Description: 71

دخان السّماء المتوعدُ به (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)

أ. د. حسين يوسف راشد عمري/ قسم الفيزياء

جامعة مؤتة/ الأردن

rashed@mutah.edu.jo

 

الملخّص

‏اسْتَعْصَتْ ‏قُرَيْشٌ عَلَى النَّبِيِّ ‏-‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏- فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏‏فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ وَحَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ. فَأَتَى النَّبِيَّ - ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ اللَّهَ ‏لِمُضَرَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا فَقَالَ ‏لِمُضَرَ ‏إِنَّكَ لَجَرِيءٌ .  فَدَعَا اللَّهَ لَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏‏(إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) [الدخان 15].  فَمُطِرُوا فَلَمَّا أَصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11].  أَيْ يَتَغَشَّاهُمْ وَلَوْ كَانَ أَمْراً خَيَالِيّاً يَخُصّ أَهْل مَكَّة الْمُشْرِكِينَ لَمَا قِيلَ فِيهِ " يَغْشَى النَّاس".  يقول ابن كثير: "الغاشية : من أسماء يوم القيامة . قاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد ؛ لأنها تغشى الناس وتعمهم".

وإنّ قوله تعالى (فَارْتَقِبْ) يؤكّد أنّ أمرَ الدُّخان لم ينقض ولا زال منتظراً ومتوقّعاً.  وقوله تعالى (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) هو حديثٌ عن دخانٍ حقيقيّ بيّن واضح تأتي به السّماءُ يوم القيامة؛ وذلك بمناسبة ما شاهدوه:( فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ).  وإنَّ قوله تعالى (عَذَابٌ أَلِيمٌ) يدلّ قطعاً على أنّ الدّخان الّذي يغشى النّاس ويُلحق بهم هذا العنت هو ممّا يجاوز حدود العنت الدّنيوي العادي، وبالتالي فهو من ضمن الإنقلابات الكونيّة قبيل السّاعة.  فمثلا يناقش البحث إمكانيّة تعايش الكرة الأرضيّة مع الشمس في مرحلة العملاق الأحمر.  يتضح من أحد الأبحاث أن كوكبا يتبع النجم V 391 Pegasi ، والشبيه بشمسنا، إلاّ أنّ هذا النجم حاليّا هو عملاق أحمر، وأنّ بعض كواكبه تتعايش معه.  وبالتالي فهو مؤشّر على إمكانية تعايش كرتنا الأرضيّة مع الشمس حين تصبح في مرحلتها القادمة عملاقاً أحمراً.

 المطلب الأوّل: استقراء عبارات آية الدّخان

الآية السّابقة: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) يَقُول تَعَالَى بَلْ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ أَيْ قَدْ جَاءَهُمْ الْحَقّ الْيَقِين وَهُمْ يَشُكُّونَ فِيهِ وَيَمْتَرُونَ وَلا يُصَدِّقُونَ بِهِ (ابن كثير، الطبري، القرطبي).  "بَلْ هُمْ فِي شَكّ" مِنْ الْبَعْث "يَلْعَبُونَ" اسْتِهْزَاء بِك يَا مُحَمَّد فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُف" (الجلالين).  وأرى أنّ تكذيب المشركين بالقرآن والبعث وبرسالة محمّد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يناسبه التهديد والوعيد بعذاب أخروي أكثر من أن يكون عذاباً دنيويّاً.

ولا بدّ من تتبّع وتحليل عبارات الآيتين: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11].

 الفرع الأوّل: التّرقّب (فَارْتَقِبْ) يكون للمستقبل

إنّ قوله تعالى (فَارْتَقِبْ) يؤكّد أن أمر الدخان لم ينقض ولا زال منتظرا ومتوقّعا.  ويمكن أن نلاحظ هذا جليّاً في الآيات الّتي وردت فيها اللفظة (ارْتَقِبْ) أو مشتقّاتها:

 (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ) [الدخان: 59].  " فَارْتَقِبْ " أَيْ اِنْتَظِرْ" إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ " أَيْ فَسَيَعْلَمُونَ لِمَنْ تَكُون النُّصْرَة وَالظَّفَر وَعُلُوّ الْكَلِمَة فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة فَإِنَّهَا لَك يَا مُحَمَّد وَلإخْوَانِك مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَمَنْ اِتَّبَعَكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " كَتَبَ اللَّه لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي " الآيَة وَقَالَ تَعَالَى " إِنَّا لَنَنْصُر رُسُلنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يَقُوم الأَشْهَاد يَوْم لا يَنْفَع الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتهمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَة وَلَهُمْ سُوء الدَّار " (ابن كثير).

 (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي ) [20: 94].  { وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي} يَقُول: وَلَمْ تَنْظُر قَوْلي وَتَحْفَظهُ.  منْ مُرَاقَبَة الرَّجُل الشَّيْء ، وَهيَ مُنَاظَرَته بحفْظه، قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: { وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي} قَالَ: لَمْ تَحْفَظ قَوْلي (الطبري).  وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَمْ تَنْظُر عَهْدِي وَقُدُومِي (القرطبي) .

 (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاّ وَلا ذِمَّةً) [التوبة: 8].  إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرَ نَبِيّه وَالْمُؤْمِنِينَ بِقَتْلِهِمْ بَعْد اِنْسِلاخ الأشْهُر الْحُرُم وَحَصْرهمْ وَالْقُعُود لَهُمْ عَلَى كُلّ مَرْصَد أَنَّهُمْ لَوْ ظَهَرُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَرْقُبُوا فِيهِمْ إِلاّ ، والإلّ: اِسْم يَشْتَمِل عَلَى مَعَانٍ ثَلاثَة: وَهِيَ الْعَهْد وَالْعَقْد، وَالْحِلْف، وَالْقَرَابَة، وَهُوَ أَيْضاً بِمَعْنَى اللَّه (الطبري).

 (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاّ وَلا ذِمَّةً) [التوبة: 10].  لا يَتَّقِي هَؤُلاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فِي قَتْل مُؤْمِن لَوْ قَدَرُوا عَلَيْهِ (الطبري).

 (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ) [القصص: 18].  فَأَصْبَحَ مُوسَى فِي مَدِينَة فِرْعَوْن خَائِفاً مِنْ جِنَايَته الَّتِي جَنَاهَا، وَقَتْله النَّفْس الَّتِي قَتَلَهَا أَنْ يُؤْخَذ فَيُقْتَل بِهَا.  { يَتَرَقَّب } يَقُول: يَتَرَقَّب الأخْبَار: أَيْ يَنْتَظِر مَا الَّذِي يَتَحَدَّث بِهِ النَّاس، مِمَّا هُمْ صَانِعُونَ فِي أَمْره وَأَمْر قَتِيله (الطبري).

 (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ) [القصص: 21].  فَخَرَجَ مُوسَى خَائِفاً يَنْتَظِر الطَّلَب أَنْ يُدْرِكهُ فَيَأْخُذهُ (الطبري).

 (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيب) [هود: 93].  { وَارْتَقِبُوا} أَيْ اِنْتَظِرُوا وَتَفَقَّدُوا.  وَقَوْله: { إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيب} يَقُول: إِنِّي أَيْضاً ذُو رِقْبَة لِذَلِكَ الْعَذَاب مَعَكُمْ ، وَنَاظِر إِلَيْهِ بِمَنْ هُوَ نَازِل مِنَّا وَمِنْكُمْ (الطبري).

 (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ) [القمر: 27].  { فَارْتَقِبْهُمْ} يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِصَالِحٍ: إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَة فِتْنَة لَهُمْ فَانْتَظِرْهُمْ، وَتَبَصَّرْ مَا هُمْ صَانِعُوهُ بِهَا { وَاصْطَبِرْ} وَأَصْل الطَّاء تَاء ، فَجُعِلَتْ طَاء ، وَإِنَّمَا هُوَ افْتَعِلْ مِنَ الصَّبْر (الطبري).

 الفرع الثاني: العبارة القرآنيّة (يَوْمَ تَأْتِي)

عند تتبّع الآيات القرآنيّة الّتي ترد فيها كلمة (يَوْمَ) متبوعة بفعل مضارع، نجد أنّ الحديث دائما هو عن يوم القيامة.  وشواهده من القرآن الكريم هي:

(يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) إلى قوله (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) [المعارج: 8-11].

 (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعاً) [المعارج: 43]. { يَوْم يَخْرُجُونَ } بَيَان وَتَوْجِيه عَنْ الْيَوْم الأوَّل الَّذِي فِي قَوْله: { يَوْمهمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } وَتَأْوِيل الْكَلام: حَتَّى يُلاقُوا يَوْمهمْ الَّذِي يُوعَدُونَهُ يَوْم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاث وَهِيَ الْقُبُور (الطبري).

(يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً) [المزّمّل: 14]:  وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة (الطبري).

 (هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) [المرسلات: 35].  "هَذَا" أَيْ يَوْم الْقِيَامَة (الجلالين).

 (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً) [النّبإ: 18]. " فَتَأْتُونَ " مِنْ قُبُوركُمْ إِلَى الْمَوْقِف " أَفْوَاجاً " جَمَاعَات مُخْتَلِفَة (الطبري).

 (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلآئِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) [النّبإ: 38]. وَقَالَ الْحَسَن: إِنَّ الرُّوح يَقُول يَوْم الْقِيَامَة: لا يَدْخُل أَحَد الْجَنَّة إِلا بِالرَّحْمَةِ ، وَلا النَّار إِلا بِالْعَمَلِ . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: " وَقَالَ صَوَاباً " (القرطبي).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) [التحريم: 8].  وَيُدْخِلكُمْ جَنَّات" بَسَاتِين "تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الأنْهَار يَوْم لا يُخْزِي اللَّه" بِإِدْخَالِ النَّار "النَّبِيّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ (الجلالين).

 (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ) [القلم: 42]. "يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق"  يَوْم الْقِيَامَة لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاء (الجلالين).  يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة وَمَا يَكُون فِيهِ مِنْ الأهْوَال وَالزَّلازِل وَالْبَلاء وَالإمْتِحَان وَالأمُور الْعِظَام وَقَدْ أوردَ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " يَكْشِف رَبّنَا عَنْ سَاقه فَيَسْجُد لَهُ كُلّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَة وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُد فِي الدُّنْيَا رِيَاء وَسُمْعَة فَيَذْهَب لِيَسْجُد فَيَعُود ظَهْره طَبَقاً وَاحِداً" وَهَذَا الْحَدِيث مُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ (ابن كثير).

(إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ) [النّبإ: 40].  " إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً " يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة لِتَأَكُّدِ وُقُوعه صَارَ قَرِيباً لأنَّ كُلّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ " يَوْم يَنْظُر الْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ " يَعْرِض عَلَيْهِ جَمِيع أَعْمَاله خَيْرهَا وَشَرّهَا قَدِيمهَا وَحَدِيثهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى" وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً " .. (ابن كثير).

 (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) [النّازعات: 6].  قَالَ اِبْن عَبَّاس هُمَا النَّفْخَتَانِ الأولَى وَالثَّانِيَة وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيْر وَاحِد وَعَنْ مُجَاهِد أَمَّا الأولَى وَهِيَ قَوْله جَلَّ وَعَلا . " يَوْم تَرْجُف الرَّاجِفَة " فَكَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَته " يَوْم تَرْجُف الأرْض وَالْجِبَال " وَالثَّانِيَة وَهِيَ الرَّادِفَة فَهِيَ كَقَوْلِهِ " وَحُمِلَتْ الأرْض وَالْجِبَال فَدُكَّتَا دَكَّة وَاحِدَة (ابن كثير).

(يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ مَا سَعَى) [النّازعات: 35].  أَيْ حِينَئِذٍ يَتَذَكَّر اِبْن آدَم جَمِيع عَمَله خَيْره وَشَرّه كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَوْمئِذٍ يَتَذَكَّر الإنْسَان وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى " (ابن كثير).

(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) [النّازعات: 46].  أَيْ إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورهمْ إِلَى الْمَحْشَر يَسْتَقْصِرونَ مُدَّة الْحَيَاة الدُّنْيَا حَتَّى كَأَنَّهَا عِنْدهمْ كَانَتْ عَشِيَّة مِنْ يَوْم ... وَقَالَ قَتَادَة: وَقْت الدُّنْيَا فِي أَعْيُن الْقَوْم حِين عَايَنُوا الآخِرَة (ابن كثير).

(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) [عبس: 34]. قَالَ الْحَسَن: أَوَّل مَنْ يَفِرّ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ أَبِيهِ: إِبْرَاهِيم ، وَأَوَّل مَنْ يَفِرّ مِنْ اِبْنه نُوح ؛ وَأَوَّل مَنْ يَفِرّ مِنْ اِمْرَأَته لُوط . قَالَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الآيَة نَزَلَتْ فِيهِمْ وَهَذَا فِرَار التَّبَرُّؤ (القرطبي).

(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) [الانفطار: 19]. لا يُنَازِعهُ فِيهِ أَحَد، كَمَا قَالَ: " لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار. الْيَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْم " [ غَافِر: 16 - 17 ] (القرطبي).  ويقول ابن كثير: أَيْ لا يَقْدِر أَحَد عَلَى نَفْع أَحَد وَلا خَلاصه مِمَّا هُوَ فِيهِ إِلا أَنْ يَأْذَن اللَّه لِمَنْ يَشَاء وَيَرْضَى وَنَذْكُر هَاهُنَا حَدِيث " يَا بَنِي هَاشِم أَنْقِذُوا أَنْفُسكُمْ مِنْ النَّار لا أَمْلِك لَكُمْ مِنْ اللَّه شَيْئاً، وَلِهَذَا قَالَ " وَالأمْر يَوْمئِذٍ لِلَّهِ " كَقَوْلِهِ " لِمَنْ الْمُلْك الْيَوْم لِلَّهِ الْوَاحِد الْقَهَّار " وَكَقَوْلِهِ " الْمُلْك يَوْمئِذٍ الْحَقّ لِلرَّحْمَنِ" وَكَقَوْلِهِ " مَالِك يَوْم الدِّين قَالَ قَتَادَة " يَوْم لا تَمْلِك نَفْس لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمْر يَوْمئِذٍ لِلَّهِ " وَالأمْر وَاَللَّه الْيَوْمَ لِلَّهِ وَلَكِنَّهُ لا يُنَازِعهُ فِيهِ يَوْمئِذٍ أَحَد (ابن كثير).

العبارة القرآنيّة (يَوْمَ تَأْتِي) أو (يَوْمَ يَأْتِي) هي قطعاً حديث عن اليوم الآخر أو أماراته الكبرى لا غير.  يشهد لذلك الآيات القرآنيّة التالية:

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) [الأنعام 158].  وَذَلِكَ كَائِن يَوْم الْقِيَامَة " أَوْ يَأْتِي بَعْض آيَات رَبّك يَوْم يَأْتِي بَعْض آيَات رَبّك لا يَنْفَع نَفْساً إِيمَانهَا" وَذَلِكَ قَبْل يَوْم الْقِيَامَة كَائِن مِنْ أَمَارَات السَّاعَة وَأَشْرَاطهَا كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ فِي تَفْسِير هَذِهِ الآيَة حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد حَدَّثَنَا عُمَارَة حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" لا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاس آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَلِكَ حِين لا يَنْفَع نَفْساً إِيمَانهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل (ابن كثير.م 2 ص 259).

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأعراف 53]. قَالَ " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيله" أَيْ مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ الْعَذَاب وَالنَّكَال وَالْجَنَّة وَالنَّار قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد وَقَالَ مَالِك: ثَوَابه وَقَالَ الرَّبِيع لا يَزَال يَجِيء مِنْ تَأْوِيله أَمْر حَتَّى يَتِمّ يَوْم الْحِسَاب حَتَّى يَدْخُل أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار فَيَتِمّ تَأْوِيله يَوْمئِذٍ وَقَوْله " يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة قَالَهُ اِبْن عَبَّاس " يَقُول الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل " أَيْ تَرَكُوا الْعَمَل بِهِ وَتَنَاسَوْهُ فِي الدَّار الدُّنْيَا" قَدْ جَاءَتْ رُسُل رَبّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاء فَيَشْفَعُوا لَنَا " أَيْ فِي خَلاصنَا مِمَّا صِرْنَا إِلَيْهِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ " أَوْ نُرَدّ " إِلَى الدَّار الدُّنْيَا " فَنَعْمَل غَيْر الَّذِي كُنَّا نَعْمَل (ابن كثير.م 2 ص 294).

(وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [هود 8].  قد يقال بأنّ العذاب هنا قد لا يكون خاصّا بيوم القيامة، وهنا شاهده (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ).  يقول الطبري: "معنى" الأمة " في هذا الموضع، الأجل والحين. ويقول عن ابن عباس قوله: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) ، يقول: إلى أجل معلوم"

(يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) ) [هود 105].  أي: يَوْم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة أَيّهَا النَّاس ، وَتَقُوم السَّاعَة لا يتكلّم أحدٌ إِلا بِإِذْنِ اللّه (ابن كثير.م 2 ص 603) .

 (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) [إبراهيم 44].   وَأَنْذِرْ يَا مُحَمَّد النَّاس الَّذِينَ أَرْسَلْتُك إِلَيْهِمْ دَاعِياً إِلَى الإسْلام مَا هُوَ نَازِل بِهِمْ ، يَوْم يَأْتِيهِمْ عَذَاب اللَّه فِي الْقِيَامَة (الطبري).

(يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [النحل 111].

اذْكُر "يَوْم تَأْتِي كُلّ نَفْس تُجَادِل" تُحَاجّ "عَنْ نَفْسهَا" لا يُهِمّهَا غَيْرهَا وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة "وَتُوَفَّى كُلّ نَفْس" جَزَاء "مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ" شَيْئاً (الجلالين).

 (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [مريم 38].  مَا أَسْمَعهمْ وَمَا أَبْصَرهمْ "يَوْم يَأْتُونَنَا" فِي الآخِرَة (الجلالين).

ومن هذا القبيل الآية مدار البحث: ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدخان 10].  يقول ابن كثير: (هُوَ مِنْ أَمَارَات السَّاعَة كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَرِيحَة حُذَيْفَة بْن أُسَيْد الْغِفَارِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غُرْفَة وَنَحْنُ نَتَذَاكَر السَّاعَة فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَرَوْا عَشْر آيَات: طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَالدُّخَان وَالدَّابَّة وَخُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَخُرُوج عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَالدَّجَّال وَثَلاثَة خُسُوف: خَسْف بِالْمَشْرِقِ وَخَسْف بِالْمَغْرِبِ وَخَسْف بِجَزِيرَةِ الْعَرَب وَنَار تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن تَسُوق النَّاس - أَوْ تَحْشِر النَّاس - تَبِيت مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا " تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِم فِي صَحِيحه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لإبْنِ صَيَّاد " إِنَى خَبَّأْت لَك خَبِيئاً " قَالَ هُوَ الدُّخّ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ " اِخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرك " قَالَ وَخَبَّأَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَارْتَقِبْ يَوْم تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُبِين " وَهَذَا فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهُ مِنْ الْمُنْتَظَر الْمُرْتَقَب.) (ابن كثير).  هكذا (فَارْتَقِبْ) أي انتظر يا محمّد عذابهم (تحفة الأحوذي بشرح جامع التّرمذي 3177). 

الفرع الثالث: العبارة القرآنيّة (تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)

(تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) أي ظاهر (تحفة الأحوذي بشرح جامع التّرمذي 3177).  وهذا يدُلُّ  قطعا على أنّ الدّخان هذا مصدره السّماء، وهو دخانٌ بيّنٌ واضح وظاهر (مُبِينٍوليس كهيئة الدّخان يخرج من الأرض كما هي حال الدّخان الّذي أصاب كفّار مكّة من الجهد والجوع (حديث ابن مسعود).  وبالتالي فإنّ الدّخان المذكور هنا: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) هو من ضمن الانقلابات الكونيّة قبيل السّاعة.

الفرع الرّابع: العبارة القرآنيّة (يَغْشَى النَّاسَ)

 (يَغْشَى النَّاسَ) أي: يحيطهم ( تحفة الأحوذي بشرح جامع التّرمذي 3177). وهذا  يدلّ دلالة قاطعة على أنّ الدّخان الّذي تتحدّث عنه الآية الكريمة يشمل ويعمّ الجنس البشري بأكمله (النَّاسَ)، وليس خاصّاً بكفّار مكّة.  تشهد لذلك الآيات الّتي يرد فيها العبارة القرآنيّة (يَغْشَى النَّاسَ): الكلمتان (يَغْشَى) و (النَّاسَ) كلاهما يدلان على شمول هذا العذاب؛ خلافاً للدّخان الّذي أصاب قريش (اِسْتَسْقِ اللَّه لِمُضَرَ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ ).  والآيات الدّالّة على ذلك هي:

في موضوع الدّخان نفسه: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11].  قَوْله تَعَالَى " يَغْشَى النَّاس " أَيْ يَتَغَشَّاهُمْ وَيُعْمِيهِمْ وَلَوْ كَانَ أَمْراً خَيَالِيّاً يَخُصّ أَهْل مَكَّة الْمُشْرِكِينَ لَمَا قِيلَ فِيهِ " يَغْشَى النَّاس".  وَقَوْله تَعَالَى " هَذَا عَذَاب أَلِيم " أَيْ يُقَال لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعاً وَتَوْبِيخاً كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " يَوْم يُدَعُّونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعّاً هَذِهِ النَّار الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ" أَوْ يَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ ذَلِكَ (ابن كثير).  وَقِيلَ: أَيْ يَقُول النَّاس لِذَلِكَ الدُّخَان: " هَذَا عَذَاب أَلِيم " . وَقِيلَ: هُوَ إِخْبَار عَنْ دُنُوّ الأمْر (لا وقوعه)؛ كَمَا تَقُول: هَذَا الشِّتَاء فَأَعِدَّ لَهُ (القرطبي).

يقول ابن كثير: "الغاشية : من أسماء يوم القيامة . قاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد ؛ لأنها تغشى الناس وتعمهم".

وآيات أخرى فيها العبارة القرآنيّة (يَغْشَى): (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) [الّليل: 1].  أَيْ يُغَطِّي .  وَلَمْ يَذْكُر مَعَهُ مَفْعُولا لِلْعِلْمِ بِهِ. وَقِيلَ: يَغْشَى النَّهَار. وَقِيلَ:  الأرْض.  وَقِيلَ: الْخَلائِق.  وَقِيلَ: يَغْشَى كُلّ شَيْء بِظُلْمَتِهِ (القرطبي). " وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَى " بِظُلْمَتِهِ كُلّ مَا بَيْن السَّمَاء وَالأرْض (الجلالين).  وهذه حقيقة علميّة وقرآنيّة، فإنّ الظلام يعمّ الكون أما النهار فهو استثناء لا أصل. (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) [الشّمس: 4].  يَعْنِي إِذَا يَغْشَى الشَّمْس حِين تَغِيب فَتُظْلِم الأفَاق . وَقَالَ بَقِيَّة بْن الْوَلِيد عَنْ صَفْوَان حَدَّثَنِي يَزِيد بْن ذِي حَمَامَة قَالَ: إِذَا جَاءَ اللَّيْل قَالَ الرَّبّ جَلَّ جَلاله غَشِيَ عِبَادِي خَلْقِي الْعَظِيم فَاللَّيْل يَهَابهُ وَاَلَّذِي خَلَقَهُ أَحَقّ أَنْ يُهَاب. رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم (ابن كثير). عَنْ قَتَادَة { وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَاهَا}: إِذَا غَشَّاهَا اللَّيْل (الطبري). ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) أَيْ يَغْشَى الشَّمْس، فَيَذْهَب بِضَوْئِهَا عِنْد سُقُوطهَا قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره.  وَقِيلَ: يَغْشَى الدُّنْيَا بِالظُّلَمِ ، فَتُظْلِم الآفَاق (القرطبي).

 (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [العنكبوت: 55].  قِيلَ: هُوَ مُتَّصِل بِمَا هُوَ قَبْله؛ أَيْ يَوْم يُصِيبهُمْ الْعَذَاب مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ فَإِذَا غَشِيَهُمْ الْعَذَاب أَحَاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّم وَإِنَّمَا قَالَ: " مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ " لِلْمُقَارَبَةِ وَإِلا فَالْغَشَيَان مِنْ فَوْق أَعَمّ (القرطبي).

الفرع الخامس: العبارة القرآنيّة (عَذَابٌ أَلِيمٌ)

إنَّ قوله تعالى (عَذَابٌ أَلِيمٌ) يدلّ قطعا على أنّ الدّخان الّذي يغشى النّاس ويُلحق بهم هذا العنت هو ممّا يجاوز حدود العنت الدّنيوي العادي، وبالتالي فهو من ضمن الانقلابات الكونيّة قبيل السّاعة؛ أو يوم القيامة.  يشهد لذلك الآيات الّتي ترد فيها نفس العبارة القرآنيّة (عَذَابٌ أَلِيمٌ).

 (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) [البقرة: 10].

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: 104].  وَأعْلَمَ أَنَّ لِمَنْ خَالَفَ أَمْره فَكَفَرَ عَذَاباً أَلِيماً (القرطبي)،  ومُؤْلِم هُوَ النَّار (الجلالين).

 (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: 174].  "وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم هُوَ النَّار (الجلالين).

 (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) بِمَعْنَى مُؤْلِم ،  وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ثَلاثَة لا يُكَلِّمهُمْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلا يَنْظُر إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم شَيْخ زَانٍ وَمَلِك كَذَّاب وَعَائِل مُسْتَكْبِر ).

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: 178].  وَفِي سُنَن الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ قَالَ: سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: (مَنْ أُصِيب بِدَمٍ أَوْ خَبْل - وَالْخَبْل عَرَج - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْن إِحْدَى ثَلاث فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَة فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ بَيْن أَنْ يَقْتَصّ أَوْ يَعْفُو أَوْ يَأْخُذ الْعَقْل فَإِنْ قَبِلَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ عَدَا بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ النَّار خَالِداً فِيهَا مُخَلَّداً).  "فَلَهُ عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم فِي الآخِرَة بِالنَّارِ أَوْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ (الجلالين).

(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 77]. يَأْمُر بِهِمْ إِلَى النَّار (ابن كثير).

 (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) [آل عمران: 91].  لَهُمْ عِنْد اللَّه فِي الآخِرَة عَذَاب مُوجِع (الطبري).

 (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 177].  إِنَّمَا يَضُرُّونَ بِذَلِكَ أَنْفُسهمْ بِإِيجَابِهِمْ بِذَلِكَ لَهَا مِنْ عِقَاب اللَّه مَا لا قِبَل لَهَا بِهِ (الطبري).

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 36]. بَلْ هُوَ مُعَذِّبهمْ فِي حَمِيم يَوْم الْقِيَامَة عَذَاباً مُوجِعاً لَهُمْ (الطبري).

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 73]. وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ" مِنْ التَّثْلِيث وَيُوَحِّدُوا "لَيَمَسَّن الَّذِينَ كَفَرُوا" أَيْ ثَبَتُوا عَلَى الْكُفْر "مِنْهُمْ عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم وَهُوَ النَّار( الجلالين).

 (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) [الأنعام: 70].  وَلَهُمْ أَيْضاً مَعَ الشَّرَاب الْحَمِيم مِنْ اللَّه الْعَذَاب الألِيم وَالْهَوَان الْمُقِيم. { بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } يَقُول: بِمَا كَانَ مِنْ كُفْرهمْ فِي الدُّنْيَا بِاَللَّهِ وَإِنْكَارهمْ تَوْحِيده وَعِبَادَتهمْ مَعَهُ آلِهَة دُونه (الطبري).

 (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة: 3]. وَبَشِّرْ" أَخْبِرْ "الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيم" مُؤْلِم وَهُوَ الْقَتْل وَالأسْر فِي الدُّنْيَا وَالنَّار فِي الآخِرَة (الجلالين).  وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيم " أَيْ فِي الدُّنْيَا بِالْخِزْيِ وَالنَّكَال وَفِي الآخِرَة بِالْمَقَامِعِ وَالأغْلال (ابن كثير).

 (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة: 61]. عَذَاب مِنْ اللَّه مُوجِع لَهُمْ فِي نَار جَهَنَّم (الطبري).

 (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة: 79].  وَأَعَدَّ لِلْمُنَافِقِينَ فِي الآخِرَة عَذَاباً أَلِيماً لأنَّ الْجَزَاء مِنْ جِنْس الْعَمَل (ابن كثير).

(وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة: 90].

(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) [يونس: 4]. بِسَبَبِ كُفْرهمْ يُعَذَّبُونَ يَوْم الْقِيَامَة (ابن كثير).

(أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) [هود: 26]. عَذَاباً أَلِيماً مُوجِعاً شَاقّاً فِي الدَّار الآخِرَة (ابن كثير).

(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيم) [هود: 48]. "ثُمَّ يَمَسّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم" فِي الآخِرَة وَهُمْ الْكُفَّار (الجلالين).

(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم: 22]. يَوْم الْقِيَامَة  يَقُوم إِبْلِيس لَعَنَهُ اللَّه فَيَقُول " مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي " الآيَة .

(تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: 63]. وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم فِي الآخِرَة وَقِيلَ الْمُرَاد بِالْيَوْمِ يَوْم الْقِيَامَة (الجلالين).

(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: 104]. وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم مُوجِع فِي الآخِرَة (ابن كثير).

(مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: 117]. وَأَمَّا فِي الآخِرَة فَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم (ابن كثير).

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحجّ: 25]. نُذِقْهُ يَوْم الْقِيَامَة مِنْ عَذَاب مُوجِع لَهُ (الطبري).

(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) [النّور: 19].

(لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: 63]. "أَوْ يُصِيبهُمْ عَذَاب أَلِيم" فِي الآخِرَة (الجلالين).

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [العنكبوت: 23]. وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب أَلِيم " أَيْ مُوجِع شَدِيد فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة (ابن كثير). أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي فِي الآخِرَة لِمَا عَايَنُوا مَا أُعِدّ لَهُمْ مِنْ الْعَذَاب ، وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب مُوجِع (الطبري).

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [لقمان: 7]. أَيْ يَوْم الْقِيَامَة يُؤْلِمهُ كَمَا تَأَلَّمَ بِسَمَاعِ كِتَاب اللَّه وَآيَاته (ابن كثير).

(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الشورى: 21].  أَيْ شَدِيد مُوجِع فِي جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمَصِير (ابن كثير).

(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الشورى: 42]. لَهُمْ عَذَاب مِنَ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة فِي جَهَنَّم مُؤْلِم مُوجِع (الطبري).

(يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [الجاثية: 8]. أَيْ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ لَهُ عِنْد اللَّه تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة عَذَاباً أَلِيماً مُوجِعاً (ابن كثير).

(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11]. أَيْ يَتَغَشَّاهُمْ وَيُعْمِيهِمْ وَلَوْ كَانَ أَمْراً خَيَالِيّاً يَخُصّ أَهْل مَكَّة الْمُشْرِكِينَ لَمَا قِيلَ فِيهِ " يَغْشَى النَّاس" . وَقَوْله تَعَالَى " هَذَا عَذَاب أَلِيم " أَيْ يُقَال لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعاً وَتَوْبِيخاً كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " يَوْم يُدَعُّونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعّاً هَذِهِ النَّار الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ" أَوْ يَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ ذَلِكَ (ابن كثير).

المطلب الثاني: الأحاديث الشّريفة

الفرع الأوّل: روايات الحديث عن ابن مسعود‏

(جَاءَ إلى عبدِ اللهِ رَجُلٌ فَقالَ: تَرَكْتُ في المَسْجِدِ رَجُلًا يُفَسِّرُ القُرْآنَ برَأْيِهِ يُفَسِّرُ هذِه الآيَةَ: {يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ} قالَ: يَأْتي النَّاسَ يَومَ القِيَامَةِ دُخَانٌ، فَيَأْخُذُ بأَنْفَاسِهِمْ حتَّى يَأْخُذَهُمْ منه كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقالَ عبدُ اللهِ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ به، وَمَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فإنَّ مِن فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِما لا عِلْمَ له بهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إنَّما كانَ هذا، أنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ علَى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، دَعَا عليهم بسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فأصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ، حتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى السَّمَاءِ فَيَرَى بيْنَهُ وبيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الجَهْدِ، وَحتَّى أَكَلُوا العِظَامَ، فأتَى النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِمُضَرَ، فإنَّهُمْ قدْ هَلَكُوا، فَقالَ: لِمُضَرَ إنَّكَ لَجَرِيءٌ قالَ: فَدَعَا اللَّهَ لهمْ، فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا إنَّكُمْ عَائِدُونَ} قالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهيةُ، قالَ: عَادُوا إلى ما كَانُوا عليه، قالَ: فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَارْتَقِبْ يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ} {يَومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ} قالَ: يَعْنِي يَومَ بَدْرٍ.) ([1])

(إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ لمَّا رأَى من الناسِ إدْبَارًا ، قالَ : اللهمَّ سبعٌ كسَبعِ يوسفَ . فأخذتْهُم سنةٌ حصَّتْ كلَّ شيءٍ، حتَّى أكلُوا الجلودَ والميتَةَ والجِيَفَ ، وينظُرُ أحدُهُمْ إلى السَّمَاءِ فيرَى الدُّخَانَ من الجوعِ . فأَتَاهُ أبو سفيانَ فقالَ: يا محمدُ، إنكَ تَأمُرُ بطاعَةِ اللهِ وبصِلَةِ الرحمِ، وإنَّ قومَكَ قد هَلَكوا، فادْعُ اللهَ لهُم، قال اللهُ تعالى : { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - إلى قولهِ - عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى { . فالبطشةُ يومَ بدرٍ، وقدْ مَضَتْ الدُّخَاُن ، والبَطْشَةُ واللِّزَامُ وآيةُ الرومِ.) ([2]).

(أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَّا رأى قريشًا قد استعصوا عليهِ قال : اللهمَّ أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسفَ قال : فأخذتهم السَّنَةُ حتى حصت كلَّ شيْءٍ حتى أكلوا الجلودَ والعظامَ وقال أحدهما : حتى أكلوا الجلودَ والميتةَ وجعل يخرجُ من الرجلِ كهيئةِ الدخانِ فأتاهُ أبو سفيانَ فقال : أي محمدُ إنَّ قومَك قد هلكوا فادعُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يكشفَ عنهم قال : فدعا ثم قال : اللهمَّ إن يعودوا فعُدْ هذا في حديثِ منصورٍ ثم قرأ هذهِ الآيةَ { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ }) ([3])

‏ عَنْ ‏ ‏مَسْرُوقٍ‏ ‏قَالَ قَالَ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏‏إِنَّمَا كَانَ هَذَا لأنَّ ‏‏قُرَيْشاً ‏‏لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي‏ ‏يُوسُفَ ‏‏فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11]. قَالَ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ ‏لِمُضَرَ‏ ‏فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ قَالَ‏ ‏لِمُضَرَ ‏‏إِنَّكَ لَجَرِيءٌ فَاسْتَسْقَى لَهُمْ فَسُقُوا فَنَزَلَتْ ‏(إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) [الدخان 15].

‏فَلَمَّا أَصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ حِينَ أَصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏(يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 16].  ‏قَالَ‏ ‏يَعْنِي يَوْمَ ‏‏بَدْرٍ (البخاري 4447).

(دَخَلْنَا علَى عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، قالَ : يا أيُّها النَّاسُ، مَن عَلِمَ شيئًا فَلْيَقُلْ به، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ، فإنَّ مِنَ العِلْمِ أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {قُلْ ما أسْأَلُكُمْ عليه مِن أجْرٍ وما أنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ} وسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَعَا قُرَيْشًا إلى الإسْلَامِ، فأبْطَئُوا عليه، فَقالَ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عليهم بسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فأخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شيءٍ، حتَّى أكَلُوا المَيْتَةَ والجُلُودَ، حتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بيْنَهُ وبيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنَ الجُوعِ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {فَارْتَقِبْ يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذَابٌ ألِيمٌ}، قالَ: فَدَعَوْا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إنَّا مُؤْمِنُونَ، أنَّى لهمُ الذِّكْرَى، وقدْ جَاءَهُمْ رَسولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عنْه، وقالوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ، إنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا، إنَّكُمْ عَائِدُونَ} أفَيُكْشَفُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ: فَكُشِفَ ثُمَّ عَادُوا في كُفْرِهِمْ، فأخَذَهُمُ اللَّهُ يَومَ بَدْرٍ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ}) ([4])

‏عَنْ‏ ‏مَسْرُوقٍ ‏قَالَ دَخَلْنَا عَلَى‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ‏قَالَ‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ ‏‏اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) 86].  وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ الدُّخَانِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏دَعَا ‏ ‏قُرَيْشاً ‏‏إِلَى الإسْلامِ فَأَبْطَئُوا عَلَيْهِ فَقَالَ ‏‏اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ ‏ ‏يُوسُفَ ‏ ‏فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْجُلُودَ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَاناً مِنْ الْجُوعِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏ (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11].

قَالَ فَدَعَوْا ‏ ‏(رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ* أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ* ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ* إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) [الدخان 12-15].

‏أَفَيُكْشَفُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ فَكُشِفَ ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ يَوْمَ ‏بَدْرٍ ‏ ‏قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏(يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 16] ( صحيح البخاري 4435).

(أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :  قنتَ بعد الركعةِ ، في صلاةٍ ، شهرًا . إذا قال سمع اللهُ لمن حمدَه يقول في قنوتِه اللهم ! أنجِ الوليدَ بنَ الوليدِ. اللهم ! نجِّ سلمةَ بنَ هشامٍ . اللهم ! نجِّ عياشَ بنَ أبي ربيعةَ . اللهم ! نجِّ المستضعفينَ من المؤمنينَ . اللهم ! اشدُدْ وطأتكَ على مضرَ . اللهم! اجعلها عليهم سنين كسنيِّ يوسفَ ، قال أبو هريرةَ :  ثم رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ترك الدعاءَ بعد . فقلتُ:  أرى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قد ترك الدعاءَ لهم . قال فقيل : وما تراهم قد قَدِموا؟ ) ([5])

أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا قال : ( سمِع اللهُ لمَن حمِدَهُ ) في الركعةِ الآخِرَةِ من صلاةِ العِشاءِ قنَت : أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان إذا قال : ( سمِع اللهُ لمَن حمِدَهُ ) في الركعةِ الآخِرَةِ من صلاةِ العِشاءِ قنَت : ( اللهم أَنجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعَةَ، اللهم أَنجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، اللهم أَنجِ سلَمَةَ بنَ هِشامٍ، اللهم أَنجِ المستضعَفِينَ من المؤمنينِ، اللهم اشدُدْ وطأتَك على مُضَرَ، اللهم اجعلْها عليهم سنينَ كسنِي يوسُفَ ) .) ([6])

(كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقرأُ في الركعةِ الآخرةِ من صلاةِ الصبحِ بعدما يقولُ سمع الله لمن حمده يقنُت ثم يقولُ اللهم أنجِ عيَّاشَ بنَ أبي ربيعةَ اللهم أنجِ الوليدَ بنَ الوليدِ اللهم أنجِ سلمةَ بن هشامٍ اللهم أنجِ المستضعفين من الْمُؤْمِنينَ اللهم اشدُدْ وطأتَك على مُضرَ اللهم اجعلْها سنين كسِنيِّ يوسفَ فمكث شهرًا يدعو بذلك ثم ترك الدعاءَ فقلتُ ما بالُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ترك الدعاءَ فقيل لي أوَما تراهم قد جاءوا) ([7])

شرح الحديث: كانَ النَّبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم إذا قالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَه في الرَّكعةِ الآخِرةِ مِن صَلاةِ العِشاءِ قَنَتَ، أي: دَعا قَبلَ أنْ يَسجُدَ يَقولُ: اللَّهمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ، اللَّهمَّ أَنْجِ الوَليدَ بنَ الوَليدِ، اللَّهمَّ أَنْجِ سَلَمةَ بنَ هِشامٍ، والوَليدُ وسَلَمةُ وعيَّاشٌ رضي الله عنهم حَبَسَهم المُشرِكونَ في مَكَّةَ لَمَّا أَسلَموا ومَنَعوهم مِن الهِجرةِ، وقَد تَواعَدوا جميعًا لِلهُروبِ مِن المُشرِكينَ، فَدَعا لَهُم النَّبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم، اللَّهمَّ أَنْجِ المُستَضعَفينَ مِن المُؤمِنينَ، عامٌّ بَعدَ خاصٍّ، والمُرادُ بالمُستَضعَفينَ مِن المُؤمِنينَ هُم ضُعَفاء المُؤمِنينَ بِمَكَّةَ وغَيرِها الَّذينَ حَبَسَهم الكُفَّارُ عن الهِجرةِ وآذَوْهم وعَذَّبوهم، اللَّهمَّ اشْدُد "وَطْأَتَك"، أي: عُقوبَتَك عَلى كُفَّارِ قُرَيْش أولاد مُضَرَ، القَبيلة المَشْهورة الَّتي مِنها جَميعُ بُطونِ قُرَيْش وغَيرهم، اللَّهمَّ اجْعَلْها، أي: عُقوبتَك سِنينَ مُجدِبة كَسِنيِّ يُوسُفَ، فَيَكونُ المَعنى هُنا هو الدُّعاء عليهم بالقَحْطِ العَظيمِ.

(بينا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصلِّي العِشاءَ إذ قال : سمِع اللهُ لمَن حمِده، ثم قال قَبلَ أن يَسجُدَ : اللهمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبيعَةَ، اللهمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بنَ هشامٍ اللهمَّ نَجِّ الوليدَ بنَ الوليدِ، اللهمَّ نَجِّ المُستَضعَفينَ منَ المؤمنينَ، اللهمَّ اشدُدْ وَطأتَكَ على مُضَرَ، اللهمَّ اجعَلْها سِنينَ كسِني يوسُفَ) ([8])

(بينا رجلٌ يحدثُ في المسجدِ الأعظمِ قال : إذا كان يومُ القيامةِ نزل دخانٌ من السماءِ فأخذ بأسماعِ المنافقينَ وأبصارِهم وأخذ المؤمنينَ منه كهيئةِ الزكامِ قال مسروقٌ : فدخلت على عبدِ اللهِ فذكرت ذلك له وكان مُتَّكِئًا فاستوى جالسًا فأنشأ يُحدثُ فقال : يا أيها الناسُ مَن سُئِل منكم عن علمٍ هو عندَه فليقلْ به فإن لم يكنْ عندَه فليقلْ اللهُ أعلمُ فإنَّ مِن العلمِ أن تقولَ لما لا تعلمُ اللهُ أعلمُ إن اللهَ عزَّ وجلَّ قال لنبيِّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ : { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } إن قريشًا لما غلبوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ واستعصوا عليه قال : اللهمَّ أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسفَ قال : فأخذتْهم سِنَةٌ أكَلوا فيها العظامَ والميتةَ من الجَهدِ حتى جعل أحدُهم يرى ما بينَه وبينَ السماءِ كهيئةِ الدخانِ من الجوعِ فقالوا : { رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ } قال: فقِيلَ له : إنا إن كشفْنا عنهم عادوا فدعا ربَّه فكشف عنهم فعادوا فانتقم اللهُ منهم يومَ بدرٍ فذلك قولُه تعالَى { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } إلى قوله { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } قال ابنُ نميرٍ في حديثِه : فقال عبدُ اللهِ : فلو كان يومُ القيامةِ ما كُشِف عنهم) ([9])

- ‏(عَنْ ‏مَسْرُوقٍ‏ ‏قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي الْمَسْجِدِ الأعْظَمِ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَانٌ مِنْ السَّمَاءِ فَأَخَذَ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ وَأَخَذَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ قَالَ ‏مَسْرُوقٌ ‏فَدَخَلْتُ عَلَى ‏عَبْدِ اللَّهِ‏ (ابن مسعود) ‏فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ مُتَّكِئاً فَاسْتَوَى جَالِساً فَأَنْشَأَ يُحَدِّثُ فَقَالَ‏ ‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ سُئِلَ مِنْكُمْ عَنْ عِلْمٍ هُوَ عِنْدَهُ فَلْيَقُلْ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لا تَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ ‏‏إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) 86].

‏إِنَّ ‏ ‏قُرَيْشاً ‏ ‏لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ أَعِنِّي بِسَبْعٍ كَسَبْعِ‏ ‏يُوسُفَ ‏‏قَالَ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجَهْدِ حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجُوعِ فَقَالُوا (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) [الدخان 12].

‏قَالَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّا إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ‏ ‏بَدْرٍ ‏فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) إلى قوله (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 10- 16]). ‏أحمد مسند عبداللّه بن مسعود رضي اللّه عنه 3895.

- ‏(عَنْ ‏‏مَسْرُوقٍ ‏قَالَ دَخَلْتُ عَلَى ‏‏عَبْدِ اللَّهِ (بن مسعود)‏ ‏ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏لَمَّا دَعَا ‏ ‏قُرَيْشاً ‏‏كَذَّبُوهُ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ ‏‏اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ ‏ ‏يُوسُفَ ‏‏فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ ‏يَعْنِي كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ فَكَانَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَكَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ ثُمَّ قَرَأَ ‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ* أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ* ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ* إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) [الدخان 10-15].‏

‏قَالَ ‏عَبْدُ اللَّهِ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ وَالْبَطْشَةُ الْكُبْرَى يَوْمَ ‏بَدْرٍ (صحيح البخاري 4449).

وفي حديث سبق ذكره: (جَاءَ إلى عبدِ اللهِ رَجُلٌ فَقالَ: تَرَكْتُ في المَسْجِدِ رَجُلًا يُفَسِّرُ القُرْآنَ برَأْيِهِ يُفَسِّرُ هذِه الآيَةَ: {يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ} قالَ: يَأْتي النَّاسَ يَومَ القِيَامَةِ دُخَانٌ، فَيَأْخُذُ بأَنْفَاسِهِمْ حتَّى يَأْخُذَهُمْ منه كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقالَ عبدُ اللهِ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ به، وَمَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فإنَّ مِن فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِما لا عِلْمَ له بهِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إنَّما كانَ هذا، أنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ علَى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، دَعَا عليهم بسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فأصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ، حتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى السَّمَاءِ فَيَرَى بيْنَهُ وبيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الجَهْدِ، وَحتَّى أَكَلُوا العِظَامَ، فأتَى النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِمُضَرَ، فإنَّهُمْ قدْ هَلَكُوا، فَقالَ: لِمُضَرَ إنَّكَ لَجَرِيءٌ قالَ: فَدَعَا اللَّهَ لهمْ، فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا إنَّكُمْ عَائِدُونَ} قالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهيةُ، قالَ: عَادُوا إلى ما كَانُوا عليه، قالَ: فأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَارْتَقِبْ يَومَ تَأْتي السَّمَاءُ بدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ} {يَومَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إنَّا مُنْتَقِمُونَ} قالَ: يَعْنِي يَومَ بَدْرٍ.) ([10]) .

- (كنا عند عبدِ اللهِ جلوسًا . وهو مضطجعٌ بيننا . فأتاه رجلٌ فقال : يا أبا عبد الرحمنِ ! إن قاصًّا عند أبوابِ كندةَ يقصُ ويزعمُ ؛ أنَّ آيةَ الدخَانِ تجئُ فتأخذُ بأنفاسِ الكفارِ . ويأخذُ المؤمنينَ منه كهيئةِ الزكامِ . فقال عبدُ اللهِ، وجلس وهو غضبانٌ : يا أيها الناسُ ! اتقوا اللهَ . من علِم منكم شيئًا ، فليقلْ بما يعلم . ومن لم يعلمْ ، فليقلْ: الله أعلمُ . فإنه أعلمُ لأحدِكُم أن يقولَ ، لما لا يعلمُ : اللهُ أعلمُ . فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قال لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ 38 / ص / 86 ] . إن رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لمَّا رأى من الناسِ إدبارًا . فقال " اللهمَّ ! سبعٌ كسبعِ يوسفَ " قال فأخذتْهم سنةٌ حصتْ كلَّ شئٍ . حتى أكلوا الجلودَ والميتةَ من الجوعِ . وينظرُ إلى السماءِ أحدُهم فيرى كهيئةِ الدخَانِ . فأتاه أبو سفيانَ فقال : يا محمدُ ! إنك جئتَ تأمرُ بطاعةِ اللهِ وبصلةِ الرحمِ . وإنَّ قومَك قد هلكوا . فادع اللهَ لهم . قال اللهُ عزَّ وجلَّ : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [ 44 / الدخان / 10و - 11 ] إلى قولِه : إِنَّكُمْ عَائِدُونَ. قال : أفيكشفُ عذابَ الآخرةِ ؟ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى، إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [ 44 / الدخان / 16 ] . فالبطشةُ يومَ بدرٍ . وقد مضتْ آيةُ الدخانِ ، والبطشةُ ، واللِّزَامُ ، وآيةُ الرومِ ) ([11])

- عَنْ ‏‏مَسْرُوقٍ ‏ ‏قَالَ ‏جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ‏عَبْدِ اللَّهِ (بن مسعود) ‏فَقَالَ إِنِّي تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلا يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٌ) [الدّخان 10] إِلَى آخِرِهَا ‏يَغْشَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يُصِيبَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ قَالَ فَقَالَ ‏‏عَبْدُ اللَّهِ مَنْ عَلِمَ عِلْماً فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّمَا كَانَ هَذَا لأنَّ ‏ ‏قُرَيْشاً ‏لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ ‏كَسِنِي ‏ ‏يُوسُفَ ‏‏فَأَصَابَهُمْ ‏قَحْطٌ ‏ ‏وَجَهِدُوا حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَنْظُرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ ‏ ‏الْجَهْدِ ‏ ‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11].  فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ ‏لِمُضَرَ ‏فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا قَالَ فَدَعَا لَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏‏(إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) [الدخان 15].‏  ‏فَلَمَّا أَصَابَهُمْ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ عَادُوا فَنَزَلَتْ ‏(يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 16]) ‏ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ (أحمد مسند عبدالله بن مسعود 3431).

- عَنْ مَسْرُوقٍ ‏‏قَالَ ‏جَاءَ إِلَى ‏‏عَبْدِ اللَّهِ ‏‏رَجُلٌ فَقَالَ تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلا يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ ‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدّخان 10].  قَالَ يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ فَقَالَ ‏‏عَبْدُ اللَّهِ ‏‏مَنْ عَلِمَ عِلْماً فَلْيَقُلْ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَنَّ ‏ ‏قُرَيْشاً‏ ‏لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي‏ ‏يُوسُفَ ‏‏فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ وَحَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ اللَّهَ ‏‏لِمُضَرَ‏ ‏فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا فَقَالَ‏ ‏لِمُضَرَ ‏إِنَّكَ لَجَرِيءٌ قَالَ فَدَعَا اللَّهَ لَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏‏(إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) [الدخان 15].

‏قَالَ فَمُطِرُوا فَلَمَّا أَصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ قَالَ عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11].

 (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 16]) قَالَ ‏ ‏يَعْنِي يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ (صحيح مسلم صفة القيامة والجنّة والنّار 5007).

وفي صحيح مسلم بشرح النووي: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( كَسِنِي يُوسُف ) ‏بِتَخْفِيفِ الْيَاء . ‏قَوْله: ( فَأَصَابَهُمْ قَحْط وَجَهْد ) ‏بِفَتْحِ الْجِيم ، أَيْ: مَشَقَّة شَدِيدَة ، وَحُكِيَ ضَمّهَا . ‏قَوْله: ( فَقَالَ: يَا رَسُول اِسْتَغْفِرْ اللَّه لِمُضَرَ ) ‏هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم ( اِسْتَغْفِرْ اللَّه لِمُضَرَ ) وَفِي الْبُخَارِيّ: ( اِسْتَسْقِ اللَّه لِمُضَرَ ) قَالَ الْقَاضِي: قَالَ بَعْضهمْ: ( اِسْتَسْقِ ) هُوَ الصَّوَاب اللائِق بِالْحَالِ ؛ لأنَّهُمْ كُفَّار لا يُدْعَى لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ ، قُلْت: كِلاهُمَا صَحِيح ، فَمَعْنَى ( اِسْتَسْقِ ) اُطْلُبْ لَهُمْ الْمَطَر وَالسُّقْيَا ، وَمَعْنَى ( اِسْتَغْفِرْ ): اُدْعُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ الَّتِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الاسْتِغْفَار .

‏حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ ‏‏كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ جُلُوساً وَهُوَ مُضْطَجِعٌ بَيْنَنَا فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ قَاصّاً عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ يَقُصُّ وَيَزْعُمُ أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ فَقَالَ  ‏عَبْدُ اللَّهِ وَجَلَسَ وَهُوَ غَضْبَانُ يَا أَيَّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئاً فَلْيَقُلْ بِمَا يَعْلَمُ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ لأحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ لِمَا لا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) 86].

‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاسِ إِدْبَاراً فَقَالَ ‏‏اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ ‏يُوسُفَ‏ ‏قَالَ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجُوعِ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَأَتَاهُ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏‏فَقَالَ يَا ‏مُحَمَّدُ ‏‏إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ إلى قوله إنًّكم عائدون) [الدّخان 10-]. قَالَ أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ ‏

 (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 16]).  فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ (صحيح مسلم صفة القيامة والجنّة والنّار 5006)

وفي صحيح مسلم بشرح النووي، ‏قَوْله: (إِنَّ قَاصّاً عِنْد أَبْوَاب كِنْدَة ) هُوَ بَاب بِالْكُوفَةِ. ‏قَوْله: ( فَأَخَذَتْهُمْ سَنَة حَصَتْ كُلّ شَيْء ) ‏السَّنَة الْقَحْط وَالْجَدْب ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ } وَ ( حَصَتْ ) بِحَاءٍ وَصَاد مُشَدَّدَة مُهْمَلَتَيْنِ ، أَيْ: اِسْتَأْصَلَتْهُ . ‏قَوْله: ( أَفَيَكْشِف عَذَاب الآخِرَة ) ‏هَذَا اِسْتِفْهَام إِنْكَار عَلَى مَنْ يَقُول: إِنَّ الدُّخَان يَوْم الْقِيَامَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة، فَقَالَ اِبْن مَسْعُود: هَذَا قَوْل بَاطِل ؛ لأنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: ‏(إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) [الدخان 15] وَمَعْلُوم أَنَّ كَشْف الْعَذَاب ثُمَّ عَوْدهمْ لا يَكُون فِي الآخِرَة ، إِنَّمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا . ‏قَوْله: ( مَضَتْ آيَة الدُّخَان وَالْبَطْشَة وَاللِّزَام وَآيَة الرُّوم ) ‏وَفَسَّرَهَا كُلّهَا فِي الْكِتَاب إِلا اللِّزَام ، وَالْمُرَاد بِهِ قَوْله سُبْحَانه وَتَعَالَى: { فَسَوْفَ يَكُون لِزَاماً } أَيْ: يَكُون عَذَابهمْ لازِماً ، قَالُوا: وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِمْ يَوْم بَدْر مِنْ الْقَتْل وَالأسْر ، وَهِيَ الْبَطْشَة الْكُبْرَى .

-  ‏عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ ‏بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ فَقَالَ يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ فَفَزِعْنَا فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَكَانَ مُتَّكِئاً فَغَضِبَ فَجَلَسَ فَقَالَ مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لا يَعْلَمُ لا أَعْلَمُ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) 86].

‏وَإِنَّ قُرَيْشاً أَبْطَئُوا عَنْ الإسْلامِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَجَاءَهُ ‏أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا‏ ‏مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ فَقَرَأَ ‏‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ إلى قوله عائدون) [الدّخان 10-11].

أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الآخِرَةِ إِذَا جَاءَ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 16]) يَوْمَ بَدْرٍ ،‏ ‏وَ ‏(لِزَاماً) يَوْمَ بَدْرٍ  (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) ‏[الروم 1-3].  وَالرُّومُ قَدْ مَضَى (صحيح البخاري 4401).

إنّ احتجاج عبداللّه: (أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الآخِرَةِ) سيناقش في الفرع السابع من المطلب الثاني.  والذي يبيّن أنّ هذا العذاب هو قبل الآخرة، وأنّه يكشف.

وفي فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، وَقَوْله: " إِنَّ مِنْ الْعِلْم أَنْ يَقُول لِمَا لا يَعْلَم: لا أَعْلَم " ‏أَيْ أَنَّ تَمْيِيز الْمَعْلُوم مِنْ الْمَجْهُول نَوْع مِنْ الْعِلْم ، وَهَذَا مُنَاسِب لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ لا أَدْرِي نِصْف الْعِلْم، وَلأنَّ الْقَوْل فِيمَا لا يَعْلَم قِسْم مِنْ التَّكَلُّف .

- ‏عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لا تَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) 86].

إِنَّ قُرَيْشاً لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجَهْدِ حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجُوعِ قَالُوا ‏( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) [الدخان 12].‏

‏فَقِيلَ لَهُ إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى

‏‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ  إلى قوله جلّ ذكره إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 10-16]) (البخاري 4448).

إنّ استنكار عبدالله ابن مسعود متعلّق بعبارةٍ وصفت الدخانَ.  وهو محقّ؛ فهذا الوصفُ للدخان ورَدَ في روايات ضعيفة؛ وفيما يلي بعض صيغها :-

- (يَغْشَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ يَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يُصِيبَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ)

- (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَانٌ مِنْ السَّمَاءِ فَأَخَذَ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ وَأَخَذَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ)

- (نَزَلَ دُخَانٌ مِنْ السَّمَاءِ فَأَخَذَ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ وَأَخَذَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ)

- (يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ)

- (أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ)

- (يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ)

وهذا الوصف للدخان لم يثبت ؛ وإنّما ورد في أحاديث ضعيفة أو موضوعة؛ وهو الذي استنكره عبدالله بن مسعود.  وفيما يلي بعض نصوص هذه الرواية الضعيفة :-

(أوَّلُ الآياتِ الدَّجَّالُ ، ونزولُ عيسَى ابنُ مريمَ ، ونارٌ تخرجُ من قعرِ عدنَ أبينَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ، تقيلُ معهم إذا قالوا، والدُّخانُ، قال حذيفةُ : يا رسولَ اللهِ ! وما الدُّخانُ ؟ فتلَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الآيةَ : }يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} يملأُ ما بين المشرقِ والمغربِ ، يمكثُ أربعينَ يومًا وليلةً ، أمَّا المؤمنُ فيصيبُهُ منه كهيئةِ الزُّكامِ ، وأمَّا الكافرُ فيكونُ بمنزلةِ السَّكرانِ يخرجُ من منخرَيهِ وأذُنيهِ ودبُرهِ) (الراوي : حذيفة بن اليمان، المحدث: ابن جرير الطبري ، المصدر : تفسير الطبري ، الصفحة أو الرقم: 13/1/139 ، خلاصة حكم المحدث : لم أشهد له بالصحة )

(أولُ الآياتِ : الدجالُ ، ونزولُ عيسى ابنِ مريمِ ، ونارٌ تخرجُ من قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ تسوقُ الناسَ إلى المحشرِ ، تُقيلُ معهم إذا قالوا ، والدُّخَانُ ، قال حذيفةُ : يا رسولَ اللهِ ، وما الدُّخانُ ؟ فَتَلَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الآيةَ : { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} يملأُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ، يمكثُ أربعينَ يومًا وليلةً ، أمَّا المؤمنُ فيُصيبهُ منهُ كهيئةِ الزُّكامِ ، وأمَّا الكافرُ فيكونُ بمنزلةِ السَّكرانِ ، يخرجُ من مُنخرَيهِ وأُذنَيهِ ودُبُرِه) (الراوي : حذيفة بن اليمان، المحدث : الألباني ، المصدر : السلسلة الضعيفة ، الصفحة أو الرقم: 6550 ، خلاصة حكم المحدث : موضوع بهذا التمام ).

وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيث رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَة مَرْفُوعاً فِي خُرُوج الآيَات وَالدُّخَان " قَالَ حُذَيْفَة: يَا رَسُول اللَّه وَمَا الدُّخَان؟ فَتَلا هَذِهِ الآيَة قَالَ: أَمَّا الْمُؤْمِن فَيُصِيبهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِر فَيَخْرُج مِنْ مَنْخِرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُره " وَإِسْنَاده ضَعِيف أَيْضاً (تحفة الأحوذي بشرح جامع التّرمذي 3177، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ح 4448). وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد نَحْوه وَإِسْنَاده ضَعِيف أَيْضاً.

ويحتمل أَنْ يَكُون حُذَيْفَة هُوَ الْقَاصّ الْمُرَاد فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود السابق الذكر.

وبالتالي لعلّ هذا الحديث الصحيح والذي أورده البخاري عن عبدالله بن مسعود ([12]) هو بيان لمناسبة نزول الآية (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).  والحديث لا يعارض كون الدخان من علامات الساعة.  وأمّا في رواية مسلم، فقد ورد قول عبدالله (رضي الله عنه): (وقد مضى آيةُ الدُّخانِ)، ورأيه بأنّ آية الدخان قد مضت يتعارض مع رأي أكابر الصحابة:

وأَخْرَجَ عَبْد الرَّزَّاق مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ " دَخَلْت عَلَى اِبْن عَبَّاس يَوْماً فَقَالَ لِي: لَمْ أَنَمْ الْبَارِحَة حَتَّى أَصْبَحْت، قَالُوا طَلَعَ الْكَوْكَب ذُو الذَّنَب فَخَشِينَا الدُّخَان قَدْ خَرَجَ " (فتح الباري بشرح صحيح البخاري ح 4448).  ونحوه عن عبدِ اللهِ بنِ أبي مُلَيْكةَ قال : (غَدوتُ على ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما ذاتَ يومٍ فقال : ما نِمْتُ اللَّيلةَ حتَّى أصبَحتُ، قلتُ : لَم ؟ قالَ : قالوا : طلَع الكَوكبُ ذو الذَّنَبِ فخَشيتُ أن يكونَ الدُّخانُ قَد طرَقَ فما نِمْتُ حتَّى أصبَحتُ) ([13]).

وَيُؤَيِّد كَوْن آيَة الدُّخَان لَمْ تَمْضِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم : (بادروا بالأعمالِ ستًّا طلوعُ الشمسِ من مغربِها أو الدُّخانُ أو الدجالُ أو الدابةُ أو خاصةُ أحدِكم أو أمرُ العامةِ) ([14])

(بادروا بالأعمالِ ستًّا طلوعَ الشَّمسِ من مغربِها والدُّخانَ ودابَّةَ الأرضِ والدَّجَّالَ وخويصَّةَ أحدِكم وأمرَ العامَّة) ([15])

(بادِروا بِالأعمالِ سِتًّا : طُلُوعُ الشمسِ من مَغربِها ، و الدُّخَانُ ، و دَابَّةُ الأرضِ ، و الدَّجالُ ، و خُوَيِّصَةَ أحدِكُم، و أمرُ العامَّةِ) ([16]).

الشرح: حثَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أُمَّتَه على المُداومةِ على الأَعمالِ الصَّالحةِ والمُسارَعةِ إليها؛ حتَّى يكونَ المُسلمُ على أتمِّ الِاستِعدادِ لِلقاءِ اللهِ تَعالى.  بادِروا بالأَعمالِ، أي: سارِعوا وسابِقوا بِالاشتِغالِ بالأَعمالِ الصَّالحةِ.  ستًّا، أي: قبلَ وُقوعِ ستِّ عَلاماتٍ لِوجودِ السَّاعةِ: (طُلوع الشَّمسِ مِن مَغربِها)، فإنَّها إذا طَلعَت منَ المَغربِ لا يَنفعُ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمنتْ مِن قَبلُ، أو الدُّخَان، أي: ظُهوره. أو الدَّجَّال أو الدَّابَّة أي: خُروجهما، أو خاصَّة أَحدِكم، أي: ما يَخصُّه مِنَ المَوتِ الَّذي يَمنعُه منَ العَملِ، أو هيَ ما يَختصُّ به الإِنسانُ منَ الشَّواغلِ المُتعلِّقَةِ في نَفسِه ومالِه، وما يهتَمُّ به أو أمرِ العامَّةِ يَعني القِيامَةَ؛ لأَنَّها تَعُمُّ النَّاسَ جميعًا بالموتِ، يَقولُ: فبادِروا الموتَ والقِيامَةَ بالأَعمالِ الصَّالحةِ.

(اطَّلعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليْهِ وسلَّمَ مِن غرفةٍ ونحنُ نتذاكرُ السَّاعةَ فقالَ لاَ تقومُ السَّاعةُ حتَّى تَكونَ عشرُ آياتٍ طلوعُ الشَّمسِ من مغربِها والدَّجَّالُ والدُّخانُ والدَّابَّةُ ويأجوجُ ومأجوجُ وخروجُ عيسى ابنِ مريمَ عليْهِ السَّلامُ وثلاثُ خسوفٍ خسفٌ بالمشرقِ وخسفٌ بالمغربِ وخسفٌ بجزيرةِ العربِ ونارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبيَنَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ تبيتُ معَهم إذا باتوا وتقيلُ معَهم إذا قالوا) ([17])

(لن تَكُونَ- أو لن تَقُومَ- السَّاعةُ حتَّى يَكونَ قَبْلَها عشْرُ آياتٍ: طُلوعُ الشَّمسِ مِن مَغْرِبِها، وخُروجُ الدَّابَّةِ، وخُروجُ يَأْجوجَ ومَأْجوجَ، والدَّجَّالُ، وعيسى ابنُ مريمَ، والدُّخَانُ. وثلاثُ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَغرِبِ، وخَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وخَسْفٌ بجَزيرةِ العربِ. وآخِرُ ذلكَ تَخرُجُ نارٌ مِنَ اليَمَنِ، مِن قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إلى المَحْشَرِ.) ([18])

(اطَّلَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقالَ: ما تَذَاكَرُونَ؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قالَ: إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ، الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدّابة، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ.) ([19]). 

(إنَّ الساعةَ لا تقومُ حتى تكونَ عشرُ آياتٍ ؛ الدخانُ ، والدَّجالُ ، والدابةُ ، وطلوعُ الشمسِ من مغربِها، وثلاثةُ خسوفٍ : خسفٌ بالمشرقِ ، وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العربِ ، ونزولُ عيسى ، وفتحُ يأجوجَ ومأجوجَ ، ونارٌ تخرج من قَعْرِ عدنٍ ؛ تسوقُ الناسَ إلى المحشرِ ؛ تبيتُ معهم حيث باتوا وتقيلُ معهم حيث قالوا) ([20])

ومِنْ حَدِيث أَبِي شُرَيْحَةَ رَفَعَهُ " لا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَرَوْا عَشْر آيَات: طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا ، وَالدُّخَان ، وَالدَّابَّة " (تحفة الأحوذي بشرح جامع التّرمذي 3177) .  وعن حذيفة: (لاَ تقومُ السَّاعةُ حتَّى تروا عشرَ آياتٍ: طلوعُ الشَّمسِ من مغربِها ، ويأجوجُ ومأجوجُ ، والدَّابَّةُ وثلاثةُ خسوفٍ خسفٍ بالمشرقِ وخسفٍ بالمغربِ وخسفٍ بجزيرةِ العربِ ونارٌ تخرجُ من قعرِ عدنَ تسوقُ النَّاسَ أو تحشرُ النَّاسَ فتبيتُ معَهم حيثُ باتوا وتقيلُ معَهم حيثُ قالوا) ([21]).

ويحتمل أَنْ يَكُون حُذَيْفَة هُوَ الْقَاصّ الْمُرَاد فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود .

‏‏عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ ‏فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاسِ إِدْبَاراً قَالَ ‏اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ ‏يُوسُفَ‏ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنْ الْجُوعِ فَأَتَاهُ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏فَقَالَ يَا ‏مُحَمَّدُ ‏إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏‏‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدّخان 10].

إِلَى قَوْلِهِ (‏إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 15- 16])

‏فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ ‏بَدْرٍ ‏وَقَدْ مَضَتْ الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ ‏الرُّومِ (البخاري 952).

والشّرح (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) هو:

‏قَوْله: ( كُنَّا عِنْد عَبْد اللَّه ) ) ‏يَعْنِي اِبْن مَسْعُود. ‏قَوْله: ( لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاس إِدْبَاراً ) ‏أَيْ مِنْ الإسْلام. ‏قَوْله: ( فَأَخَذَتْهُمْ سَنَة ) أَيْ أَصَابَهُمْ الْقَحْط ، وَقَوْله " حَصَتْ " أَيْ اِسْتَأْصَلَتْ النَّبَات حَتَّى خَلَتْ الأرْض مِنْهُ. ‏قَوْله: ( حَتَّى أَكَلْنَا ) ‏فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِيّ وَالْحَمَوِيِّ " حَتَّى أَكَلُوا " وَهُوَ الْوَجْه ، وَكَذَا قَوْله " يَنْظُر أَحَدكُمْ " عِنْد الأكْثَر " يَنْظُر أَحَدهمْ " وَهُوَ الصَّوَاب.

‏عَنْ ‏مَسْرُوقٍ ‏قَالَ أَتَيْتُ ‏ابْنَ مَسْعُودٍ ‏فَقَالَ إِنَّ ‏قُرَيْشاً ‏أَبْطَئُوا عَنْ الإسْلامِ ‏فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ فَجَاءَهُ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏فَقَالَ يَا ‏مُحَمَّدُ ‏جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ فَقَرَأَ ‏‏‏‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدّخان 10].

ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدّخان 16]). ‏ يَوْمَ ‏بَدْرٍ.

‏قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ ‏وَزَادَ ‏أَسْبَاطٌ ‏عَنْ ‏مَنْصُورٍ ‏فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فَسُقُوا الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعاً وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ قَالَ ‏اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتْ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ (البخاري 964).‏

والشّرح (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) هو:

(فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ) بضم السين والقاف وهو على لغة بني الحارث.

عَنْ ‏مَسْرُوقٍ ‏قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ‏عَبْدِ اللَّهِ ‏فَقَالَ إِنَّ قَاصّاً يَقُصُّ يَقُولُ إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الأرْضِ الدُّخَانُ فَيَأْخُذُ بِمَسَامِعِ الْكُفَّارِ وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ قَالَ فَغَضِبَ وَكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ ثُمَّ قَالَ إِذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ عَمَّا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ بِهِ ‏قَالَ ‏مَنْصُورٌ ‏فَلْيُخْبِرْ بِهِ ‏وَإِذَا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنْ عِلْمِ الرَّجُلِ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ‏‏( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) 86].

‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏لَمَّا رَأَى ‏قُرَيْشاً ‏اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ ‏اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ ‏يُوسُفَ ‏فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ ‏فَأَحْصَتْ ‏كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَقَالَ أَحَدُهُمَا الْعِظَامَ قَالَ وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنْ الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَأَتَاهُ ‏أَبُو سُفْيَانَ ‏فَقَالَ إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ ‏.  ‏قَالَ ‏‏فَهَذَا لِقَوْلِهِ ‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11].  ‏وَهَذَا ‏حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (سنن التّرمذي 3177).

وفيما يلي مناقشة الأحاديث السّابقة

الفرع الثاني: مناقشة ألفاظ روايات حديث عبداللّه بن مسعود‏

-  كهيئة الدخان

‏أوّلا الحديث أورده مسلم في باب صفة القيامة والجنّة والنّار(صحيح مسلم صفة القيامة والجنّة والنّار 5007)، ممّا يؤكّد أنّ هنالك دخان تأتي به السّماء، وهو من العلامات الكبرى ليوم القيامة .

العبارة (حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ) وردت في العديد من روايات الحديث، بما يشابهها: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَاناً مِنْ الْجُوعِ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجُوعِ، فَكَانَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَكَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَنْظُرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ ‏الْجَهْدِ، وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنْ الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ.  لا بدّ من الوقوف هنا عند العبارة: (مِثْلَ الدُّخَانِ) أو (كهيئة الدخان) ؛ والّتي وردت في كلّ روايات حديث ابن مسعود.  إنّ هذه العبارة تؤكّد أنّ هذا الّذي حلّ بقريش (مُضَرَ) هو خلاف الدّخان الوارد في الآية ‏(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدّخان 10].  الآية تتوعّدهم (بِدُخَانٍ مُبِينٍ)، بينما الحديث يشير إلى شيءٍ آخر (كهيئة الدخان) أو (مِثْلَ الدُّخَانِ)؛ حدث ومضى.

وبعد أن طُلب من الرّسول - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  الدّعاء ‏لِمُضَرَ مخافة أن يهلكوا، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11].  إذن هنالك دخانٌ أصاب كفار قريش وشاهدوه (كهيئة الدخان) أو (مِثْلَ الدُّخَانِ).  وهنالك دخانٌ مترقّبٌ منتظرٌ ومتوعّدٌ تأتي به السّماءُ، وهو من علامات الساعة الكبرى، وهو بيّنٌ عامٌّ يغشى البشريّة، وعذابه أليم: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).  وقد سبق التّدليل عليه من استقراء الآيات القرآنيّة لألفاظ الآية الكريمة.

‏رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ الأعْمَشِ وَفِيهِ ( حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ ) ، وَرَوَاهُ مِنْ طُرُقِ مَنْصُورٍ وَفِيهِ حَتَّى ( أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ ) ‏( وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنْ الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ ) ‏وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ: فَكَانَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَكَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ .  { فَارْتَقِبْ { أَيْ اِنْتَظِرْ يَا مُحَمَّدُ عَذَابَهُمْ فَحَذَفَ مَفْعُولَ فَارْتَقِبْ لِدَلالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، وَقِيلَ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ مَفْعُولُ فَارْتَقِبْ يُقَالُ رَقَبْته فَارْتَقَبْته نَحْوَ نَظَرْته فَانْتَظَرْته { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ { أَيْ ظَاهِرٍ ‏{ يَغْشَى النَّاسَ }  ‏أَيْ يُحِيطُهُمْ  { هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } ‏يَقُولُ اللَّهُ ذَلِكَ وَقِيلَ يَقُولُهُ النَّاسُ.  رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ قَالُوا: ‏{ رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ } ‏وَهُوَ الْقَحْطُ الَّذِي أَكَلُوا فِيهِ الْمَيْتَاتِ وَالْجُلُودَ { إِنَّا مُؤْمِنُونَ } ‏أَيْ مُصَدِّقُونَ بِنَبِيِّك { أَنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى } أَيْ كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وَيَتَّعِظُونَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ { وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ { مَعْنَاهُ وَقَدْ جَاءَهُمْ مَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَدْخَلُ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَاتِ { ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ } أَيْ أَعْرَضُوا { وَقَالُوا مُعَلَّمٌ } أَيْ يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنُ ، بَشَرٌ مَجْنُونٌ.  فَدَعَا لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ } أَيْ الْجُوعِ عَنْكُمْ { قَلِيلا } أَيْ زَمَناً قَلِيلا فَكَشَفَ عَنْهُمْ. { إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } أَيْ إِلَى كُفْرِكُمْ فَعَادُوا إِلَيْهِ.  فَلَمَّا أَصَابَهُمْ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ عَادُوا فَنَزَلَتْ: { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى } هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ ، وَالْبَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ { إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } أَيْ مِنْهُمْ.

أمّا احتجاج ابن مسعود ‏( فَهَلْ يُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ )؟ فإنّه يزول حين نجد جوابه في نفس الحديث الّذي يرويه ( فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).  يؤكّد هذا أنّ هنالك دخان عُذّبت به قريش وقد كشفه اللّه عنهم (فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ)، وهذا الدّخان منشؤه الأرض (‏وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنْ الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ ).  وسيكون في المستقبل دخانُ آخر مترقّبٌ تأتي به السّماء، وهو من علامات الساعة الكبرى، وهو بيّنٌ عامٌّ يغشى البشريّة، وعذابه أليم (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ). 

قَالَ فَدَعَوْا ‏‏(رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ* أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ* ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ* إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) [الدخان 12-15].  وقد كشفه اللّه عنهم.  أمّا دخان الآخرة فمرتقب، وعذابه أليم، ويكشف لما هو أشدّ ألماً وحسرة.

وفي الرّد على احتجاج ابن مسعود ‏( فَهَلْ يُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ )؟ ؛ يقول ابن كثير في التفسير: "يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم، كقوله تعالى: ( إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) ( يونس: 98)، ولم يكن العذاب باشرهم، واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه ( ووصوله) عليهم، ولا يلزم أيضا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه ."

الفرع الثالث: مقارنة آية الدّخان مع الآية ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)

وما أشبهَ آيةَ الدّخانِ بقوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران 144].  لَمَّا اِنْهَزَمَ مَا اِنْهَزَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْم أُحُد وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ نَادَى الشَّيْطَان: أَلا إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ قُتِلَ وَرَجَعَ اِبْن قَمِيئَة إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ: قَتَلْت مُحَمَّداً وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ رَسُول اللَّه فَشَجَّهُ فِي رَأْسه فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوب كَثِير مِنْ النَّاس وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ.   فَحَصَلَ ضَعْف وَوَهَن وَتَأَخُّر عَنْ الْقِتَال فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " وَمَا مُحَمَّد إِلا رَسُول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُل " أَيْ لَهُ أُسْوَة بِهِمْ فِي الرِّسَالَة وَفِي جَوَاز الْقَتْل عَلَيْهِ . قَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مَرَّ عَلَى رَجُل مِنْ الأنْصَار وَهُوَ يَتَشَحَّط فِي دَمه فَقَالَ لَهُ: يَا فُلان أَشْعَرْت أَنَّ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ ؟ فَقَالَ الأنْصَارِيّ: إِنْ كَانَ مُحَمَّد قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ فَقَاتِلُوا عَنْ دِينكُمْ فَنَزَلَ " وَمَا مُحَمَّد إِلا رَسُول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُل " . رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيّ فِي دَلائِل النُّبُوَّة . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِراً عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ضَعْف " أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ " أَيْ رَجَعْتُمْ الْقَهْقَرَى " وَمَنْ يَنْقَلِب عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللَّه شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّه الشَّاكِرِينَ " أَيْ الَّذِينَ قَامُوا بِطَاعَتِهِ وَقَاتَلُوا عَنْ دِينه وَاتَّبَعُوا رَسُوله حَيّاً وَمَيِّتاً. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصِّحَاح وَالْمَسَانِيد وَالسُّنَن مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة أَنَّ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ تَلا هَذِهِ الآيَة لَمَّا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْبُخَارِيّ: روى أَبُو سَلَمَة أَنَّ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَخْبَرتْه أَنَّ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَقْبَلَ عَلَى فَرَس مِنْ مَسْكَنه بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِد فَلَمْ يُكَلِّم النَّاس حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَة فَتَيَمَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُغَطَّى بِثَوْبٍ حَبِرَة فَكَشَفَ عَنْ وَجْهه ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَاَللَّه لا يَجْمَع اللَّه عَلَيْك مَوْتَتَيْنِ أَمَّا الْمَوْتَة الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْك فَقَدْ مِتَّهَا . وَقَالَ الزُّهْرِيّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ أَبَا بَكْر خَرَجَ وَعُمَر يُكَلِّم النَّاس وَقَالَ: اِجْلِسْ يَا عُمَر قَالَ أَبُو بَكْر: أَمَّا بَعْد مَنْ كَانَ يَعْبُد مُحَمَّداً فَإِنَّ مُحَمَّداً قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُد اللَّه فَإِنَّ اللَّه حَيّ لا يَمُوت قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَمَا مُحَمَّد إِلا رَسُول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُل - إِلَى قَوْله - وَسَيَجْزِي اللَّه الشَّاكِرِينَ " قَالَ: فَوَاَللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاس لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَة حَتَّى تَلاهَا عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْر فَتَلاهَا مِنْهُ النَّاس كُلّهمْ فَمَا أَسْمَع بَشَراً مِنْ النَّاس إِلا يَتْلُوهَا (ابن كثير).

إنَّ  هذه الآية قد نزلت بمناسبة ما أشيع من مقتل الرّسول - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -  لتهيّء المسلمين لوفاة الرّسول - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .   وبنفس الكيفيّة، فإنّ قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ*  يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11]  نزل ليحذّر دخان يوم القيامة، وذلك بمناسبة ما أصاب قريش من العنت والجوع: ( فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ؛  فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11]). نزلت الآية لتحذّر من دخان مبين تأتي به السّماءُ يوم القيامة، وهو عامٌّ يغشى البشريّة، وعذابه أليم.

الفرع الرابع: الكون في بداياته رتق ودخان

- (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ( البقرة آية (29.

وقد أورد أبو حيّان في تفسيره البحر المحيط: "قيل: (جميعاً) حال مؤكّدة من كلمة (ما)، ولا دلالة لها على الاجتماع الزّماني، وهذا بخلاف معاً ([22]).  وبما أنّ الآية تذكر جزيل نعمه سبحانه ووفرتها، فإنّهم لم يجعلوها حالاً من ضمير لكم لأنّه لتعداد النِّعم دون المُنعَم عليه، ولنفس الاعتبار فإنّهم لم يجعلوها حالاً من الأرض أيضاً".

ونقول: لا مانع من كون جميعاً حالاً من كلمة (ما).  ويرادُ بما في الأرض أجزاؤها المركّبة منها.  أي خلق لكم ما في الأرض من أجزاء مجتمعة.  هذا وإنّ الناظر إلى الآية السّابقة من السّورة ذاتها (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم ثمّ إليه ترجعون) [البقرة 28] يلاحظُ أنّ السّياق القرآني يستعرضُ الخلق والإحياء والإماتة والبعث بالإضافة لذكره جزيل نعمه سبحانه ووفرتها.  وعليه - والله تعالى أعلم- فإنّ جميعاً قد تُعتبر حالاً من الأرض أيضاً.  ويدلُّ على ذلك قوله جلّ وعلا: (أولم ير الّذين كفروا أنّ السّموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما) [الأنبياء 30].  (رتقاً) أي كان الجميع متّصلاً بعضه ببعض متلاصقاً متراكماً بعضُه فوق بعضٍ في ابتداء الأمر ([23]).

وأقول: إنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً في بداية خلقهما، ثمّ فتقت السّماء الدّخانيّة في مستويات مختلفة للطاقة، لتُشكّلَ أصلاً لخلق طبقات البناء السّماوي، كما أنّ الأرض فتقت سبعاً إذن ليس هنالك ما يمنع أن تكون كلمة (جميعاً) حالاً من الأرض أيضاً، بل لعلّها كذلك.  وعندها يكون الخلق الّذي تتحدّث عنه الآيةُ: (هو الّذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) هو خلقُ الله - سبحانه وتعالى- وإيجاده للمادّة الأوّليّة في الأرض (بمعنى جهة السُّفل؛ أي الأرضين السّبع) عندما كانت الأرضُ رتقاً، وهذه المادّةُ ضروريّة لمراحل الخلق الّتي جاءت متأخّرة ([24]).  وسيتّضحُ لاحقاً أنّه في حالة الرّتق لم يكن الماء أو الزّرع أو الحيوان أو الإنسان مخلوقاً بعد.  بل إنّ مجرّتنا ومجموعتنا الشّمسيّة وكرتنا الأرضيّة لم يكن شيءٌ منها مخلوقاً آنذاك.

وأخال الزّمخشري في تفسيره الكشّاف لا يخالف هذا لقوله: "فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحّة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السّفليّة دون الغبراء كما تذكر السّماء وتراد الجهات العلويّة جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السّفليّة ([25])".  وهو عين ما قاله كثيرٌ من أئمّة التّفسير ([26]).

والحالة الدخانية في بواكير الكون تؤكدها الآيات من سورة فصّلت: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ  * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ  * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [فصلت 9-12].

يرى علماء الكون أنّ درجة الحرارة 2.725 K لإشعاع الخلفيّة الكوني (Three Degree cosmic Background radiation) ) شكل) مؤشّرٌ على أنّ درجة حرارة الكون كانت مرتفعة جدّاً عند بدء خلقه ([27])؛ إذ هو إشعاع جسم أسود (blackbody radiation).  كما وأنّ درجة حرارة الكون قد انخفضت بسبب توسُّعه (Weinberg, Steven, the first three minutes,1984, pp 45-46.): يشيرُ قوله تعالى (ثمّ استوى إلى السّماء وهي دخان) [فصّلت 11] إلى ارتفاع درجة حرارة الكون خلال أيّام خلقه المبكّرة.  وأنّ الحالة الدخانية كانت تغمر الكون في بداياته (عمري 2004: خلق الكون).  ويدلُّ على التّوسّع قوله تعالى: (والسّماء بنيناها بأييد وإنّا لموسعون) [الذّاريات 47].  وممّا يؤكّدُ كلاًّ من التّوسّع والتّبرّد المصاحبين لخلق الكون قوله تعالى: (ءأنتم أشدُّ خلقاً أم السماء بناها * رفع سمكها فسوّاها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها) [النّازعات 27-29].  إنّ التّفسير الفلكي لظلمة اللّيل (وأغطش ليلها) هو التّوسّع الّذي ينتج عنه تبرُّد الكون ومجانبته لحالة الاتّزان الحراري الثيرموديناميكي ([28]).  كما أنّ الآية تشير إلى العصور الكونية المظلمة -قبل ولادة النجوم الأولى - (cosmic dark ages; before the first stars were born).

هذا وسيعود الدخان يغمر الكون يوم القيامة بسبب حالة الطيّ والرّتق التي ستطرأ على الكون.

الفرع الخامس: الكون في نهاياته رتق ودخان

- (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء 104).

عن عبيدالله بن مقْسم أنّه نظر إلى عبدالله بن عمر كيف يحْكِي رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - قال: (يأخذُ الله عزّ وجلّ سمواته وأرضيه بيديْه فيقولُ: أنا الله - ويقبضُ أصابعهُ ويبسُطها - أنا الملكُ) حتى نظرتُ إلى المنبر يتحرّكُ من أسفل شيءٍ منه حتى إنّي لأقولُ: أساقطٌ هو برسول الله - صلّى الله عليه وسلم -؟ ([29]).

ورد في شرح صحيح مسلم للإمام النّووي مختصراً لكلام المازري ([30]): "المراد بقوله يقبض أصابعه ويبسطها النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم -، ولهذا قال أنَّ ابن مقْسم نظر إلى عبدالله بن عمر كيف يحْكِي رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم- ...  قال القاضي: وفي هذا الحديث ألفاظ يقبض ويأخذ، كلّه بمعنى الجمع لأنَّ السّموات مبسوطة والأرضين مدحوّة وممدودة ..  قال: وقبض النَّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم- أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها (في الآخرة) بعد بسطها، وحكاية للمبسوط (في الدّنيا) المقبوض (في الآخرة) وهو السّموات والأرضون، لا إشارة إلى القبض والبسط الّذي هو صفة القابض والباسط سبحانه وتعالى" (عمري ، 2004: الأرضون السبع).

جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - فقال يا محمّد إنّا نجدُ أنّ الله يجعلُ السّموات على إصبعٍ والأرضين على إصبعٍ والشّجر على إصبع والماءَ والثّرى على إصبعٍ وسائر الخلق على إصبع فيقول أنا الملك فضحك النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذهُ تصديقاً لقول الحبر ثمّ قرأ رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر 67).  وقد خُرّجَ الحديث في عددٍ من مصادر السُّنّة ([31]).  سبق القول أنّ العبارة (تصديقا لقول الحبر) هي من كلام الرّاوي. والدليل هو أنّ الآية التي قرأها الرسول: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) كانت ردّا على قول الحبر، وتبيّن صورة مختلفة ، وأكّدت أنّ اليهود لم يقدروا اللّه حقّ قدره، وهي تنزّه اللّه عن شرك اليهود (ملحق).

إذن سيعود الكون في نهاياته إلى حالة الرّتق والدخان والطيّ كما كانت حاله عند بدايات تخلّقه (عمري، الكون ومقارنة بدايته مع نهايته).

الفرع السادس:  مراحل تطور الشمس

يبيّن الشكلان التاليان مراحل تطور الشمس

Description: Projected timeline of the Sun's life.

يوضّحُ الشكلُ مراحلَ تطورِ الشمس ([32])

A planetary nebula, abbreviated as PN or plural PNe, is a type of emission nebula consisting of an expanding, glowing shell of ionized gas ejected from red giant stars late in their lives. The term "planetary nebula" is a misnomer because they are unrelated to planets or exoplanets

السديم الكوكبي ، والمختصر بـ PN أو الجمع PNe ، هو نوع من السديم الانبعاثي يتكون من قشرة متوهجة من الغاز المتأين المنبعث من النجوم العملاقة الحمراء في وقت متأخر من حياتها.

يوضّحُ الشكلُ مراحلَ تطورِ الشمس ([33])

 

The Sun as a red giant: ([34])

Description: 300px-Sun_red_giant

Figure 1: The size of the current Sun (now in the main sequence) compared to its estimated size during its red giant phase.

وهذه المرحلة تجسدها الأحاديث الشريفة التي تصف يوم القيامة:

(تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ على قيدِ ميلٍ ويُزادُ في حرِّها كذا وكذا تَغلي منها الهامُ كما تَغلي القدورُ يعرَقونَ فيها على قدرِ خطاياهم فمنهم مَن يبلغُ إلى كعبَيه ومنهم مَن يبلغُ إلى ساقَيه ومنهم مَن يبلغُ إلى وسطِه ومنهم مَن يُلجِمُه قال: وسمِعتُ أبا الحكمِ يقولُ: يُزادُ في حرِّها سبعةَ عشرَ ضِعفًا) ([35]).

الشمس في هذه المرحلة تصبح ضيائيتها كبيرة جدّاً مقارنة مع ضيائيتها الحالية: (تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ على قيدِ ميلٍ ويُزادُ في حرِّها كذا وكذا تَغلي منها الهامُ) .  ويصبح نصف قطرها مساوياً بعدها عن الأرض.  أي أنّ سطحها يلمس الأرض: (تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ على قيدِ ميلٍ).

ترتيب الكواكب في النظام الشمسي، بدءًا من الأقرب للشمس فالأبعد هو التالي: عطارد (Mercury) والزهرة (Venus) والأرض (Earth) والمريخ (Mars) والمشتري (Jupiter) وزحل (Saturn) ويورانس (Uranus) ونبتون (Neptune) ثم الكوكب التاسع المحتمل .

The Sun is expected to become a red giant.[7] It is calculated that the Sun will become sufficiently large to engulf the current orbits of the solar system's inner planets, up to Earth,[11][12][13] and its radius will expand to a minimum of 200 times its current value.[14] The Sun will lose a significant fraction of its mass in the process of becoming a red giant, and there is a chance that Mars and all the outer planets will escape as their resulting orbits will widen.[15] Mercury and most likely Venus will have been swallowed by sun's outer layer at this time. Earth's fate is less clear. Earth could technically achieve a widening of its orbit and could potentially maintain a sufficiently high angular velocity to keep it from becoming engulfed. In order to do so, its orbit needs to increase to between 1.3 AU (190,000,000 km) and 1.7 AU (250,000,000 km).[16] However the results of studies announced in 2008 show that due to tidal interaction between sun and Earth, Earth would actually fall back into a lower orbit, and get engulfed and incorporated inside the sun before the sun reaches its largest size, despite the sun losing about 38% of its mass.[17] Before this happens, Earth's biosphere will have long been destroyed by the Sun's steady increase in brightness as its hydrogen supply drops and its core contracts, even before the transition to a Red Giant. After just over 1 billion years, the extra solar energy input will cause Earth's oceans to evaporate and the hydrogen from the water to be lost permanently to space, with total loss of water by 3 billion years.[18] Earth's atmosphere and lithosphere (composed of the crust and the portion of the upper mantle ) will become like that of Venus. Over another billion years, most of the atmosphere will get lost in space as well;[15] ultimately leaving Earth as a dehydrated, dead planet with a surface of molten rock.

من المتوقع أن تصبح الشمس عملاق أحمر. [7] يُقدّر أن الشمس ستصبح كبيرة الحجم بما يكفي لتبتلع المدارات الحالية للكواكب الداخلية للنظام الشمسي، حتى الأرض، [11][12][13] وسيتوسع نصف قطرها إلى 200 مرة على الأقل من قيمتها الحالية. [14] ستفقد الشمس جزءًا كبيرًا من كتلتها في عملية التحول إلى عملاق أحمر، وهناك احتمال أن يهرب المريخ وجميع الكواكب الخارجية مع اتساع مداراتها. [15] عطارد وعلى الأرجح كوكب الزهرة يكونان قد ابتلعتهما الطبقة الخارجية للشمس في هذه المرحلة من الزمن. مصير الأرض أقل وضوحا. يمكن للأرض من الناحية الفنية أن تحقق توسيعًا لمدارها ويمكن أن تحافظ على سرعة زاوية عالية بما يكفي لمنعها من الانغماس داخل الشمس. للقيام بذلك، يجب زيادة مدارها إلى ما بين 1.3 AU (190.000.000 كم) و 1.7 AU (250.000.000 كم). [16] ومع ذلك، تظهر نتائج الدراسات التي تم الإعلان عنها في عام 2008 أنه بسبب تفاعل المد والجزر بين الشمس والأرض، فإن الأرض ستتراجع فعليًا إلى مدار منخفض، وتُبتلعُ وتندمج داخل الشمس قبل أن تصل الشمس إلى حجمها الأكبر، على الرغم من فقدان الشمس تقريبًا 38٪ من كتلتها. [17] قبل أن يحدث هذا ، سيكون الغلاف الحيوي للأرض قد دُمّر منذ زمنٍ بعيد بسبب الزيادة المطردة في سطوع الشمس مع انخفاض مخزون الهيدروجين وتقلص قلب الشمس، وحتى قبل الانتقال إلى طور العملاق الأحمر. بعد ما يزيد قليلاً عن مليار سنة، ستؤدي مدخلات الطاقة الشمسية الإضافية إلى تبخر محيطات الأرض وفقدان الهيدروجين من الماء بشكل دائم إلى الفضاء، مع فقدان كامل للمياه بحدود 3 مليارات سنة. [18] سيصبح الغلاف الجوي للأرض والغلاف الصخري (المكون من القشرة وجزء من الوشاح العلوي) مثل كوكب الزهرة. على مدى مليار سنة أخرى، سوف يضيع معظم الغلاف الجوي في الفضاء أيضًا؛ [15] في النهاية ستترك الأرض كوكبًا ميتًا ومصابًا بالجفاف مع سطح من الصخور المنصهرة.

 

دخان يوم القيامة المذكور في الآية (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)، لا علاقة له بالدخان الوارد في الأحاديث، والذي هو من العلامات الكبرى للساعة : (لا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَرَوْا عَشْر آيَات: طُلُوع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا وَالدُّخَان وَالدَّابَّة وَخُرُوج يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَخُرُوج عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَالدَّجَّال وَثَلاثَة خُسُوف: خَسْف بِالْمَشْرِقِ وَخَسْف بِالْمَغْرِبِ وَخَسْف بِجَزِيرَةِ الْعَرَب وَنَار تَخْرُج مِنْ قَعْر عَدَن تَسُوق النَّاس - أَوْ تَحْشِر النَّاس - تَبِيت مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا).

ولم يربط هذان الصنفان من الدخان معاً سوى حديث موضوع، وهو:

(أولُ الآياتِ : الدجالُ ، ونزولُ عيسى ابنِ مريمِ ، ونارٌ تخرجُ من قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ تسوقُ الناسَ إلى المحشرِ ، تُقيلُ معهم إذا قالوا ، والدُّخَانُ ، قال حذيفةُ : يا رسولَ اللهِ ، وما الدُّخانُ ؟ فَتَلَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الآيةَ : { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} يملأُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ، يمكثُ أربعينَ يومًا وليلةً ، أمَّا المؤمنُ فيُصيبهُ منهُ كهيئةِ الزُّكامِ ، وأمَّا الكافرُ فيكونُ بمنزلةِ السَّكرانِ ، يخرجُ من مُنخرَيهِ وأُذنَيهِ ودُبُرِه) (الراوي : حذيفة بن اليمان ، المحدث : الألباني ، المصدر : السلسلة الضعيفة، الصفحة أو الرقم: 6550 ، خلاصة حكم المحدث : موضوع بهذا التمام.

الراوي : حذيفة بن اليمان ، المحدث : ابن جرير الطبري ، المصدر : تفسير الطبري، الصفحة أو الرقم: 13/1/139 ، خلاصة حكم المحدث : لم أشهد له بالصحة)

The Seven Ages of the Sun ([36]).

يبيّن الجدول رقم 1 المراحل السبعة (Seven Phases) لتطور الشمس.

Phase

Period

Radius [Rsun = 700,000 km]

Luminosity [Lsun = 3.83x1026 W]

Temp. [K]

Hydrogen Burning (Today) [Fig.2]

11 Gyr

1

1

5779

First Red Giant [Fig.3]

1.3 Gyr

166=0.775AU

2350

3107

Helium Burning [Fig.4]

100 Myr

9.5

41

4724

Second Red Giant [Fig.5]

20 Myr

180 = 0.84 AU

3000

3160

Unstable Pulsation [Fig.6]

0.4 Myr

213 ~1 AU

5200

 

Planetary Nebula

10 Kyr

 

 

 

White Dwarf

lasting

Size of Earth

 

 

 

Description: today

شكل 2:  الشمس حاليّاً.

Description: rg

شكل3 : الشمس في الطور الأوّل من مرحلة العملاق الأحمر.  المسار المنقط هو مدار Mercury (كوكب عطارد) والذي ستبتلعه الشمس وتدمره.

 

Description: hb

Description: hbex

شكل 4: الشمس في مرحلة حرق الهيليوم.

 

Description: rg2

شكل 5: الشمس في المرحلة الثانية من مراحل حرق الهيليوم.

Figure 5: Second Red Giant Phase.  Stellar wind gets stronger as the outer portions of the Sun's atmosphere begin to evaporate away into space.  Every 100,000 years, the Sun pulses violently.  Models predict a total of 4 pulses will occur over this period, each ejecting more mass than the last one.

 

Description: pulse

Figure 6: Unstable Pulsations

وهذه المرحلة تجسدها الأحاديث الشريفة: (تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ على قيدِ ميلٍ ويُزادُ في حرِّها كذا وكذا تَغلي منها الهامُ كما تَغلي القدورُ يعرَقونَ فيها على قدرِ خطاياهم فمنهم مَن يبلغُ إلى كعبَيه ومنهم مَن يبلغُ إلى ساقَيه ومنهم مَن يبلغُ إلى وسطِه ومنهم مَن يُلجِمُه قال: وسمِعتُ أبا الحكمِ يقولُ: يُزادُ في حرِّها سبعةَ عشرَ ضِعفًا) ([37]).

(تُعطَى الشَّمسُ يومَ القيامةِ حرَّ عشرِ سنين ثمَّ تُدنَى من جماجمِ النَّاسِ . قال : فذكر الحديثَ ، قال : فيأتون النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولون : يا نبيَّ اللهِ أنت الَّذي فتح اللهُ لك، وغفر لك ما تقدَّم من ذنبِك وما تأخَّر ، وقد ترَى ما نحن فيه فاشفَعْ لنا إلى ربِّك ، فيقولُ : أنا صاحبُكم ، فيخرُجُ يجوسُ بين النَّاسِ حتَّى ينتهيَ إلى بابِ الجنَّةِ ، فيأخذُ بحلقةٍ في البابِ من ذهبٍ فيقرعُ البابَ فيقولُ : من هذا ؟ فيقولُ : محمَّدٌ ، فيُفتَحُ له حتَّى يقومَ بين يدَيِ اللهِ عزَّ وجلَّ فيسجُدَ فينادَى : ارفَعْ رأسَك ، سَلْ تُعْطَه ، واشفَعْ تُشفَّعْ فذلك المقامُ المحمودُ) ([38])

يبيّن الجدول 1 أنّ الشمس في هذه المرحلة تصبح ضيائيتها 5200 مرة ضعف ضيائيتها الحالية (تُعطى الشَّمسُ يومَ القيامةِ حرَّ عَشرِ سنينَ): (تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ على قيدِ ميلٍ ويُزادُ في حرِّها كذا وكذا تَغلي منها الهامُ) .  ويصبح نصف قطرها مساويا لبعدها عن الأرض.  أي أنّ سطحها يلمس الأرض: (تدنو الشمسُ يومَ القيامةِ على قيدِ ميلٍ).

وفي المرحلة الأخيرة، وبعد أن تصبح الشمس قزماً أبيض، تستقر الكواكب المتبقّية في مداراتها:

الفرع السابع: أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟

‏وعوداً إلى احتجاج ‏عَبْد اللَّهِ: (أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (صحيح البخاري 4435 ، 4449 يكون الرّدُّ: ليس العذاب في جهنّم هو الذي يكشف، إنّما الذي يكشف هو عذاب الدخان الذي هو من العلامات الكبرى ليوم القيامة، أو من أحداثها.  نعم يكشف هذا العذاب في المرحلة الثالثة من مراحل تطور الشمس، وهي مرحلة حرق الهيليوم.  ويتّضح هذا من الشكل الرابع (شكل 4).  هذا وبعد هذا الإنكشاف ، سيعود هذا الدخان مرّة أخرى في مرحلتين تاليتين: المرحلة الرابعة (Second Red Giant) كما هو مبين في شكل 5، والمرحلة الخامسة (Unstable Pulsation) كما هو مبين في شكل 6.  بل وسيعود الدخان عندما تصبح الشمس في طور نجم قزم أبيض؛ حيث يحطّم القزم الأبيض الأجرام (الكويكبات) القريبة فيجعلها هباءً، يسقط على سطح القزم.

الفرع الثامن: تعايش الكرة الأرضيّة مع الشمس في مرحلة العملاق الأحمر

فيما يلي ملخص أحد الأبحاث والذي يبين أن كوكبا يتبع النجم V 391 Pegasi ، والشبيه بشمسنا، إلاّ أنّ هذا النجم حاليّا هو عملاق أحمر، وأنّ بعض كواكبه تتعايش معه.  وبالتالي فهو مؤشّر على إمكانية تعايش كرتنا الأرضيّة مع الشمس حين تصبح في مرحلتها القادمة عملاقاً أحمراً.

A giant planet orbiting the 'extreme horizontal branch' star V 391 Pegasi (Silvotti et al.: silvotti@na.astro.it:

(http://www.nature.com/nature/journal/v449/n7159/pdf/nature06143.pdf)

After the initial discoveries fifteen years ago1, 2, over 200 extrasolar planets have now been detected. Most of them orbit main-sequence stars similar to our Sun, although a few planets orbiting red giant stars have been recently found3. When the hydrogen in their cores runs out, main-sequence stars undergo an expansion into red-giant stars. This expansion can modify the orbits of planets and can easily reach and engulf the inner planets. The same will happen to the planets of our Solar System in about five billion years and the fate of the Earth is matter of debate 4, 5. Here we report the discovery of a planetary-mass body (Msini = 3.2MJupiter) orbiting the star V 391 Pegasi at a distance of about 1.7 astronomical units (au), with a period of 3.2 years. This star is on the extreme horizontal branch of the Hertzsprung–Russell diagram, burning helium in its core and pulsating. The maximum radius of the red-giant precursor of V 391 Pegasi may have reached 0.7 au, while the orbital distance of the planet during the stellar main-sequence phase is estimated to be about 1 au. This detection of a planet orbiting a post-red-giant star demonstrates that planets with orbital distances of less than 2 au can survive the red-giant expansion of their parent stars.

الفرع التاسع: الإشعاع الصادر عن مراكز المجرات النشطة

quasar ([39]) (also known as a quasi-stellar object abbreviated QSO) is an extremely luminous active galactic nucleus (AGN), in which a supermassive black hole with mass ranging from millions to billions of times the mass of the Sun is surrounded by a gaseous accretion disk. As gas in the disk falls towards the black hole, energy is released in the form of electromagnetic radiation, which can be observed across the electromagnetic spectrum. The power radiated by quasars is enormous: the most powerful quasars have luminosities thousands of times greater than a galaxy such as the Milky Way. ([40])

الكوازار والمعروف أيضًا باسم كائن شبه نجمي (QSO) هو عبارة عن نواة مجرة نشطة للغاية مضيئة (AGN) ، حيث يوجد ثقب أسود فائق الكتلة؛ تتراوح كتلته من ملايين إلى مليارات أضعاف كتلة الشمس، ويحاط هذا الثقب الأسود العملاق بقرص نماء (تكدس) غازي متأين. عندما يسقط الغاز متسارعاً في القرص باتجاه الثقب الأسود ، ينبعث منه طاقة على شكل إشعاع كهرومغناطيسي، يمكن ملاحظته عبر الطيف الكهرومغناطيسي. إن الطاقة التي تشعها الكوازارات هائلة: أقوى الكوازارات لها لمعان أكبر بآلاف المرات من مجرة مثل درب التبانة.

 

Quasars ([41]): Quasars are believed—and in many cases confirmed—to be powered by accretion of material into supermassive black holes in the nuclei of distant galaxies, as suggested in 1964 by Edwin Salpeter and Yakov Zel'dovich ([42]).  Light and other radiation cannot escape from within the event horizon of a black hole. The energy produced by a quasar is generated outside the black hole, by gravitational stresses and immense friction within the material nearest to the black hole, as it orbits and falls inward ([43]).  The huge luminosity of quasars results from the accretion discs of central supermassive black holes, which can convert between 6% and 32% of the mass of an object into energy, ([44]) compared to just 0.7% for the p–p chain nuclear fusion process that dominates the energy production in Sun-like stars. Central masses of 105 to 109 solar masses have been measured in quasars by using reverberation mapping. Several dozen nearby large galaxies, including our own Milky Way galaxy, that do not have an active center and do not show any activity similar to a quasar, are confirmed to contain a similar supermassive black hole in their nuclei (galactic center). Thus it is now thought that all large galaxies have a black hole of this kind, but only a small fraction have sufficient matter in the right kind of orbit at their center to become active and power radiation in such a way as to be seen as quasars. ([45])

يُعتقد أن الكوازارات - وقد تم تأكيده في كثير من الحالات - تستمد طاقتها عن طريق تراكم المواد على ثقوب سوداء فائقة الكتلة تتواجد في نوى المجرات البعيدة، على النحو الذي اقترحه إدوين سالبيتر وياكوف زيلدوفيتش عام 1964. لا يمكن للضوء والإشعاع الهروب من أفق الحدث لثقب أسود. يتم توليد الطاقة التي ينتجها الكوازار خارج الثقب الأسود، ومن خلال ضغوط الجاذبية والاحتكاك الهائل داخل المادة الأقرب إلى الثقب الأسود ، لأنها تدور وتدور متسارعة إلى الداخل ضمن قرص النماء المحيط بالثقب الأسود العملاق. يصدر لمعان الكوازارات الضخم عن أقراص النماء (التراكم) على الثقوب السوداء المركزية الفائقة الكتلة، والتي يمكن أن تُحوّل ما بين 6٪ و 32٪ من الكتلة إلى طاقة ، مقارنة بـ 0.7٪ فقط في حالة عملية الاندماج النووي لسلسلة p - p والتي تسود عملية إنتاج الطاقة في النجوم الشبيهة بالشمس.  تم قياس كتل ثقوب سوداء في مراكز المجرات تقع ضمن المدى 0.1 مليون إلى 1000 مليون كتلة شمسية في نجوم الكوازرات؛ وذلك باستخدام صدى الصوت في بلازما قرص النماء. تم تأكيد احتواء عشرات المجرات الكبيرة القريبة المجاورة، بما في ذلك مجرتنا درب التبانة الخاصة بنا، والتي ليس لها مركز نشط ولا تظهر أي نشاط مشابه للكوازار، على ثقب أسود فائق الكتلة في نواتها (مركز المجرة).  وهكذا يُعتقد الآن أن جميع المجرات الكبيرة تحتوي المجرة الواحدة منها على ثقب أسود من هذا النوع ، ولكن جزءًا صغيرًا فقط من هذه المجرات يحتوي على مادة كافية في المدار المناسب والقريب من مركزها لتصبح مجرة نشطة تنتج الإشعاع بقدرة كبيرة حتى يمكن رؤيتها على أنها كوازرات .

 

النفث بفعل الطاقة المغناطيسية التي تنتجها الثقوب السوداء الهائلة

Alexander Tchekhovskoy et al, Three-dimensional relativistic MHD simulations of active galactic nuclei jets: magnetic kink instability and Fanaroff–Riley dichotomy ([46]).

We still aren’t sure what gives the jets this stunning power, but a team of researchers thinks they are narrowing in on a reason. The jets get an energy boost from the rotational energy of the black hole, they say in a paper published in Nature. …

To investigate further, the research team looked at data for 217 supermassive black holes. They noticed that black holes with brighter accretion disks have more powerful jets—clear evidence of a correlation between the two. However, "most of the jets were producing 10 times that of their accretion disks," reports Daniel Clery for Science.

That discrepancy gives support to the idea that the black hole’s spin plays a role, according to the lead astrophysicist, Gabriele Ghisellini of the National Institute for Astrophysics in Merate, Italy. Cleary writes:

The most popular explanation of how jets form is that the fast-spinning accretion disk, which contains charged particles, will produce a powerful magnetic field that is in contact with the black hole. If the black hole is spinning, it drags on the field, winding it into a tight cone at the rotational poles of the black hole. It is this twisted (ملفوف، ملتوي) field that accelerates particles away from the black hole as jets and, in the process, extracts energy from the rotation of the black hole ([47]).

إنّ قرص النماء (التكدّس) يدور سريعاً حول الثقب الأسود. هذا القرص يحتوي على جسيمات مشحونة، ممّا ينتج حقلا مغناطيسياً قويّاً يكون على اتصال مع الثقب الأسود.  إذا كان الثقب الأسود يدور سريعا حول محوره، فإنه يسحب خطوط المجال ويلفها إلى مخروط ضيق عند قطبي الثقب الأسود. إنّ هذا المجال المغناطيسي القوي والذي يمتاز بالتوائه يعمل على تسريع الجسيمات المشحونة ويقذفها وينفثها بعيدا عن الثقب الأسود.  ولعلّ هذا بعض من دلالات قوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ).  وفي عملية النفث هذه، تأخذ الجسيمات طاقة نفثها من دوران الثقب الأسود (الشكل).  وللمزيد، أنظر (عمري: بحث ( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ).

Description: aHR0cDovL3d3dy5zcGFjZS5jb20vaW1hZ2VzL2kvMDAwLzA3Mi8yOTEvb3JpZ2luYWwvZWFybGllc3QtbW9uc3Rlci1ibGFjay1ob2xlLmpwZw==.jpg

Oldest Monster Black Hole Ever Found Is 800 Million Times More Massive Than the Sun ([48]).

يومَ القيامةِ قد تصبحُ جميعُ المجرات التي تحتوي على ثقوب سوداء فائقة الكتلة ذاتَ أنوية نشطة: كلُّ واحدة منها تحتوي على مادة كبيرة في المدار القريب من مركزها حيث يقبع الثقب الأسود العملاق.  وبالتالي تنتج الإشعاع بقدرة كبيرة.  ويسحب الثقب الأسود العملاق خطوط المجال ويلفها إلى مخروط ضيق عند قطبي الثقب الأسود، وهذا المجال المغناطيسي القوي والذي يمتاز بالتوائه يعمل على تسريع الجسيمات المشحونة ويقذفها وينفثها بعيدا عن الثقب الأسود: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ *يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11]).

Astronomers explain mystery of magnetically powered jets produced by supermassive black holes ([49])

June 17, 2016

A simulation of the powerful jets generated by supermassive black holes at the centers of the largest galaxies explains why some burst (انفطارات، انفجارات) forwards (تتقدم) as bright flares (انفجارات لامعة) visible across the universe, while others fall apart and never penetrate the halo of the galaxy.

إن محاكاة النفث القوية التي تولدها الثقوب السوداء فائقة الكتلة والموجودة في مراكز أكبر المجرات قد بيّنت لماذا بعض هذا النفث أو الانفجارات تتقدّم كما المشاعل الساطعة (اللامعة) لترى في جميع أنحاء الكون، في حين ينهار البعض ولا يخترق هالة المجرة.

About 10 percent of all galaxies with active nuclei - all supposed to have supermassive black holes within the central bulge - are observed to have jets of gas spurting (ينبجس، يتدفق فجأة ) in opposite directions from the core. The hot ionized gas is propelled (يُدفع) by the twisting magnetic fields of the rotating black hole, which can be as large as several billion suns.

حوالي 10 في المائة من جميع المجرات ذات النوى النشيطة - والتي يفترض أنها تحتوي على ثقوب سوداء فائقة الكتلة داخل الانتفاخ المركزي - لوحظ أن لها نفثا من الغازات المتأينة تنبجس وتتدفق فجأة في اتجاهات متعاكسة من القلب.  يتم دفع الغاز المتأين الساخن بواسطة المجال المغناطيسي القوي والملتوي للثقب الأسود الدّوّار والذي قد تصل كتلته إلى عدة مليارات كتل شمسيّة .

A 40-year-old puzzle was why some jets are hefty and punch out of the galaxy into intergalactic space, while others are narrow and often fizzle out (تتناثر) before reaching the edge of the galaxy. The answer could shed light on how galaxies and their central black holes evolve, since aborted jets (التدفقات المجهضة) are thought to roil (يزعج، يعكر) the galaxy and slow star formation, while also slowing the infall of gas that has been feeding the voracious (شره، نهم) black hole. The model could also help astronomers understand other types of jets, such as those produced by individual stars, which we see as gamma-ray bursts (انفجارات) or pulsars.

كان لغزٌ يبلغ من العمر 40 عاما؛ وهو لماذا بعض هذا النفث ضخمٌ وينفذ من المجرة إلى الفضاء بين المجرات، في حين أن البعض الآخر ضيقٌ وغالبا يتناثر قبل الوصول إلى حافة المجرة. الجواب يمكن أن يسلط الضوء على كيفية تطور المجرات والثقوب السوداء ال