الصفحة أو الرقم: 3136، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[76] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[77] https://www.youtube.com/watch?v=QEdLfrMzkYs&t=25s

لقاء الأسبوع، تجربتي مع التفسير 4

[78] https://www.islamweb.net/ar/fatwa/204151/

[79] الراوي: المقدام بن معدي كرب، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 17174، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.  التخريج: أخرجه أبو داود (4604)، وأحمد (17174) واللفظ له

[80] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3938، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[81]   https://www.youtube.com/watch?v=0E-Rs2isvrc

الزمن 5:50

[82] (...قالَ أنَسٌ: فَذَكَرَ أنَّه وجَدَ في السَّمَوَاتِ آدَمَ، وإدْرِيسَ، ومُوسَى، وعِيسَى، وإبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم، ولَمْ يُثْبِتْ كيفَ مَنَازِلُهُمْ غيرَ أنَّه ذَكَرَ أنَّه وجَدَ آدَمَ في السَّمَاءِ الدُّنْيَا وإبْرَاهِيمَ في السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قالَ أنَسٌ - فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإدْرِيسَ قالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ، فَقُلتُ مَن هذا؟ قالَ: هذا إدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بمُوسَى فَقالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والأخِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَ: هذا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بعِيسَى فَقالَ: مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنبيِّ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَ: هذا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بإبْرَاهِيمَ، فَقالَ: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالِحِ والِابْنِ الصَّالِحِ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَ: هذا إبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ ابنُ شِهَابٍ: فأخْبَرَنِي ابنُ حَزْمٍ، أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وأَبَا حَبَّةَ الأنْصَارِيَّ، كَانَا يَقُولَانِ: قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ثُمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أسْمَعُ فيه صَرِيفَ الأقْلَامِ، قالَ ابنُ حَزْمٍ، وأَنَسُ بنُ مَالِكٍ: قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَفَرَضَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ علَى أُمَّتي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بذلكَ، حتَّى مَرَرْتُ علَى مُوسَى، فَقالَ: ما فَرَضَ اللَّهُ لكَ علَى أُمَّتِكَ؟ قُلتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قالَ: فَارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، قُلتُ: وضَعَ شَطْرَهَا، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إلَيْهِ، فَقالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ، فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقالَ: هي خَمْسٌ، وهي خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، فَقالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بي، حتَّى انْتَهَى بي إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وغَشِيَهَا ألْوَانٌ لا أدْرِي ما هي؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ وإذَا تُرَابُهَا المِسْكُ.) ( الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 349، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[،  انظر شرح الحديث رقم 25749).

[83] https://eijaz.mutah.edu.jo/ascendance.htm

[84] الراوي: عكرمة مولى ابن عباس، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح النسائي، الصفحة أو الرقم: 3499، خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 32358

[85] الراوي: عكرمة مولى ابن عباس، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح النسائي، الصفحة أو الرقم:  3556، خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح

[86] https://binbaz.org.sa/fatwas/3441/معنى-قوله-تعالى-يمحوا-الله-ما-يشاء-ويثبت-وعنده-ام-الكتاب

[87] (إنَّ الرَّجلَ ليُحرَمُ الرِّزقَ بالذَّنبِ يُصيبُه ولا يرُدُّ القدرَ إلَّا الدُّعاءُ ولا يزيدُ في العمرِ إلَّا البِرُّ) (الراوي: ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المحدثون: المنذري، المصدر: الترغيب والترهيب، الصفحة أو الرقم:  3/294، خلاصة حكم المحدث: ]إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما[

المحدث: السيوطي، المصدر: الجامع الصغير، الصفحة أو الرقم: 1969، خلاصة حكم المحدث: صحيح

(إن العبدَ ليحرمُ الرزقَ بالذنبِ يصيبُه ولا يردُّ القدرَ إلا الدعاءُ ولا يزيدُ في العمُرِ إلا البرُّ.) (الراوي: ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المحدث: ابن باز، المصدر: حاشية بلوغ المرام لابن باز، الصفحة أو الرقم: 778، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

(لا يزيدُ في العمرِ إلَّا البرُّ ولا يردُّ القدرَ إلَّا الدُّعاءُ ...) (الراوي: ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح ابن ماجه، الصفحة أو الرقم: 73، خلاصة حكم المحدث: حسن )

(لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ، ولا يزيدُ في العمرِ إلَّا البرُّ) (الراوي: سلمان الفارسي، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2139، خلاصة حكم المحدث: حسن

شرح الحديث:

جعَل اللهُ سبحانه وتعالى بحِكمَتِه لكلِّ شيءٍ في هذه الدُّنيا سَببًا؛ فجعَل الولَدَ يأتي بالزَّواجِ، والمريضَ يُشْفى بالدَّواءِ، وكذلك جعَل القَضاءَ يُرَدُّ بالدُّعاءِ، والعُمرَ يَزيدُ بالبِرِّ، كما يقولُ الرَّسولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في هذا الحديثِ: "لا يَرُدُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ"، أي: الأمرَ المقدَّرَ، فالدُّعاءُ يَكونُ سببًا في عَدَمِ نُزولِ البلاءِ المقدَّرِ لذلك الشَّخصِ، وقيل: رَدُّه هو تَهْوينُ وتَخفيفُ ما نزَل على العبدِ مِنه، "ولا يَزيدُ في العُمرِ إلَّا البِرُّ"، أي: الطَّاعاتُ، والإحسانُ إلى الوالِدَينِ والأرحامِ وسائرِ النَّاسِ؛ فهي سَببٌ في زيادةِ العُمرِ، وقيل: الزِّيادةُ المَعنِيَّةُ هي البرَكةُ في وَقتِه وعُمرِه، وكلٌّ مِن رَدِّ القضاءِ بالدُّعاءِ، وزيادةِ العمرِ بالبِرِّ- إنَّما هُما مِن الأمورِ المكتوبةِ للشَّخصِ عندَ اللهِ سبحانه وتعالى في اللَّوحِ المحفوظِ، وقد سبَقَتْ في عِلمِ اللهِ سبحانه وتعالى، لكنَّ الأمرَ فيها من بابِ الأسبابِ والمسبِّباتِ، كالدَّواءِ للمَريضِ، ونحوِ ذلك.

وفي الحديثِ: تَقديرُ اللهِ سبحانه وتعالى للجزاءِ وسَببِه.

وفيه: الإرشادُ إلى كَثرةِ الدُّعاءِ والتَّضرُّعِ إلى اللهِ في كلِّ الأحوالِ.

[88] https://www.youtube.com/watch?v=0E-Rs2isvrc

الزمن: (04:00).

[89] الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم:  349، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[،  انظر شرح الحديث رقم 25749

[90] https://www.youtube.com/watch?v=T8A676Bbsks

الزمن (4: 45 - 5:44 ).

[91] https://www.youtube.com/watch?v=praM_QgYv50

الزمن: (26:55)

[92] الراوي: حميد، خلاصة الدرجة: إسناده صحيح على شرط الشيخين، المحدث: الألباني، المصدر: كتاب السنة، الصفحة أو الرقم  816

[93] الراوي: -، المحدث: ابن باز، المصدر: مجموع فتاوى ابن باز، الصفحة أو الرقم: 188/1، خلاصة حكم المحدث: متواتر

[94] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3239، خلاصة حكم المحدث: [صحيح] [وقوله: قال أنس وأبو بكرة... معلقان، وصلهما في موضعين آخرين].  التخريج: أخرجه البخاري (3239) واللفظ له، ومسلم (165)

[95] الراوي: أبو ذر الغفاري المحدثون: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 349، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]، الراوي: أبو ذر الغفاري المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3342، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]).   مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 163، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[96] الراوي: مالك بن صعصعة الأنصاري - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم:  2866

[97] الراوي: مالك بن صعصعة الأنصاري - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم 3887

[98] الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 7517، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

[99] الراوي: أنس بن مالك المحدث: ابن خزيمة - المصدر: التوحيد - الصفحة أو الرقم: 521/2، خلاصة حكم المحدث: [أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح]

[100] الراوي: أنس بن مالك المحدث: ابن خزيمة - المصدر: التوحيد - الصفحة أو الرقم: 530/2، خلاصة حكم المحدث: [أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح]

[101] الراوي: مالك بن صعصعة الأنصاري، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3207، خلاصة حكم المحدث:  صحيح .  التخريج: أخرجه البخاري (3207)، ومسلم (164)

[102] الراوي: مالك بن صعصعة الأنصاري - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: مسلم - المصدر: المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم 164

[103] https://eijaz.mutah.edu.jo/ascendance.htm

[104] الراوي: حذيفة بن اليمان - خلاصة الدرجة: إسناده حسن - المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم 874

[105] الراوي :أنس بن مالك، المحدث :ابن حجر العسقلاني، المصدر :تخريج مشكاة المصابيح، الصفحة أو الرقم:4/452، خلاصة حكم المحدث :[حسن كما قال في المقدمة].  التخريج: أخرجه أبو داود (4878)، وأحمد (13340)

الراوي: أنس بن مالك، المحدثون :

الألباني، المصدر: فقه السيرة، الصفحة أو الرقم: 138، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح وقد روي مرسلا. ولكن المسند أصح

الألباني، المصدر: تخريج مشكاة المصابيح، الصفحة أو الرقم: 4973، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

الألباني، المصدر: صحيح الجامع، الصفحة أو الرقم: 5213، خلاصة حكم المحدث: صحيح

الوادعي، المصدر: الصحيح المسند، الصفحة أو الرقم: 131، خلاصة حكم المحدث: صحيح

شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 13340، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[106] https://youtu.be/CZV8Ce0cBoA

[107] https://www.youtube.com/watch?v=IfqtnyaTFQU

[108]  https://www.youtube.com/watch?v=cAJBFCU2uWA

الزمن: (2:47-3:10 )

[109] تغطية خاصة، إجابة الدكتور أحمد نوفل للأسئلة الموجهة له:  الزمن: (9: 40) على الرابط:

    https://www.youtube.com/watch?v=P72SjtELm-E

[110] وأقول: لعلّ القرطبي يقصد القراءة بالتفسير؛ كما ورد في الأحاديث من كلام حذيفة؛ والله تعالى أعلم.

[111] - (أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية.  فأراهم انشقاق القمر، مرتين) (الراوي: أنس بن مالك المحدث:مسلم - المصدر:صحيح مسلم- الصفحة أو الرقم:2802، خلاصة حكم المحدث:صحيح).

- (عن أنس . قال: انشق القمر فرقتين . وفي حديث أبي داود: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ) (الراوي: قتادة المحدث:مسلم - المصدر:صحيح مسلم- الصفحة أو الرقم:2802، خلاصة حكم المحدث:صحيح).

- (انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين . فستر الجبل فلقة . وكانت فلقة فوق الجبل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم ! اشهد " . وفي رواية: " اشهدوا . اشهدوا " . ) (الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث:مسلم - المصدر:صحيح مسلم- الصفحة أو الرقم:2800، خلاصة حكم المحدث:صحيح).

سَأَلَ أَهْل مَكَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَة، فَانْشَقَّ الْقَمَر بِمَكَّة مَرَّتَيْنِ فَنَزَلَتْ: " اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر " إِلَى قَوْله: " سِحْر مُسْتَمِرّ " .... وَقَدْ ثَبَتَ بِنَقْلِ الْآحَاد الْعُدُول أَنَّ الْقَمَر اِنْشَقَّ بِمَكَّة، وَهُوَ ظَاهِر التَّنْزِيل، وَلَا يَلْزَم أَنْ يَسْتَوِي النَّاس فِيهَا; لِأَنَّهَا كَانَتْ آيَة لَيْلِيَّة; وَأَنَّهَا كَانَتْ بِاسْتِدْعَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّه تَعَالَى عِنْد التَّحَدِّي ...... وَقَدْ قِيلَ: هُوَ عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَتَقْدِيره اِنْشَقَّ الْقَمَر وَاقْتَرَبَتْ السَّاعَة; قَالَهُ اِبْن كَيْسَان . وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْفَرَّاء أَنَّ الْفِعْلَيْنِ إِذَا كَانَا مُتَقَارِبَيْ الْمَعْنَى فَلَك أَنْ تُقَدِّم وَتُؤَخِّر عِنْد قَوْله تَعَالَى: " ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى " [ النَّجْم: 8 ] . (القرطبي)

[112] حاليّا القوة المتبادلة بين الأرض والقمر (FEM) قريبة من نصف القوة المتبادلة بين الشمس والقمر (FSM) :

FEM /FSM = (ME/MS) (AU/Md)^2

(AU/Md)^2 = (150000000/384402(^2=152,269

(MS/ME) = 1.989×1030 kg/(5.97219×1024 kg) = (1989000/5.97219) = 333,044

FEM/FSM = (152,269/333,044) = 0.457

[113] https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/انشق/?page=1

[114] https://www.space.com/3373-earth-moon-destined-disintegrate.html

[115] الوصف القرآني لحالة الأرض والجبال والكواكب مع نهاية العالم وبداية يوم القيامة.  أ.د. حسين يوسف العمري.  على الرابط:      https://eijaz.mutah.edu.jo/QDSEMPDJ.htm

[116]  https://www.youtube.com/watch?v=tprUiv_mOxY

[117] في حلقة التفسير المسجلة على قناة حياة FM ليوم الإثنين العاشر من شباط للعام 2020، وعند الساعة (3:54)

[118] الراوي: أبو ذر الغفاري، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3199، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[

[119] https://eijaz.mutah.edu.jo/sunstabilevol.htm

http://www.quraan-physics.com/eijaz/sunstabilevol.htm

[120] https://www.youtube.com/watch?v=tylZekyM-lM

الزمن: (10:15)

[121] https://en.wikipedia.org/wiki/Rogue_planet

[122] الزمن: (14: 00).  على الرابط:  https://www.youtube.com/watch?v=_NCSKwsPSDk

[123] https://eijaz.mutah.edu.jo/sound%20waves.htm

[124] https://xwww.youtube.com/watch?v=-Y6PeKcXk0U

الزمن: (15:40).

[125] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم:  6922، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[

[126] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدثون :

- ابن عبدالبر، المصدر: الاستذكار، الصفحة أو الرقم: 6/156، خلاصة حكم المحدث: صحيح.  التخريج: أخرجه البخاري (3017)، انظر شرح الحديث رقم 67330

- الهيتمي المكي، المصدر: الزواجر، الصفحة أو الرقم: 1/28، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

التخريج: أخرجه البخاري (3017)، انظر شرح الحديث رقم 62205

- الألباني، المصدر: صحيح ابن ماجه، الصفحة أو الرقم: 2070، خلاصة حكم المحدث: صحيح. التخريج: أخرجه البخاري (3017)، انظر شرح الحديث رقم 5702

- الألباني، المصدر: صحيح النسائي، الصفحة أو الرقم: 4075، خلاصة حكم المحدث: صحيح.  التخريج: أخرجه البخاري (3017)، انظر شرح الحديث رقم 5706

- الألباني، المصدر: صحيح النسائي، الصفحة أو الرقم: 4073، خلاصة حكم المحدث: صحيح.  التخريج: أخرجه البخاري (3017)، انظر شرح الحديث رقم 5710

[127] الراوي: -، المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى، الصفحة أو الرقم: 35/59، خلاصة حكم المحدث: ثابت

[128] الراوي: -، المحدث: الشوكاني، المصدر: الفتح الرباني، الصفحة أو الرقم: 4/1728، خلاصة حكم المحدث: ثابت

[129] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم:6924، خلاصة حكم المحدث: صحيح.  التخريج: أخرجه البخاري (6924) واللفظ له، ومسلم (20)

[130] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 1399، خلاصة حكم المحدث: صحيح .  التخريج: أخرجه البخاري (1399) واللفظ له، ومسلم (20)

[131] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 7284، خلاصة حكم المحدث: صحيح .  التخريج: أخرجه البخاري (7284، 7285) واللفظ له، ومسلم (20)

[132] الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 20، خلاصة حكم المحدث: صحيح .  التخريج: أخرجه البخاري (7284، 7285)، ومسلم (20) واللفظ له

[133] | أعطى كل شيئ خلقه | تفسير سورة طه.  30 Mar 2020الزمن: (13: 00) على الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=Yb8vzz-I6Gk

[134] د. أحمد نوفل | آمنين | تفسير سورة يوسف. الزمن (1: 17)، على الرابط :

https://www.youtube.com/watch?v=-bp6dj6Jm_g

[135] الزمن: (17:05)

https://www.youtube.com/watch?v=HH73_QohFcE

[136] الزمن: (17:48)

https://www.youtube.com/watch?v=HH73_QohFcE

[137] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

الزمن: (37:40 )

[138]  الراوي : النواس بن سمعان،  المحدث : مسلم،  المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2937،  خلاصة حكم المحدث : صحيح

[139]  الراوي : النواس بن سمعان،  المحدث: مسلم،  المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2937،  خلاصة حكم المحدث: صحيح

شرح الحديثيَحكِي النَّوَّاسُ رضِي اللهُ عنه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم «ذَكَر الدَّجَّالَ» مأخوذٌ مِن الدَّجَلِ وهو الكَذِب، والدَّجَّالُ: شخصٌ بِعَيْنِه ابتَلَى الله به عبادَه، وأَقْدَرَه على أَشْياءَ مِن مَقدُوراتِ الله تعالى: مِن إحياءِ الميتِ الذي يَقتُله، وظُهورِ زَهْرَةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونَهْرَيْه، واتِّباعِ كُنُوزِ الأرضِ له، وأَمْرِه السماءَ أن تُمْطِرَ فتُمْطِرَ، والأرضَ أن تُنبِتَ فتُنبِتَ، فيَقَع كلُّ ذلك بقُدْرَةِ الله تعالى ومَشِيئَتِه، ثُمَّ يُعجِزُه الله تعالى بعدَ ذلك، فلا يَقدِرُ على قتلِ ذلك الرَّجُلِ ولا غيرِه، ويَبطُل أمرُه، ويَقتُله عِيسَى صلَّى الله عليه وسلَّم، ويُثبِّتُ اللهُ الذين آمَنُوا، «ذاتَ غَدَاةٍ»، أي: في غَدَاةٍ، والغَدَاةُ: ما بينَ الفَجْرِ وطُلوعِ الشَّمْسِ، «فخَفَّضَ فيه ورَفَّعَ»، أي: مِن كثرةِ ما تَكلَّم فى أمْره خَفَّض صَوْتَه مرَّةً؛ لطولِ الكلامِ وراحةِ تعبِه، ورفَع صوتَه مرَّةً لتبليغِ مَنْ يأبَى عنه وإسماع مَن بَعُد، أو يكون المعنى: بَيَّنَ مِن شأنِه ما هو حَقِيرٌ وما هو رَفِيعٌ جَلِيل كَبِير، «حتَّى ظَنَنَّاه في طائِفَة النَّخْلِ، فلمَّا رُحْنا إليه عَرَف ذلك فينا»، فسألهم صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما شأنُكم؟» فأجابوه: «يا رسولَ الله، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فخَفَّضْتَ فيه ورَفَّعْتَ؛ حتَّى ظَنَنَّاهُ في طائفةِ النَّخْل»، أي: ناحِيَتِه وجانِبِه، فقال: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عليكم»، أي: إنِّي أخافُ على أُمَّتِي غيرَ الدَّجَّالِ أكثرَ مِن خَوْفِي إيَّاه، ثُمَّ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنْ يَخرُج وأنا فِيكُم، فأنا حَجِيجُه دُونَكم»، أي: خَصْمُه الذي يُحَاجُّه ويُقِيمُ عليه الحُجَّةَ، «وإن يَخْرُجْ ولستُ فِيكُم، فامْرُؤٌ حَجِيجُ نفسِه»، أي: فكلُّ امْرِئٍ يُحَاجُّه ويُحَاوِرُه ويُغَالِبُه لِنَفْسِه، «واللهُ خَلِيفَتِي على كلِّ مُسلِم»، أي: اللهُ وَلِيُّ كلِّ مُسلِم وحَافِظُه، فيُعِينُه عليه ويَدْفَعُ شَرَّهُ، «إنَّه شابٌّ قَطَطٌ»، أي: شديدُ القِصَر، وقيل: شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعَرِ، «عَيْنُه طافِئَةٌ»، أي: مُرتَفِعَة، «كأنِّي أُشَبِّهُه بعَبْدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ» وهو رَجُلٌ مِن خُزَاعَةَ مات في الجَاهِلِيَّةِ، «فمَن أَدْرَكَه منكم فَلْيَقْرَأْ عليه فَوَاتِحَ سُورةِ الكَهْفِ، إنَّه خَارِجٌ خَلَّةً بينَ الشَّامِ والعِرَاقِ»، أي: خارجٌ في خَلَّةٍ وهي الطَرِيق بينَ هاتين الجِهتينِ، والخَلَّةُ: مَوْضِع صُخُور، «فعَاثَ يَمِينًا وعَاثَ شِمَالًا» وهو الإسراعُ والشِّدَّة في الفَسَاد، «يا عِبَادَ الله، فاثْبُتُوا»، فسَأَل الصحابةُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «وما لُبْثُه في الأرضِ؟» فأجابهم صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَرْبَعُونَ يومًا، يومٌ كَسَنَةٍ، ويومٌ كَشَهْرٍ، ويومٌ كَجُمُعَةٍ، وسائِرُ أيَّامِه كأيَّامِكُم»، فسألوا: «يا رسولَ الله، فذلك اليومُ الذي كَسَنَةٍ، أتَكْفِينا فيه صلاةُ يومٍ؟ قال: لا، اقْدُرُوا له قَدْرَه» وذلك بأنْ يُصَلُّوا في قَدْرِ كلِّ يومٍ وليلةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ؛ فتَجْتَمِعُ في ذلك اليومِ الواحِدِ صلاةُ سَنَةٍ كاملةٍ، ومعناه: أنَّ امتدادَ ذلك اليومِ بهذا القَدْرِ مِن الطُّولِ يكونُ حَقِيقِيًّا، لا أنَّ الناسَ يَظُنُّونَه كذلك لِأَجْلِ ما هُم فيه مِنَ الهَمِّ والغَمِّ لِأَجْلِ المُصِيبَةِ والفَسَادِ. فسألوا: «يا رسولَ الله، وما إسراعُه في الأرضِ؟ قال: كالغَيْثِ» والمرادُ به: الغَيْمُ، أي: يُسرِعُ في الأرضِ إسراعَ الغَيْمِ «اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ»، أي: جاءَتْه الرِّيحُ مِن خَلْفِه، «فيَأْتِي على القومِ فيَدْعُوهُم، فيُؤمِنون به ويَستجِيبُون له، فيَأْمُرُ السماءَ فَتُمْطِرُ، والأرضَ فتُنبِتُ، فتَرُوحُ عليهم»، أي: تَرْجِعُ مَسَاءً «سَارِحَتُهم»، أي: مَوَاشِيهم «أَطْوَلَ ما كانت ذُرًا»، أي: أَسْنِمَةً، «وأَسْبَغَه»، أي: أكمَلَه «ضُرُوعًا» والضَّرْعُ مِن الحيوان بِمَنْزِلَةِ الثَّدْيِ مِنَ المرأةِ، «وأَمَدَّهُ»، أي: أَطْوَلَه أو أَوْسَعَه «خَوَاصِرَ»، وهي أطرافُ البَطْن، «ثُمَّ يَأْتِي القومَ فيَدْعُوهم، فيَرُدُّونَ عليه قولَه، فيَنصَرِف عنهم، فيُصبِحون مُمْحِلِينَ»، أي: مُصابِين بالقَحْطِ والجَدْبِ «ليس بأيديهم شيءٌ مِن أموالِهم، ويَمُرُّ بِالخَرِبَةِ» وهي الأرضُ غيرُ المَعْمُورَةِ، فيقول لها: «أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فتَتْبَعُه كُنُوزُها كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ» واليَعَاسِيبُ: جمعُ يَعْسُوبٍ، وهو ذَكَرُ النَّحْلِ وأَمِيرُها، والنَّحْلُ تَطِيرُ جُنُودًا مُجنَّدةً وراءَ أَمِيرِها وتَذهب حيثُ ذَهَب، فكأنَّه قال: كما تَتْبَعُ النحلُ يَعَاسِيبَها، «ثُمَّ يَدْعُو رجلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فيَضْرِبُه بالسَّيْفِ فَيَقْطَعُه جَزْلَتَيْنِ»، أي: قِطْعَتَيْنِ «رَمْيَةَ الغَرَضِ»، أي: يَجْعَل بينَ الجَزْلَتَيْنِ مِقدارَ ما بينَ مَكَانِ رَمْيَةِ السَّهْمِ وبينَ الهَدَفِ، «ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقبِل ويَتَهَلَّلُ وجهُه، يَضْحَكُ، فبَيْنما هو كذلك إذ بَعَثَ اللهُ المَسِيحَ بنَ مَرْيَمَ، فيَنْزِلُ عندَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ»، أي: لَابِسًا مَهْرُودَتَيْنِ، يعني: ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِوَرْسٍ ثُمَّ بِزَعْفَرَانٍ، «واضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إذا طَأْطَأَ رأسَه قَطَرَ، وإذا رَفَعَه تَحَدَّرَ»، أي: نَزَلَ قَطْرَةً بعدَ قَطْرَةً «منه جُمَانٌ كاللُّؤْلُؤِ»، والجُمَانُ: حَبَّاتٌ مصنوعةٌ مِن الفِضَّةِ على هيئةِ اللُّؤْلُؤِ الكِبَارِ، والمُرادُ: يَتحدَّر منه الماءُ أو العَرَقُ على هيئةِ اللُّؤْلُؤِ في الصَّفَاءِ والحُسْنِ، «فلا يَحِلُّ»، أي: لا يُمْكِنُ ولا يَقَعُ «لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِه إلَّا مات، ونَفَسُه يَنتهِي حيثُ يَنتهِي طَرْفُه، فيَطْلُبُه»، أي: فيَطْلُبُ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ «حتَّى يُدْرِكَه ببابِ لُدٍّ» اسمِ قَرْيَةٍ في فِلَسْطِينَ «فيَقْتُلُه، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى بنَ مَرْيَمَ قومٌ قد عَصَمَهم الله منه، فيَمْسَحُ عن وُجوهِهم»، أي: يَرْحَمُهم ويُواسِيهم ويَتَلطَّف بهم «ويحدِّثهم بدَرَجاتِهم في الجَنَّةِ، فبَيْنما هو كذلك إذ أَوْحَى الله إلى عِيسَى: إنِّي قد أَخْرَجْتُ عِبَادًا لي لا يَدَانِ»، أي: لا قُدرةَ ولا طاقةَ «لأحدٍ بقتالِهم، فحَرِّزْ عِبَادِي»، أي: ضُمَّهُم واجْمَعْهُم «إلى الطُّورِ» واجْعَلْه حِرْزًا لهم، والطُّورُ: جَبَلٌ معروفٌ في سَيْنَاءَ، «ويَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ»، أي: مِن كلِّ أَكَمَةٍ وموضعٍ مُرتَفِعٍ «يَنسِلُون»، أي: يَمْشُونَ مُسرِعينَ، «فيَمُرُّ أوائلُهم على بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فيَشْرَبُونَ ما فيها، ويَمُرُّ آخرُهم فيقولون: لقد كان بِهَذِه مَرَّةً ماءٌ، ويُحْصَرُ» أي يُحْبَسُ «نَبِيُّ الله عِيسَى وأصحابُه، حتَّى يكونَ رأسُ الثَّوْرِ لأحدِهم خيرًا مِن مِئَةِ دِينَارٍ لأحدِكم اليومَ»، أي: تَبْلُغُ بهم الفَاقَةُ إلى هذا الحَدِّ، وإنَّما ذَكَر رأسَ الثَّوْرِ لِيُقَاسَ البقيَّةُ عليه في القِيمة، «فيَرْغَبُ نبيُّ الله عِيسَى وأصحابُه»، أي: إلى الله، فيَتضرَّعون له ويَدعُونه أن يَرفعَ عنهم هذا البلاءَ، «فيُرْسِل اللهُ عليهم النَّغَفَ» وهو دُودٌ يكونُ في أُنُوفِ الإِبِلِ والغَنَمِ «في رِقَابِهم، فيُصبِحون فَرْسَى» أي قَتْلَى «كمَوْتِ نَفْسٍ واحدةٍ»، أي: يَمُوتون كلُّهم كموتِ نفسٍ واحدةٍ، ثُمَّ يَهبِط نبيُّ الله عِيسَى وأصحابُه إلى الأرضِ، فلا يَجِدُونَ في الأرضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ ونَتْنُهُمْ»، أي: دَسَمُهُم ورائحتُهم الكريهة المُنْتِنَة، «فيَرْغَبُ نبيُّ الله عِيسَى وأصحابُه إلى الله»، أي: فيَتَضرَّعون له ويَدْعُونَه أن يَرفعَ عنهم هذا البلاءَ، فيُرْسِلُ الله طيرًا كأَعْنَاقِ البُخْتِ»، أي: كأعناقِ الإِبِلِ البُخْتِ، وهي الإِبِلُ التي تُنْتَجُ مِن عَرَبِيَّةٍ وغيرِ عَرَبِيَّةٍ، وتكونُ طِوَالَ الأعناقِ، «فتَحْمِلُهم فَتَطْرَحُهم حيثُ شاء الله، ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ منه»، أي: لا يَسْتُرُ، يعني: لا يَمْنَعُ مِن نُزولِ الماءِ «بيتُ مَدَرٍ» وهو الطِّينُ الصُّلْبُ «ولا وَبَرٍ» والوَبَرُ لِلْإِبِلِ بمنزلةِ الشَّعْرِ لِلْمَعْزِ وبمنزلةِ الصُّوفِ للضَّأْنِ، «فيَغْسِلُ الأرضَ حتَّى يَتْرُكَها كالزَّلَفَةِ» وهي المِرْآةُ، والمرادُ: أنَّ الماءَ يَعُمُّ جميعَ الأرضِ بحيث يَرى الرائي وجهَه فيه، «ثُمَّ يُقَالُ للأرضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، ورُدِّي بَرَكَتَكِ، فيَومئذٍ تَأكُل العِصَابَةُ»، أي: الجماعةُ «مِنَ الرُّمَّانَةِ، ويَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِها»، أي: بقِشْرِها، «ويُبَارَكُ في الرِّسْلِ»، أي: اللَّبَنِ «حتَّى أنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ»، أي: النَّاقَةَ ذاتَ اللَّبَنِ «لَتَكْفِي الفِئَامَ»، أي: الجماعةَ الكبيرةَ «مِنَ الناس، واللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفِي القَبِيلَةَ مِن الناسِ، واللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكْفِي الفَخِذَ مِن الناسِ» وهم الأقارِبُ الذين يَنتسِبون إلى جَدٍّ قريبٍ، وهم دُونَ البَطْنِ، والبَطْنُ دونَ القَبِيلَةِ، «فبَيْنَما هم كذلك إذ بَعَث الله رِيحًا طَيِّبَةً، فتَأْخُذَهم تحتَ آباطِهِم، فتَقبِض رُوحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مُسلِمٍ، ويَبْقَى شِرَارُ الناسِ يَتَهَارَجُونَ فيها تَهَارُجَ الحُمُرِ»، أي: يُجامِعُ الرِّجَالُ النِّساءَ عَلَانِيَةً بِحَضْرَةِ الناسِ كما يَفْعَلُ الحَمِيرُ، لا يَكْتَرِثُونَ لذلك، «فعَلَيْهِم تقومُ الساعةُ»، أي: لا على غيرِهم.

وفي روايةٍ: وزاد بعد قولِه: «لقد كان بِهَذِه مَرَّةً ماءٌ»: «ثُمَّ يَسِيرُونَ حتَّى يَنْتَهُوا إلى جَبَلِ الخَمَرِ»، والخَمَرُ: هو الشَّجرُ المُلْتَفُّ الذي يَستُر مَن فيه، وهو جَبَلُ بيتِ المَقْدِسِ، «فيقولون: لقد قَتَلْنَا مَن في الأرضِ، هَلُمَّ» أي تَعَالَ «فَلْنَقْتُلْ مَن في السماءِ، فيَرْمُونَ بِنُشَّابِهم» أي سِهَامِهم «إلى السماءِ» أي إلى جِهَتِها، «فيَرُدُّ الله عليهم نُشَّابَهم مَخْضُوبَةً دَمًا»، أي: مَصْبُوغَةً دَمًا.  وفي روايةِ ابنِ حُجْرٍ: «فإنِّي قد أَنْزَلْتُ عِبَادًا لي، لا يَدَيْ لأحدٍ بقِتالهم».

في الحديثِ: بيانُ فِتنةِ الدَّجَّالِ.  وفيه: إخبارُه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الغَيْبِيَّاتِ، وبعضٍ مِن علاماتِ السَّاعةِ.  وفيه: علامةٌ مِن علاماتِ نُبُوَّتِه صلَّى الله عليه وسلَّم.  وفيه: ذِكرُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.  وفيه: نُزولُ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ عليه السلامُ وقَتْلُه للدَّجَّالِ .

[140]  الراوي: عبدالله بن مسعود،  المحدث: أحمد شاكر،  المصدر: مسند أحمد، الصفحة أو الرقم: 5/189،  خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.  التخريج: أخرجه ابن ماجه (4081)، وأحمد (3556) واللفظ له.

[141]  الراوي : النواس بن سمعان،  المحدث : الألباني،  المصدر : صحيح الجامع، الصفحة أو الرقم: 4166،  خلاصة حكم المحدث : صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 69414

التخريج : أخرجه مسلم (2936) باختلاف يسير

[142] إسلام ويب:

https://www.islamweb.net/ar/fatwa/143195/

[143] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

الزمن: (37:40 )

[144]  أنظر: الألفاظ التي جاءت على (فاعول) في القرآن الكريم: صفحة 109-110 .  المؤلف: م. د. رجاء عبد الرحيم خاشع. المديرية العامة للتربية في بغداد الكرخ/2 .  الكتاب على الرابط:

https://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=56568

[145] https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/يسرح/

[146] (دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم وهو عاقدٌ بإصبَعَيْهِ السَّبابَةِ بالإبهامِ، وهوَ يقولُ: وَيلٌ للعَربِ من شرٍّ قدِ اقتَرَبَ؛ فُتِحَ اليومَ من ردْمِ يأْجوجَ ومأْجوجَ مثلُ مَوضعِ الدِّرهَمِ. قالَتْ: فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أنهْلِكُ وفينا الصَّالحونَ؟! قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نعَمْ إذا كثُرَ الخبَثُ.) (الراوي: زينب أم المؤمنين، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 27416، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 138081

التخريج: أخرجه البخاري (3346)، ومسلم (2880)، والترمذي (2187)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11333)، وابن ماجه (3953)، وأحمد (27416) واللفظ له

(أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ، ومأْجُوجَ مِثْلُ هذا، وحَلَّقَ بإصْبَعِهِ، وبِالَّتي تَلِيهَا فَقَالَتْ زَيْنَبُ فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ.) (الراوي: زينب أم المؤمنين، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3598، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[

(أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هذِه وحَلَّقَ بإصْبَعِهِ الإبْهَامِ والَّتي تَلِيهَا، قالَتْ زَيْنَبُ بنْتُ جَحْشٍ فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ.) (الراوي: زينب أم المؤمنين، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3346، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[

شرح الحديث:

يأجوجُ ومأجوجُ همُ الْقَوْمانِ اللَّذانِ بَنى عليهما ذو القَرنينِ السَّدَّ المذكورَ في قولِه تعالى: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 95]، وخُروجُهما مِن هذا الرَّدمِ أوِ السَّدِ علامةٌ مِن علاماتِ السَّاعةِ، وفي هذا الحديثِ تُخبرنا زينتُ بنتُ جحشٍ رضِي اللهُ عنها "أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم دَخلَ عليها فزِعًا يقول: لا إلهَ إلَّا اللهُ"، أي: دخلَ عليها خائفًا مُضطرِبًا يلهجُ لِسانُه بِكلمةِ التَّوحيدِ إِيذانًا بتوقُّعِ أمرٍ مكروهٍ يحدثُ ولا نجاةَ منه إلَّا بِالالتجاءِ إلى اللهِ والاستجارةِ بِسلطانِه «ويلٌ لِلعربِ مِن شرٍّ قدِ اقتربَ؛ فُتحَ اليومَ مِن ردْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه»، وحلَّقَ بِإصبعِه الإبهامِ والَّتي تليها، يعني: جَعلَ الإصبعَ السَّبَّابةَ في أصلِ الإبهامِ وضمَّها حتَّى لم يَبْقَ بينَهما إلَّا خَللٌ يسيرٌ، والمعنى أنَّه لم يبْقَ لِمجيءِ الشَّرِّ إلَّا اليسيرُ مِنَ الزَّمنِ، فلمَّا سمعَتْ زينبُ بنتُ جَحْشٍ ذلك قالت: يا رسولَ الله، أَنَهْلِكُ وفِينَا الصَّالحونَ؟ فقال لها صلَّى الله عليه وسلَّم: «نَعم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ» والخَبَثُ: هو الفُسوقُ والفجورُ والمعاصي، ثُمَّ يُبعثُ كلٌّ على نِيَّتِه، وإنَّما خَصَّ العربَ بِالذِّكر؛ لأنَّهم أوَّلُ مَن دَخلَ في الإسلامِ؛ ولِلإنذارِ بأنَّ الفِتنَ إذا وقعتْ كان الهلاكُ أسرعَ إليهم.

(أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ اسْتَيْقَظَ مِن نَوْمِهِ وَهو يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذِه. وَعَقَدَ سُفْيَانُ بيَدِهِ عَشَرَةً. قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ، إذَا كَثُرَ الخَبَثُ.) (الراوي: زينب أم المؤمنين، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2880، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[ )

(أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هذِه، وحَلَّقَ بإصْبَعَيْهِ الإبْهَامِ والَّتي تَلِيهَا، قالَتْ زَيْنَبُ بنْتُ جَحْشٍ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ أفَنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخُبْثُ.) (الراوي: زينب أم المؤمنين، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 7135، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[  )

[147] - إنَّ يأجوجَ ومأجوجَ لَيَحفُرون السَّدَّ كلَّ يومٍ حتى إذا كادوا يرون شعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارْجِعوا فستَحفُرونه غدًا، فيعيده اللهُ أشَدَّ ما كان، حتى إذا بلغَت مدتُهم، وأراد اللهُ أن يبعثَهم على الناسِ حضروا، حتى إذا كادوا يرَون شعاعَ الشمسِ قال الذي عليهم: ارْجِعوا فستحفرونه غدًا إن شاء اللهُ، واستَثْنَوا، فيعودون إليه وهو كهيئتِه حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناسِ، فينشِّفون الماءَ، ويتحصَّنُ الناسُ منهم في حصونهم، فيرمُون سهامَهم إلى السماء، فترجع وعليها كهيئةِ الدَّمِ الذي أجفظُ، فيقولون: قهَرْنا أهلَ الأرضِ، وعلَوْنا أهلَ السماءِ ! فيبعث اللهُ عليهم نَغَفًا في أقفائِهم فيقتلُهم بها، والذي نفسي بيده إنَّ دوابَّ الأرضِ لتَسمَنُ وتَشْكرُ شُكرًا من لحومِهم ودمائِهم

الراوي: أبو هريرة | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الجامع

الصفحة أو الرقم:  2276 | خلاصة حكم المحدث: صحيح |  انظر شرح الحديث رقم 79092

- إنَّ يأجوجَ ومأجوجَ ليَحفِرون السَّدَّ كُلَّ يَومٍ، حتى إذا كادوا يَرَوْن شُعاعَ الشَّمسِ؛ قال الذي عليهم: ارجِعوا فستَحفِرونهُ غَدًا، فيَعودون إليه كأشَدِّ ما كان، حتى إذا بلَغَتْ مُدَّتُهم، وأرادَ اللهُ أنْ يَبعَثَهم على النَّاسِ؛ حفَروا، حتى إذا كادوا يَرَوْن شُعاعَ الشَّمسِ؛ قال الذي عليهم: ارجِعوا فستَحفِرونهُ غَدًا إنْ شاءَ اللهُ، ويَستَثني، فيَعودون إليه وهو كهَيئَتِهِ حين ترَكوه، فيَحفِرونهُ ويَخرُجون على النَّاسِ، فيُنَشِّفون المياهَ، ويتحَصَّنُ النَّاسُ منهم في حُصونِهم، فيَرمون بسِهامِهم إلى السَّماءِ، فتَرجِعُ وعليها كهَيئةِ الدَّمِ، فيَقولون: قهَرْنا أهلَ الأرضِ، وعلَوْنا أهلَ السَّماءِ، فيَبعَثُ اللهُ عليهم نَغَفًا في أقفائِهم فيَقتُلُهم بها. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: والذي نَفْسُ محمدٍ بيَدِهِ؛ إنَّ دَوابَّ الأرضِ لتَسمَنُ وتَشكُرُ شُكرًا مِن لُحومِهم ودِمائِهم.

الراوي: أبو هريرة | المحدث: شعيب الأرناؤوط | المصدر: تخريج المسند

الصفحة أو الرقم: 10632 | خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط الشيخين

التخريج: أخرجه الترمذي (3153)، وابن ماجه (4080)، وأحمد (10632) واللفظ له

[148] يوم الإثنين الموافق 6 - كانون الثاني - 2020 .

[149] يوم الإثنين الموافق 6 - كانون الثاني - 2020 .

[150] على سبيل المثال يمكن استماع حلقة التفسير المسجلة والتي أذيعت على قناة حياة FM ليوم الأربعاء الثاني عشر من شباط للعام 2020

[151] في الحادي عشر من آذار 2020 وأثناء حلقته على قناة حياة

[152] الزمن (2: 40) على الرابط:  https://youtu.be/4axW-tXduaM

[153] للمزيد أنظر: عمري، محاولةُ الشياطين استراقَ السمع تكونُ من السماء بمعنى السحاب، على الرابط:

https://eijaz.mutah.edu.jo/Satan.htm

[154] https://www.youtube.com/watch?v=1fIWbR_Hba8

الزمن: (الدقيقة 18، الثانية 20)

[155] الراوي: حذيفة بن أسيد الغفاري، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم:  2901، خلاصة حكم المحدث:  [صحيح]

[156] http://islamiyyat.3abber.com/post/261022

[157] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

الزمن: (37:40 )

[158] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6506، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[159]  الراوي: أبو هريرة،  المحدث : ابن عبدالبر،  المصدر : التمهيد، الصفحة أو الرقم: 14/202،  خلاصة حكم المحدث : صحيح .  التخريج : أخرجه البخاري (3448)، ومسلم (155) مطولاً

[160] على سبيل المثال يمكن استماع حلقة التفسير المسجلة والتي أذيعت على قناة حياة FM ليوم الأربعاء الثاني عشر من شباط للعام 2020

[161] في الحادي عشر من آذار 2020 وأثناء حلقته على قناة حياة

[162] نظرات في سورة الكهف - الحلقة 29 على الرابط:

http://islamiyyat.3abber.com/post/261022

[163] http://islamiyyat.3abber.com/post/261022

[164]  الراوي : النواس بن سمعان،  المحدث : مسلم،  المصدر : صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2937،  خلاصة حكم المحدث : صحيح

شرح الحديث.:  يَحكِي النَّوَّاسُ رضِي اللهُ عنه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم «ذَكَر الدَّجَّالَ» مأخوذٌ مِن الدَّجَلِ وهو الكَذِب، والدَّجَّالُ: شخصٌ بِعَيْنِه ابتَلَى الله به عبادَه، وأَقْدَرَه على أَشْياءَ مِن مَقدُوراتِ الله تعالى: مِن إحياءِ الميتِ الذي يَقتُله، وظُهورِ زَهْرَةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونَهْرَيْه، واتِّباعِ كُنُوزِ الأرضِ له، وأَمْرِه السماءَ أن تُمْطِرَ فتُمْطِرَ، والأرضَ أن تُنبِتَ فتُنبِتَ، فيَقَع كلُّ ذلك بقُدْرَةِ الله تعالى ومَشِيئَتِه، ثُمَّ يُعجِزُه الله تعالى بعدَ ذلك، فلا يَقدِرُ على قتلِ ذلك الرَّجُلِ ولا غيرِه، ويَبطُل أمرُه، ويَقتُله عِيسَى صلَّى الله عليه وسلَّم، ويُثبِّتُ اللهُ الذين آمَنُوا، «ذاتَ غَدَاةٍ»، أي: في غَدَاةٍ، والغَدَاةُ: ما بينَ الفَجْرِ وطُلوعِ الشَّمْسِ، «فخَفَّضَ فيه ورَفَّعَ»، أي: مِن كثرةِ ما تَكلَّم فى أمْره خَفَّض صَوْتَه مرَّةً؛ لطولِ الكلامِ وراحةِ تعبِه، ورفَع صوتَه مرَّةً لتبليغِ مَنْ يأبَى عنه وإسماع مَن بَعُد، أو يكون المعنى: بَيَّنَ مِن شأنِه ما هو حَقِيرٌ وما هو رَفِيعٌ جَلِيل كَبِير، «حتَّى ظَنَنَّاه في طائِفَة النَّخْلِ، فلمَّا رُحْنا إليه عَرَف ذلك فينا»، فسألهم صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما شأنُكم؟» فأجابوه: «يا رسولَ الله، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فخَفَّضْتَ فيه ورَفَّعْتَ؛ حتَّى ظَنَنَّاهُ في طائفةِ النَّخْل»، أي: ناحِيَتِه وجانِبِه، فقال: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عليكم»، أي: إنِّي أخافُ على أُمَّتِي غيرَ الدَّجَّالِ أكثرَ مِن خَوْفِي إيَّاه، ثُمَّ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنْ يَخرُج وأنا فِيكُم، فأنا حَجِيجُه دُونَكم»، أي: خَصْمُه الذي يُحَاجُّه ويُقِيمُ عليه الحُجَّةَ، «وإن يَخْرُجْ ولستُ فِيكُم، فامْرُؤٌ حَجِيجُ نفسِه»، أي: فكلُّ امْرِئٍ يُحَاجُّه ويُحَاوِرُه ويُغَالِبُه لِنَفْسِه، «واللهُ خَلِيفَتِي على كلِّ مُسلِم»، أي: اللهُ وَلِيُّ كلِّ مُسلِم وحَافِظُه، فيُعِينُه عليه ويَدْفَعُ شَرَّهُ، «إنَّه شابٌّ قَطَطٌ»، أي: شديدُ القِصَر، وقيل: شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعَرِ، «عَيْنُه طافِئَةٌ»، أي: مُرتَفِعَة، «كأنِّي أُشَبِّهُه بعَبْدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ» وهو رَجُلٌ مِن خُزَاعَةَ مات في الجَاهِلِيَّةِ، «فمَن أَدْرَكَه منكم فَلْيَقْرَأْ عليه فَوَاتِحَ سُورةِ الكَهْفِ، إنَّه خَارِجٌ خَلَّةً بينَ الشَّامِ والعِرَاقِ»، أي: خارجٌ في خَلَّةٍ وهي الطَرِيق بينَ هاتين الجِهتينِ، والخَلَّةُ: مَوْضِع صُخُور، «فعَاثَ يَمِينًا وعَاثَ شِمَالًا» وهو الإسراعُ والشِّدَّة في الفَسَاد، «يا عِبَادَ الله، فاثْبُتُوا»، فسَأَل الصحابةُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «وما لُبْثُه في الأرضِ؟» فأجابهم صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَرْبَعُونَ يومًا، يومٌ كَسَنَةٍ، ويومٌ كَشَهْرٍ، ويومٌ كَجُمُعَةٍ، وسائِرُ أيَّامِه كأيَّامِكُم»، فسألوا: «يا رسولَ الله، فذلك اليومُ الذي كَسَنَةٍ، أتَكْفِينا فيه صلاةُ يومٍ؟ قال: لا، اقْدُرُوا له قَدْرَه» وذلك بأنْ يُصَلُّوا في قَدْرِ كلِّ يومٍ وليلةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ؛ فتَجْتَمِعُ في ذلك اليومِ الواحِدِ صلاةُ سَنَةٍ كاملةٍ، ومعناه: أنَّ امتدادَ ذلك اليومِ بهذا القَدْرِ مِن الطُّولِ يكونُ حَقِيقِيًّا، لا أنَّ الناسَ يَظُنُّونَه كذلك لِأَجْلِ ما هُم فيه مِنَ الهَمِّ والغَمِّ لِأَجْلِ المُصِيبَةِ والفَسَادِ. فسألوا: «يا رسولَ الله، وما إسراعُه في الأرضِ؟ قال: كالغَيْثِ» والمرادُ به: الغَيْمُ، أي: يُسرِعُ في الأرضِ إسراعَ الغَيْمِ «اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ»، أي: جاءَتْه الرِّيحُ مِن خَلْفِه، «فيَأْتِي على القومِ فيَدْعُوهُم، فيُؤمِنون به ويَستجِيبُون له، فيَأْمُرُ السماءَ فَتُمْطِرُ، والأرضَ فتُنبِتُ، فتَرُوحُ عليهم»، أي: تَرْجِعُ مَسَاءً «سَارِحَتُهم»، أي: مَوَاشِيهم «أَطْوَلَ ما كانت ذُرًا»، أي: أَسْنِمَةً، «وأَسْبَغَه»، أي: أكمَلَه «ضُرُوعًا» والضَّرْعُ مِن الحيوان بِمَنْزِلَةِ الثَّدْيِ مِنَ المرأةِ، «وأَمَدَّهُ»، أي: أَطْوَلَه أو أَوْسَعَه «خَوَاصِرَ»، وهي أطرافُ البَطْن، «ثُمَّ يَأْتِي القومَ فيَدْعُوهم، فيَرُدُّونَ عليه قولَه، فيَنصَرِف عنهم، فيُصبِحون مُمْحِلِينَ»، أي: مُصابِين بالقَحْطِ والجَدْبِ «ليس بأيديهم شيءٌ مِن أموالِهم، ويَمُرُّ بِالخَرِبَةِ» وهي الأرضُ غيرُ المَعْمُورَةِ، فيقول لها: «أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فتَتْبَعُه كُنُوزُها كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ» واليَعَاسِيبُ: جمعُ يَعْسُوبٍ، وهو ذَكَرُ النَّحْلِ وأَمِيرُها، والنَّحْلُ تَطِيرُ جُنُودًا مُجنَّدةً وراءَ أَمِيرِها وتَذهب حيثُ ذَهَب، فكأنَّه قال: كما تَتْبَعُ النحلُ يَعَاسِيبَها، «ثُمَّ يَدْعُو رجلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فيَضْرِبُه بالسَّيْفِ فَيَقْطَعُه جَزْلَتَيْنِ»، أي: قِطْعَتَيْنِ «رَمْيَةَ الغَرَضِ»، أي: يَجْعَل بينَ الجَزْلَتَيْنِ مِقدارَ ما بينَ مَكَانِ رَمْيَةِ السَّهْمِ وبينَ الهَدَفِ، «ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقبِل ويَتَهَلَّلُ وجهُه، يَضْحَكُ، فبَيْنما هو كذلك إذ بَعَثَ اللهُ المَسِيحَ بنَ مَرْيَمَ، فيَنْزِلُ عندَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ»، أي: لَابِسًا مَهْرُودَتَيْنِ، يعني: ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِوَرْسٍ ثُمَّ بِزَعْفَرَانٍ، «واضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إذا طَأْطَأَ رأسَه قَطَرَ، وإذا رَفَعَه تَحَدَّرَ»، أي: نَزَلَ قَطْرَةً بعدَ قَطْرَةً «منه جُمَانٌ كاللُّؤْلُؤِ»، والجُمَانُ: حَبَّاتٌ مصنوعةٌ مِن الفِضَّةِ على هيئةِ اللُّؤْلُؤِ الكِبَارِ، والمُرادُ: يَتحدَّر منه الماءُ أو العَرَقُ على هيئةِ اللُّؤْلُؤِ في الصَّفَاءِ والحُسْنِ، «فلا يَحِلُّ»، أي: لا يُمْكِنُ ولا يَقَعُ «لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِه إلَّا مات، ونَفَسُه يَنتهِي حيثُ يَنتهِي طَرْفُه، فيَطْلُبُه»، أي: فيَطْلُبُ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ «حتَّى يُدْرِكَه ببابِ لُدٍّ» اسمِ قَرْيَةٍ في فِلَسْطِينَ «فيَقْتُلُه، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى بنَ مَرْيَمَ قومٌ قد عَصَمَهم الله منه، فيَمْسَحُ عن وُجوهِهم»، أي: يَرْحَمُهم ويُواسِيهم ويَتَلطَّف بهم «ويحدِّثهم بدَرَجاتِهم في الجَنَّةِ، فبَيْنما هو كذلك إذ أَوْحَى الله إلى عِيسَى: إنِّي قد أَخْرَجْتُ عِبَادًا لي لا يَدَانِ»، أي: لا قُدرةَ ولا طاقةَ «لأحدٍ بقتالِهم، فحَرِّزْ عِبَادِي»، أي: ضُمَّهُم واجْمَعْهُم «إلى الطُّورِ» واجْعَلْه حِرْزًا لهم، والطُّورُ: جَبَلٌ معروفٌ في سَيْنَاءَ، «ويَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ»، أي: مِن كلِّ أَكَمَةٍ وموضعٍ مُرتَفِعٍ «يَنسِلُون»، أي: يَمْشُونَ مُسرِعينَ، «فيَمُرُّ أوائلُهم على بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فيَشْرَبُونَ ما فيها، ويَمُرُّ آخرُهم فيقولون: لقد كان بِهَذِه مَرَّةً ماءٌ، ويُحْصَرُ» أي يُحْبَسُ «نَبِيُّ الله عِيسَى وأصحابُه، حتَّى يكونَ رأسُ الثَّوْرِ لأحدِهم خيرًا مِن مِئَةِ دِينَارٍ لأحدِكم اليومَ»، أي: تَبْلُغُ بهم الفَاقَةُ إلى هذا الحَدِّ، وإنَّما ذَكَر رأسَ الثَّوْرِ لِيُقَاسَ البقيَّةُ عليه في القِيمة، «فيَرْغَبُ نبيُّ الله عِيسَى وأصحابُه»، أي: إلى الله، فيَتضرَّعون له ويَدعُونه أن يَرفعَ عنهم هذا البلاءَ، «فيُرْسِل اللهُ عليهم النَّغَفَ» وهو دُودٌ يكونُ في أُنُوفِ الإِبِلِ والغَنَمِ «في رِقَابِهم، فيُصبِحون فَرْسَى» أي قَتْلَى «كمَوْتِ نَفْسٍ واحدةٍ»، أي: يَمُوتون كلُّهم كموتِ نفسٍ واحدةٍ، ثُمَّ يَهبِط نبيُّ الله عِيسَى وأصحابُه إلى الأرضِ، فلا يَجِدُونَ في الأرضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إلا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ ونَتْنُهُمْ»، أي: دَسَمُهُم ورائحتُهم الكريهة المُنْتِنَة، «فيَرْغَبُ نبيُّ الله عِيسَى وأصحابُه إلى الله»، أي: فيَتَضرَّعون له ويَدْعُونَه أن يَرفعَ عنهم هذا البلاءَ، فيُرْسِلُ الله طيرًا كأَعْنَاقِ البُخْتِ»، أي: كأعناقِ الإِبِلِ البُخْتِ، وهي الإِبِلُ التي تُنْتَجُ مِن عَرَبِيَّةٍ وغيرِ عَرَبِيَّةٍ، وتكونُ طِوَالَ الأعناقِ، «فتَحْمِلُهم فَتَطْرَحُهم حيثُ شاء الله، ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ منه»، أي: لا يَسْتُرُ، يعني: لا يَمْنَعُ مِن نُزولِ الماءِ «بيتُ مَدَرٍ» وهو الطِّينُ الصُّلْبُ «ولا وَبَرٍ» والوَبَرُ لِلْإِبِلِ بمنزلةِ الشَّعْرِ لِلْمَعْزِ وبمنزلةِ الصُّوفِ للضَّأْنِ، «فيَغْسِلُ الأرضَ حتَّى يَتْرُكَها كالزَّلَفَةِ» وهي المِرْآةُ، والمرادُ: أنَّ الماءَ يَعُمُّ جميعَ الأرضِ بحيث يَرى الرائي وجهَه فيه، «ثُمَّ يُقَالُ للأرضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، ورُدِّي بَرَكَتَكِ، فيَومئذٍ تَأكُل العِصَابَةُ»، أي: الجماعةُ «مِنَ الرُّمَّانَةِ، ويَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِها»، أي: بقِشْرِها، «ويُبَارَكُ في الرِّسْلِ»، أي: اللَّبَنِ «حتَّى أنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ»، أي: النَّاقَةَ ذاتَ اللَّبَنِ «لَتَكْفِي الفِئَامَ»، أي: الجماعةَ الكبيرةَ «مِنَ الناس، واللِّقْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفِي القَبِيلَةَ مِن الناسِ، واللِّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكْفِي الفَخِذَ مِن الناسِ» وهم الأقارِبُ الذين يَنتسِبون إلى جَدٍّ قريبٍ، وهم دُونَ البَطْنِ، والبَطْنُ دونَ القَبِيلَةِ، «فبَيْنَما هم كذلك إذ بَعَث الله رِيحًا طَيِّبَةً، فتَأْخُذَهم تحتَ آباطِهِم، فتَقبِض رُوحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مُسلِمٍ، ويَبْقَى شِرَارُ الناسِ يَتَهَارَجُونَ فيها تَهَارُجَ الحُمُرِ»، أي: يُجامِعُ الرِّجَالُ النِّساءَ عَلَانِيَةً بِحَضْرَةِ الناسِ كما يَفْعَلُ الحَمِيرُ، لا يَكْتَرِثُونَ لذلك، «فعَلَيْهِم تقومُ الساعةُ»، أي: لا على غيرِهم.

وفي روايةٍ: وزاد بعد قولِه: «لقد كان بِهَذِه مَرَّةً ماءٌ»: «ثُمَّ يَسِيرُونَ حتَّى يَنْتَهُوا إلى جَبَلِ الخَمَرِ»، والخَمَرُ: هو الشَّجرُ المُلْتَفُّ الذي يَستُر مَن فيه، وهو جَبَلُ بيتِ المَقْدِسِ، «فيقولون: لقد قَتَلْنَا مَن في الأرضِ، هَلُمَّ» أي تَعَالَ «فَلْنَقْتُلْ مَن في السماءِ، فيَرْمُونَ بِنُشَّابِهم» أي سِهَامِهم «إلى السماءِ» أي إلى جِهَتِها، «فيَرُدُّ الله عليهم نُشَّابَهم مَخْضُوبَةً دَمًا»، أي: مَصْبُوغَةً دَمًا.  وفي روايةِ ابنِ حُجْرٍ: «فإنِّي قد أَنْزَلْتُ عِبَادًا لي، لا يَدَيْ لأحدٍ بقِتالهم».

في الحديثِ: بيانُ فِتنةِ الدَّجَّالِ.  وفيه: إخبارُه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الغَيْبِيَّاتِ، وبعضٍ مِن علاماتِ السَّاعةِ.  وفيه: علامةٌ مِن علاماتِ نُبُوَّتِه صلَّى الله عليه وسلَّم.  وفيه: ذِكرُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.  وفيه: نُزولُ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ عليه السلامُ وقَتْلُه للدَّجَّالِ .

[165] الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم:4809، خلاصة حكم المحدث :]صحيح[

[166] (كُنَّا عِنْدَ عبدِ اللهِ جُلُوسًا، وَهو مُضْطَجِعٌ بيْنَنَا، فأتَاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أَبَا عبدِ الرَّحْمَنِ إنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ وَيَزْعُمُ، أنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بأَنْفَاسِ الكُفَّارِ، وَيَأْخُذُ المُؤْمِنِينَ منه كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقالَ عبدُ اللهِ: وَجَلَسَ وَهو غَضْبَانُ: يا أَيَّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ، مَن عَلِمَ مِنكُم شيئًا، فَلْيَقُلْ بما يَعْلَمُ، وَمَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فإنَّه أَعْلَمُ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ: لِما لا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: {قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عليه مِن أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ} إنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إدْبَارًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ قالَ: فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شيءٍ، حتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنَ الجُوعِ، وَيَنْظُرُ إلى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فأتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بطَاعَةِ اللهِ، وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وإنَّ قَوْمَكَ قدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ لهمْ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: }فَارْتَقِبْ يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ} إلى قَوْلِهِ: {إنَّكُمْ عَائِدُونَ}. قالَ: أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟ {يَومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ}. فَالْبَطْشَةُ يَومَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ، وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ، وَآيَةُ الرُّومِ.) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2798، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[).

(قالَ عبدُ اللَّهِ: إنَّما كانَ هذا، لأنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَوْا علَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَعَا عليهم بسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فأصَابَهُمْ قَحْطٌ وجَهْدٌ حتَّى أكَلُوا العِظَامَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى السَّمَاءِ فَيَرَى ما بيْنَهُ وبيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الجَهْدِ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَارْتَقِبْ يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذَابٌ ألِيمٌ} قالَ: فَأُتِيَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقِيلَ له: يا رَسولَ اللَّهِ: اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ، فإنَّهَا قدْ هَلَكَتْ، قالَ: لِمُضَرَ؟ إنَّكَ لَجَرِيءٌ فَاسْتَسْقَى لهمْ فَسُقُوا، فَنَزَلَتْ: {إنَّكُمْ عَائِدُونَ} فَلَمَّا أصَابَتْهُمُ الرَّفَاهيةُ عَادُوا إلى حَالِهِمْ حِينَ أصَابَتْهُمُ الرَّفَاهيةُ، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: }يَومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ{ قالَ: يَعْنِي يَومَ بَدْرٍ.) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4821، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[ )

[167] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6393، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

[168] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3386، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[،  انظر شرح الحديث رقم 17874.  التخريج: أخرجه البخاري (1006)، ومسلم (675) باختلاف يسير.

[169] (لَمَّا رَفَعَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قالَ: اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بنَ هِشَامٍ، وعَيَّاشَ بنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ بمَكَّةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأَتَكَ علَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ.) (الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6200، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[،  انظر شرح الحديث رقم 17877.  التخريج: أخرجه البخاري (6200) واللفظ له، ومسلم (675).)

(اللَّهمَّ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ، اللَّهمَّ أنْجِ سَلَمةَ بنَ هشامٍ، اللَّهمَّ أنْجِ الوَليدَ بنَ الوَليدِ، اللَّهمَّ أنْجِ المُستَضعَفينَ مِنَ المُؤمِنينَ، اللَّهمَّ اشدُدْ وَطأتَكَ على مُضَرَ، اللَّهمَّ اجعَلْها سِنينَ كسِني يوسُفَ، اللهُ أكبَرُ. ثم خَرَّ ساجِدًا.) (الراوي: أبو هريرة، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 10521، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 141098.  التخريج: أخرجه البخاري (6200)، ومسلم (675)، والنسائي (1073)، وابن ماجه (1244)، وأحمد (10521) واللفظ له)

[170] قَنَتَ، أي: دَعا قَبلَ أنْ يَسجُدَ قائلاً: اللَّهمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ، اللَّهمَّ أَنْجِ الوَليدَ بنَ الوَليدِ، اللَّهمَّ أَنْجِ سَلَمةَ بنَ هِشامٍ، والوَليدُ وسَلَمةُ وعيَّاشٌ رضي الله عنهم حَبَسَهم المُشرِكونَ في مَكَّةَ لَمَّا أَسلَموا ومَنَعوهم مِن الهِجرةِ، وقَد تَواعَدوا جميعًا لِلهُروبِ مِن المُشرِكينَ، فَدَعا لَهُم النَّبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم، اللَّهمَّ أَنْجِ المُستَضعَفينَ مِن المُؤمِنينَ، وهو دعاءٌ عامٌّ بَعدَ خاصٍّ، والمُرادُ بالمُستَضعَفينَ مِن المُؤمِنينَ هُم ضُعَفاء المُؤمِنينَ بِمَكَّةَ وغَيرِها الَّذينَ حَبَسَهم الكُفَّارُ عن الهِجرةِ وآذَوْهم وعَذَّبوهم، اللَّهمَّ اشْدُد "وَطْأَتَك"، أي: عُقوبَتَك عَلى كُفَّارِ قُرَيْش أولاد مُضَرَ، القَبيلة المَشْهورة الَّتي مِنها جَميعُ بُطونِ قُرَيْش وغَيرهم، اللَّهمَّ اجْعَلْها، أي: عُقوبتَك سِنينَ مُجدِبة كَسِنيِّ يُوسُفَ، فَيَكونُ المَعنى هُنا هو الدُّعاء عليهم بالقَحْطِ العَظيمِ.

[171] https://www.youtube.com/watch?v=deb-ZkTS61s

الزمن: (15:53).

[172] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3170، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[، التخريج: أخرجه البخاري (1002) واللفظ له، ومسلم (677).  كَذَبَ: بمعنى أخطأ

[173] على سبيل المثال يمكن استماع حلقة التفسير المسجلة والتي أذيعت على قناة حياة FM ليوم الأربعاء الثاني عشر من شباط للعام 2020

[174] في الحادي عشر من آذار 2020 وأثناء حلقته على قناة حياة

[175] https://eijaz.mutah.edu.jo/samadokhan.htm

عمري، حسين: دخان السّماء المتوعدُ به

[176] https://eijaz.mutah.edu.jo/QDSEMPDJ.htm

عمري، حسين: الوصف القرآني لحالة الأرض والجبال والكواكب مع نهاية العالم وبداية يوم القيامة

[177] www.quraan-physics.com/eijaz/eartharabic.htm

عمري، حسين وآخرون .  الإعجاز الفيزيائي في آيات مدّ الأرض، على الرابط:

https://eijaz.mutah.edu.jo/eartharabic.htm

[178] الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم:  2582، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[179] الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم:2420، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[180] الراوي: أبو المغيرة، المحدث: الألباني، المصدر: السلسلة الصحيحة، الصفحة أو الرقم:  4/607، خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد

[181] الراوي: -، المحدث: أحمد شاكر، المصدر: عمدة التفسير، الصفحة أو الرقم: 1/772، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[182]  https://www.youtube.com/watch?v=P72SjtELm-E

الدقيقة: 23:28

[183] https://al-maktaba.org/book/31871/5002

[184] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[185] https://www.youtube.com/watch?v=wHGRGQFi4DI

الزمن: (20:20)، الزمن: (21:14-23:00).

[186] http://alhaydari.com/ar/2011/06/197/

[187] https://islamqa.info/ar/answers/166843/اثبات-القدمين-لله-تعالى

[188] https://www.youtube.com/watch?v=9AN5sP5cYfQ

(الزمن:  17:06).

[189] https://www.youtube.com/watch?v=P72SjtELm-E

الدقيقة: (22:55).

[190] https://www.youtube.com/watch?v=praM_QgYv50

الزمن: (26:55)

[191] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة. ص: 158-159

[192] الراوي: أبو أمامة الباهلي، المحدث: الألباني، المصدر: تخريج مشكاة المصابيح، الصفحة أو الرقم: 683، خلاصة حكم المحدث: له شاهد إسناده حسن، ورواه مسلم مختصرا.  التخريج: ذكره الذهبي في ((العلو)) (1/98) باختلاف يسير

[193] الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج العواصم والقواصم، الصفحة أو الرقم: 5/ 143، خلاصة حكم المحدث: رجاله ثقات [وروي بإسناد منقطع].  التخريج: أخرجه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (31)، والشاشي في ((المسند)) (410)، والطبراني (417/9) ( 9763)

الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: الحاكم، المصدر: المستدرك على الصحيحين، الصفحة أو الرقم: 5/812، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[194] الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: ابن القيم، المصدر: حادي الأرواح، الصفحة أو الرقم: 262، خلاصة حكم المحدث: حسن،  انظر شرح الحديث رقم 112166

الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 10/343، خلاصة حكم المحدث:  ]روي] من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة،  انظر شرح الحديث رقم 120855

الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترغيب، الصفحة أو الرقم: 3591، خلاصة حكم المحدث  صحيح،  شرح الحديث

الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: الألباني، المصدر: مختصر العلو، الصفحة أو الرقم: 69، خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن أو أعلى،  انظر شرح الحديث رقم 114597.  التخريج: أخرجه أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (31)، والطبراني (9/417) (9763)، والدارقطني في ((رؤية الله)) (163) باختلاف يسير.

الراوي: عبدالله بن عمرو، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2940، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[،  شرح الحديث

الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الجامع، الصفحة أو الرقم: 8047، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 22166

الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني، المصدر: السلسلة الصحيحة، الصفحة أو الرقم: 584، خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد.  التخريج: أخرجه الدارمي (2803) واللفظ له، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (732)

الراوي: أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس، المحدث: البوصيري، المصدر :إتحاف الخيرة المهرة، الصفحة أو الرقم: 6/291، خلاصة حكم المحدث: إسناده رواته ثقات

الراوي: عبد الله بن عمرو، المحدث: ابن حبان، المصدر: صحيح ابن حبان، الصفحة أو الرقم: 7353، خلاصة حكم المحدث: أخرجه في صحيحه،  انظر شرح الحديث رقم 22165

الراوي: أبو هريرة، المحدث: ابن منده، المصدر: الإيمان لابن منده، الصفحة أو الرقم: 301، خلاصة حكم المحدث: مقبول رواته مشاهير

الراوي: أبو الزعراء، المحدث: الحاكم، المصدر: المستدرك، الصفحة أو الرقم: 5/822، خلاصة حكم المحدث: صحيح على شرط الشيخين

الراوي: أبو الزعراء، المحدث: الحاكم، المصدر: المستدرك، الصفحة أو الرقم: 5/698، خلاصة حكم المحدث: صحيح على شرط الشيخين

الراوي: أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس، المحدث: القرطبي المفسر، المصدر: التذكرة للقرطبي، الصفحة أو الرقم: 327، خلاصة حكم المحدث: حسن. التخريج: أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (630)

الراوي: -، المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى، الصفحة أو الرقم: 6/493، خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد

الراوي: أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس، المحدث: القرطبي المفسر، المصدر: التذكرة للقرطبي، الصفحة أو الرقم: 327، خلاصة حكم المحدث: حسن.  التخريج: أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (630)

الراوي: -، المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى، الصفحة أو الرقم: 6/493، خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد

[195] https://www.youtube.com/watch?v=tylZekyM-lM

الحاكمية لله هي الموجودة في المجتمع / دين ودنيا 17-8-2020.    الزمن: (21: 25)

[196]  الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 5050، خلاصة حكم المحدث: (صحيح) .  التخريج: أخرجه البخاري (5050) واللفظ له، ومسلم (800)

[197] https://www.islamweb.net/ar/article/210658/أنتم-شهداء-الله-في-الأرض

[198]  الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: البوصيري، المصدر: إتحاف الخيرة المهرة، الصفحة أو الرقم:8/176، خلاصة حكم المحدث: ]فيه] ابن لهيعة وهو ضعيف.   التخريج: أخرجه أبو يعلى (1392)، والحاكم (8790)، والطبري في ((تفسيره)) (19/140)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (15089) باختلاف يسير

الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: الألباني، المصدر: السلسلة الضعيفة، الصفحة أو الرقم: 2708، خلاصة حكم المحدث: ضعيف

[199]  الراوي: لبيبة الأنصاري، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 7/7، خلاصة حكم المحدث: ]فيه] عبد الرحمن بن لبيبة لم أعرفه وبقية رجاله ثقات

[200]  الراوي: محمد بن فضالة الظفري الأنصاري، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 7/7، خلاصة حكم المحدث: رجاله ثقات

[201]  الراوي: محمد بن فضالة الأنصاري، المحدث: السيوطي، المصدر: الدر المنثور، الصفحة أو الرقم:4/444، خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن

[202]  الراوي: محمد بن فضالة الظفري الأنصاري، المحدث: أحمد شاكر، المصدر: عمدة التفسير، الصفحة أو الرقم: 1/509، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[203] أنظر مثلاً: الدقيقة: (33:55).  على الرابط:  https://www.youtube.com/watch?v=gRwFslFzEN8

[204] ) الراوي: عبدالله بن عباس،  المحدث: البخاري،  المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4940،  خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[

[205] http://dorar.net/hadith?skeys=%D8%B7%D9%8E%D8%A8%D9%82&st=a&xclude=&fillopts=on&t=*

[206]  https://eijaz.mutah.edu.jo/Situations.htm

www.quraan-physics.com/eijaz/Situations.htm  

[207] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4712، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[،  انظر شرح الحديث رقم 1879).  التخريج: أخرجه البخاري (4712)، ومسلم (194)

[208] https://fatwa.islamweb.net/ar/fatwa/256372/

[209] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3358، خلاصة حكم المحدث:  صحيح.التخريج: أخرجه البخاري (3358) واللفظ له، ومسلم (2371)

[210] (مَن كذَبَ عليَّ فلْيتبَوَّأْ مَقعَدَه منَ النَّارِ مُتعمِّدًا، قاله مرَّتيْنِ، وقال مرَّةً: مَن كذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا.) (الراوي: أنس بن مالك، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 12154، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط الشيخين.  التخريج: أخرجه البخاري (108)، ومسلم (2)، والترمذي (2661)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (5914)، وابن ماجه (32)، وأحمد (12154) واللفظ له

[211] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3170، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[التخريج: أخرجه البخاري (1002) واللفظ له، ومسلم (677)

[212] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم:  6147، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[،  انظر شرح الحديث رقم 15057التخريج: أخرجه البخاري (3841)، ومسلم (2256)

[213] الراوي:  ]أبو هريرة[، المحدث: ابن كثير، المصدر: البداية والنهاية، الصفحة أو الرقم: 7/232، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 62806التخريج: أخرجه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (4915) من حديث الزهري.

[214] الراوي: عروة بن الزبير، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم:  6/35، خلاصة حكم المحدث: مرسل وفيه ابن لهيعة أيضا

[215] الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 1049، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[،  شرح الحديث

[216] الراوي: أم سفيان، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 2/214، خلاصة حكم المحدث: ]فيه] موسى بن عبد الرحمن لم أجد من ذكره وبقية رجاله ثقات‏

[217] الراوي: زيد بن أرقم، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 1/149، خلاصة حكم المحدث: رجاله رجال الصحيح

[218] https://www.youtube.com/watch?v=dNVTOgM9HZ0

الزمن: (15:17).

[219]  https://www.youtube.com/watch?v=P72SjtELm-E

الدقيقة: (37:27).

[220] https://dorar.net/aqadia/2023/المبحث-الثاني-العصمة-من-الصغائر

[221] الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2623، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[،  شرح الحديث

[222] الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الأدب المفرد، الصفحة أو الرقم: 583، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 17584.  التخريج: أخرجه مسلم (2623)، وأبو داود (4983)، وأحمد (10006)

[223] الراوي: أبو هريرة، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 10697، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط مسلم.  التخريج: أخرجه مسلم (2623)، وأبو داود (4983)، وأحمد (10697) واللفظ له

[224] https://www.alukah.net/culture/0/105418/#ixzz5rfeDBuq8

[225] https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/ /البديهيات

[226] وللمزيد أنظر (مجموعة الأشكال) عل الرابط:   https://eijaz.mutah.edu.jo/huge%20clusters.htm

[227] Pan, D. C., Vogeley, M. S., Hoyle, F., Choi, Y.-Y., & Park, C. 2011, ArXiv e-prints.

http://ned.ipac.caltech.edu/level5/March12/Coil/Coil9.html

[228] ) https://www.space.com/24073-how-big-is-the-universe.html

(2*13.8 B Ly*250) = 6.9 Trillion Ly.

[229]  Fairal, Anthony, Large scale structure in the universe, Wiley-Praxisseries In. Britain, 1998, p 105-106.

[230] الراوي: ربيعة بن عمرو الجرشي، خلاصة الدرجة: إسناده صحيح، المحدّث: ابن حجر العسقلاني، المصدر: الإصابة، الصفحة أو الرقم:  1/510

[231] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: الوادعي، المصدر: الصحيح المسند، الصفحة أو الرقم: 652 ، أحاديث مشابهة، خلاصة حكم المحدث: صحيح.  التخريج: أخرجه الترمذي (3241)، وأحمد (24856) واللفظ له

الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 24856، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.  التخريج: أخرجه الترمذي (3241)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11453)، وأحمد (24856) واللفظ له

[232] (إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ علَى مَنابِرَ مِن نُورٍ، عن يَمِينِ الرَّحْمَنِ عزَّ وجلَّ -وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ- الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأَهْلِيهِمْ وما وَلُوا.) (الراوي: عبدالله بن عمرو، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 1827 ، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[ )

[233] الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: ابن العربي، المصدر: عارضة الأحوذي، الصفحة أو الرقم: 6/314، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 66062.  التخريج: أخرجه الترمذي (3242) واللفظ له، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11453)، وأحمد (24856) بنحوه

[234] الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم: 3242، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  شرح الحديث.  التخريج: أخرجه الترمذي (3242) واللفظ له، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11453)، وأحمد (24856) بنحوه

[235] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: الوادعي، المصدر: الصحيح المسند، الصفحة أو الرقم: 599، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 85057.  التخريج: أخرجه الترمذي (3241) واللفظ له، وأحمد (24856)

[236] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: الوادعي، المصدر: الصحيح المسند، الصفحة أو الرقم: 652، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  شرح الحديث.  التخريج: أخرجه الترمذي (3241)، وأحمد (24856) واللفظ له

[237] الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: ابن خزيمة - المصدر: التوحيد - الصفحة أو الرقم  179/1، خلاصة حكم المحدث:   ]أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح[.  التخريج: أخرجه البخاري (7415)، ومسلم(2786) باختلاف يسير

[238] الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4811، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[ .  التخريج: أخرجه البخاري (4811)، ومسلم (2786)

[239] الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: أبو نعيم - المصدر: حلية الأولياء - الصفحة أو الرقم  7/141، خلاصة حكم المحدث: متفق عليه [أي:بين العلماء[.  التخريج: أخرجه البخاري (4811)، ومسلم (2786) باختلاف يسير، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (7/126) واللفظ له

[240] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 2267، خلاصة حكم المحدث: حسن لغيره.  التخريج: أخرجه الترمذي (3240)، وأحمد (2267) واللفظ له

[241] (جاءَ حَبرٌ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: يا مُحمَّدُ أو يا رسولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ يحمِلُ السَّمواتِ على إصبعٍ والأرضينَ على إصبعٍ والجبالَ على إصبعٍ، والشَّجرَ على إصبعٍ، والماءَ، والثَّرى على إصبَعٍ، وسائرَ الخلقِ على إصبعٍ يَهُزُّهنَّ فيقولُ: أَنا الملِكُ . قالَ: فَضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، حتَّى بدَت نواجذُهُ تَصديقًا، لقولِ الحبرِ، ثمَّ قرأَ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلى آخرِ الآيةَ) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: أحمد شاكر، المصدر: مسند أحمد، الصفحة أو الرقم: 6/170، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح .  التخريج: أخرجه البخاري (7451)، ومسلم (2786)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (7736) باختلاف يسير، وأحمد (4368) واللفظ له)

(جاء حبرٌ من اليهودِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنَّه إذا كان يومُ القيامةِ جعل اللهُ السَّماواتِ على أصبعٍ، والأرْضين على أصبعٍ، والجبالَ والشَّجرَ على أصبعٍ، والماءَ والثَّرَى على أصبعٍ، والخلائقَ كلَّها على أصبعٍ، ثمَّ يهزُّهنَّ ثمَّ يقولُ: أنا الملكُ أنا الملكُ، قال: فلقد رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضحِك حتَّى بدت نواجذُه، تعجُّبًا له، وتصديقًا له، ثمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -:  } وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ { ) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: ابن خزيمة، المصدر: التوحيد، الصفحة أو الرقم: 184/1، خلاصة حكم المحدث:  ]أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح[.  التخريج: أخرجه البخاري (7451)، ومسلم (2786)، وأحمد (4368)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (7736) باختلاف يسير، وابن خزيمة في ((التوحيد)) (1/183) واللفظ له)

(جَاءَ حَبْرٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أَوْ يا أَبَا القَاسِمِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ يَومَ القِيَامَةِ علَى إصْبَعٍ، وَالأرَضِينَ علَى إصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ علَى إصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى علَى إصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ علَى إصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فيَقولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا ممَّا قالَ الحَبْرُ، تَصْدِيقًا له، ثُمَّ قَرَأَ: {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَومَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]. 7148- [20-...] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شيبَةَ، وإسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ كِلَاهُمَا، عن جَرِيرٍ، عن مَنْصُورٍ بهذا الإسْنَادِ، قالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ،... بمِثْلِ حَديثِ فُضَيْلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ. وَقالَ: فَلقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا لِما قالَ تَصْدِيقًا له، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: {وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} وَتَلَا الآيَةَ.) (الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2786، خلاصة حكم المحدث:  ]صحيح[  .  التخريج: أخرجه البخاري (7451)، ومسلم (2786). )

[242] مذاهب الناس في صفة المحبة لله عز وجل، المؤلف: د. عبد المجيد بن محمد الوعلان، المكتبة الشاملة، ص 6 .

[243] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: الوادعي، المصدر: الصحيح المسند، الصفحة أو الرقم: 599، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 85057.  التخريج: أخرجه الترمذي (3241) واللفظ له، وأحمد (24856)

[244] الراوي: -، المحدث: ابن باز، المصدر: مجموع فتاوى ابن باز، الصفحة أو الرقم: (246/1، 220/1)، خلاصة حكم المحدث: متواترة

[245] الراوي: أبو بكرة نفيع بن الحارث، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح ابن ماجه، الصفحة أو الرقم: 191، خلاصة حكم المحدث: صحيح

[246] عمري، حسين، الأرضون السّبع لغز المادّة المظلمة، مجلّة كليّة المعارف الجامعة، الأنبار، (2004)، العدد السادس، ص 10.  نسخة على الرابط: https://eijaz.mutah.edu.jo/sevenardhoan.htm

عمري، حسين، محاضرة: معاني الأرض على الرابط:https://eijaz.mutah.edu.jo/ardhmeaningslecture.htm

عمري، حسين، 2004، خلق الكون بين الآيات القرآنيّة والحقائق العلميّة، مؤتة للبحوث والدّراسات (سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعيّة)، المجلد 19، العدد 4، ص  11 - 41.  نسخة على الرابط:

http://eijaz.mutah.edu.jo/univcreation.htm

[247] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

منهج التعامل مع القرآن الكريم للدكتور أحمد نوفل

[248] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4849، خلاصة حكم المحدث:  صحيح

[249] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6661، خلاصة حكم المحدث:  صحيح

[250] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[251]  https://eijaz.mutah.edu.jo/Judgmentdaylength.htm

[252]  - صحيح ابن حبان، كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة، باب إخباره صلى الله عليه وسلم عن البعث وأحوال الناس في ذلك ، حديث رقم: 7334 ؛  مسند أبي يعلى الموصلي، من مسند أبي سعيد الخدري، من مسند أبي سعيد الخدري،  رقم:  1391؛ حسن - المحدث: العجلوني - المصدر: كشف الخفاء - الصفحة أو الرقم 2/522؛ إسناده حسن - المحدث: السيوطي - المصدر: البدور السافرة - الصفحة أو الرقم 87.

[253] https://eijaz.mutah.edu.jo/Judgmentdaylength.htm

[254] وجاء في تفسير البغوي  ما يشير إلى هذا المعنى: " وقيل: إلا ما شاء ربك: سوى ما شاء ربك، [ معناه خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك ] . من الزيادة على قدر مدة بقاء السماوات والأرض، وذلك هو الخلود فيها، كما تقول: لفلان علي ألف إلا الألفين، أي: سوى الألفين اللتين تقدمتا .".

[255] https://islamqa.info/ar/answers/ موت-الملاىكة

موقع الإسلام سؤال وجواب.  سؤال رقم (105309)،  تاريخ النشر: 03-08-2010

[256] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4476، خلاصة حكم المحدث: [صحيح] .  التخريج: أخرجه البخاري (4476) واللفظ له، ومسلم (193)

[257] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 7510، خلاصة حكم المحدث: [صحيح].  التخريج: أخرجه البخاري (7510) واللفظ له، ومسلم (193)

[258] إِذا كانَ يَومُ القيامةِ، وَجُمِعَ الخَلْقُ في المَحشَرِ، وَدَنَت الشَّمسُ مِن الرُّؤوسِ، واشتَدَّت الحَرارةُ، وَتَصَبَّبَ العَرَقُ، وَأصابَ النَّاسَ مِن الكَربِ ما أصابَهم، وَيَحكي أنَس رضي الله عنه عِندَما سَألَه بَعضُ أهلِ البَصْرةِ عَن حَديثِ الشَّفاعةِ، فَحَدَّثَهم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ: إِذا كانَ يَومُ القيامةِ "ماجَ النَّاسُ"، أي: اضْطَربوا مِن هَوْلِ ذَلك اليَوْمِ، فَأخَذوا يَلتمِسونَ الشَّفاعةَ عِندَ الأنْبياءِ واحِدًا واحِدًا، وَكُلُّ واحِد منهم يَعتذِر عَن الشَّفاعةِ قائِلًا: لَستُ أهْلًا لَها، وَيَذكُر شَيْئًا يَراه ذَنْبًا، وَيَقولُ: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا شَديدًا حتَّى يَصِلوا إلى مُحَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فيُجيبهم إلى طَلَبِهم، وَيَتَصدَّى للشَّفاعةِ، وَيَقولُ: "أنا لَها"، فَيَسْأَل صلَّى الله عليه وسلَّم الشَّفاعةَ لأُمَّتِه، قائلاً: أُمَّتي أُمَّتي، وَذلك بَعدَ أن يَخِرَّ لهً ساجِدًا وَيَأمُره رَبُّه بأن يَرفَع رَأسَه وَأن يَشْفَعَ يُشَفَّع.  وَهُنا تَتَجَلَّى رَحمةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأن يَقولَ للحَبيبِ صلَّى الله عليه وسلَّم: انْطَلِق فَأخْرِج مِنها مَن كانَ في قَلبِه مِثقالُ شُعَيْرةٍ مِن إيمانٍ.

ثُمَّ يَفعَل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِثْلَما فَعَلَ سابقًا فَتَتَجَلَّى رَحمةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَحمتُه لا تَنقطِع وَيَقول للحَبيبِ صلَّى الله عليه وسلَّم: انْطَلِقْ، فَأخْرِج مَن كانَ في قَلبِه مِثقالُ "ذَرَّة".

ثُمَّ يَفعَل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِثْلَما فَعَلَ سابقًا مَرَّةً أُخرى، وَيَزيدُ الرَّحمنُ في رَحمتِه بِعِبادِه، وَيَقول لِلحَبيبِ صلَّى الله عليه وسلَّم: انْطَلِق، فَأخْرِج مَن كانَ في قَلْبِه أدْنى أدْنى أدْنى مِثْقالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ فَأَخْرِجه مِن النَّارِ.

وَزادَ الحَسَنُ البَصريُّ أنَّ أنَسًا حَدَّثَه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَفعَل مِثلَما فَعَلَ سابقًا، وَيَقول لَه الرَّحمنُ اشْفَعْ تُشَفَّع، فَيَقول: يا رَبِّ، ائْذَن لي فيمَن قالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَقول: وَعِزَّتي وَجَلالي وَكِبريائي وَعَظَمتي لَأُخرِجَنَّ مِنها مَن قالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.

وقالَ لِمَن سَألوه لا أدْري أَنَسي أَنَسٌ أن يُحدِّثَكم بِهَذا أَم كَرِهَ أن تَتَّكِلوا.

في الحَديثِ: إِثْباتُ صِفةِ الكَلامِ لله عَزَّ وَجَلَّ.   وفيه: رَحمةُ اللهِ بِعِبادِه.  وفيه: إثْباتُ الشَّفاعةِ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَوْمَ القيامةِ

[259] الراوي: أبو سعيد الخدري و جابر بن عبدالله، المحدث: الألباني، المصدر: رفع الأستار، الصفحة أو الرقم: 78، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح موقوفا

[260] وهذه الأقوال العشرة لم يطّلع عليها د. نوفل، ولم يشر إلى شيءٍ منها!

[261] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 7450، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

[262] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 7450، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

[263] الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6559، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]) .  قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء . (25).

[264] الراوي: عمرو بن ميمون، المحدث: ابن حجر، العسقلاني، المصدر: الكافي الشاف، الصفحة أو الرقم: 148، خلاصة حكم المحدث: رجاله ثقات

[265] الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 4849، خلاصة حكم المحدث:  صحيح

[266] عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) قال: قالت يا رسول الله، فأين الناس يومئذ ؟ قال: " لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك أن الناس على جسر جهنم .  وروى الإمام أحمد من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى: ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) [ الزمر: 67 ] فأين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال: " هم على متن جهنم " .

[267] https://arabi21.com/story/1262252/ الأردن..-عالم-تفسير-يثير-جدلا-حول-أحاديث-الصحيحين

[268] https://ar.wikipedia.org/wiki/التفسير_بالرأي            

[269] https://www.youtube.com/watch?v=RumlqAim_E4

الزمن: (05:40).

[270] https://www.youtube.com/watch?v=tylZekyM-lM

الزمن: (10:15)

[271] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

الزمن: (37:40 )

[272]  أنظر: الألفاظ التي جاءت على (فاعول) في القرآن الكريم: صفحة 109-110 .  المؤلف: م. د. رجاء عبد الرحيم خاشع. المديرية العامة للتربية في بغداد الكرخ/2 .  الكتاب على الرابط:

https://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=56568

[273] https://www.youtube.com/watch?v=ecQQprpiehw&t=545s 

لقاء الأسبوع | تجربتي مع التفسير 7.  الدقيقة 22:30

[274] مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري.  مكتبة الآداب، القاهرة، الطبعة الأولى:  2009 م -  1429 هـ .  صفحة 53 - 59.

[275] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

هل ما فيه العرب اليوم من عمى سياسي أم عمالة ؟! / دين و دنيا 26-6-2020.  الزمن: (6:30).

[276] https://www.youtube.com/watch?v=wps4dSln9Wc

[277] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

هل ما فيه العرب اليوم من عمى سياسي أم عمالة ؟! / دين و دنيا 26-6-2020.  الدقيقة (45)

[278] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

هل ما فيه العرب اليوم من عمى سياسي أم عمالة ؟! / دين و دنيا 26-6-2020.  الدقيقة (46: 20)

[279] https://www.youtube.com/watch?v=ArXE3StLC4c

د. أحمد نوفل، ساق الله موسى الى بيت فرعون، سورة القصص: Premiered Jun 15, 2020 (عرض لأول مرة).

الزمن: (17:33 )

[280] الدقيقة: (8:42).  على الرابط:  https://www.youtube.com/watch?v=deb-ZkTS61s

الدقيقة: (20:50).  على الرابط:  https://www.youtube.com/watch?v=gRwFslFzEN8

[281] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

هل ما فيه العرب اليوم من عمى سياسي أم عمالة ؟! / دين و دنيا 26-6-2020.  الدقيقة (45)

[282] https://www.youtube.com/watch?v=ArXE3StLC4c

د. أحمد نوفل، ساق الله موسى الى بيت فرعون، سورة القصص: Premiered Jun 15, 2020 (عرض لأول مرة).

الزمن: (17:33 )

[283] https://www.youtube.com/watch?v=dAEa3Spwdw4

الزمن: (31:25)

[284] http://islamiyyat.3abber.com/post/249080

[285] https://www.youtube.com/watch?v=r2o9ekm5eqI

الزمن: (13:00 - 16:00)

[286]https://www.youtube.com/watch?v=YFna1snCGcA      الزمن: عشر ثواني بعد الدقيقة الخامسة

[287] الكلام الفصل في " التفسير بالرأي عند الشيخ أحمد نوفل وردّه الأحاديث النبوية الصحيحة بالاحتكام إلى العقل "

[288] الزمن: (2: 35) على الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=xKtJs4LOtks&t=7s&ab_channel= د.أحمدنوفل

[289] عمري، حسين يوسف راشد: وَعْدُ الْآخِرَةِ نُزولُ المسيح عيسى عليه السلامُ لينهي طغيانَ اليهودِ وإفسادَهم.  على الرابط:

https://eijaz.mutah.edu.jo/Jewish Corruption.htm

[290]https://www.youtube.com/watch?v=YFna1snCGcA      الزمن: عشر ثواني بعد الدقيقة الخامسة

[291] http://islamiyyat.3abber.com/post/248271

[292] عمري، حسين يوسف راشد: وَعْدُ الْآخِرَةِ نُزولُ المسيح عيسى عليه السلامُ لينهي طغيانَ اليهودِ وإفسادَهم.  على الرابط:

https://eijaz.mutah.edu.jo/Jewish Corruption.htm

[293]  https://www.youtube.com/watch?v=wHGRGQFi4DI

الزمن: (29:38-32:30)

[294] ) https://youtu.be/l0kz0EIDJTo

الزمن: (00:40).

[295]  https://www.youtube.com/watch?v=cAJBFCU2uWA

الزمن: (2:47-3:10 )

[296] المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3402، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

[297] وصية اليوم: 14 رمضان || أ.د. محمد سعيد حوى. أستاذ في الحديث النبوي الشريف، في جامعة مؤتة، كلية الشريعة.

https://youtu.be/K32gPjXwzuQ

[298] الزمن (1: 45) على الرابط:  https://www.youtube.com/watch?v=ph40df7VSQA

[299] الزمن (3: 55)  على الرابط:  https://www.youtube.com/watch?v=ph40df7VSQA

[300] https://www.youtube.com/watch?v=C9pEPm5nFGM

الزمن: (25:00- 26:10)

[301] وصية اليوم: 15 رمضان || أ.د. محمد سعيد حوى. أستاذ في الحديث النبوي الشريف، في جامعة مؤتة، كلية الشريعة.

https://youtu.be/e0Vr_RABPEg

[302] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[303] الراوي: أبو هريرة، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2623، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[،  شرح الحديث

[304] الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الأدب المفرد، الصفحة أو الرقم: 583، خلاصة حكم المحدث: صحيح،  انظر شرح الحديث رقم 17584.  التخريج: أخرجه مسلم (2623)، وأبو داود (4983)، وأحمد (10006)

[305] الراوي: أبو هريرة، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 10697، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط مسلم.  التخريج: أخرجه مسلم (2623)، وأبو داود (4983)، وأحمد (10697) واللفظ له

[306] https://www.alukah.net/culture/0/105418/#ixzz5rfeDBuq8

[307] https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/ /البديهيات

[308] الراوي: نعيم بن دجاجة الأسدي، المحدث: أحمد شاكر، المصدر: مسند أحمد، الصفحة أو الرقم: 2/94، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[309] الراوي: أبو مسعود عقبة بن عمرو، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 1/203، خلاصة حكم المحدث: رجاله ثقات.  التخريج: أخرجه أبو يعلى (467)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (761)

[310] http://www.math.brown.edu/tbanchof/Beyond3d/chapter9/section01.html

[311] https://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=90267

[312] https://www.youtube.com/watch?v=QEdLfrMzkYs&t=25s

   لقاء الأسبوع، تجربتي مع التفسير 4

[313] https://www.youtube.com/watch?v=9AN5sP5cYfQ

(الزمن: 17:06).

[314] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[315] https://www.youtube.com/watch?v=P72SjtELm-E

الدقيقة: (22:55).

[316] https://www.youtube.com/watch?v=praM_QgYv50

الزمن: (26:55)

[317] https://www.youtube.com/watch?v=C9pEPm5nFGM

الزمن: (25:00- 26:10)

[318] تغطية خاصة، إجابة الدكتور أحمد نوفل للأسئلة الموجهة له.  أفلام عامر (الزمن: 7: 00

[319] تغطية خاصة، إجابة الدكتور أحمد نوفل للأسئلة الموجهة له.  أفلام عامر (الزمن - 7: 40

[320] الراوي: عبدالله بن عمر، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 700، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[،  انظر شرح الحديث رقم 24216

[321] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: أحمد شاكر، المصدر: عمدة التفسير، الصفحة أو الرقم: 1/162، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح

[322] الراوي: جابر بن عبدالله، المحدث: ابن كثير، المصدر: الأحكام الكبير، الصفحة أو الرقم: 2/231، خلاصة حكم المحدث: وإن كان لا يخلو من ضعف إلا أنه [يعتضد بغيره] وينهض إلى نوع من الحسن والقوة .

التخريج: أخرجه الدارقطني (1/271)، والبيهقي (2335) باختلاف يسير.

[323] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[324] الزمن (1: 45) على الرابط:  https://www.youtube.com/watch?v=ph40df7VSQA

[325]  https://www.youtube.com/watch?v=P72SjtELm-E

الدقيقة: (37:27).

[326] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[327]  https://www.youtube.com/watch?v=9aBBQryat7M

إنكار النسخ والمتشابه.  الدقيقة: (3: 40).

[328] https://www.youtube.com/watch?v=wHGRGQFi4DI

الدقيقة: (23: 40- 25:00).

[329] https://www.youtube.com/watch?v=wHGRGQFi4DI

الزمن: (25:00-26:57).

[330] https://www.youtube.com/watch?v=cAJBFCU2uWA

الزمن (22:50)

[331]  الراوي: عبد الله بن عباس، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج شرح الطحاوية، الصفحة أو الرقم: 254، خلاصة حكم المحدث:  ]فيه] ابن أبي نجيح: هو عبد الله بن يسار، قال يحيى بن سعيد: لم يسمع التفسير من مجاهد

[332] الراوي: أبو سعيد الخدري، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 7320، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]،  انظر شرح الحديث رقم 14982

[333] الراوي: العرباض بن سارية، المحدث: الشوكاني، المصدر: الفتح الرباني، الصفحة أو الرقم: 8/3784، خلاصة حكم المحدث: صحيح ثابت

[334] الراوي: معاوية بن أبي سفيان، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح أبي داود، الصفحة أو الرقم:  4597، خلاصة حكم المحدث: حسن

[335] https://www.youtube.com/watch?v=0E-Rs2isvrc

الزمن: (01:00).

[336] https://vb.tafsir.net/tafsir3579/#.XQ6Lo-gzY2w

[337] https://www.youtube.com/watch?v=wHGRGQFi4DI

الزمن: (20:20)، الزمن: (21:14-23:00).

[338] https://www.youtube.com/watch?v=9AN5sP5cYfQ

(الزمن:  17:06).

[339] https://www.youtube.com/watch?v=P72SjtELm-E

الدقيقة: (22:55).

[340] https://www.youtube.com/watch?v=praM_QgYv50

الزمن: (26:55)

[341] https://www.youtube.com/watch?v=RumlqAim_E4

أُمتُنا خارج الزمن إلى متى ؟! / دين و دنيا 13-3-2020.  (الزمن: 39:01، 40:49 ).

[342] https://www.youtube.com/watch?v=RumlqAim_E4

الزمن: (1:02:25)

[343] https://www.youtube.com/watch?v=c7FL2QDhMXw

[344] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

الزمن: (37:40 )

[345] https://www.youtube.com/watch?v=RumlqAim_E4

الزمن: (1:05)

[346] https://www.youtube.com/watch?v=17mOAzhIOQI

الزمن: (19:55)

[347] إسلام ويب:

https://www.islamweb.net/ar/fatwa/143195/

[348] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

الزمن: (37:40 )

[349]  أنظر: الألفاظ التي جاءت على (فاعول) في القرآن الكريم: صفحة 109-110 .  المؤلف: م. د. رجاء عبد الرحيم خاشع. المديرية العامة للتربية في بغداد الكرخ/2 .  الكتاب على الرابط:

https://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=56568

[350] https://www.youtube.com/watch?v=17mOAzhIOQI

الزمان و فرق الأيام / دين و دنيا 31-7-2020الزمن: (الدقيقة  53:30)

[351] https://www.youtube.com/watch?v=17mOAzhIOQI

الزمن: (31:10)

[352] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

الزمن: (الدقيقة الثامنة)

[353] https://www.youtube.com/watch?v=tylZekyM-lM

الزمن: (10:15)

[354] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

هل ما فيه العرب اليوم من عمى سياسي أم عمالة ؟! / دين و دنيا 26-6-2020.  الدقيقة (45)

[355] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

هل ما فيه العرب اليوم من عمى سياسي أم عمالة ؟! / دين و دنيا 26-6-2020.  الدقيقة (46: 20)

[356] https://www.youtube.com/watch?v=ArXE3StLC4c

د. أحمد نوفل، ساق الله موسى الى بيت فرعون، سورة القصص: Premiered Jun 15, 2020 (عرض لأول مرة).

الزمن: (17:33 )

[357] https://www.youtube.com/watch?v=_0Yl8YcBG48

الزمن: (37:40 )



4 ) المحدث:  مسلم - المصدر : المسند الصحيح - الصفحة أو الرقم 987 ؛ المحدث: أبو داود - المصدر: سنن أبي داود - الصفحة أو الرقم1658 ؛ المحدث :البيهقي - المصدر: السنن الصغير  - الصفحة أو الرقم 2/53 ؛ المحدث: المنذري المصدر : الترغيب والترهيب - الصفحة أو الرقم4/295 ؛ المحدث: أحمد شاكر المصدر : مسند أحمد - الصفحة أو الرقم 14/148؛ المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم 6/769 ؛ صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 3589  ؛ صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم 754 ؛ صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم 5729 ؛ صحيح النسائي - الصفحة أو الرقم 2441