الترتيب الزّماني للعلامات الكبرى للسَّاعة

Order of the Major Signs of Day Hereafter

 

 

أ. د. حسين يوسف راشد عمري

rashed@mutah.edu.jo

قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة/ الأردن

 

الملخّص:

هذا البحث محاولة لترتيب العلامات الكبرى للساعة حسب حدوثها الزماني. وهذه العلامات هي كما جاءت في الحديث الصحيح : (اطَّلَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقالَ: ما تَذَاكَرُونَ؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قالَ: إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ، الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدّابة، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ.) ([1]).

المبحث الأول: انقلابات وأهوال يوم القيامة

السور التالية تصف أهوال يوم القيامة. أرقامها تصاعدية من حيث الترتيب في المصحف، وغالباً تصاعدية من حيث ترتيب النزول.

سورة التكوير (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) ترتيبها في المصحف السورة رقم 81، ورقم 7 من حيث ترتيب النزول .

(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ) (التكوير 1 - 14)

سورة الانفطار (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ) ترتيبها في المصحف السورة رقم 82، وكذلك 82 من حيث النزول.

(إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (الانفطار 1 - 7)

الانفطار في السماء هو بداية الوهن الذي سيحدث للسماء. ومن مدلولات كلمة الانفطار وظلالها: مشهد (الشق الذى لم يفصل البناء عن بعضه)، والذي يخرج منه شئ ؛ ومنه (انفطار ناب البعير) اي خروجه من شق فوق سطح متورِّم. ومنه أيضا (تفطر القدم) أي إصابته بشقوق. ومنه (الفطير) وهو العجين يختمر . تأتي سورة التكوير (رقم 81) مباشرة قبل سورة الانفطار (رقم 82). ولعلّ من جمالياته أنّ الشمس لقربها منّا نلاحظ تكورها قبل ملاحظة انفطار السماء يوم القيامة. ومنه أنّ النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ كما هي دلالة الحديث الشريف: (صَلَّيْنَا المَغْرِبَ مع رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، ثُمَّ قُلْنَا: لو جَلَسْنَا حتَّى نُصَلِّيَ معهُ العِشَاءَ قالَ فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقالَ: ما زِلْتُمْ هَاهُنَا؟ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، صَلَّيْنَا معكَ المَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حتَّى نُصَلِّيَ معكَ العِشَاءَ، قالَ أَحْسَنْتُمْ، أَوْ أَصَبْتُمْ قالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ، وَكانَ كَثِيرًا ممَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ، فَقالَ: النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ ما تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي ما يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتي ما يُوعَدُونَ.) (الراوي : أبو موسى الأشعري ، المحدث : مسلم ، المصدر : صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2531 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح)

سورة الانشقاق (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) ترتيبها في المصحف السورة رقم 84 . وترتيب النزول هو 83 .

(إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) (الانشقاق 1 - 5)

معاني الانشقاق ([2]): اِنشقاق (اسم): اِنشقاق: مصدر إِنشَقَّ. كانا لاَ يَفْتَرِقانِ فانْشَقَّ أَحَدُهُما عَنِ الآخَرِ: اِنْفَصَلَ عَنْهُ وَابْتَعَدَ. اِنْشَقَّ عَنْ جَماعَةٍ وَانْضَمَّ إلى جَماعَةٍ أُخْرَى

انشقَّ الشَّيءُ انفلق، انصدع أو انقسم: انشقّ الحائطُ، { تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ{، { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ }.

وفي الحديث: (أنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فأرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ مَرَّتَيْنِ.) ( الراوي: أنس بن مالك، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2802، خلاصة حكم المحدث: صحيح) .

نلاحظ أنّ ترتيب سورة الانفطار في المصحف هو قبل سورة الانشقاق بسورتين ؛ ممّا يشير ضمناً إلى أنّ الانشقاق هو أنكى وأبلغ من الانفطار ويعقبه في الزمن.

سورة الزلزلة (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) ترتيبها في المصحف السورة رقم 99 . وترتيبها 93 من حيث النزول.

(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) (الزلزلة :1 - 6). أشتاتا يعني فرقا فرقا (القرطبي) .

نلاحظ أنّ ترتيب سورة الانشقاق في المصحف هو قبل سورة الزلزلة ؛ ممّا يشير إلى أنّ أهوال القيامة تداهم الكرة الأرضيّة (الزلزلة) بعد فتكها بالسماء (الانفطار، الانشقاق).

سورة القارعة ترتيبها في المصحف السورة رقم 101 . وترتيبها 30 من حيث النزول.

(الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ * فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ) (القارعة 1 - 11).

القارعة من أسماء القيامة كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية وغير ذلك (ابن كثير).

يقول القرطبي: "قوله تعالى: القارعة ما القارعة أي القيامة والساعة ؛ كذا قال عامة المفسرين . وذلك أنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها . وأهل اللغة يقولون: تقول العرب قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة ؛ إذا وقع بهم أمر فظيع ."

نلاحظ أنّ ترتيب سورة القارعة في المصحف هو بعد سورة الزلزلة ؛ ممّا يشير إلى أنّ أهوال القيامة تداهم الخلائق بأهوالها بعد زلزلتها الكرة الأرضيّة (الزلزلة) وبعد أن كانت قد فتكت بالسماء من قبل (الانفطار، الانشقاق).

وبالتالي، فلعلّ ترتيب السور السابقة في القرآن يعكس ترتيب انقلابات وأهوال يوم القيامة:

1) التكوير: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) (التكوير 1 - 7)

2) الانفطار: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) (الانفطار 1 - 4)

3) الانشقاق: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) (الانشقاق 1 - 4)

4) الزلزلة: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا) (الزلزلة 1- 2).

5) القارعة: (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ) (القارعة 1- 5).

القيامة وأهل النّار

إذا قامت القيامة (75 هو رقم سورة القيامة) يحاسب الإنسان (76 هو رقم سورة الإنسان) ؛ السورتان متتاليتان ترتيباَ. ويؤمر بأهل الجنّة إلى الجنّة والتي تتمايزُ بدرجاتها المتباينة وذات العدد الكبير. كما ويؤمرُ بأهل النّار إلى النّار مع تباين دركاتها. السور التالية تصف عذاب أهل النّار. وأرقام هذه السور تصاعدية من حيث الترتيب في المصحف، ليعكس انحرافات تصاعدية. و أرقامها تنازليه من حيث ترتيب النزول؛ ليعكس الهوي إلى دركات أكثر سفولاً: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ) (النساء 145).

1) سورة الْغَاشِيَةِ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) ترتيبها في المصحف السورة رقم 88 . وترتيب النزول هو 68 .

الآيات: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ * لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) (الغاشية 1- 16)

يقول ابن كثير: "الغاشية: من أسماء يوم القيامة . قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد ؛ لأنها تغشى الناس وتعمهم".

يقول القرطبي: هل أتاك حديث الغاشية هل بمعنى قد كقوله: هل أتى على الإنسان قاله قطرب. أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية أي القيامة التي تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها قاله أكثر المفسرين . وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: الغاشية: النار تغشى وجوه الكفار ورواه أبو صالح عن ابن عباس ودليله قوله تعالى: وتغشى وجوههم النار . وقيل: تغشى الخلق . وقيل: المراد النفخة الثانية للبعث ؛ لأنها تغشى الخلائق . وقيل: (الغاشية) أهل النار يغشونها، ويقتحمون فيها .

2) سورة الهمزة (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) ترتيبها في المصحف السورة رقم 104 . وترتيبها 32 من حيث النزول.

(وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ) (الهمزة).

الويل: معناه الخزي والعذاب والهلكة . وقيل: واد في جهنم . لكل همزة لمزة قال ابن عباس: هم المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب ... (تفسير القرطبي).

3) سورة الماعون ترتيبها في المصحف السورة رقم 107 . وترتيبها 17 من حيث النزول.

(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (الماعون 1- 7).

قال ابن عباس، وغيره: يعني المنافقين، الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر (ابن كثير). ويقول الطبري: " يقول تعالى ذكره: فالوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم للمنافقين الذين يصلون، لا يريدون الله عز وجل بصلاتهم، وهم في صلاتهم ساهون إذا صلوها. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) فقال بعضهم: عُنِيَ بذلك أنهم يؤخِّرونها عن وقتها، فلا يصلونها إلا بعد خروج وقتها. ".

4) سورة المسد ترتيبها في المصحف السورة رقم 111 . وترتيبها 6 من حيث النزول.

(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) ( المسد 1- 5). ولعلّ هذا منتهى السفول في النّار وأنكى صنوف العذاب؛ حيث أنّ سبب نزول السورة يبيّنه الحديث الشريف: (قالَ أبو لَهَبٍ عليه لَعْنَةُ اللَّهِ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: تَبًّا لكَ سَائِرَ اليَومِ فَنَزَلَتْ: (تَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ) (المسد: 1 ) ) (الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 1394، خلاصة حكم المحدث: ]صحيح[ ) .

"قال ابن عباس في رواية أبي صالح: في جيدها حبل من مسد قال: سلسلة ذرعها سبعون ذراعا - وقاله مجاهد وعروة بن الزبير: تدخل من فيها، وتخرج من أسفلها، ويلوى سائرها على عنقها" (القرطبي) . وجاء في تفسير ابن كثير: " وقال عروة بن الزبير: المسد: سلسلة ذرعها سبعون ذراعا. وعن الثوري: هو قلادة من نار، طولها سبعون ذراعا . "

المبحث الثاني: الترتيب الزمني للعلامات الكبرى للسّاعة

الفرع الأوّل: إنَّ السَّاعَةَ لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ (لاَ تقومُ السَّاعةُ حتَّى تَكونَ عشرُ آياتٍ)

(اطَّلَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقالَ: ما تَذَاكَرُونَ؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قالَ: إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ، الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدّابة، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ.) ([3]).

* نتيجة: آخرُ الآيات ظهوراً: (وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ.) ؛ فيكون ترتيبها الزمني العاشرة (الأخيرة).

الأحاديث:

(كانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في غُرْفَةٍ وَنَحْنُ أَسْفَلَ منه، فَاطَّلَعَ إلَيْنَا، فَقالَ: ما تَذْكُرُونَ؟ قُلْنَا: السَّاعَةَ، قالَ: إنَّ السَّاعَةَ لا تَكُونُ حتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ في جَزِيرَةِ العَرَبِ وَالدُّخَانُ وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأرْضِ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِن قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ. قالَ شُعْبَةُ: وَحدَّثَني عبدُ العَزِيزِ بنُ رُفَيْعٍ، عن أَبِي الطُّفَيْلِ، عن أَبِي سَرِيحَةَ، مِثْلَ ذلكَ، لا يَذْكُرُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وقالَ أَحَدُهُما في العَاشِرَةِ: نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وقالَ الآخَرُ: وَرِيحٌ تُلْقِي النَّاسَ في البَحْرِ. وفي روايةٍ: كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في غُرْفَةٍ، وَنَحْنُ تَحْتَهَا نَتَحَدَّثُ، وَسَاقَ الحَدِيثَ، بمِثْلِهِ. قالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قالَ: تَنْزِلُ معهُمْ إذَا نَزَلُوا، وَتَقِيلُ معهُمْ حَيْثُ قالوا. قالَ شُعْبَةُ: وَحدَّثَني رَجُلٌ هذا الحَدِيثَ، عن أَبِي الطُّفَيْلِ، عن أَبِي سَرِيحَةَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، قالَ: أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وقالَ الآخَرُ: رِيحٌ تُلْقِيهِمْ في البَحْرِ. وفي روايةٍ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ، فأشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، بنَحْوِ حَديثِ مُعَاذٍ وَابْنِ جَعْفَرٍ. وفي روايةٍ: بنَحْوِهِ. قالَ: وَالْعَاشِرَةُ نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.) (الراوي: حذيفة بن أسيد الغفاري، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2901، خلاصة حكم المحدث: صحيح)

(أشرَف علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحنُ نتذاكَرُ فقال: ( ماذا كُنْتُم تتذاكَرونَ ؟ ) قُلْنا: كنَّا نتذاكَرُ السَّاعةَ فقال: ( إنَّها لا تقومُ حتَّى ترَوْا قبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدَّجَّالَ والدُّخَانَ وعيسى ابنَ مَريمَ ويأجوجَ ومأجوجَ والدَّابَّةَ وطُلوعَ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها وثلاثَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشرِقِ وخَسْفٌ بالمَغرِبِ وخَسْفٌ بجزيرةِ العرَبِ وآخِرُ ذلك نارٌ تخرُجُ مِن قَعْرِ عدَنَ أو عَدَنَ أو اليمنِ تطرُدُ النَّاسَ إلى المَحشَرِ )) ([4]).

(وآخِرُ ذلك نارٌ تخرُجُ مِن قَعْرِ عدَنَ أو عَدَنَ أو اليمنِ تطرُدُ النَّاسَ إلى المَحشَرِ): يرى العلماء أنّ هذا الحشر في الدنيا؛ قبيل السّاعة: (نارٌ تخرُجُ مِن قَعْرِ عدَنَ أو عَدَنَ أو اليمنِ). وليس هذا هو الحشر الأخرويّ؛ حيث يُحشرُ النّاسُ يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء ليس فيها معلم لأحد.

(عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه سُئِل عن أوَّلِ أشراطِ السَّاعةِ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنَّ أوَّلَ أشراطِ السَّاعةِ نارٌ تخرُجُ من المشرقِ وتحشُرُهم إلى المغربِ) ([5])

(أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَقدَمَه المدينةَ فقال: إنِّي سائِلُكَ عن ثلاثِ خِصالٍ لا يعلَمُهنَّ إلَّا نَبيٌّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( سَلْ ) قال: ما أوَّلُ أمرِ السَّاعةِ أو أشراطِ السَّاعةِ ؟ وما أوَّلُ ما يأكُلُ أهلُ الجنَّةِ؟ ومِمِّ ينزِعُ الولدُ إلى أبيه وإلى أمِّه؟ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أخبَرني جِبريلُ عليه السَّلامُ بهنَّ آنفًا ) قال: جِبريلُ ؟ قال: ( نَعم ) قال: ذاك عدوُّ اليهودِ مِن الملائكةِ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا أوَّلِ أشراطِ السَّاعةِ أو أمرِ السَّاعةِ نارٌ تخرُجُ مِن المشرِقِ تحشُرُ النَّاسَ إلى المغرِبِ وأمَّا أوَّلُ ما يأكُلُ أهلُ الجنَّةِ فزِيادةُ كبِدِ حوتٍ وأمَّا ما ينزِعُ الولَدُ إلى أبيه وإلى أمِّه فإذا سبَق ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المرأةِ نزَع الولَدُ إلى أبيه وإذا سبَق ماءُ المرأةِ ماءَ الرَّجُلِ نزَع الولدُ إلى أمِّه ) فقال: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّكَ رسولُ اللهِ قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ اليهودَ قومٌ بُهتَةٌ استنزِلْهم وسَلْهم أيُّ رجُلٍ أنا فيهم قبْلَ أنْ يعلَموا بإسلامي فجاء منهم رَهْطٌ فسأَلهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أيُّ رجُلٍ عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ ) ؟ قالوا: خيرُنا وابنُ خيرِنا وسيِّدُنا وابنُ سيِّدِنا وأعلَمُنا وابنُ أعلَمِنا فقال لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أرأَيْتُم إنْ أسلَم ) قالوا: أعاذه اللهُ مِن ذلكَ قال: فخرَج إليهم عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وقال: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ فقالوا: شرُّنا وابنُ شرِّنا قال: يقولُ عبدُ اللهِ: هذا الَّذي كُنْتُ أتخوَّفُ) ([6])

شرح الحديث:

يَقُول حُذَيْفَةُ بنُ أَسِيدٍ رضِي اللهُ عنه: كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في غُرفةٍ- أي: مكانٍ عالٍ- ونحن أسفلَ مِنه، فاطَّلَع إلينا فقال: ما تَذكُرون؟ أي: بعضُكم مع بعضٍ؟ قلنا: السَّاعَةَ، أي: أَمْرَ القِيامةِ واحتمالَ قيامِها في كلِّ ساعةٍ، قال: إنَّ الساعةَ لا تكون- أي: لا تقوم- حتَّى تكونَ عشرُ آياتٍ، أي: حتَّى تقَعَ أو توجدَ عَشرُ علاماتٍ:

يقول الشارح: "خَسْفٌ بالمَشرِقِ، وخسفٌ بالمَغْرِبِ، وخسفٌ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولعلَّ هذه الخُسوفَ الثلاثةَ لم تَقَعْ إلى الآنَ والله أعلم."

والدُّخَانُ: وهو الذي ذُكِر في قولِه تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدُّخَان: 10].

والدَّجَّالُ: مَأْخُوذ مِن الدَّجَلِ وهو الكَذِب، والدَّجَّالُ شخصٌ بِعَيْنِه ابتَلَى الله به عبادَه، وأَقْدَرَه على أَشْياءَ مِن مَقدُوراتِ الله تعالى: مِن إحياءِ الميتِ الذي يَقتُله، وظُهورِ زَهْرَةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونَهْرَيْه، واتِّباعِ كُنُوزِ الأرضِ له، وأَمْرِه السماءَ أن تُمْطِرَ فتُمْطِرَ، والأرضَ أن تُنبِتَ فتُنبِتَ، فيَقَع كلُّ ذلك بقُدْرَةِ الله تعالى ومَشِيئَتِه، ثُمَّ يُعجِزُه الله تعالى بعد ذلك، فلا يَقدِرُ على قتلِ ذلك الرجلِ ولا غيرِه، ويَبطُل أمرُه، ويَقتُله عِيسَى صلَّى الله عليه وسلَّم، ويُثبِّتُ اللهُ الذين آمَنُوا.

ودَابَّةُ الأرضِ: وهي المذكورةُ في قولِه تعالى: {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [النَّمْل: 82]، وهذه الدَّابَّةُ تَخرُج في آخِرِ الزَّمَانِ عندَ فَسَادِ الناسِ وتَرْكِهم أوامرَ الله وتَبْدِيلِهِمُ الدِّينَ الحقَّ، فيُخرِج اللهُ لهم دابَّةً مِن الأرض.

ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، أي: يُفْتَحُ السَّدُّ الذي أَنْشَأَه ذو القَرْنَيْنِ، وهما قَبِيلَتان مِن جِنْس الناس. وطُلُوعُ الشَّمسِ مِن مَغْرِبِها. ونَارٌ تَخرُج مِن قُعْرَةِ عَدَنٍ، أي: أَقْصَى قَعْرِ أرضِ عَدَنٍ، وعَدَنٌ: مدينةٌ سَاحِليَّةٌ مَعرُوفةٌ في جنوبِ اليَمَن، تَرْحَلُ الناسَ، أي: تَأخُذهم بالحَشْر والرَّحِيل.

* نتيجة : (خَسْفٌ بالمَشرِقِ، وخسفٌ بالمَغْرِبِ، وخسفٌ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولعلَّ هذه الخُسوفَ الثلاثةَ لم تَقَعْ إلى الآنَ والله أعلم. اعتبرت الأحاديث هذه الخسوف الثلاثة ثلاث آيات. كما أنّ الأحاديث ذكرتها إمّا في البداية، وإمّا قبل الآية الأخيرة (خروج النار التي تحشر النّاس). وعليه أرى أنّ هذه الخسوف الثلاثة قد لا تكون متتالية، بل قد يتخلّلها بعض باقي علامات السّاعة؛ ويتعذّر عليّ ترتيبها بالنسبة لباقي الآيات. ولعلّي في المستقبل أن أحاول الكتابة في موضوعها.

الأحاديث تذكر آيتي الدّجال والدّخان معاً: (الدَّجَّالَ والدُّخَانَ)، (وَالدُّخَانُ وَالدَّجَّالُ).

(الدَّابَّةُ تَخرُج في آخِرِ الزَّمَانِ عندَ فَسَادِ الناسِ وتَرْكِهم أوامرَ الله وتَبْدِيلِهِمُ الدِّينَ الحقَّ): بهذا الوصف قد يكون خروج الدّابة بعد وفاة المسيح عليه السّلام، بسبب أنّ السّاعة تقوم على شرار الخلق .)

يقول تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) (سورة النمل 82 - 83).

(وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ). جاء في تفسير الطبري: عن مجاهد قال: حقّ العذاب. وعن قتادة (القول): الغضب. وعن ابن عمر: هو حين لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر. وعن عطية قال: إذا لم يعرفوا معروفا، ولم ينكروا منكرا. وقال جماعة من أهل العلم: خروج هذه الدابة التي ذكرها حين لا يأمر الناس بمعروف ولا ينهون عن منكر.

أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ قبل خروجها . قال ابن عمر : وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر (البغوي).

يقول ابن كثير: هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض فتكلم الناس على ذلك . قال ابن عباس، والحسن، وقتادة - وروي عن علي رضي الله عنه -: تكلمهم كلاما أي: تخاطبهم مخاطبة . وقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون . ويروى هذا عن علي، واختاره ابن جرير . وفي هذا ] القول [ نظر لا يخفى، والله أعلم . وقال ابن عباس - في رواية - تجرحهم . وعنه رواية، قال: كلاًّ تفعل يعني هذا وهذا، وهو قول حسن، ولا منافاة، والله أعلم .

يقول تعالى مخبرا عن يوم القيامة، وحشر الظالمين المكذبين بآيات الله ورسله إلى بين يدي الله، عز وجل، ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعا وتوبيخا، وتصغيرا وتحقيرا فقال: (ويوم نحشر من كل أمة فوجا) أي: من كل قوم وقرن فوجا، أي: جماعة، ( ممن يكذب بآياتنا )، كما قال تعالى: ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) ( الصافات: 22 )، وقال تعالى ( وإذا النفوس زوجت ) ( التكوير: 7 ).

وقوله: ( فهم يوزعون ) قال ابن عباس، رضي الله عنهما: يدفعون . وقال قتادة: وزعة ترد أولهم على آخرهم . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يساقون.

(وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ) (النمل 85)

أي: بهتوا فلم يكن لهم جواب ؛ لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد رُدّوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية (ابن كثير). ويقول القرطبي: "أي وجب العذاب عليهم بظلمهم أي بشركهم. فهم لا ينطقون أي ليس لهم عذر ولا حجة . وقيل: يختم على أفواههم فلا ينطقون ؛ قاله أكثر المفسرين "

* نتيجة :

( ومع بيان هذه الآيات (82 - 86) من سورة النمل؛ وأقوال المفسرين؛ فأرجّح أنّ خروج الدّابة يكون بعد وفاة المسيح عليه السّلام، حيث أنّ السّاعة تصبح وشيكة وتقوم على شرار الخلق: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ)، (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم). ويكون الترتيب الزمني لطُلُوع الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها ولدابة الأرض متتالياً ؛ وشاهده من الأحاديث: (أوَّلُ الآياتِ خُروجًا، طلوعُ الشَّمسِ مِن مغربِها، وخروجُ الدَّابَّةِ على النَّاسِ ضُحًى، قالَ عبدُ اللَّهِ: فأيَّتُهُما ما خَرجت قبلَ الأخرى فالأُخرى منها قريبٌ، قالَ عبدُ اللَّهِ: ولا أظنُّها إلَّا طُلوعَ الشَّمسِ من مغربِها) ([7]). قوله: (ولا أظنُّها إلَّا طُلوعَ الشَّمسِ من مغربِها) يفيد أنّ الآية الأسبق محصورة حسب ظنّه في طلوع الشمس من مغربها. ولعلّ خلاف هذا هو الصحيح؛ بدليل الأحاديث عن انقطاع التوبة (والتي سيأتي تفصيلها). ومنها ما جاء في صَحيح مُسلمٍ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى تطلُعَ الشمسُ من مَغْربها، فإذا طَلَعَتْ من مَغْربها آمَنَ الناسُ كلُّهم أجمعون، فيومئذٍ لا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قبلُ، أو كسبَتْ في إيمانها خيرًا"؛ فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ التوبةَ لا تنقطِعُ إلَّا إذا طلعَتِ الشمسُ من مَغْربها، وأمَّا قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: (ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ.) ([8]فيدلُّ على أنَّ انقطاعَ التوبةِ يكونُ إذا خرجْنَ كُلُّهُنَّ، وذلك لا يكونُ إلَّا إذا طلعَتِ الشمسُ من مَغْربها، إلَّا أنَّ خروجَ الدَّجَّال، وكذلك الدَّابَّة، قريبٌ من طلوعِ الشمس من مَغْربها. وعليه؛ يكون الرّاجح أنّ الترتيب الزمني لخروج الدّابة هو الآية الثامنة. ويكون الترتيب الزمني لطُلُوع الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها هو الآية التاسعة (قبل الأخيرة). )

الفرع الثاني: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدَّابَّةِ

الأحاديث الشريفة:

(إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا، طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدَّابَّةِ علَى النَّاسِ ضُحًى، وأَيُّهُما ما كانَتْ قَبْلَ صاحِبَتِها، فالأُخْرَى علَى إثْرِها قَرِيبًا.) ( الراوي: عبدالله بن عمرو، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2941، خلاصة حكم المحدث: صحيح)

شرح الحديث :

فإنْ قيلَ: طُلوعُ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها ليسَ أوَّلَ الآياتِ؛ لأنَّ الدُّخانَ والدَّجَّالَ قبلَه؟ قيل: الآياتُ إمَّا أَماراتٌ لقُربِ قيامِ السَّاعةِ، وإمَّا أَماراتٌ دالَّةٌ على وُجودِ قيامِ السَّاعةِ وَحُصولِها، ومِنَ الأوَّل الدُّخانُ وخُروجُ الدَّجَّالِ ونَحوُهُما، ومِنَ الثَّاني ما نَحنُ فيهِ مِن طُلوعِ الشَّمسِ مِن مَغربِها.

والمُرادُ في الحَديثِ بيانُ أوَّلِ الآياتِ غيرِ المَألوفَةِ للبَشر، فأمَّا خُروجُ الدَّابَّة على شكلٍ غريبٍ غيرِ مَألوفٍ ومُخاطبتُها النَّاسَ ووَسمُها إيَّاهُم بالإِيمانِ والكُفرِ فأَمرٌ خارجٌ مِن مَجاري العَاداتِ، وَذلكَ أوَّلُ الآياتِ الأَرضيَّةِ، كَما أنَّ طُلوعَ الشَّمس مِن مَغربِها على خِلافِ عادتِها المَألوفةِ أوَّلُ الآياتِ السَّماويَّةِ.

وقَولُه: (خُروجُ الدَّابَّةِ، على النَّاس ضُحًى)، أي: وَقتَ ارتِفاعِ النَّهارِ، وأَيُّهما ما كانت، أي: وأيُّ الآيتَينِ المذْكُورتَينِ وَقعتْ قَبلَ صاحِبَتِها، فالأُخرَى على إِثرِها، أي: تَحصُلُ عَقِبَها قريبًا، أي: حُصولًا أو وُقوعًا قَريبًا .

(إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُروجًا طلوعُ الشَّمسِ من مغربِها أو الدَّابَّةُ على النَّاسِ ضُحًى، فأيَّتُهما كانت قبل صاحبتِها، فالأخرَى على أثرِها) ([9])

الشرح:

لا يعلمُ وقتَ قيامِ السَّاعةِ إلَّا اللهُ تعالى، وقدْ أخبرَ اللهُ عزَّ وجلَّ ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ لقيامِ السَّاعةِ عَلاماتٍ وأشراطًا، وهي تنقِسمُ إلى علاماتٍ كُبرى وصُغرى، وفي هذا الحديثِ بيانٌ لبعضِ العلاماتِ الكُبرَى، وبيانُ أوَّلِها خروجًا، حيث قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: "إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُروجًا"، أي: أولُ علاماتِ يومِ القيامةِ تَظهرُ على الناسِ "طُلوعُ الشَّمسِ مِن مَغرِبِها"، أي: على خِلافِ العادةِ، فالشَّمسُ تَطلعُ مِن المشرقِ، "أو الدابَّة على الناسِ ضحى"، أي: خُروجُ دابَّةٍ في الصَّباحِ تُكلِّم الناسَ؛ "فأيَّتُهُما كانتْ قبلَ صاحِبتِها فالأُخرى على أثرِها"، أي: أيًّا مِن العَلامَتينِ ظَهرتْ جاءتِ الأُخرى عَقِبَها.

قيلَ: إنَّ خُروجَ الدجَّالِ ونُزولَ عِيسى عليهِ السَّلامُ وخُروجَ يأجوجَ ومَأجوجَ كلُّ ذلكَ هوَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ مِن مَغربِها، وخُروجِ الدابَّةِ، وأمَّا حديثُ ابنِ عمرٍو فمحمولٌ على الآياتِ التي تكونُ على غيرِ العادةِ، وأنَّ المرادَ في الحديثِ بيانُ أوَّلِ الآياتِ غيرِ المألوفةِ؛ فخروجُ الدابَّة على شكلٍ غريبٍ غيرُ مألوفٍ، ومخاطبتُها الناس ووسْمها إيَّاهم بالإيمان أو الكفر أمرٌ خارجٌ عن مجاري العاداتِ، وذلك أوَّل الآياتِ الأرضيَّة، وطلوعُ الشمسِ من مَغربِها على خلافِ عادتِها المألوفة أولُ الآياتِ السماويَّةِ.

(اطَّلعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليْهِ وسلَّمَ مِن غرفةٍ ونحنُ نتذاكرُ السَّاعةَ فقالَ لاَ تقومُ السَّاعةُ حتَّى تَكونَ عشرُ آياتٍ طلوعُ الشَّمسِ من مغربِها والدَّجَّالُ والدُّخانُ والدَّابَّةُ ويأجوجُ ومأجوجُ وخروجُ عيسى ابنِ مريمَ عليْهِ السَّلامُ وثلاثُ خسوفٍ خسفٌ بالمشرقِ وخسفٌ بالمغربِ وخسفٌ بجزيرةِ العربِ ونارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبيَنَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ تبيتُ معَهم إذا باتوا وتقيلُ معَهم إذا قالوا) ([10])

(لن تكون أو لن تقوم الساعة ! حتى يكون قبلها عشر آيات ؛ طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، وعيسى بن مريم، والدخان . وثلاث خسوف؛ خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب . وآخر ذلك ! تخرج نار من اليمن، من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر ) (الراوي: حذيفة بن أسيد الغفاري، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح أبي داود، الصفحة أو الرقم: 4311، خلاصة حكم المحدث: صحيح )

الفرع الثالث: والذي نفسي بيدِه، ليُوشكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا مقسطًا، فتكونُ الملَّةُ واحدةً وهي مِلَّةُ الإسلامِ، ويضعُ الجزيةَ، ويفيضُ المالُ

يقول تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ) (النساء 157).

(والذي نفسي بيدِه، ليُوشِكن أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا عدلًا، فيكسرَ الصليبَ، ويقتلَ الخنزيرَ، ويضعَ الجزيةَ، ويَفيضَ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ، حتى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها . ثم يقولُ أبو هريرةَ: واقرؤوا إن شئتم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } .) ([11] ) .

شرح الحديث: مِنَ العَلاماتِ الَّتي تكونُ قبْلَ قيامِ السَّاعةِ نزولُ عيسى ابنِ مريمَ عليه السَّلام، فإنَّه ينزلُ آخِرَ الزَّمانِ كما أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقدْ أوشكَ على النُّزولِ، أي: اقتربَ (إنه لَحَقٌّ وأَمَّا إِنَّهُ قريبٌ فكُلُّ مَا هو آتٍ قَرِيبٌ). فيكونُ حَكَمًا عدلًا بَيْنَ النَّاسِ، فَيكسِرُ الصَّليبَ؛ إشارةً إلى بُطلانِ دِينِ النَّصارى وما ادَّعَوْه كذبًا عليه، ويضعُ الجزيةَ، يعني: يَحمِلُ النَّاسَ كلَّهم على الدخولِ في الإسلامِ، فلا يبقَى أحدٌ يدفعُ الجزيةَ، أو أنَّه لا يأخذُ جِزيةً؛ لِوفرةِ المال وانعدامِ الفُقراءِ، ويَفيضُ المالُ فلا يقبلُه أحدٌ حتَّى تكون السَّجدةُ خيرًا مِنَ الدُّنيا وما فيها؛ لأنَّهم حينئذٍ لا يَتقرَّبون إلى اللهِ إلَّا بالعِباداتِ لا بِالتَّصدُّقِ بالمالِ، ثُمَّ قال أبو هُرَيْرَةَ رضِي اللهُ عنه: اقرؤوا إنْ شِئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159]، فاستدلَّ بِالآيةِ على نُزولِ عيسى عليه السَّلامُ في آخِرِ الزَّمان مِصداقًا لِلحديثِ، والمعنى: وإنْ مِن أهلِ الكتابِ مِن أحدٍ إلَّا لَيُؤمِننَّ بعيسى قبْلَ مَوتِ عيسى، وهم أهلُ الكِتابِ الَّذين يكونون في زَمانِ نُزولِه، فتكونُ الملَّةُ واحدةً وهي مِلَّةُ الإسلامِ.

الفرع الرابع: ينزِلُ عيسى بنُ مريمَ مصدِّقًا بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علَى ملتِّهِ إمامًا مهديًّا وحكَمًا عدْلًا فَيَقْتُلُ الدجالَ

(واللهِ ! ليَنزِلَنَّ ابنُ مريمَ حَكَمًا عادلًا . فلَيَكسِرَنَّ الصليبَ . ولَيَقتُلَنَّ الخِنزيرَ . ولَيَضَعَنَّ الجِزيَةَ. ولَتُترَكَنَّ القِلاصُ فلا يُسعَى عليها . ولَتَذْهَبَنَّ الشَّحناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ . ولَيُدعَوُنَّ ( ولَيَدعُوَنَّ) إلى المالِ فلا يَقبَلُه أحدٌ) ([12] ) .

(لا تقومُ الساعةُ حتَّى ينزلَ الرومُ بالأعماقِ، أوْ بدابقٍ . فيخرجُ إليهمْ جيشٌ مِنَ المدينةِ . مِنْ خيارِ أهلِ الأرضِ يومئذٍ . فإذا تصافُّوا قالتِ الرومُ: خلُّوا بينَنا وبينَ الذينَ سُبُوْا مِنَّا نقاتلُهُمْ . فيقولُ المسلمونَ: لا . واللهِ ! لا نُخلِّي بينَكمْ وبينَ إخوانِنا . فيقاتلونَهُمْ . فينهزمُ ثلثٌ لا يتوبُ اللهُ عليهمْ أبدًا. ويقتلُ ثلثُهمْ، أفضلُ الشهداءِ عندَ اللهِ . ويفتتحُ الثلثُ . لا يُفتنونَ أبدًا . فيفتتحونَ قُسطنطينيةَ . فبينَما همْ يقتسمونَ الغنائمَ، قدْ علَّقوا سيوفَهُمْ بالزيتونِ، إذْ صاحَ فيهم الشيطانُ: إنَّ المسيحَ قدْ خلَفَكمْ في أهليكُمْ . فيخرجونَ . وذلكَ باطلٌ . فإذا جاءُوا الشامَ خرجَ . فبينَما همْ يعدونَ للقتالِ، يسوونَ الصفوفَ، إذْ أُقيمتِ الصلاةُ . فينزلُ عِيسى ابنُ مريمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . فأمَّهُمْ . فإذا رآهُ عدوُّ اللهِ، ذابَ كما يذوبُ الملحُ في الماءِ . فلوْ تركَهُ لانذابَ حتى يهلكَ . ولكنْ يقتلُهُ اللهُ بيدِهِ . فيريهِمْ دمَهُ في حربتِهِ) ([13] ) .

شرح الحديث: يَحكي أبو هُرَيْرَةَ رضِي اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى تنزلَ الرُّومُ بِالأعماقِ أو بِدابقٍ، والأعماقُ ودَابقٌ مَوضعانِ بِالشَّامِ بِالقُربِ مِن حَلَبٍ، فَيخرجُ إليهم جيشٌ مِنَ المدينةِ مِن خيارِ أهلِ الأرضِ يومَئذٍ؛ احترازًا مِن زمنِه صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم، فإذا تَصافُّوا قالتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَينَنا وَبَيْنَ الَّذينَ سُبَوْا مِنَّا نَقتُلهم؛ يريدونَ بذلك مُقاتَلَة المؤمنينَ ومُخادعَةَ بعضِهم عَن بعضٍ، ويَبغونَ بِه تفريقَ كلِمَتِهم، والْمُرادونَ بِذلك همُ الَّذينَ غَزَوْا بلادَهم، فَسَبَوْا ذُرِّيَّتَهم فَيقولُ المسلمونَ: لا واللهِ لا نُخَلِّي بيْنَكم وبين إخوانِنا، فَيُقاتلونَهم، أي: المسلمونَ (يقاتلون) الكفرةَ، فَينهزِمُ ثُلثٌ، أي: مِنَ المسلمينَ ولا يتوبُ اللهُ عليهم أبدًا كنايةً عَن موتِهم على الكفرِ، وتعذِيبِهم على التَّأبِيدِ، ويُقتلُ ثُلثُهم أفضلُ الشُّهداءِ عِندَ اللهِ ويَفتَتِحُ الثُّلثُ، أي: الباقي مِنَ المسلِمينَ لا يُفتَنونَ، أي: لا يُبتلَوْنَ بِبليَّةٍ، أو لا يُمتحنونَ بِمقاتَلةٍ، أو لا يُعذَّبون أبدًا، فَفيه إشارةٌ إلى حُسنِ خَاتمتِهم، فَيفَتتحونَ قُسطَنْطِينيَّةَ، أي: يَأخذونَها مِن أيدي الكفَّارِ، فَبينَما هم، أي: المسلمونَ يَقْتسِمونَ الغنائمَ قد علَّقُوا سُيوفَهم بِالزَّيتونِ: أرادَ الشَّجرَ المعروفَ، وهو دليلٌ على كمالِ الأمْنِ إذ صاحَ فيهمُ الشَّيطانُ، أي: نادى بِصوتٍ رفيعٍ، إنَّ المسيحَ، أي: أعْلَمَهم، والمرادُ بِالمسيحِ هَاهنا الدَّجَّالُ، قد خلَفَكم، أي: قامَ مَقامَكم في أهلِيكم، أي: في ذَرَارِيكم فَيَخرجونَ، أي: جيشُ المدينةِ مِن قُسْطَنطينِيَّةَ، وذلك، أي: القولُ مِنَ الشَّيطانِ باطلٌ، أي: كذِبٌ وزُورٌ، فإذا جاؤوا، أي: المسلمونَ الشَّامَ خرَجَ، فَبينما هم يَعْدُونَ، أي: يَستعِدُّون ويَتهيَّؤُونَ لِلقتالِ، يُسوُّونَ الصُّفوفَ إذْ أُقيمَتِ الصَّلاةُ، أي: وقتُ إقامةِ المؤذنِ لِلصَّلاةِ، فَينزلُ عيسى ابنُ مَريمَ عليه السلام، أي: مِنَ السَّماءِ على مَنارةِ مَسجدِ دِمشقَ فَيأتي القُدسَ فَأَمَّهم، أي: أَمَّ عِيسى المسلمينَ في الصَّلاةِ فَإِذا رآه، أي: رأى عِيسى عدُوُّ اللهِ، أي: الدَّجَّالُ ذَابَ، أي: شرَعَ في الذَّوبانِ كما يَذوبُ الملحُ في الماءِ فلو تَرَكه، أي: لَو تَركَ عِيسى الدَّجَّالَ ولم يقتُلْه لَانْذابَ حتَّى يَهلِكَ، أي: بِنفسِه بِالكلِّيَّةِ، ولكنْ يقتلُه اللهُ بِيدِه، أي: بِيدِ عيسى عليه السلام فَيُريهم دَمَه، أي: دمَ الدَّجَّالِ في حرْبَتِه: وهي رُمحٌ صغيرٌ.

في الحديثِ: إخبارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الغَيبيَّاتِ. وفيه: بيانُ فتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ. وفيه: بيانُ الملحمَةِ الكبرى.

فإذا جاءُوا الشامَ خرجَ (الدّجال). مكثه أربعين يوما: (إنَّ الأعورَ الدجالَ مسيحُ الضلالةِ يخرجُ من قِبلِ المشرقِ، في زمانِ اختلافٍ من الناسِ وفُرقةٍ، فيبلغُ ما شاء اللهُ من الأرضِ في أربعين يومًا، [ اللهُ ] أعلمُ ما مقدارَها، اللهُ أعلمُ ما مقدارَها (مرتين)؟ ! ويُنزلُ [ اللهُ ] عيسى ابن مريمَ ؛ فيَؤُمَّهم، فإذا رفع رأسَه من الركعةِ قال: سمع اللهُ لمن حمدَه، قتل اللهُ الدجالَ وأظهرَ المؤمنين) ([14] ) .

(لقيتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي إبراهيمَ وموسَى وعيسَى قال: فتذاكروا أمرَ الساعةِ فردُّوا أمرَهم إلى إبراهيمَ فقال: لا عِلْمَ لي بها فردُّوا الأمرَ إلى موسَى فقال: لا عِلْمَ لي بها فردُّوا الأمرَ إلى عيسَى فقال: أمَّا وَجْبَتُهَا فلا يعلمُها أَحَدٌ إلا اللهُ ذلكَ وفيما عهدَ إليَّ ربي عزَّ وجلَّ أنَّ الدجالَ خارجٌ قال: ومعي قضيبانِ فإذا رآني ذابَ كما يذوبُ الرَّصاصُ قال: فيُهلكُه اللهُ حتى إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه قالَ: فيُهلكُهم اللهُ ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم قال: فعندَ ذلكَ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ وهم من كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فيَطؤُونَ بلادَهم لا يأتونَ على شيٍء إلا أهلكوهُ ولا يَمرُّونَ على ماءٍ إلا شربوهُ ثم يرجعُ الناسُ إليَّ فيَشكونهم فأدعو اللهَ عليهم فيُهلكُهم اللهُ ويُميتُهم حتى تَجْوَى الأرضُ من نَتْنِ ريحِهم قال: فيُنزلُ اللهُ عزَّ وجلَّ المطرَ فتَجْرُفُ أجسادَهم حتى يَقذفَهم في البحرِ قال أبي: ذهبَ عليَّ هاهُنا شيٌء لم أفهمْهُ كأديمٍ وقال يزيدُ يعني ابنَ هارونَ: ثم تُنسفُ الجبالُ وتُمَدُّ الأرضُ مَدَّ الأديمِ ثم رجعَ إلى حديثِ هُشَيمٍ قال: ففيمَ عَهِدَ إليَّ ربي عزَّ وجلَّ أنَّ ذلكَ إذا كان كذلكَ فإنَّ الساعةَ كالحاملِ المُتِمِّ التي لا يدري أهلُها متى تَفْجَؤُهمْ بولادِهَا ليلًا أو نهارًا) ([15]) .

* نتيجة :

(من الأحاديث في هذا الباب يتّضح الآتي :

فإذا جاءُوا الشامَ خرجَ (الدّجال). فبينَما همْ يعدونَ للقتالِ، يسوونَ الصفوفَ، إذْ أُقيمتِ الصلاةُ. فينزلُ عِيسى ابنُ مريمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . فأمَّهُمْ . فإذا رآهُ عدوُّ اللهِ (أي الدّجال)، ذابَ كما يذوبُ الملحُ في الماءِ. يدلّ هذا على أنّ خروج الدّجال يكون مباشرة قبل نزول المسيح عليه السّلام؛ فالمسيحُ هو الذي يقتل الدّجال: ومعي قضيبانِ فإذا رآني ذابَ كما يذوبُ الرَّصاصُ، قال: فيُهلكُه اللهُ حتى إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه قالَ: فيُهلكُهم اللهُ ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم قال: فعندَ ذلكَ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ وهم من كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ .

الأحاديث تذكر آيتي الدّجال والدّخان معاً: (الدَّجَّالَ والدُّخَانَ)، (وَالدُّخَانُ وَالدَّجَّالُ). الدّجال يتزامن مع الدّخان، ثمّ ينزلُ عِيسى ابنُ مريمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ويقتل الدّجال وينتشر الإسلام، ثمّ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ ويهلكهم اللهُ. )

الفرع الخامس: لا تَزالُ طائِفةٌ من أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ ظاهِرينَ إلى يومِ القيامَةِ

(لا تَزالُ طائِفةٌ من أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ ظاهِرينَ إلى يومِ القيامَةِ. قال، فيَنْزِلُ عيسَى ابنُ مَريَمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيقولُ أميرُهُم: تَعالَ صَلِّ لنا . فيقول: لا . إن بَعضَكُم علَى بعضٍ أُمَراءُ. تَكرِمَةَ اللهِ هذه الأُمَّةَ) ([16]) .

شرح الحديث: أُمَّةُ الإِسلامِ شأنُها عَظيمٌ؛ فإنَّها آخِرُ أُممِ الأَنبياءِ في الدُّنيا، ونبيُّها خاتَمُ الأَنبياءِ، وقدْ أُرسِلَ للناسِ كافَّةً بشيرًا ونذيرًا، ودعوتُهُ مُمتدَّةٌ إلى آخِرِ الزَّمانِ، فالأُمَّةُ الإِسلاميَّةُ ستظلُّ هي الدَّاعيَ الأخيرَ إلى اللهِ مُتمَسِّكةً بالحقِّ المبينِ، وستَتَكالَبُ عليْها الأُممُ بِسَببِ هذا الحقِّ، ولكنَّ طائفةً مِن الأمَّةِ ستظلُّ على الهُدى مُجاهِدةً في سبيلِ اللهِ حقًّا وصِدقًا حتى قِيامِ الساعةِ، ومِن علاماتِ يومِ القيامةِ نُزولُ عيسى بنِ مريمَ عليه السَّلامُ، وفي هذا الحديثِ يُخبِر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أي: ستظلُّ جماعةً من أُمَّةِ الإسلامِ يُجاهدونَ في سبيلِ نُصرةِ الحقِّ، وهُم مُنتَصِرونَ غَالِبونَ، وسيظلُّونَ على هذه الحالِ إلى يومِ القيامةِ طائفةً بعدَ طائفةً، وهذا مِمَّا يدلُّ على أنَّ الحقَّ لا ينقَطِعُ في أمَّةِ الإِسلامِ، فهُناك من يَتوارَثُهُ جِيلًا بعد جِيلٍ، حتَّى يَنْزِلَ عِيسى ابنُ مرْيَمَ صلَّى الله عليه وسلَّم فيقولُ أَمِيرُ الطَّائِفَةِ المؤْمِنةِ - وهُوَ في ذلكَ الزَّمانِ المَهْدِيُّ، كما بيَّنَتْهُ رِوايةٌ أُخْرى- لِعيسَى: تَعَالَ صَلِّ لَنا أي: صلِّ لنا إمامًا، فيقولُ عِيسى: لا، إِنَّ بَعْضَكُمْ على بعضٍ أُمَراءُ تَكْرِمةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ. أي: إنَّ أئِمَّتَكُمْ مِنْكُمْ يؤُمُّ المسْلِمُ أَخَاهُ المُسلمَ، وَهَذا مِنْ تكريمِ اللهِ لأُمَّةِ الإسلامِ.

وقيلَ: إنَّ ذلكَ لبَيانِ أنَّ دِينَ الإِسلامِ الذي جاءَ بِهِ مُحمَّدٌ لا يُنْسَخُ إلى قيامِ السَّاعةِ، وأنَّ تَرْكَ عِيسى عليهِ السلامُ إِمامةَ المُسلِمينَ في الصَّلاةِ مَعَ كوْنِهِ نَبِيًّا؛ لِئَلَّا يُظَنَّ أنَّ شَريعةَ الإِسلامِ قدْ نُسِخَتْ. وفي الحديثِ: عَلَمٌ منْ أَعلامِ النُّبوَّةِ؛ حيثُ أَخبرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بما سيكُونُ بعدَه في أُمَّتهِ.

الفرع السادس: إن يخرُج الدَّجَّالُ وأَنا فيكُم فأَنا حجيجُهُ دونَكُم، وإن يخرُجُ ولستُ فيكم، فامرؤٌ حجيجُ نفسِهِ

(إن يخرُج الدَّجَّالُ وأَنا فيكُم فأَنا حجيجُهُ دونَكُم). هذا القول للرسول (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) يؤكدُ أنّ أمر الدَّجَّال قريب؛ وما هو ببعيد.

(ذكر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الدَّجَّالَ ذاتَ غَداةٍ . فخفض فيه ورفَع . حتى ظننَّاه في طائفةِ النخلِ. فلما رُحْنا إليه عرف ذلك فينا . فقال " ما شأنُكم ؟ " قلنا: يا رسولَ اللهِ ! ذكرتَ الدجالَ غَداةً . فخفضتَ فيه ورفعتَ . حتى ظنناه في طائفةِ النخلِ . فقال " غيرُ الدجالِ أخوفُني عليكم . إن يخرج، وأنا فيكم، فأنا حَجيجُه دونَكم . وإن يخرج، ولستُ فيكم، فامرؤ حجيجٌ نفسَه . واللهُ خليفتي على كلِّ مسلمٍ . إنه شابٌّ قَططٌ. عينُه طافئةٌ . كأني أشبِّهُه بعبدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ . فمن أدركه منكم فليقرأْ عليه فواتحَ سورةِ الكهفِ . إنه خارجٌ خَلةٌ بين الشامِ والعراقِ . فعاثَ يمينًا وعاث شمالًا. يا عبادَ الله ! فاثبُتوا " قلنا: يا رسولَ اللهِ ! وما لُبثُه في الأرضِ؟ قال " أربعون يومًا . يومٌ كسنةٍ . ويومٌ كشهرٍ . ويومٌ كجمعةٍ . وسائرُ أيامِه كأيامِكم " قلنا: يا رسولَ اللهِ! فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، أتكفينا فيه صلاةُ يومٍ ؟ قال " لا . اقدُروا له قَدرَه " قلنا: يا رسولَ اللهِ ! وما إسراعُه في الأرضِ ؟ قال " كالغيثِ استدبرتْه الريحُ . فيأتي على القومِ فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له . فيأمر السماءَ فتمطر . والأرضُ فتنبتُ . فتروح عليهم سارحتُهم، أطولُ ما كانت ذرًّا، وأسبغُه ضروعًا، وأمدُّه خواصرَ . ثم يأتي القومَ . فيدعوهم فيردُّون عليه قولَه . فينصرف عنهم . فيصبحون مُمْحَلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالِهم . ويمرُّ بالخَربةِ فيقول لها: أَخرِجي كنوزَك . فتتبعُه كنوزُها كيعاسيبِ النحلِ . ثم يدعو رجلًا مُمتلئًا شبابًا . فيضربه بالسيفِ فيقطعه جزلتَينِ رميةَ الغرضِ ثم يدعوه فيقبِلُ ويتهلَّلُ وجهُه . يضحك . فبينما هو كذلك إذ بعث اللهُ المسيحَ ابنَ مريمَ . فينزل عند المنارةِ البيضاءِ شَرقَي دمشقَ . بين مَهرودَتَينِ . واضعًا كفَّيه على أجنحةِ ملَكَينِ . إذا طأطأَ رأسَه قطر. وإذا رفعه تحدَّر منه جُمانٌ كاللؤلؤ . فلا يحلُّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إلا مات . ونفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرفُه . فيطلبه حتى يدركَه ببابِ لُدَّ . فيقتله . ثم يأتي عيسى ابنَ مريمَ قومٌ قد عصمهم اللهُ منه . فيمسح عن وجوهِهم ويحدثُهم بدرجاتِهم في الجنةِ . فبينما هو كذلك إذ أوحى اللهُ إلى عيسى: إني قد أخرجتُ عبادًا لي، لا يدَانِ لأحدٍ بقتالهم . فحرِّزْ عبادي إلى الطور . ويبعث اللهُ يأجوجَ ومأجوجَ . وهم من كلِّ حدَبٍ ينسِلونَ . فيمرُّ أوائلُهم على بحيرةِ طَبرِيَّةَ . فيشربون ما فيها . ويمرُّ آخرُهم فيقولون: لقد كان بهذه، مرةً، ماءً . ويحصر نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه . حتى يكون رأسُ الثَّورِ لأحدِهم خيرًا من مائةِ دينارٍ لأحدِكم اليومَ . فيرغب نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه . فيُرسِلُ اللهُ عليهم النَّغَفَ في رقابِهم . فيصبحون فرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ . ثم يهبط نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى الأرضِ . فلا يجِدون في الأرضِ موضعَ شبرٍ إلا ملأه زَهمُهم ونتْنُهم . فيرغب نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى اللهِ . فيرسل اللهُ طيرًا كأعناقِ البُختِ . فتحملُهم فتطرحهم حيث شاء اللهُ . ثم يرسل اللهُ مطرًا لا يَكِنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٌ . فيغسل الأرضَ حتى يتركها كالزَّلفَةِ. ثم يقال للأرض: أَنبِتي ثمرَك، ورُدِّي بركتَك . فيومئذٍ تأكل العصابةُ من الرُّمَّانةِ . ويستظِلُّون بقِحْفِها . ويبارك في الرَّسْلِ . حتى أنَّ اللقحةَ من الإبلِ لتكفي الفِئامَ من الناس . واللَّقحةُ من البقرِ لتكفي القبيلةَ من الناس . والّلقحةُ من الغنمِ لتكفي الفَخِذَ من الناس . فبينما هم كذلك إذ بعث اللهُ ريحًا طيِّبَةً . فتأخذُهم تحت آباطِهم . فتقبض رُوحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مسلمٍ . ويبقى شِرارُ الناسِ، يتهارَجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم الساعةُ " . وفي رواية: وزاد بعد قوله " - لقد كان بهذه، مرة، ماءً - ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبلِ الخمرِ . وهو جبلُ بيتِ المَقدسِ . فيقولون: لقد قتَلْنا مَن في الأرضِ . هَلُمَّ فلنقتلْ مَن في السماءِ . فيرمون بنُشَّابِهم إلى السماءِ . فيردُّ اللهُ عليهم نُشَّابَهم مخضوبةً دمًا " . وفي روايةِ ابنِ حجرٍ " فإني قد أنزلت عبادًا لي، لا يَدَيْ لأحدٍ بقتالِهم " .) ([17] ) . كالزَّلفَةِ : وهي المِرْآةُ، والمرادُ: أنَّ الماءَ يَعُمُّ جميعَ الأرضِ بحيث يَرى الرائي وجهَه فيه.

نتيجة :

(الدّجال: (وما لُبثُه في الأرضِ؟ قال " أربعون يومًا . يومٌ كسنةٍ . ويومٌ كشهرٍ . ويومٌ كجمعةٍ . وسائرُ أيامِه كأيامِكم " قلنا: يا رسولَ اللهِ! فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، أتكفينا فيه صلاةُ يومٍ ؟ قال " لا . اقدُروا له قَدرَه "). يكون هذا بعد الخروج من مرحلة تقارب الزمان إلى تباعده. وتصبح الأرض قريبة من الشمس ([18]). الدّجال يتزامن مع الدّخان، والأحاديث تذكر آيتي الدّجال والدّخان معاً: (الدَّجَّالَ والدُّخَانَ)، (وَالدُّخَانُ وَالدَّجَّالُ).

وبالتالي إذا كانت النار التي تسوق الناس إلى محشرهم في الدنيا (حشر الدنيا)؛ يكون الدّخان زمن الدّجال بدليل: (يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ) وبيانه في بحثي (مدّ الأرض، ودخان السماء).

أمَّا وَجْبَتُهَا فلا يعلمُها أَحَدٌ إلا اللهُ ذلكَ وفيما عهدَ إليَّ ربي عزَّ وجلَّ أنَّ الدجالَ خارجٌ قال: ومعي قضيبانِ فإذا رآني ذابَ كما يذوبُ الرَّصاصُ قال: فيُهلكُه اللهُ حتى إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه قالَ: فيُهلكُهم اللهُ ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم قال: فعندَ ذلكَ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ وهم من كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. الدّجال يتزامن مع الدّخان، ثمّ ينزلُ عِيسى ابنُ مريمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ويقتل الدّجال وينتشر الإسلام، ثمّ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ ويهلكهم اللهُ. )

الفرع السابع: لم يسلَّط علَى الدَّجَّالِ إلَّا عيسَى ابنُ مَريمَ: يخرجُ الدجَّالُ في أمتي فيمكثُ أربعينَ. فيبعثُ اللهُ عيسى بنَ مريمَ فيطلبُه فيهلكُه . ثم يمكث الناسُ سبعَ سنينَ . ليس بين اثنين عداوةٌ. ثم يرسل اللهُ ريحًا باردةً من قِبَلِ الشأمِ . فلا يبقى على وجه الأرضِ أحدٌ في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ أو إيمانٍ إلا قبضتْه . فيبقى شرارُ الناسِ، ثم يُنفخُ في الصُّورِ، ويُصعقُ الناسُ

(بينَما أَنا يومًا وغلامٌ منَ الأنصارِ نرمي غرضًا لَنا على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، حتَّى إذا كانتِ الشَّمسُ على قَدرِ رُمحَينِ أو ثلاثةٍ في عينِ النَّاظرِ في الأفقِ، اسودَّت حتَّى آضَت كأنَّها تنُّومةٌ، فقالَ أحدُنا لصاحبِهِ: انطلق بنا إلى المسجِدِ، فواللَّهِ ليُحْدِثَنَّ شأنُ هذِهِ الشَّمسِ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في أمَّتِهِ حدثًا. فدفَعنا إلى المسجدِ، فإذا هوَ بارزٌ، فوافَقنا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ خرجَ إلى النَّاسِ، قالَ: فتقدَّمَ وصلَّى بِنا كأطولِ ما قامَ بنا في صلاةٍ قطُّ، لا نسمَعُ لَهُ صوتَهُ، ثمَّ سجدَ بنا كأطولِ ما سجدَ بنا في صلاةٍ قطُّ، لا نسمعُ لَهُ صوتَهُ، قالَ: ثمَّ سلَّمَ، فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ، وشَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وشهِدَ أنَّهُ عبدُهُ ورسولُهُ، ثمَّ قالَ: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّما أَنا بَشرٌ ورسولُ اللَّهِ، فأذَكِّرُكُمُ اللَّهَ إن كنتُمْ تعلَمونَ أنِّي قصَّرتُ عن شيءٍ مِن تبليغِ رِسالاتِ ربِّي لما أخبَرتُموني حتَّى أبلِّغَ رِسالاتِ ربِّي كَما ينبَغي أن تبلَّغَ، وإن كنتُمْ تعلمونَ أنِّي قد بلَّغتُ رِسالاتِ ربِّي لما أخبرتُموني قالَ: فقامَ النَّاسُ فقالوا: نشهدُ أنَّكَ قد بلَّغتَ رسالاتِ ربِّكَ، ونصَحتَ لأمَّتِكَ، وقَضيتَ الَّذي عليكَ . قالَ: ثمَّ سَكَتوا، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أمَّا بعدُ، فإنَّ رجالًا يزعُمونَ أنَّ كُسوفَ هذِهِ الشَّمسِ، وَكُسوفَ هذا القمرِ، وزوالَ هذِهِ النُّجومِ عن مطالعِها لِموتِ رجالٍ عظماءَ من أَهْلِ الأرضِ، وأنَّهم كذَبوا، ولَكِن آياتٌ من آياتِ اللَّهِ يفتنُ بِها عبادَهُ لينظرَ مَن يُحدِثُ منهم تَوبةً، واللَّهِ لقد رأيتُ منذُ قمتُ أصلِّي ما أنتُمْ لاقونَ في دُنْياكم وآخرَتِكُم، وأنَّهُ واللَّهِ لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يخرجَ ثلاثونَ كذَّابًا، آخرُهُمُ الأعوَرُ الدَّجَّالُ مَمسوحُ العَينِ اليسرى كأنَّها عينُ أبي يحيى لشَيخٍ منَ الأنصارِ، وأنَّهُ متَى خرجَ فإنَّهُ يزعُمُ أنَّهُ اللَّهُ، فمَن آمنَ بِهِ وصدَّقَهُ واتَّبعَهُ فليسَ ينفعُهُ صالحٌ من عملٍ سلَفَ، ومن كفرَ بِهِ وَكَذَّبَهُ فليسَ يعاقَبُ بشيءٍ من عملِهِ سلفَ، وأنَّهُ سيظهرُ على الأرضِ كُلِّها إلَّا الحرمَ وبيتَ المقدسِ، وأنَّهُ يحصُر المؤمنينَ في بيتِ المقدسِ فيتزَلزلونَ زلزالًا شديدًا فيصبِحُ فيهم عيسى ابنُ مريمَ فيَهْزمُهُ اللَّهُ وجنودُهُ، حتَّى أنَّ أَجذُمَ الحائطِ وأصلَ الشَّجر ليُنادي: يا مؤمنُ، هذا كافرٌ يستترُ بي، فتعالَ اقتُلهُ، قالَ: فلن يَكونَ ذلِكَ حتَّى ترون أمورًا يتفاقَمُ شأنُها في أنفسِكُم، تساءلونَ بينَكُم: هَل كانَ نبيُّكم صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ذَكَرَ لَكُم منها ذِكْرًا، وحتَّى تزولَ جبالٌ عن مَراسيها، ثمَّ على أثرِ ذلِكَ القَبضُ، وأشارَ بيدِهِ . قالَ: ثمَّ شَهِدْتُ خطبةً أخرى قالَ: فذَكَرَ هذا الحديثَ ما قدَّمَها ولا أخَّرَها) ([19]) .

يخرجُ مع الدجال اليهودُ: (ما يُبكيكِ ؟، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ! ذكرتَ الدجالَ، قال: فلا تَبْكِينَ، فإن يخرجُ وأنا حيٌّ أكفيكُمُوه، وإن مُتُّ فإنَ ربَّكم ليس بأعورَ، وإنَّهُ يخرجُ معه اليهودُ، فيسيرُ حتى ينزلَ بناحيةِ المدينةِ، وهي يومئذٍ لها سبعةُ أبوابٍ، على كلِّ بابٍ ملَكانِ، فيُخرجُ اللهُ شرارَ أهلِها، فينطلقُ [ حتى ] يأتي ( لُدًّا )، فينزلُ عيسى ابنُ مريمَ فيقتلُه، ثم يلبثُ عيسى في الأرضِ أربعين سنةً؛ [ أو قريبًا من أربعين سنةً ] إمامًا عدلًا، وحكمًا مقسطًا) ( الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الموارد، الصفحة أو الرقم: 1599، خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح).

* نتيجة : (أحاديث هذا الباب تقترح ترتيباً لبعض هذه الآيات؛ وهو على النحو الآتي: الدّجالَ خارجٌ، وما لُبثُه في الأرضِ؟ قال " أربعون يومًا . يومٌ كسنةٍ . ويومٌ كشهرٍ . ويومٌ كجمعةٍ . وسائرُ أيامِه كأيامِكم ". ويتزامن خروج الدّجال مع آية الدخان . فبينما هو كذلك إذ بعث اللهُ المسيحَ ابنَ مريمَ . فينزل عند المنارةِ البيضاءِ شَرقَي دمشقَ . فيُهلكُ اللهُ الدّجالَ والكافرين حتى إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه قالَ: فيُهلكُهم اللهُ ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم. ثمّ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ.

الدّجال يزامنه الدّخان، ثم نزول المسيح ابنَ مريمَ فيقتل الدّجال، ثمّ انتصار الإسلام على اليهود وعلى الكافرين وعودة النّاسِ إلى بلادِهم وأوطانِهم، ثمّ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ فيُهلكُهم اللهُ. (يمكثُ عيسَى في الأرضِ بعدما ينزلُ أربعينَ سنةً ثمَّ يموتُ ويصلِّي عليه المسلمونَ ويدفنوهُ) ([20]) . )

الفرع الثامن: { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } قال: وهو خروجُ عيسى ابنِ مريمَ عليهِ السلامُ قبل يومِ القيامةِ

يقول تعالى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) (الزخرف 57). وعن عبدالله بن عباس: (لقد عُلِّمْتُ آيةً من القرآنِ ما سألني عنها رجلٌ قطُّ فما أدري أَعَلِمها الناسُ فلم يسألوا عنها أم لم يَفْطِنوا لها فيسألوا عنها ثم طَفِقَ يُحدِّثنا فلما قام تلاومنا أن لا نكونَ سألناهُ عنها فقلتُ: أنا لها إذا راح غدًا فلما راح الغدَ قلتُ: يا ابنَ عباسٍ ذكرتَ أمسَ أنَّ آيةً من القرآنِ لم يسألك عنها رجلٌ قطُّ فلا تدري أعلمها الناسُ فلم يسألوا عنها أم لم يَفطنوا لها فقلتُ: أَخْبِرْني عنها وعن اللاتي قرأتَ قبلها قال: نعم إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال لقريشٍ: يا معشرَ قريشٍ إنَّهُ ليس أحدٌ يُعْبَدُ من دونِ اللهِ فيهِ خيرٌ. وقد عَلِمَتْ قريشٌ أنَّ النصارى تعبدُ عيسى بنَ مريمَ وما تقولُ في محمدٍ فقالوا: يا محمدُ ألست تزعمُ أنَّ عيسى كان نبيًّا وعبدًا من عبادِ اللهِ صالحًا فلئن كنتَ صادقًا فإنَّ آلهتهم لكما تقولون قال: فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } قال: قلتُ: ما يصِدُّون قال: يضجُّون { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } قال: وهو خروجُ عيسى ابنِ مريمَ عليهِ السلامُ قبل يومِ القيامةِ) ([21] ) .

(وإنّه لعلم للساعة): عَائِد عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام

(وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف 61). الصَّحِيح أَنَّهُ عَائِد عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِنَّ السِّيَاق فِي ذِكْره ثُمَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ نُزُوله قَبْل يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته " أَيْ قَبْل مَوْت عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة يَكُون عَلَيْهِمْ شَهِيدًا " ... قَالَ مُجَاهِد " وَإِنَّهُ لَعِلْم لِلسَّاعَةِ " أَيْ آيَة لِلسَّاعَةِ خُرُوج عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل يَوْم الْقِيَامَة وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَأَبِي الْعَالِيَة وَأَبِي مَالِك وَعِكْرِمَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل يَوْم الْقِيَامَة إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا (ابن كثير) .

إِنَّهُ خُرُوج عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَذَلِكَ مِنْ أَعْلَام السَّاعَة . لِأَنَّ اللَّه يُنَزِّلهُ مِنْ السَّمَاء قُبَيْل قِيَام السَّاعَة، كَمَا أَنَّ خُرُوج الدَّجَّال مِنْ أَعْلَام السَّاعَة . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَقَتَادَة وَمَالِك بْن دِينَار وَالضَّحَّاك " وَإِنَّهُ لَعَلَم لِلسَّاعَةِ " ( بِفَتْحِ الْعَيْن وَاللَّام ) أَيْ أَمَارَة .(القرطبي).

(عنِ ابنِ عباسٍ، رضي اللهُ عنهما، قال: إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ، قال: نُزولُ عيسَى ابنِ مريمَ، عليه السلامُ) (الراوي: -، المحدث: البوصيري، المصدر: إتحاف الخيرة المهرة، الصفحة أو الرقم: 8/141، خلاصة حكم المحدث: موقوف ورواته ثقات

الفرع التاسع: رحمة الله باليهود وبأهل الكتاب هي أيمانهم بعيسى عليه السلام قبل موته وإقلاعهم عن الإفساد

وأقول أنّ الله يرحم اليهود خاصة وأهل الكتاب عامة بإيمانهم بعيسى عليه السلام عند عودته وانتهاء إفسادهم؛ كما توضح الآية: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء 8). وإنّ رحمة الله والفوز بالجنة لا تكون إلا للمؤمنين المتقين، ولا ينالها المفسدون: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص 83). يقتضي هذا أنّ رحمة الله بأهل الكتاب هي كما تؤكد الأحاديث الصحيحة أيمانهم بعيسى عليه السلام قبل موته وإقلاعهم عن الإفساد. وهذا بحق تحوّلٌ كبير، وليس على الله بعزيز:

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر 53 ). هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة دَعْوَة لِجَمِيعِ الْعُصَاة مِنْ الْكَفَرَة وَغَيْرهمْ إِلَى التَّوْبَة وَالْإِنَابَة وَإِخْبَار بِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا لِمَنْ تَابَ مِنْهَا وَرَجَعَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَهْمَا كَانَتْ، وَإِنْ كَثُرَتْ وَكَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر وَلَا يَصِحّ حَمْل هَذِهِ عَلَى غَيْر تَوْبَة لِأَنَّ الشِّرْك لَا يُغْفَر لِمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ . قَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَام بْن يُوسُف أَنَّ اِبْن جُرَيْج أَخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلَى إِنَّ سَعِيد بْن جُبَيْر أَخْبَرَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل الشِّرْك كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا إِنَّ الَّذِي تَقُول وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَة فَنَزَلَ" وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ " وَنَزَلَ " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَة اللَّه " ([22]) وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن جُرَيْج عَنْ يَعْلَى بْن مُسْلِم الْمَكِّيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بِهِ (ابن كثير).

يُهْلِكُ اللَّهُ في زمانِ عيسى المِللَ كلَّها إلَّا الإسلامَ

(الأنبياءُ إخوةٌ لعِلاتٍ أمَّهاتُهُم شتَّى ودينُهُم واحدٌ، وإنِّي أولى النَّاسِ بعيسى ابنِ مريمَ ؛ لأنَّهُ لم يَكُن بيني وبينَهُ نبيٌّ، وإنَّهُ نازلٌ، فإذا رأيتُموهُ فاعرِفوهُ: رجلٌ مَربوعٌ إلى الحمرةِ والبياضِ، عليهِ ثوبانِ مُمصَّران، كأنَّ رأسَهُ يقطرُ وإن لم يُصبهُ بلَلٌ، فيدقُّ الصَّليبَ، ويقتُلُ الخنزيرَ، ويضعُ الجزيةَ، ويدعو النَّاسَ إلى الإسلامِ، ويُهْلِكُ اللَّهُ في زمانِهِ المِللَ كلَّها إلَّا الإسلامَ، ويُهْلِكُ اللَّهُ في زمانِهِ المسيحَ الدَّجَّالَ، ثمَّ تقعُ الأمَنةُ على الأرضِ، حتَّى ترتَعَ الأسودُ معَ الإبلِ، والنِّمارُ معَ البقرِ، والذِّئابُ معَ الغنمِ، ويَلعبَ الصِّبيانُ بالحيَّاتِ لا تضرُّهم، فيمكثُ أربعينَ سنةً، ثمَّ يُتوفَّى ويصلِّي عليهِ المسلِمونَ) (الراوي: أبو هريرة، المحدث: أحمد شاكر، المصدر: عمدة التفسير، الصفحة أو الرقم: 1/601، خلاصة حكم المحدث: أسانيده صحاح

التخريج: أخرجه أبو داود (4324)، وأحمد (9630) باختلاف يسير.).

الشرح: بيَّنَ القُرآنُ أنَّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسلامُ، وقد شرَعَ اللهُ سُبحانَه لِنَبيِّه محمَّدٍ ما وَصَّى به الأنبياءَ مِن قَبلِه؛ فالدِّينُ واحدٌ، والشَّرائعُ تَتناسَبُ مع عَصرِ كلِّ رسولٍ، وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "الأنبياءُ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ؛ أُمَّهاتُهم شَتَّى، ودِينُهم واحدٌ"، يَعنِي: أنَّهم أُخَوةٌ لِأبٍ واحدٍ مِن أُمَّهاتٍ مُختلفةٍ، والمعنى: أنَّ شَرائعَهم مُتَّفِقةٌ مِن حيثُ الأُصولُ، وإنِ اختَلَفت مِن حيثُ الفُروعُ حَسَبَ الزَّمنِ، وحَسَبَ العُمومِ والخُصوصِ.

ثمَّ قال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ: "وإنِّي أوْلى النَّاسِ بعِيسى ابنِ مَريمَ؛ لأنَّه لم يكُنْ بيْني وبيْنه نَبِيٌّ" وقد بَشَّرَ نَبيُّ اللهِ عِيسى عليه السَّلامُ بنُبُوَّةِ نَبيِّنا محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فقال كما أخبَرَ اللهُ تعالى في كِتابِه العَزيزِ: { وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } [الصف: 6]؛ ولذلك فالنَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أَوْلى النَّاسِ بعِيسى؛ لأنَّه بَشَّرَ به، ولأنَّه لم يَكُنْ بَينَهم نَبِيٌّ، فهو أخوهُ الأقرَبُ إليه، "وإنَّه نازلٌ"، أي: يَنزِلُ عِيسى عليه السَّلامُ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، "فإذا رَأيتُمُوه فاعْرِفوهُ"، أي: فاعرِفوهُ؛ فإنَّ مِن أوصافِه أنَّه: "رَجلٌ مَربوعٌ"، أي: ليسَ بالطَّويلِ ولا القَصيرِ، "إلى الحُمرةِ والبَياضِ"، أي: إنَّ لَونَه يَميلُ إلى الحُمرةِ والبَياضِ، "عليه ثَوبانِ مُمَصَّرانِ"، أي: يكونُ عليهِ ثَوبانِ لَونُهما مائلٌ للصُّفرةِ، "كأنَّ رأسَه يَقْطُرُ، وإنْ لم يُصِبْهُ بَللٌ"، وهذا كِنايةٌ عن نَضارتِه ونَظافتِه، "فيدُقُّ الصَّليبَ"، أي: يَكسِرُه، "ويَقتُلُ الخِنزيرَ، ويَضَعُ الجِزيةَ، ويَدْعُو النَّاسَ إلى الإسلامِ"، أي: إنَّ الإِسلامَ هوَ الشَّرطُ الوَحيدُ على مَن يُقاتِلُه، فلا يُقبَلُ مِنهم جِزيةٌ، "ويُهلِكُ اللهُ في زَمانِه المِللَ كلَّها إلَّا الإسلامَ"، أي: لنْ يُبقِيَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ للكُفرِ شَوكةً، فتكونُ الوِلايةُ والقُدرةُ لأهلِ الإسلامِ، وليس المُرادُ هَلاكَ أبدانِ أهلِ الكُفرِ، ولكنَّ المُرادَ أنَّ الغلبةَ والعزَّةَ تكونُ للإسلامِ؛ فالكفَّارُ سيكونونَ مَوجودِينَ؛ ولهذا مَن آمَنَ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ مِن مغربِها لنْ يَنفَعَه إيمانُه، والسَّاعةُ ستقومُ على شِرارِ الخَلقِ؛ "ويُهلِكُ في زَمانِه المَسيحَ الدَّجَّالَ"، أي: يُمِيتُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ المسيحَ الدجَّالَ في عَهدِ عِيسى عليه السَّلامُ، وفي الرِّواياتِ أنَّ عيسى عليه السَّلامُ هوَ الَّذي سيَقتُلُه.

"ثمَّ تقَعُ الأَمنةُ على الأرضِ"، أي: يَسودُ الأمانُ والسَّلامُ في كلِّ الأرضِ، "حتَّى تَرتَعَ الأُسودُ مع الإبلِ، والنِّمارُ مع البقَرِ، والذِّئابُ مع الغنَمِ، ويَلعَبُ الصِّبيانُ بالحيَّاتِ لا تَضُرُّهم"

ثمَّ قال صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "فيَمكُثُ"، أي: سيَظَلُّ ويَبقى، "في الأرضِ أربَعينَ سَنَةً، ثمَّ يُتوفَّى ويُصَلِّي عليهِ المُسلِمونَ"، أي: يُصلُّونَ عليه بما شرَعَهُ اللهُ مِن الصَّلاةِ على الميِّتِ في الإسلامِ.

عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بالإيمان بعيسى عليه السلام عند عودته

(عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء 8). عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بالإيمان بعيسى عليه السلام عند عودته: (والذي نفسي بيدِه، ليُوشِكن أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا عدلًا، فيكسرَ الصليبَ، ويقتلَ الخنزيرَ، ويضعَ الجزيةَ، ويَفيضَ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ، حتى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها . ثم يقولُ أبو هريرةَ: واقرؤوا إن شئتم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } .) ([23] ).

(عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا): وَهَذَا مِمَّا أُخْبِرُوا بِهِ فِي كِتَابهمْ . و " عَسَى " وَعْد مِنْ اللَّه أَنْ يَكْشِف عَنْهُمْ . و " عَسَى " مِنْ اللَّه وَاجِبَة . " أَنْ يَرْحَمكُمْ " بَعْد اِنْتِقَامه مِنْكُمْ (القرطبي). اتضح جليّاً أنّ (وَعْدُ الْآخِرَةِ) هو وَعْدُ إنهاء إفساد اليهود عند نزول المسيح عليه السلام بين يدي السّاعة، وعندها يؤمن أهل الكتاب، ويؤمن اليهود، فيَرْحَمَهُمُ اللهُ بدخول الإسلام والإيمان بعيسى عليه السلام، وذلك بَعْد اِنْتِقَامه مِنْهُمْ (القرطبي).

إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه، فيُهلكُ اللهُ الكافرين ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم

(لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى تُقاتِلوا اليَهودَ، حتَّى يقولَ الحَجَرُ وراءَه اليَهوديُّ: يا مُسلِمُ، هذا يَهوديٌّ ورائي، فاقْتُلْه.) ( الراوي: أبو هريرة، المحدثون :

البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 2926، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

الألباني، المصدر: صحيح الجامع، الصفحة أو الرقم: 7414، خلاصة حكم المحدث: صحيح )

(لا تَقومُ السَّاعةُ حتى تُقاتِلوا اليَهودَ، حتى يَختَبئَ اليَهوديُّ وراءَ الحَجَرِ، فيَقولَ الحَجَرُ: يا مُسلِمُ، هذا يَهوديٌّ يَختَبئُ ورائي، تَعالَ فاقتُلْهُ.) (الراوي: أبو هريرة، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 10857، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح على شرط مسلم)

شرح الحديث: في هذا الحديثِ يُخبِر الصَّادقُ المصدوقُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعلامةٍ مِن علاماتِ قيامِ السَّاعةِ، وهي قيامُ حربٍ بَيْنَ المسلمين واليهودِ، وفي هذه الحربِ تَتكلَّمُ الجماداتُ مِنَ الحجَرِ ونحوِها كلَّما اختبأَ يهوديٌّ وراءَ شيءٍ منها تكلَّمتْ ونادَتْ على المسلمِ فقالتْ: هذا يَهوديٌّ ورائي تعالَ فاقتُلْه.

* نتيجة : ( خروج الدّجال، وما لُبثُه في الأرضِ؟ قال " أربعون يومًا . يومٌ كسنةٍ . ويومٌ كشهرٍ . ويومٌ كجمعةٍ . وسائرُ أيامِه كأيامِكم " ؛ ويتزامن خروج الدّجال مع آية الدّخان (الآيتان الرّابعة والخامسة) . فبينما هو كذلك إذ بعث اللهُ المسيحَ ابنَ مريمَ . فينزل عند المنارةِ البيضاءِ شَرقَي دمشقَ (الآية السّادسة). فيُهلكُ اللهُ الدّجالَ والكافرين حتى إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه . قالَ: فيُهلكُهم اللهُ ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم. ثمّ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ فيهلكهم اللهُ (الآية السّابعة). ثم وفاة المسيح ابنَ مريمَ، ثمّ فساد البشرية . ثمّ تخرج دابَّةُ الأرْضِ (الآية الثامنة) ثمّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها (الآية التاسعة)، ثمّ آخرها نارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبيَنَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ تبيتُ معَهم إذا باتوا وتقيلُ معَهم إذا قالوا (الآية العاشرة).

ويبقى ثلاثة آيات لم ترتب؛ وهي: (وثلاثَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشرِقِ وخَسْفٌ بالمَغرِبِ وخَسْفٌ بجزيرةِ العرَبِ) )

الفرع العاشر : تقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها

2.1) الحديث: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: {لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا} [الأنعام: 158] ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما بيْنَهُما فلا يَتَبايَعانِهِ، ولا يَطْوِيانِهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بلَبَنِ لِقْحَتِهِ فلا يَطْعَمُهُ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وهو يَلِيطُ حَوْضَهُ فلا يَسْقِي فِيهِ، ولَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وقدْ رَفَعَ أحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إلى فيه فلا يَطْعَمُها) ([24]) .

2.2) الحديث الشريف: (ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ.) ([25])

شرح الحديث: وفي هذا الحديث يقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "ثلاثٌ إذا خرجْنَ"؛ أيْ: ثلاث آياتٍ عندما تظهرُ للناس، "فلا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قَبلُ أو كسبَتْ في إيمانِهَا خيرًا"، فلن تنفعَ التوبةُ ولن ينفعَ في هذا الوقتِ أن يَستدرِكَ المقصِّرُ ما قصَّرَ فيه من أعمالٍ يُزَادُ بها الإيمانُ، فيحثُّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على العملِ الصالحِ وزيادةِ الإيمانِ قبل تلك الثَّلاث: "طلوع الشَّمسِ من مَغْربها"، وهي أن تَخرُجَ في صَبيحةِ يومٍ من المَغْرب بدلًا من المَشْرق. و"الدَّجَّال" وهو المسيحُ الأعورُ مُدَّعي الألوهِيَّة الذي يدورُ في الأرض أربعينَ يومًا ويُمنعُ من دخول بعض الأماكن التي حَفِظَها الله سبحانه وتعالى منه كَمَكَّةَ والمَدِينَةِ. و"دابَّة الأرض" التي تخرجُ فتُخْبِرُ وتوضِّحُ المؤمنَ من الكافرِ. وقد جاء في صَحيح مُسلمٍ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى تطلُعَ الشمسُ من مَغْربها، فإذا طَلَعَتْ من مَغْربها آمَنَ الناسُ كلُّهم أجمعون، فيومئذٍ لا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قبلُ، أو كسبَتْ في إيمانها خيرًا"؛ فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ التوبةَ لا تنقطِعُ إلَّا إذا طلعَتِ الشمسُ من مَغْربها، وأمَّا قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: "ثلاثٌ إذا خرجْنَ، لا ينفعُ نفسًا إيمانُهَا لم تكُنْ آمنَتْ من قَبلُ أو كسبَتْ في إيمانِهَا خيرًا: طلوع الشمسِ من مَغْربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض"، فيدلُّ على أنَّ انقطاعَ التوبةِ يكونُ إذا خرجْنَ كُلُّهُنَّ، وذلك لا يكونُ إلَّا إذا طلعَتِ الشمسُ من مَغْربها، إلَّا أنَّ خروجَ الدَّجَّال، وكذلك الدَّابَّة، قريبٌ من طلوعِ الشمس من مَغْربها.

نتيجة: (الجمع بين الحديثين الشريفين: الحديث (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: {لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا})، والحديث (ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ) يتطلّبا أن يكون خروج الدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها.)

وبالتالي ينفع الإيمان زمن خروج الدّجال؛ وخروجه من علامات السّاعة الكبرى. كما وينفعُ أهلُ الكتابِ إيمانُهم بعيسى عليه السّلام عند نزوله. ونعلم أنّ عيسى عليه السّلام هو الموكل بقتل الدّجال. وإنّ عودة المسيح عليه السلام تكون بين يدي السّاعة: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف 61). وهذا عَائِد عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. ثُمَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ نُزُوله قَبْل يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَإِنْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْل مَوْته ". وأقول هذه هي رحمة الله باليهود: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بالإيمان بعيسى عليه السلام عند عودته: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء 8). (والَّذي نفسي بيدِه ليوشِكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مرْيمَ حَكمًا عدلًا فيَكسرُ الصَّليبَ، ويقتلُ الخنزيرَ، ويضعُ الجِزْيةَ، ثمَّ يقولُ أبو هرَيرةَ اقرَؤوا إن شِئتُم وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) ([26] ) .

2.3) وكذلك الآية الكريمة: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) (الأنعام 158 ) ؛ فهي دليل على أنّ باب التوبة مفتوح حتى بعد ظهور بَعْض علامات السّاعة الكبرى؛ ويغلق مع ظهور آخر (أو أواخر) علاماتها الكبرى؛ ويدلُّ عليه الكلمة (بَعْضُ) من الآية: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا). وفي الحديث السابق: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: (لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا)...).

نستنتج ممّا سبق التالي: أنّ التوبة تقبل حتّى بعد خروج يَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ. التوبة تقبل حتى بعد ظهور ثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ .

* نتيجة : (ترتيب الآيات في ظهورها الزماني هنا هو: الدّجال والدّخان، ثم نزول المسيح ابنَ مريمَ، ثمّ دابَّةُ الأرْضِ بعد موت المسيح وفساد البشرية، ثمّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها.

فيصبح الترتيب إلى الآن على النحو الآتي:

ظهور الدّخان وخروج الدّجال، ولُبثُه في الأرضِ " أربعون يومًا . يومٌ كسنةٍ . ويومٌ كشهرٍ . ويومٌ كجمعةٍ . وسائرُ أيامِه كأيامِكم " . فبينما هو كذلك إذ بعث اللهُ المسيحَ ابنَ مريمَ . فينزل عند المنارةِ البيضاءِ شَرقَي دمشقَ . فيُهلكُ اللهُ الدّجالَ والكافرين حتى إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه قالَ: فيُهلكُهم اللهُ ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم. ثمّ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ فيهلكهم اللهُ. ثم وفاة المسيح ابنَ مريمَ، ثمّ خروج دابَّةُ الأرْضِ بعد موت المسيح وفساد البشرية، ثمّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ثمّ آخرها نارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبيَنَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ تبيتُ معَهم إذا باتوا وتقيلُ معَهم إذا قالوا. )

الفرع الحادي عشر: الدُّخَانَ

الأحاديث تذكُر الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ متتاليين؛ فمرّة يتقدم ذكرُ الدُّخَان ومرّة أخرى يتقدم ذكرُ الدَّجَّال .

(اطَّلَعَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقالَ: ما تَذَاكَرُونَ؟ قالوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قالَ: إنَّهَا لَنْ تَقُومَ حتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ، الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدّابة، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ، وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ.) ([27]).

(... إنَّ السَّاعَةَ لا تَكُونُ حتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ في جَزِيرَةِ العَرَبِ وَالدُّخَانُ وَالدَّجَّالُ...). (... لاَ تقومُ السَّاعةُ حتَّى تَكونَ عشرُ آياتٍ طلوعُ الشَّمسِ من مغربِها والدَّجَّالُ والدُّخانُ...) .

1) الآية الكريمة: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ). للاطلاع على تفسير الآية في ضوء العلم؛ يمكن الرجوع للمواضيع في الحاشية (([28] ([29])، ([30]) ). لعلّ هذا الدخان مصدره الشمس عندما تصبح الشمس في طور العملاق الأحمر. أو أنّ مصدره الشمس عندما تكوّر (تصبح نجم قزم أبيض) يحطّم الكويكبات وينفثها دخاناً؛ ولعلّ هذا الشكل الأخير للدخان يكون مع قيام السّاعة. وللمزيد في شأن الدّخان أنظر : (عمري: دخان السّماء المتوعدُ به على الرابط). وأرى أنّ هنالك دخاناً ذكره الحديث وهو من العلامات الكبرى للساعة؛ يتزامن مع فترة خروج الدّجال ومع مزيد اقتراب للأرض من الشمس. وهنالك دخان يكون يوم القيامة حيث يتواجد شرار الخلق؛ فعليهم تقوم السّاعة. وهذا الدّخان يتزامن مع تكوّر الشمس التي تطحن بعض الكويكبات وتنفثها دخاناً.

كان يُظنُّ أنّ ابن صياد هو الدّجال وَخَبَّأَ لَهُ الرّسول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ‏‏‏( يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدّخان 10].

(عَنْ ‏ابْنِ عُمَرَ‏ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ ‏بِابْنِ صَائِدٍ ‏فِي نَفَرٍ ‏مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ عِنْدَ ‏أُطُمِ ‏بَنِي مَغَالَةَ ‏وَهُوَ غُلامٌ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ ‏قَالَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأمِّيِّينَ ثُمَّ قَالَ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏لِلنَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏مَا يَأْتِيكَ قَالَ يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏خُلِطَ عَلَيْكَ الأمْرُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئَةً وَخَبَّأَ لَهُ ‏‏‏( يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدّخان 10].

قَالَ ‏ابْنُ صَيَّادٍ ‏هُوَ الدُّخُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ فَقَالَ ‏عُمَرُ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏إِنْ يَكُنْ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ ‏يَعْنِي ‏الدَّجَّالَ ‏وَإِلا يَكُنْ هُوَ فَلا خَيْرَ فِي قَتْلِهِ (سنن أبي داوود 3768؛ سنن الترمذي 2175 الفتن ‏قال ‏أبو عيسى ‏هذا ‏حديث حسن صحيح؛ صحيح مسلم الفتن وأشراط السّاعة 5207).

سؤال: هل في هذا الحديث ربط ضمني غير مباشر يشير إلى أنّ الدّخان يكون زمن ظهور الدّجال؛ وَخَبَّأَ لَهُ الرّسول (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ‏‏‏( يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدّخان 10].

الترتيب في المصحف: سورة الدّخان ترتيبها في المصحف السورة رقم 44، ويأتي بعدها مباشرة سورة الجاثية ورقمها 45. وأبرزُ أسماء هذه السورة هو (الجاثية): ‏لكون الخلائق يوم القيامة ‏تجثو على ‏الركب من ‏الفزع ‏تنتظر ‏الحساب: (‏وَتَرَى ‏كُلَّ ‏أُمَّةٍ ‏جَاثِيَةٍ) (الآية: 28). ‏ويغشى ‏الناسَ ‏من ‏الأهوال ‏ما ‏لا ‏يخطر ‏على ‏بال أحد.

وهما كذلك متتاليتين من حيث ترتيب النزول: الدخان/ 64/ 44/ والجاثية/ 65/ 45

سؤال: هل في هذا الترتيب ربط ضمني غير مباشر يشير إلى أنّ الدّخان يكون بين يدي السّاعة؟

لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان:

(لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى يتقارَبَ الزَّمانُ ، فتَكونُ السَّنةُ كالشَّهرِ، والشَّهرُ كالجُمُعةِ ، وتَكونُ الجمعةُ كاليَومِ، ويَكونُ اليومُ كالسَّاعةِ ، وتَكونُ السَّاعةُ كالضَّرمةِ بالنَّارِ) (الراوي : أنس بن مالك ، المحدث :الألباني ، المصدر : صحيح الترمذي، الصفحة أو الرقم: 2332 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح)

السنة كالشهر: زمن دورة الأرض حول الشّمس قلّت بمعامل 0.083 ، وحسب قانون كبلر الثالث (الشكل):

حيث a نصف المحور الرّئيس، و t زمن دورة الأرض حول الشّمس . إذن بعد الأرض عن الشّمس تناقص ليصبح حوالي 0.19 من القيمة الحاليّة ( ).

إذن لا تقوم الساعة حتى تقترب كرتنا الأرضيّة من الشّمس، وعند حصول المزيد من الاقتراب يوم القيامة يصبح النَّهار سرمديّاً (synchronous rotation) (عمري: بحث مدّ الأرض). وهذا الاقتراب يؤكده الحديث الشريف: (تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل ، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما ) ([31])

أيام الدجال: يوم كسنة ويوم كشهر وسائر أيامه كأيامكم

مع المزيد من اقتراب الشمس يزداد طول اليوم حتى يصبح في النهاية (أي يوم القيامة) بطول خمسين ألف سنة .

تأثير تفاعل المدّ في طور العملاق الأحمر على طول اليوم الأرضي:

Finally، in the case of a planetary engulfment، one can assume that the whole angular momentum of the planet is instantaneously transferred to the star which end up in the rapid increase of the stellar surface angular velocity ([32]).

هل سيكون الدّخان زمن الدّجال، ويزامنه المزيد من اقتراب الشمس؛ فيزداد طول اليوم ؟ الجواب نعم هذا هو الحال فيما إذا كان الحشر المقصود في الحديث (ونارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبيَنَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ تبيتُ معَهم إذا باتوا وتقيلُ معَهم إذا قالوا) حشراً دنيويّاً لا حشر الآخرة. وهذا الذي يرجحه جمهور العلماء. ويؤكد الحديث الشريف الذي يرويه تميم الدّاري: ( ... وإنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إنِّي أَنَا المَسِيحُ، وإنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لي في الخُرُوجِ، فأخْرُجَ فأسِيرَ في الأرْضِ فلا أَدَعَ قَرْيَةً إلَّا هَبَطْتُهَا في أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غيرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُما مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّما أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ وَاحِدًا، منهما اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا، يَصُدُّنِي عَنْهَا، وإنَّ علَى كُلِّ نَقْبٍ منها مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا، قالَتْ: قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وَطَعَنَ بمِخْصَرَتِهِ في المِنْبَرِ: هذِه طَيْبَةُ، هذِه طَيْبَةُ، هذِه طَيْبَةُ، يَعْنِي المَدِينَةَ، أَلَا هلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذلكَ؟ فَقالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فإنَّه أَعْجَبَنِي حَديثُ تَمِيمٍ، أنَّهُ وَافَقَ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عنْه، وَعَنِ المَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إنَّه في بَحْرِ الشَّأْمِ، أَوْ بَحْرِ اليَمَنِ، لا بَلْ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ ما هُوَ، مِن قِبَلِ المَشْرِقِ ما هو مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، ما هو وَأَوْمَأَ بيَدِهِ إلى المَشْرِقِ، قالَتْ: فَحَفِظْتُ هذا مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ.) ( الراوي : فاطمة بنت قيس ، المحدث : مسلم ، المصدر : صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2942 ، خلاصة حكم المحدث : [صحيح). (في أَرْبَعِينَ لَيْلَةً): هل تشير إلى طول اليوم الأرضي؛ وأنّ خروج الدّجال ليلاً ؛ كما في الحديث: (يومٌ كسنة). أم أنّ الأمر كما يقول البغوي (وقرن التاريخ بالليل دون النهار لأن شهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال إنما يهل بالليل.)؛ وذلك عند تفسيره الآية الكريمة : (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ) (البقرة: 51).

قوله تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الدّخان 10-11]. إن لم يكن الدّخان في هذه الآية هو نفس الدّخان زمن الدّجال فقد يكون مع بداية يوم القيامة؛ حيث تكوّر الشمس، وتطحن الأجرام القريبة، وتنفثها دخاناً . ويُبعثُ النّاسُ من قبورهم يغشاهم هذا الدّخان.

* نتيجة : ( ظهور الدّخان وخروج الدّجال ، ولُبثُه في الأرضِ " أربعون يومًا . يومٌ كسنةٍ . ويومٌ كشهرٍ . ويومٌ كجمعةٍ . وسائرُ أيامِه كأيامِكم " . فبينما هو كذلك إذ بعث اللهُ المسيحَ ابنَ مريمَ . فينزل عند المنارةِ البيضاءِ شَرقَي دمشقَ . فيُهلكُ اللهُ الدّجالَ والكافرين حتى إنَّ الحَجَرَ والشَّجَرَ ليقولُ: يا مسلمُ إنَّ تحتي كافرًا فتعالَ فاقتلْه قالَ: فيُهلكُهم اللهُ ثم يرجعُ الناسُ إلى بلادِهم وأوطانِهم. ثمّ يخرجُ يأجوجُ ومأجوجُ فيهلكهم اللهُ. ثم وفاة المسيح ابنَ مريمَ، ثمّ خروج دابَّةُ الأرْضِ بعد موت المسيح وفساد البشرية، ثمّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها،

ثمّ آخرها نارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبيَنَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ تبيتُ معَهم إذا باتوا وتقيلُ معَهم إذا قالوا. )

الفرع الثاني عشر: نارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبيَنَ قبيل السّاعة تسوق الناس إلى أرض المحشر

هذا الموضوع مقتبس بقليلٍ من التصرّف وموجود على الرابط في الحاشية ([33]):

الحشر لغة هو: الجمع والسوق . والحشر في خطاب الشرع أربعة .

قال القرطبي رحمه الله، في "التذكرة" (ص225): " باب الحشر ومعناه الجمع، وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا و حشران في الآخرة ". انتهى .

وإليك بيان أنواعه :

الأول: ما حدث لليهود الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، فذهبوا إلى الشام، وفيهم يقول الله تعالى :" هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ .." الحشر/2

الثاني: يكون قبل نفخة الصعق وقيام الساعة، أي قبل فناء الدنيا، وهي المذكورة في الحديث الذي رواه الإمام مسلم، وهذا الحشر يكون بخروج نار عظيمة من اليمن، تسوق الناس إلى محشرهم، في أرض الشام، ويكونون على ثلاثة طرائق كما سيأتي بيانه .

وقد ورد في وصف هذه النار، وعلى من تخرج، وإلى أي موضع تخرج، وإلى أي موضع تسوق الناس عدة أحاديث، تبين ذلك تفصيلا :

أما من أي مكان تخرج ؟ فقد ورد فيه حديثان: الأول: حديث حذيفة بن أسيد، وفيه أن النار تخرج من اليمن .

وجاء حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أول أشراط الساعة فقال: (أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ، بَلَغَهُ مَقْدَمُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ فأتَاهُ يَسْأَلُهُ عن أشْيَاءَ، فَقَالَ: إنِّي سَائِلُكَ عن ثَلَاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا نَبِيٌّ، ما أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ؟ وما بَالُ الوَلَدِ يَنْزِعُ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ؟ قَالَ: أخْبَرَنِي به جِبْرِيلُ آنِفًا قَالَ ابنُ سَلَامٍ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ، قَالَ: أمَّا أوَّلُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأَمَّا أوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الحُوتِ، وأَمَّا الوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ نَزَعَ الوَلَدَ، وإذَا سَبَقَ مَاءُ المَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الوَلَدَ قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسولُ اللَّهِ، قَالَ يا رَسولَ اللَّهِ: إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي، قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا بإسْلَامِي، فَجَاءَتِ اليَهُودُ فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ رَجُلٍ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ فِيكُمْ؟ قالوا: خَيْرُنَا وابنُ خَيْرِنَا، وأَفْضَلُنَا وابنُ أفْضَلِنَا، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أرَأَيْتُمْ إنْ أسْلَمَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ قالوا: أعَاذَهُ اللَّهُ مِن ذلكَ، فأعَادَ عليهم، فَقالوا: مِثْلَ ذلكَ، فَخَرَجَ إليهِم عبدُ اللَّهِ فَقَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، قالوا: شَرُّنَا وابنُ شَرِّنَا، وتَنَقَّصُوهُ، قَالَ: هذا كُنْتُ أخَافُ يا رَسولَ اللَّهِ) (الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3938، خلاصة حكم المحدث: صحيح)

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (11/378) :" وَقَدْ أَشْكَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ ؟

وَظَهَرَ لِي فِي وَجْهِ الْجَمْعِ: أَنَّ كَوْنَهَا تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ، لَا يُنَافِي حَشْرَهَا النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمُغْرِبِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ ابْتِدَاءَ خُرُوجِهَا مِنْ قَعْرِ عَدَنَ، فَإِذَا خَرَجَتِ: انْتَشَرَتْ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا .

وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ: إِرَادَةُ تَعْمِيمِ الْحَشْرِ ؛ لَا خُصُوصِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ .

أَوْ: أَنَّهَا، بَعْدَ الِانْتِشَارِ: أَوَّلَ مَا تَحْشُرُ أَهْلَ الْمَشْرِقِ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْفِتَنِ دَائِمًا مِنَ الْمَشْرِقِ.

وَأَمَّا جَعْلُ الْغَايَةِ إِلَى الْمَغْرِبِ: فَلِأَنَّ الشَّامَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَشْرِقِ: مَغْرِبٌ ". انتهى

وأما عن هذه النار، وهل تكون قبل قيام الساعة أم بعدها ؟

فجواب ذلك: أنه قد وقع خلاف بين أهل العلم في هذا الحشر هل هو قبل انتهاء الدنيا وقيام الساعة، أم هو الحشر يوم القيامة بعد بعث الأرواح ؟

والذي عليه الجماهير من أهل العلم: أن هذا الحشر يكون قبل انتهاء الدنيا وقيام الساعة .

وهذا القول هو الذي رجحه البغوي في "شرح السنة" (15/125)، والقاضي عياض في "إكمال المعلم" (8/391)، والخطابي في "أعلام الحديث" (3/2269)، والقرطبي في "التذكرة" (ص225)، وابن رجب في "لطائف المعارف" (ص89)، وابن كثير في "النهاية في الفتن والملاحم" (1/278)

وخالفهم في ذلك الحليمي كما في "شعب الإيمان" للبيهقي (1/546)، وأبو حامد الغزالي كما في "الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة" (ص42) .

قال السفاريني في "لوامع الأنوار البهية" (2/155) :" اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَشْرِ النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، هَلْ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ قَبْلَهُ؟

فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَصَوَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ هَذَا الْحَشْرَ يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .

وَأَمَّا الْحَشْرُ مِنَ الْقُبُورِ فَهُوَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: (إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا)

وَقَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ". انتهى

والقول الراجح، الذي تؤيده الأدلة، هو قول الجمهور، وذلك لما يلي :

أولا: أنه جاء في حديث حذيفة بن أسيد :" لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ "، فدل ذلك على أن هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة .

قال القاضي عياض في "إكمال المعلم" (8/391) :" وقوله: " يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير . وتحشر بقيتهم النار، تبيت معهم حيث باتوا " الحديث: هذا الحشر هو في الدنيا قبيل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها كما ذكره مسلم بعد هذا في آيات الساعة، قال فيه: ( وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس )، وفى رواية: ( تطرد الناس إلى محشرهم )، وفى حديث آخر: ( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز )، ويدل أنها قبل القيامة ". انتهى

ثانيا: أنه قد جاء في صفة هذا الحشر حديث أخرجه البخاري (6522)، ومسلم (2861) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاَثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا " .

وفي الحديث بيان أن النار: تبيت وتقيل وتصبح وتمسي معهم، وهذا لا يكون إلا في الدنيا . قال ابن الملقن في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (30/37) :" ما ذكره عياض من أن ذَلِكَ في الدنيا: أظهر، لما في نفس الحديث من ذكر المساء، والمبيت، والقائلة، والصباح، وليس ذَلِكَ في الآخرة ". انتهى

ثالثا: أنه قد ثبت في صفة الحشر يوم القيامة: أن الناس يحشرون حفاة عراة غرلا، كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ". أخرجه البخاري (3349)، ومسلم (2860) .

وهذه الصفة خلاف تلك الصفة التي وردت في حشر الناس لأرض الشام قبل البعث . قال الخطابي في "أعلام الحديث" (3/2269) في شرح حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين ..." . قلت: الحشر المذكور في هذا الحديث: إنما يكون قبل قيام الساعة، يحشر الناس أحياء إلى الشام. فأما الحشر الذي يكون بعد البعث من القبور، فإنه على خلاف هذه الصورة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها، إنما هو على ما ورد في الخبر أنهم يبعثون يوم القيامة حفاة عراة بهما غرلا . وقد قيل: إن هذا البعث دون الحشر، فليس بين الحديثين تدافع، ولا تضاد ". انتهى .

وقال البغوي في "شرح السنة" (15/125) :" قَوْله: يحْشر النَّاس عَلَى ثَلاث طرائق ، هَذَا الْحَشْر قَبْلَ قيام السَّاعَة، إِنَّمَا يَكُون إِلَى الشَّام أَحيَاء، فَأَما الْحَشْر بَعْد الْبَعْث من الْقُبُور عَلَى خلاف هَذِهِ الصّفة من ركُوب الْإِبِل والمعاقبة عَلَيْهَا، إِنَّمَا هُوَ كَمَا أخبر أَنهم يبعثون حُفَاة عُرَاة ". انتهى

رابعا: أنه قد جاء في حديث ابن عمر في وصف هذه النار الحاشرة، أن رسول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ نَحْوِ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ، قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ، تَحْشُرُ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ ". أخرجه الترمذي (2217)، وصححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2768) .

فصرح الحديث بأن ذلك الحشر يكون قبل يوم القيامة . ثم إنه أوصى الناس بـ"الشام" ؛ وهذا لا يكون إلا قبل يوم القيامة . قال ابن الملك في "شرح المصابيح" (6/524) :" "قال: عليكم بالشام"، وهذا يدل على أن ذلك يكون قبل قيام الساعة ". انتهى

خامسا: أنه قد جاء في القرآن العظيم في صفة أرض المحشر: أنها غير الأرض التي نعيش عليها حيث قال الله تعالى :" يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ". إبراهيم/48 .

الفرع الثالث عشر: يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَد

وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ علَى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ قالَ سَهْلٌ أوْ غَيْرُهُ: ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ.) (الراوي: أبو هريرة، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6521، خلاصة حكم المحدث: صحيح)

(يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ علَى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، ليسَ فيها عَلَمٌ لأَحَدٍ.) (الراوي: سهل بن سعد الساعدي، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم: 2790، خلاصة حكم المحدث: صحيح)

وهذا التبديل على قولين لأهل العلم: إما هو تبديل كلي ؛ أي أرض غير الأرض تماما، فهو تبديل عين بعين . أو تبديل صفة .

قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/382) :" واختلف في كيفية تبديل الْأَرْضِ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: إِنَّ تَبَدُّلَ الْأَرْضِ: عِبَارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ صِفَاتِهَا، وَتَسْوِيَةِ آكَامِهَا، وَنَسْفِ جِبَالِهَا، وَمَدِّ أَرْضِهَا .. وَقِيلَ: اخْتِلَافُ أَحْوَالِهَا .... وأرى أنّ هذا الذي يقول به القرطبي هو تبدّل حال الكرة الأرضية يوم القيامة: (وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) (الانشقاق 4-3)؛ أنظر البحث: ( مدّ الكرة الأرض). ويتابع الكاتب اقتباسه من القرطبي: وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْبَابَ مُبَيَّنًا فِي كِتَابِ" التَّذْكِرَةِ"، وَذَكَرْنَا مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ إِزَالَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ (بعد الحشر وأثناء العبور على الصراط)، حَسَبَ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَهُ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الأرض والسموات؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ ". انتهى

وأرى أنّ هذا القول الأخير للقرطبي هو تبدّل حال الأرضين السّبع يوم القيامة. الأرضون السّبع هي المادة المظلمة الحاضن الجاذبي للمجرّات والنّجوم: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر 67].). هذه الآية تصف تبدّل حال الأرض بمعنى الأرضين السّبع. بينما يختلف حال الأرض (بمعنى الكرة الأرضيّة) يوم القيامة ليكون مدّاً (وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ).

الْأَرْضُ بمعنى الأرضون السّبع، ستعود يوم القيامة مجموعة ورتقاً. بدأت الأرضون السّبع قبضاً، ثمّ فتقها الخالق سبحانه وتعالى سبعاً (حالة فتق الأرضين تبيّنها مجموعة الأشكال). هذا وستعود الأرضون السّبع يوم القيامة إلى حالة القبض (عمري 2004 خلق الكون بين الآيات القرآنيّة والحقائق العلميّة؛ عمري: مؤتمر كليّة الشريعة السابع إعجاز القرآن الكريم. 18-20 رجب 1426 هـ، 23- 25 آب 2005. جامعة الزرقاء الأهليّة/ الأردن، محاضرة: الأرضون السّبع وتوزيع الصفائح المجرِّيّة الضخمة على نطاق كوني واسع). وهناك أحاديث يردُ فيها ذكر الأرضين بصيغة الجمع لا المفرد. وهذه تبيّنُ تغيّر حالة الأرضين بين القبض يوم القيامة والبسط الآن؛ أنظر بحث: الأرضين السّبع .

ويتابع صاحب المقال (الذي أقتبس منه) كلامه : وأيا ما كان من أمر التبديل ؛ فحشرُ النارِ الناسَ إلى الشام: دليل على أنه قبل القيامة، حيث إن أرض المحشر يوم القيامة: ليس فيها معلم لأحد .

قال ابن كثير في "النهاية في الفتن والملاحم" (1/278) :" فَهَذِهِ السِّيَاقَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَشْرَ هُوَ حَشْرُ الْمَوْجُودِينَ فِي آخِرِ الدنيِا، مِنْ أقطار (إلى) محلة الحشر، وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ، وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ عَلَى أَصْنَافٍ ثلاثة، فقسم يحشرون طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ، وَقِسْمٍ يَمْشُونَ تَارَةً وَيَرْكَبُونَ أُخْرَى، وَهُمْ يَعْتَقِبُوَنَ عَلَى الْبَعِيرِ الْوَاحِدِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ على بعير، وعشرة على بعير، يعني يعتقبونه من قلة الظهر، كما تقدم، كما جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ، فَتُحِيطُ بِالنَّاسِ مِنْ وَرَائِهِمْ، تَسُوقُهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ، وَمَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ أكلته النار .

وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا في آخر الدنيا، حيث الأكل والشرب، والركوب على الظهر المستوي وغيره، وحيث يهلك المتخلفون منهم بالنار .

وَلَوْ كَانَ هَذَا بَعْدَ نَفْخَةِ الْبَعْثِ، لَمْ يبق موت ولا ظهر يسري، وَلَا أَكْلٌ وَلَا شُرْبٌ، وَلَا لُبْسٌ فِي الْعَرَصَاتِ ". انتهى

الحشر الثالث: وهو حشر الخلائق يوم القيامة .

قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) البقرة/203 .

وقال تعالى: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) آل عمران/158

وقال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) البقرة/281

وروى البخاري في صحيحه (3349)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: 104]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ ": وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [المائدة: 117]- إِلَى قَوْلِهِ - العَزِيزُ الحَكِيمُ [البقرة: 129[ .

وينظر: "القيامة الكبرى" للشيخ عمر سليمان الأشقر، رحمه الله (56) وما بعدها .

وينظر أيضا: جواب السؤال رقم (21679).

الحشر الرابع: حشر المتقين إلى الجنة . قال الله تعالى: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86). مريم/85- 86 .

ومما سبق يتبين أن المقصود بالنار الحاشرة أنها تكون قبل يوم القيامة، حيث تسوق الناس إلى أرض الشام، ثم عليها تقبض أرواحهم، وليس المقصود بها نار تسوق الناس للحشر يوم القيامة، والله أعلم .

الخلاصة

الأحاديث تذكُر الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ متتاليين؛ فمرّة يتقدم ذكرُ الدُّخَان ومرّة أخرى يتقدم ذكرُ الدَّجَّال . هل سيكون الدّخان زمن الدّجال، ويزامنه المزيد من اقتراب الشمس؛ فيزداد طول اليوم ؟ الجواب نعم هذا هو الحال فيما إذا كان الحشر المقصود في الحديث (ونارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبيَنَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ تبيتُ معَهم إذا باتوا وتقيلُ معَهم إذا قالوا) حشراً دنيويّاً لا حشر الآخرة. وهذا الذي يرجحه جمهور العلماء.

خروج الدّجال، وما لُبثُه في الأرضِ؟ قال " أربعون يومًا . يومٌ كسنةٍ . ويومٌ كشهرٍ . ويومٌ كجمعةٍ . وسائرُ أيامِه كأيامِكم " ؛ ويتزامن خروج الدّجال مع آية الدّخان (الآيتان الرّابعة والخامسة) . فبينما هو كذلك إذ بعث اللهُ المسيحَ ابنَ مريمَ . فينزل عند المنارةِ البيضاءِ شَرقَي دمشقَ (الآية السّادسة). فيُهلكُ اللهُ الدّجالَ على يدي المسيح عيسى عليه السّلام. ثمّ انتصار الإسلام على اليهود وعلى الكا