Description: Description: 71

مجلة كلية المعارف الجامعة - الأنبار- العراق عدد 6، السنة الخامسة 2004 ص 10 (بتصرّف).

مؤتمر كليّة الشريعة السابع إعجاز القرآن الكريم. 18-20 رجب 1426 هـ، 23- 25 آب 2005. جامعة الزرقاء الأهليّة/ الأردن. محاضرة: الأرضون السّبع وتوزيع الصفائح المجريّة على نطاق الكون الواسع.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الأرضون السّبع وتوزيع الصفائح المجرِّيّة الضخمة على نطاق كوني واسع

أ. د. حسين يوسف راشد العمري/ قسم الفيزياء/ جامعة مؤتة/ الأردن

rashed@mutah.edu.jo

ملخص

يرجّح البحث أن الأرضين السّبع الوارد ذكرها في الأحاديث الصّحيحة هي سبع مستويات كروية وأنهنّ طباق وفتق.  ولربّما تتوزّع عليها المجرات والعناقيد المجرّيّة الموجودة في الكون ، فلكلّ أرض منهن ّمجرّاتها وعناقيدها .  ويرجّح البحث أنّ الأرضين هي الحاضن الجاذبي للمجرّات والعناقيد، وبالتالي فهي تحتوي على جزءٍ لا بأس به من مادة الكون المظلمة الباردة.  تتوزّع مجرّات الكون والعناقيد المجرّية على سبع أرضين (سبع مستويات رئيسيّة، ولربّما كرويّة - الشكل)، بما يشابه توزيع إلكترونات الذّرات على المدارات الرّئيسة ذات المستويات الطاقيّة المتقطِّعة (Discrete energy levels) (1). وليست جميع المجرّات ملتصقة بالبناء السّماوي. هذا وليست الأرضون قارّات أو طبقات للكرة الأرضيّة الّتي نعيش عليها.  إنّ الأرضين خلق عظيم في قدره وجسامته، إنّهنّ خلق مختلف تماماً عن الكرة الأرضيّة الّتي نعيش عليها. وهذا كلّه نتيجة مداولات في كتاب اللّه وسنة رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - هذا واللّه تعالى أعلم .

المقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين، وأفضل الصّلاة وأتمُّ التّسليم على خير الخلق الرّسول الكريم، محمّد بن عبداللّه، خاتم الرّسل والنّبيّين، بعثه في الأميين: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة 2).  أللّهمّ آت سيِّدنا محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه اللّهمَّ مقاماً محموداً الّذي وعدته.

أمّا بعد، فهذا البحث محاولة من أجل تحديد بعض أجزاء المادة المظلمة الباردة (Cold Dark Matter) ، وذلك استجابة لأوامر اللّه : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق 1) . (قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) (يونس 101) . (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) (العنكبوت 20). (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) (آل عمران 191).

منهج البحث يوائم بين العلم والدّين، إذ القرآن كلام الخالق العالم بما خلق: (تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا) (طه 4) . (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان 6).  (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ) (الحجّ 70).  (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) (الكهف 51) .  (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) (البقرة  117).

من خلال منهج يجمع بين المشاهدات الفلكيّة والنّصوص الشّرعيّة، أُحاولُ تحديد معظم أجزاء المادة المظلمة الباردة على أنَّها الأرضين السَّبع.  إنَّ هذا المنهج قد تنكّر له المادّيون الملحدون، كما حاربه غير المسلمين، وذلك عقب الممارسات الكنسيّة في عصور الظلام بحقّ العلماء.  لذا قد يرى البعض أنّني في هذا البحث أبذلُ جهداً كبيراً، كان ينبغي أن يصرف إلى الأبحاث الفلكيّة النّافعة !.  وهناك في المقابل فريق يكبّلهم الخوف على الدّين، ويجعلهم يقفون موقف العداء من هذا المنهج، غير متأمّلين قوله تعالى: (قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) (يونس 101).  إنَّ القرآن الكريم كتاب هداية، كما أنّه (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل 89) .  إنّ الدراسة العلميّة ومن قبل أصحاب التخصصات المختلفة لآيات القرآن تسهم في تعميق فهمنا له، وتجلّي جوانب إعجازه العلمي، وبالتالي فهي انتصارٌ للقرآن، وإنّ غير المسلمين لا يروق لهم هذا.  كما أنّ دراسة المتخصصين للقرآن تتيح لأصحاب هذه العلوم أن ينطلقوا من الحقيقة القرآنية في تصويب علومهم وتطويرها.  ونتيجة هذا البحث تعكس فهم الباحث.  وأيّاً كان الحال، فإنّ الجهد البشريّ عرضةً للصواب والخطأ، وأمّا القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الصحيحة فلهما الصّحة المطلقة، ولا يعتريهما النقص.  إن أخطأت فلي أجر، وإن أصبتُ فلي أجران.

تنتمي مجموعتنا الشّمسيّة لمجرّة درب التبانة؛ أو ما يسمّى بمجرّة الدّرب اللّبني (Milky Way Galaxy).  وهي مجرّة حلزونيّة كتلتها تقارب 1500 مليار ضعف كتلة الشّمس (1.5 trillion solar masses) (2). بعض هذه النجوم أكثر من شمسنا لمعاناً وتألّقاً (More Luminous) وبعضها أقلّ. ويجتمع العديد من هذه المجرّات معاً لتشكّل العناقيد المجرّيّة (Clusters of Galaxies). ويعتقد بعض الفلكيين أنّ هذه العناقيد المجرّيّة تجتمع معاً لتشكّل العناقيد المجرّيّة الفائقة (Super Clusters of Galaxies) . يقدّر الفلكيّون عدد مجرات الكون المرئي أنّها من رتبة مئتي مليار – ألفي مليار مجرّة ([1]). يبيّنُ البحث أنّ توزيع العناقيد المجرّيّة داخل الكرة الكونية يرتبط مع المادة المظمة (الأرضين السبع).

يقع البحث في عدّة مطالب.  أوّلها تعريف بالمادّة المظلمة، وبقيّتها تناقش النصوص الواردة في الأرضين السّبع حسب دلالتها الحقيقيّة، دون أيّ محاولة لليّ أعناقها بغية مطاوعة نتيجة البحث. تُناقش النصوص مع مراعاة ما ينبغي أن يكون عليه المسلم التّقي الملتزم من تأدّب مع آيات القرآن وأحاديث الرّسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولعلّ هذه الدّراسة قد أخذت وقتها. لقد نوقش مضمونها ولا زالت تناقش منذ عشرين سنة مع أساتذة من تخصّصات مختلفة كالفلك والفيزياء والشريعة واللّغة، وكانت لهم آراء قيمة (3).  فليس هذا الجهد عبثاً، ولا هو ومضة فكر عابرة، وليس وراءه إلاّ العلم، ولا ننتظر ممّن يطّلع عليه إلاّ التدبّر، فلا نُحاكم في غير الإطار والهدف.

المطلب الأوّل: المادّة الكونيّة المظلمة (Cosmic Dark Matter)

Dark matter is a hypothetical form of matter thought to account for approximately 85% of the matter in the universe.[1] Dark matter is called "dark" because it does not appear to interact with the electromagnetic field, which means it does not absorb, reflect, or emit electromagnetic radiation (like light) and is, therefore, difficult to detect. Various astrophysical observations – including gravitational effects which cannot be explained by currently accepted theories of gravity unless more matter is present than can be seen – imply dark matter's presence. For this reason, most experts think that dark matter is abundant in the universe and has had a strong influence on its structure and evolution.[2]

The primary evidence for dark matter comes from calculations showing that many galaxies would behave quite differently if they did not contain a large amount of unseen matter. Some galaxies would not have formed at all and others would not move as they currently do.[3] Other lines of evidence include observations in gravitational lensing[4] and the cosmic microwave background, along with astronomical observations of the observable universe's current structure, the formation and evolution of galaxies, mass location during galactic collisions,[5] and the motion of galaxies within galaxy clusters. In the standard Lambda-CDM model of cosmology, the total mass-energy content of the universe contains 5% ordinary matter and energy, 27% dark matter, and 68% of a form of energy known as dark energy.[6][7][8][9] Thus, dark matter constitutes 85%[a] of the total mass, while dark energy and dark matter constitute 95% of the total mass-energy content.[10][11][12][13]

Because no one has directly observed dark matter yet – assuming it exists – it must barely interact with ordinary baryonic matter and radiation except through gravity. Most dark matter is thought to be non-baryonic; it may be composed of some as-yet-undiscovered subatomic particles.[b] The primary candidate for dark matter is some new kind of elementary particle that has not yet been discovered, particularly weakly interacting massive particles (WIMPs),[14] though axions have drawn renewed attention due to the non-detection of WIMPs in experiments.[15] Many experiments to directly detect and study dark matter particles are being actively undertaken, but none have yet succeeded.[16] Dark matter is classified as "cold," "warm," or "hot" according to its velocity (more precisely, its free streaming length). Current models favor a cold dark matter scenario, in which structures emerge by the gradual accumulation of particles.

المادة المظلمة هي شكل افتراضي للمادة يُعتقد أنها تشكل حوالي 85٪ من المادة في الكون. [1] يطلق على المادة المظلمة اسم "مظلمة" لأنه لا يبدو أنها تتفاعل مع المجال الكهرومغناطيسي ، مما يعني أنها لا تمتص الإشعاع الكهرومغناطيسي (مثل الضوء) ولا تعكسه أو تصدره، وبالتالي يصعب اكتشافها. تشير نتائج الأرصاد الفيزيائية الفلكية المختلفة - بما في ذلك تأثيرات الجاذبية والتي لا يمكن تفسيرها بنظريات الجاذبية المقبولة حاليًا ما لم يكن هناك قدر أكبر من المادة التي يمكننا رؤيتها ممّا يشير إلى وجود المادة المظلمة. لهذا السبب ، يعتقد معظم الخبراء أن المادة المظلمة وفيرة في الكون ولها تأثير قوي على هياكل الكون وتطورها. [2]

يأتي الدليل الأساسي على وجود المادة المظلمة من الحسابات التي تظهر أن العديد من المجرات ستتصرف بشكل مختلف تمامًا إذا لم تحتوي على كمية كبيرة من المادة غير المرئية. بعض المجرات لم تكن لتتشكل على الإطلاق، والبعض الآخر لن يتحرك كما هو الحال حاليًا. [3]  تتضمن خطوط الأدلة الأخرى الأرصاد المتعلقة فيما يعرف عدسة الجاذبية [4] وإشعاع الخلفية الكونية عند الأطوال الموجية الميكرووية ، جنبًا إلى جنب مع الملاحظات الفلكية للبنية الحالية للكون المرصود ، وتشكيل المجرات وتطورها ، وموقع الكتلة أثناء تصادمات المجرات ، [5] وحركة المجرات داخل عناقيد المجرات. في نموذج Lambda-CDM القياسي لعلم الكونيات، إلإجمالي الكلّي لمحتوى الكون من الكتلة-الطاقة هو: حوالي 5٪ من المادة والطاقة العادية ، و 27٪ من المادة المظلمة ، و 68٪ منه هو شكل من أشكال الطاقة يُعرف باسم الطاقة المظلمة. [6][7][8][9] وبالتالي ، تشكل المادة المظلمة 85٪ [a] من الكتلة الكلية ، بينما تشكل الطاقة المظلمة والمادة المظلمة 95٪ من إجمالي المحتوى الكلّي الكتلة-الطاقة. [10][11][12][13]

نظرًا لأنه لم يلاحظ أحد بشكل مباشر حتى الآن المادة المظلمة – على افتراض وجودها - فلا بد من أنها تكاد تكون عديمة التفاعل مع المادة الباريونية العادية والإشعاع إلا من خلال تأثيرها الجاذبي. يُعتقد أن معظم المادة المظلمة ليست باريونية؛ قد تتكون من بعض الجسيمات دون الذرية التي لم يتم اكتشافها بعد. [b] المرشح الأساسي للمادة المظلمة هو نوع جديد من الجسيمات الأولية التي لم يتم اكتشافها بعد ، خاصة الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل (WIMPs) ، [14] على الرغم من الأكسيونات جذبت الانتباه مجددًا بسبب عدم اكتشاف WIMPs في التجارب. يتم إجراء العديد من التجارب للكشف المباشر عن جسيمات المادة المظلمة ودراستها ، ولكن لم ينجح أي منها بعد. تُصنف المادة المظلمة على أنها "باردة" أو "دافئة" أو "ساخنة" حسب سرعتها (بتعبير أدق ، طول تدفقها الحر). تفضل النماذج الحالية سيناريو المادة المظلمة الباردة ، حيث تنشأ الهياكل عن طريق التراكم التدريجي للجسيمات.

أثبت علم الفلك أنّ النسبة بين كتلة مجرّة حلزونيّة نموذجيّة (Typical Spiral Galaxy) وكتلة الشّمس هي قريباً من عشرة أمثال النسبة بين ضيائية (Luminosity) هذه المجرّة وضيائة الشّمس (4). وتعرّف ضيائية جسم ما بأنها الطاقة الكليّة المنبعثة (Total energy radiated) عنه في الثانية الواحدة على جميع الأطوال الموجية وفي جميع الاتّجاهات (5). ويقتضي هذا أنّ 90% من كتلة هذه المجرّة مظلم غير مضيء (sub-luminous dark matter) (6).  ويُحسُ بهذه الكتلة المظلمة من خلال تأثيرها الجذبي (gravitational effect) الواضح عندما تكون الدراسة على مستوى المجرّة أو عنقود مجرّي (cluster of galaxies) (6).  ويؤكد هذا ما يرصده الفلكيون من كون مقدار السّرعة الدورانية (rotational velocity) لنجوم مجرة درب التبانة (Milky Way) ، خارج نواة المجرّة، ثابتاً إلى حدّ ما ولا يعتمد على بعد هذه النجوم عن مركز المجرة . إنّ ثبات مقدار السرعة الدورانية قريباً من الأذرع اللّولبيّة للمجرّات الحلزونيّة، وعدم تغيرها تبعاً لقانون كبلر (non-Keplerian velocity) ، جعل الفلكيين يفترضون أنَّ كلّ مجرة حلزونيّة مغمورة داخل هالة كروية مظلمة (Dark Spherical Halo) كتلتها حوالي عشرة أمثال كتلة الجزء المضيء من المجرة (6) (شكل 2، شكل، شكل). فالجزء المضيء يسير ولا يعدو أن يكون بمقدار الزِّينة والحفظ (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ] فصلت [12(أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ) ] ق [6.  وعندما تكون الدراسة على مستوى مجموعة المجرات تزداد نسبة المادة المظلمة إلى المادّة المضيئة، كما أنّ هذه النّسبة تزداد كلّما كانت الدّراسة على نطاق كوني أوسع (7) (شكل ، شكل).   لقد اقْتُرِحَ أنّ نسبة المادة المظلمة إلى المضيئة تزداد على نطاق كوني من رتبة 0.1-0.2 M pc ، ثمّ تَثْبُتُ هذه النّسبة إلى المدى الذي يكون كافيا ليغطي عناقيد بامتداد 1.5 M pc (8) . ولقد كان من الضَّروري معرفة ما إذا كانت هذه النّسبة ثابتة أم أنّها تزداد إلى المستوى الذي يكون كافيا ليغطي عنقوداً ضخماً (Supercluster).  في حالة ثبات النّسبة، فإنّ المادة الكونيّة المظلمة اللازمة لغلق الكون (closed Universe : ) لا تتواجد داخل العنقود الضّخم، وإنّما خارج هذه العناقيد. لقد أثبتت أرصاد بعض هذه العناقيد الضّخمة أنّ جزءاً كبيراً من المادة الكونيّة المظلمة يتواجد خارج هذه العناقيد: لقد أُثْبِت أنَّ  للعنقود الضّخم الّذي يحوي مجرّتنا (Local Supercluster ) (9) ، كما أُثْبِت أنَّ  في حالة العنقود الضّخم المسمّى Corona Borealis (الإكليل الشمالي)  (10).  يتحقّق ممّا سبق أنّ جزءاً كبيراً من مادّة الكون مظلمٌ ويتواجد خارج العناقيد المجرّيّة ، ولعلّ هذا بعض ما ترشد إليه الآية الكريمة : (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ) ] الحاقة 38-39 [.  وكذلك الحديث الشريف: (حدَّثَني أنَّ محمَّدًا رَسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - لم يَر قريةً يريدُ دخولَها إلَّا قالَ حينَ يراها : اللَّهم ربَّ السَّماواتِ السَّبعِ وما أظلَلنَ، وربَّ الأرَضينِ السَّبعِ وما أقلَلنَ ، وربَّ الشَّياطينِ وما أضلَلنَ ، وربَّ الرياحِ وما ذَرينَ ، فإنَّا نسألُكَ خَيرَ هذِه القَريَةِ ، وخيرَ أهلِها ، ونَعوذُ بكَ مِن شرِّها ، وشرِّ أَهْلِها وشرِّ ما فيها وحلَف كعبٌ : بالَّذي فلَق البحرَ لموسَى ، لأنَّها كانَت دعواتِ داودَ حينَ يرَى العدوَّ .) ([2]).  أقللن: أي حملن فكان فوقهنّ.

يعتقد الفلكيّون أنّ  MACHOS ( نجوم الأقزام الحمراء ، والثّقوب السوداء) لا تشكل إلاّ جزءاً يسيراً من المادة المظلمة ، وذلك كما اتّضح من خلال المسح الإشعاعيّ المقابل لأطوال أشعّة x، والمنبعثة من هذه النّجوم عند جذبها لمادّة ما بين النجوم (Interstellar Material) (11).

وكذلك فإنّ  WIMPS (tiny non-baryonic weakly-interacting massive particles) عبارة عن جسيمات افتراضية قد تشكل نسبة كبيرة من المادّة الكونية المظلمة الباردة. وكذلك هنالك ثلاثة أنواع من النيوترينوز (electron-neutrino, muon-neutrino, tau-neutrino ) .  لم تحدّد كتل هذه النيوترينوز بدقّة.  وإذا ما ثبت أنّها ذات كتل، فسوف تكون مرشّحاً قويّاً للمادّة المظلمة الحارّة (Hot Dark Matter).

Hot dark matter is dark matter made of particles traveling at or near the speed of light. Cold dark matter refers to dark matter made of slowly moving particles.

الفرع الأول: السَّمواتُ السَّبعُ والأرضون السبع مادّة مظلمة مُبْهَمَة

السَّمواتُ السَّبعُ والأرضون السبع مادّة مظلمة (مُبْهَمَة: غير المادة الباريونية المعروفة)؛ تماماً كما وصْفَها الحديثُ الشريف "مُبْهَمَة":

(قال: كنَّا عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فجاء رَجُلٌ مِن أهلِ الباديةِ، عليه جُبَّةٌ سِيجانٍ مَزْرورةٌ بِالدِّيباجِ، فقال: ألَا إنَّ صاحبَكم هذا قد وضَعَ كلَّ فارسٍ ابنِ فارسٍ، قال: يريدُ أنْ يضَعَ كلَّ فارسٍ ابنِ فارسٍ، ويرفَعَ كلَّ راعٍ ابنِ راعٍ، قال: فأخَذَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِمَجامِعِ جُبَّتِه، وقال: ألَا أرَى عليك لباسَ مَن لا يعقِلُ!، ثُمَّ قال: إنَّ نبيَّ اللهِ نوحًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لمَّا حضَرَتْه الوفاةُ قال لابنِه: إنِّي قاصٌّ عليك الوصيَّةَ: آمُرُكَ باثنتَينِ، وأنهاكَ عن اثنتَينِ: آمُرُكَ بلا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ لو وُضِعَتْ في كِفَّةٍ، ووُضِعَتْ لا إلهَ إلَّا اللهُ في كِفَّةٍ؛ رجَحَتْ بهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولو أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلْقةً (حَلقةً) مُبْهَمَةً؛ قصَمَتْهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وسبحانَ اللهِ وبحَمدِه؛ فإنَّها صلاةُ كلِّ شيءٍ، وبها يُرزَقُ الخلقُ، وأنهاكَ عن الشِّركِ والكِبرِ، قال: قُلْتُ -أو قيل-: يا رسولَ اللهِ، هذا الشِّركُ قد عرَفْناه، فما الكِبرُ؟ قال: الكِبرُ أنْ يكونَ لأحدِنا نَعلانِ حسنتانِ لهما شِراكانِ حسنانِ، قال: لا، قال: هو أنْ يكونَ لأحدِنا حُلَّةٌ يلبَسُها؟ قال: لا، قال: الكِبرُ هو أنْ يكونَ لأحدِنا دابَّةٌ يركَبُها؟ قال: لا، قال: أفَهو أنْ يكونَ لأحدِنا أصحابٌ يجلِسونَ إليه؟ قال: لا، قيل: يا رسولَ اللهِ، فما الكِبرُ؟ قال: سَفَهُ الحقِّ، وغَمصُ النَّاسِ.) ([3])

(إنَّ نبيَّ اللهِ نوحًا لما حضَرَتْه الوفاةُ قال لابنِه : إني قاصٌّ عليك الوصيَّةَ ، آمرُك باثنتَينِ و أنهاك عن اثنتَينِ ، آمرُك ب ( لاإله إلا اللهُ ) ، فإنَّ السمواتِ السبعَ و الأرَضينَ السبعَ لو وُضِعَتْ في كِفَّةٍ ، و وُضِعَتْ لا إلهَ إلا اللهُ في كِفَّةٍ ، رجَحَتْ بهنَّ لا إلهَ إلا اللهُ ، و لو أنَّ السمواتِ السبعَ و الأرَضَينَ السبعَ كُنَّ حَلْقةً مُبهَمةً قصَمَتْهنَّ لا إلهَ إلا اللهُ ، و سبحانَ اللهِ و بحمدِه فإنها صلاةُ كلِّ شيءٍ ، و بها يُرزَقُ الخلقُ ، و أنهاك عن الشركِ و الكِبرِ قال : قلتُ : أوْ قيل : يا رسولَ اللهِ هذا الشركُ قد عرفْناه فما الكِبْرُ؟ - قال - : أن يكون لأَحدِنا نعْلانِ حسَنتانِ لهما شِراكانِ حسنانِ ؟ قال : لا قال : هو أن يكون لأحدِنا أصحابٌ يجلسون إليه ؟ قال : لا . قيل : يا رسولَ اللهِ فما الكِبْرُ ؟ قال : سَفَهُ الحقِّ و غَمْصُ الناسِ) ([4])

(أنَّ نوحًا قال لابنِه عند موتِه: آمرُك بلا إلهَ إلا اللهُ؛ فإنَّ السَّمواتِ السبعَ والأرَضين السبعَ لو وُضِعَت في كِفَّةٍ ووُضِعَت لا إلهَ إلا اللهُ في كِفَّة، رجَحَت بهنَّ لا إلهَ إلا الله، ولو أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ في حَلقةٍ مُبهمةٍ فَصَمَتْهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ.) ([5])

And if the seven heavens and the seven Grounds (Ardhean: cold dark matter) were an enigmatic ring, No God except Allah (the word of monotheism) would divide them.

ولو أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلقةً مُبْهَمَةً؛ قصَمَتْهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ

حَلقة مُبهمة (mysterious ring):

أنظر: معجم اللغة العربية المعاصرة ([6])، وكذلك تعريف ومعنى مبهم في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي ([7])

مُبْهَم [مفرد]: اسم مفعول من أبهمَ.

ما يصعب إدراكه، ما لا مأتى له.

غامض، لا يتحدد المقصود منه، لا يُعرف له وجه "عبارات مبهمة- كلامٌ/ رسمٌ مُبهَم" ، طريق مُبْهَم : خفيّ لا يستبين، حديث مُبْهَمُ السّند: هو الحديث الذي يوجد في سنده أو متنه رجل أو امرأة لم يسمَّيا، بل عُبِّرَ عنهما بلفظ عام.  وذلك بأن يكون بعض رواته غير مسمى. ومثاله: عن سفيان، عن رجل.

 معجم الغني

تَحَدَّثَ بِكَلاَمٍ مُبْهَمٍ: غَامِضٍ لاَ يُدْرَكُ، مُلْتَبِسٍ. "أَمْرٌ مُبْهَمٌ"

سَارَ فِي طَرِيقٍ مُبْهَمٍ: غَيْرُ مُسْتَبِينٍ، غَيْرُ وَاضِحِ الْمَسَالِكِ

العَدَدُ الْمُبْهَمُ: عَدَدٌ يُعَبِّرُ عَنْ مَجْمُوعِ وَحَدَاتٍ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ طَبِيعَةِ هَذِهِ الوَحَدَاتِ ([8]).

 الرائد

مُبْهَمٌ : من الكلام: الغامض الذي لا يعرف له وجه.  من الأمور: الذي لا يدرك.  من الطرق: ما كان خفيا غير واضح.  من الأبواب: ما كان مغلفا.  من الحيطان: ما ليس فيه باب.

 المعجم الوسيط

المُبْهَمُ : ما يَصْعُبُ على الحاسَّة إِدراكهُ إِن كان محسوساً، وعلى الفَهْم إن كان معقولا

المُبْهَمُ من الأَشياء: الخالِص الذي لا شِيَة فيه تميِّزه

المُبْهَمُ من الأجْسَام: المُصْمَت

المُبْهَمُ من الظروف: ما ليس له تحْصِره، مثل: فوق، وتحت، وأمام، وخلف: أي لا يوجد مظاف إلى الظرف.  ظرف غير مبهم كقولك: الكتاب فوق الطاولة.

معجم الفروق اللغوية

الفرق بين العام والمبهم:  أن العام يشتمل على أشياء والمبهم يتناول واحد الاشياء لكن غير معين الذات فقولنا شيء مبهم وقولنا الاشياء عام.

صفة الغموض "حَلقةٍ مُبهمةٍ"؛ والتي يبيّنها الحديث الشريف في العبارة: (ولو أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلقةً مُبْهَمَةً؛ قصَمَتْهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ) تعكس كون الأرضين السبع مادة مظلمة باردة.  وعلى قانون الزّوجيّة في الخلق، فقد تكون السَّمواتُ السَّبعُ مادة مظلمة حارّة ، وبناء السماء يتوسع بسرعة قريبة من سرعة الضوء؛ تحقيقاً لصفة المادة المظلمة الحارّة.

(قصَمَتْهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ): تُفهم في سياق الآية الكريمة: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء 30].  حالُ السَّمواتِ السَّبعِ والأرَضينَ السَّبع في الدّنيا فتق وبسط ؛ بعد أن كانتا رتقاً عند بداية الخلق .

الفرع الثاني: الرّصد على أطوال موجيّة متعدّدة (Multiwavelength Observations )

لم تجد مركبة الفضاء IRAS داخل مجرّتنا وفرة للمصادر الخافتة بصريّاً واللامعة عند التردّدات الموجيّة تحت الحمراء (Infra-Red).  يشير ذلك إلى أنّ المادّة المظلمة ليس لها تفسير تقليدي .  إنّ الرّصد لأشعّة x، يشير إلى قلّة نسبة المادّة الحارّة الّتي تتخلّل الحيّز ما بين نجوم مجرّتنا بالمقارنة مع كتلة المادّة اللاّمعة (Luminous) المتواجدة في نجوم المجرّة.  وتمتاز النّجوم ذات الإشعاع فوق البنفسجي (UV) بقلّة النّسبة بين كتلتها ولمعانها، وبالتالي فهي لا يمكن أن تعطي تفسيراً للمادّة المظلمة . وبالتالي فإنّ الأرصاد الفلكيّة تؤكّد أنّ المادّة الباريونيّة (Baryonic Matter) على نطاق درجات الحرارة عشرة مليون كلفن إلى ثلاثة كلفن لا تشكّل إلاّ جزءاً يسيراً من المادّة الكونية (شكل).

الفرع الثالث : العناقيد المجرية (Clusters of Galaxies)

تنتمي معظم المجرّات إلى عناقيد مجرية تنجذب فيها المجرات لتحوي قرابة 1000-100 مجرة.  يمكن حساب النسبة بين الكتلة  Mوالضيائية  L (Luminosity) لهذه العناقيد؛ وذلك على افتراض تجمّعها بفعل قوة الجاذبية (Gravitational Force).  ويمكن استخدام طريقة حساب الكتلة لنظام نجمي ثنائي (Binary System) من أجل إيجاد حساب تقريبي لكتل نظام عنقودي ثنائي، وبالتالي معرفة النّسبة بين كتلته وضيائيّته.  يمكن كذلك إيجاد تشتّت السرعة (Velocity Dispersion) بواسطة نظريّة فيريل (Virial Theorem) ([9]).  وبالتالي يمكن حساب النسبة بين الكتلة والضّيائيّة للمجرَّات الإهليجيّة (elliptical galaxies).  لقد تبيّن أنّ النّسبة بين الكتلة والضيائية تتزايد مع تزايد المساحة الّتي يغطّيها العنقود المجري (6, 13).  هذا وقد كشفت الأرصاد الكونيّة عن عناقيد مجرية على شكل شرائح ضخمة بامتداد (300-100) مليون سنة ضوئية (شكل،  شكل) (14).  وللمزيد أنظر مجموعة الأشكال (الأشكال) .إنّ هذا مؤشّر على أن ّالمادّة الكونيّة المظلمة تتوزّع فتقاً وعلى مساحات كونيّة شاسعة كي تحقّق الاجتماع الجاذبي للعناقيد المجرّيّة الضّخمة (Gravitationally bound clusters) (4-10).

Description: Description: ANd9GcT_zFDAZbgwt3AutZDvZQhV2-yNYD0-m3CWQEshvIDz_v3HpyMG

 

https://newscenter.lbl.gov/wp-content/uploads/sites/2/2011/04/1-clean-624x376.jpg

المطلب الثاني: الأرضون السّبع في النّصوص الشّرعيّة

الفرع الأوّل: معاني الأرض (معاني الأرض)

1) الكرة الأرضيّة: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ) (طه 53).

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الزخرف 10 )

2) اليابسة من الكرة الأرضيّة: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) (سورة الحج آية 63).

3) الأرض بمعنى الجنّة: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر 74-73).  أي إذا دخلوا الجنّة قالوا (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ).  (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ) أي أرض الجنّة. قيل : إنّهم ورثوا الأرض الّتي كانت تكون لأهل النّار لو كانوا مؤمنين؛ قاله أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسّدي وأكثر المفسِّرين وقيل: إنّها أرض الدّنيا على التقديم والتأخير (القرطبي م 8 ج 15 ص 186).  والأول هو الصحيح بدليل الحديث: (ما منكم من أحدٍ إلا له منزلانِ ، منزلٌ في الجنةِ ، ومنزلٌ في النارِ ، فإذا مات ، فدخل النارَ ، ورث أهلُ الجنةِ منزلَه ، فذلك قولُه تعالى : {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ{) ([10])

4) القطعة من الأرض

قطعة من الأرض (بلد، أو منطقة): (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) (يوسف آية 9).  إِمَّا بِأَنْ تَقْتُلُوهُ أَوْ تُلْقُوهُ فِي أَرْض مِنْ الْأَرَاضِي (ابن كثير).

(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (المائدة 21).  ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَحْرِيض مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِبَنِي إِسْرَائِيل عَلَى الْجِهَاد وَالدُّخُول إِلَى الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ.

عن ابن عباس في قوله: ( ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) قال: هي الطور وما حوله. وكذا قال مجاهد وغير واحد .

يقول الطبري: وعنى بقوله: " المقدسة " المطهرة المباركة، عن مجاهد: " الأرض المقدسة "، قال: المباركة.  قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: هي الأرض المقدّسة، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تُدرك حقيقةُ صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به. غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسِّير والعلماء بالأخبار على ذلك.

5) جهة السّفل في مقابل السّماء بمعنى العلوّ

- (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة 29].  على اعتبار أنّ (جميعاً) حال من (مَا).

6) الجزء السّفلي من أي بناء

7) الأرضون السّبع

أمّا الآية الّتي بيّنت أنّ الأرضين سبع فهي قوله سبحانه وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق 12].  قرأ الجمهور (مثلهنّ) بالنّصب عطفاً على (سبع سموات) أو على تقدير فعَل: أي وخلق من الأرض مثلهنّ (إيجاز حذف: أي وخلق سبعاً من الأرض) (الشوكاني، محمد بن علي بن محمّد (ت 1250 هـفتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التّفسير، عالم الكتب (بلا تاريخ) ، 5 أجزاء. ج 5، ص 247.).

تُبيّن بعضُ الآيات أنّ الأرضين كانت رتقاً ثم فتقت، وستعود يومَ القيامة إلى حالة الرتق، ومن هذه الآيات:

- (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة 29]. الأرض هنا تعني الأرضون السّبع مجموعة ورتقاً وهي تمثّل الجزء السفلي من الكون في بداية خلقه.  ويؤكده الزّمخشري: "فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحّة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السّفليّة دون الغبراء (الكرة الأرضيّة) كما تذكر السّماء وتراد الجهات العلويّة جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السّفليّة (الزمخشري م 1، ص 270.)".  وهو عين ما قاله كثيرٌ من أئمّة التّفسير:(النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد القمّي (ت 728 هج)، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، تحقيق زكريا عميرات، دار الكتب العلميّة (بيروت 1416 هـ- 1996 م).  ج 1، ص 210. ؛ العمادي، أبي السعود محمد بن محمد، تفسير أبي السعود إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم. ج 1 ، ص 78.؛ البيضاوي، ناصر الدين الشيرازي، أنوار التنـزيل وأسرار التأويل. ج 1، ص 273.).

- (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر 67].  الْأَرْضُ هنا تعني الأرضون السّبع، حيث ستعود يوم القيامة مجموعة ورتقاً.   بدأت الأرضون السّبع قبضاً، ثمّ فتقها الخالق سبحانه وتعالى سبعاً (حالة فتق الأرضين تبيّنها مجموعة الأشكال): (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء 30].  حالُ السَّمواتِ السَّبعِ والأرَضينَ السَّبع في الدّنيا فتق وبسط ؛ بعد أن كانتا رتقاً عند بداية الخلق .  هذا وستعود يوم القيامة إلى حالة القبض ([11]).  وهناك أحاديث يردُ فيها ذكر الأرضين بصيغة الجمع لا المفرد.  وهذه تبيّنُ تغيّر حالة الأرضين بين القبض يوم القيامة والبسط الآن:

عن عبدالله بن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فقال يا محمّد إنّا نجدُ أنّ الله يجعلُ السّموات على إصبعٍ والأرضين على إصبعٍ والشّجر على إصبع والماءَ والثّرى على إصبعٍ وسائر الخلق على إصبع فيقول أنا الملك فضحك النّبيُّ – صلّى الله عليه وسلم – حتى بدت نواجذهُ تصديقاً لقول الحبر ثمّ قرأ رسولُ الله – صلّى الله عليه وسلم – (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر 67].  وقد خُرّجَ الحديث في عددٍ من مصادر السُّنّة:

- صحيح البخاري، كتاب التوحيد، الأحاديث رقم: 6864، 6865، 6959.

- صحيح البخاري، كتاب التفسير، حديث رقم: 4437.

- رواه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنّة والنّار، حديث رقم 2149 ، 4996 ، 4992، 4993.

- التّرمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث رقم 3162.

- أحمد، مسند المكثرين من الصّحابة، الأحاديث رقم: 3409، 3878، 4138.

الظاهر أنّ العبارة (تصديقا لقول الحبر) هي من كلام الرّاوي. والدليل هو أنّ الآية التي قرأها الرسول: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) كانت ردّا على قول الحبر، وتبيّن صورة مختلفة، وأكّدت أنّ اليهود لم يقدروا اللّه حقّ قدره، وهي تنزّه اللّه عن شرك اليهود (ملحق).

وممّا يؤكد أنّ قراءة الرسول للآية: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) كان ردّا على قول الحبر الآتي:

العبارة (والجبالَ والشَّجرَ على أصبعٍ) لا تتفق مع آيات دكّ الجبال وتسييرها :-

- (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) (طه 105)

- (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) (الطور 10-9).  وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا : أَيْ تَذْهَب فَتَصِير هَبَاء مُنْبَثًّا وَتُنْسَف نَسْفًا (ابن كثير).

العبارة (وسائرَ الخلائقِ على إصبَعٍ) لا تتفق مع الحديث الصحيح الذي بيّن أنّ الناس يومئذ على جسر جهنم :

(قالَ ابنُ عبَّاسٍ: أتَدري ما سَعةُ جهنَّمَ ؟ قلتُ : لا : قال : أجَلْ واللَّهِ ما تدري ، حدَّثتني عائشةُ ، أنَّها سألتْ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ عن قولِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ قالَت : قلتُ فأينَ النَّاسُ يومَئذٍ ؟ ، قالَ : على جسرِ جَهَنَّمَ) ([12])

وهنالك عدّة أحاديث تحدّد عدد الأرضين بسبع، ومنها:

الذي يغتصب جزءاً من أرض جاره يجعل له هذا الجزء طوقاً في عنقه يوم القيامة؛ ويكون اغتصابه للأرض سبباً لأن يُخسف به إلى أسفل الأرضين السبع؛ الأحاديث:

(عَنْ أبِي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ، وكَانَتْ، بيْنَهُ وبيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ في أرْضٍ، فَدَخَلَ علَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذلكَ، فَقالَتْ: يا أبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأرْضَ، فإنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: مَن ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ.) ([13])

(أنَّه دخَلَ على عائِشةَ وهو يُخاصِمُ في دارٍ، فقالَتْ عائِشةُ: يا أبا سَلَمةَ، اجْتَنِبِ الأرضَ؛ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: مَن ظلَمَ شِبرًا مِنَ الأرضِ طُوِّقَه يَومَ القيامةِ مِن سَبعِ أرَضينَ.) ([14])

(أنَّ أَبَا سَلَمَةَ، حَدَّثَهُ، وَكانَ بيْنَهُ وبيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ في أَرْضٍ، وَأنَّهُ دَخَلَ علَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ ذلكَ لَهَا، فَقالَتْ: يا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الأرْضَ، فإنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: مَن ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأرْضِ، طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أَرَضِينَ.) ([15])

(طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ): تجعل له الأرضُ التي ظلمها طوقا في عنقه، أو يُخسف به إلى أسفل الأرضين السبع.  كما يؤكد الحديث :

(من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقِّه خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين) ([16]).

وقبل أن ينبري الباحث لدراسة الآيات الكونيّة، لا بدّ له من التمييز بين معاني الأرض.

الفرع الثاني: الأرضون السّبع في الآيات القرآنيّة

أمّا الآية الّتي بيّنت أنّ الأرضين سبع فهي قوله سبحانه وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق 12].  قرأ الجمهور (مثلهنّ) بالنّصب عطفاً على (سبع سموات) أو على تقدير فعَل: أي وخلق من الأرض مثلهنّ (إيجاز حذف: أي وخلق سبعاً من الأرض) (15).  وأورد القرطبي في تفسيره الجامع (15): " (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) يعني سبعاً.  واختلف فيهنَّ على قولين (لا بل ثلاثة): الأوّل قول الجمهور: إنّها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السّماء والسّماء (15-23). وقال الضّحاك: أي سبعاً من الأرضين، ولكنّها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السّماوات. والأوّل أصحّ، لأنّ الأخبار دالّة عليه في التّرمذي، والنسائي، وغيرهما...الخ".  وسيبيّن البحث أنّ الرّأي الأوّل أصحّ، وله أحاديث تؤكّده في الصّحيحين.  ويورد القرطبيّ رأيا ثالثاً رواه الكلبيّ الّذي قد نعته علماء الحديث بالكذب. ورواية الكلبيّ هي:"عن أبي صالح عن ابن عبّاس أنها سبع أرضين منبسطة، ليس بعضها فوق بعض، تفرّق بينها البحار، وتظلّ جميعهم السّماء... (16)".  وهذا الرّأي الأخير يردُّه المفسّرون والمحدِّثون (15- 23, 23a )، ولم أستطع العثور عليه.

وقد تكون "ال" في كلمة الأرض جنسيّة. وإذا دخلت على النكرة أريد بها الجنس لا الإفراد .  وحتّى لو كانت الكلمة الدّاخلة عليها جمعاً.  فلو قلنا الرجل أفضل من المرأة أو الرجال أفضل من النساء . فإنّه يراد هنا الجنس بغض النظر عن الأفراد . وبالتالي قد يراد هنا جنس الأرض بغضّ النّظر عن أفرادها المتعدّدة.

الفرع الثالث: حالة الأرضين بين القبض والبسط

بدأت الأرضون السّبع قبضاً، ثمّ فتقها الخالق سبحانه وتعالى سبعاً (حالة فتق الأرضين تبيّنها مجموعة الأشكال).  هذا وستعود يوم القيامة إلى حالة القبض.  وهناك أحاديث يردُ فيها ذكر الأرضين بصيغة الجمع لا المفرد.  وهذه تبيّنُ تغيّر حالة الأرضين إلى القبض يوم القيامة وعندما يَكونُ النَّاسُ علَى الصِّرَاطِ :

(سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عن قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ} [إبراهيم: 48]، فأيْنَ يَكونُ النَّاسُ يَومَئذٍ يا رَسُولَ اللهِ؟ فَقالَ: علَى الصِّرَاطِ.) (الراوي: عائشة أم المؤمنين ، المحدث : مسلم ، المصدر : صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم : 2791 ، أحاديث مشابهة ، خلاصة حكم المحدث : ]صحيح[ )

(قالَ ابنُ عبَّاسٍ أتَدري ما سَعةُ جهنَّمَ ؟ قلتُ : لا ، قالَ : أجَل واللَّهِ ما تدري أنَّ بينَ شَحمةِ أُذنِ أحدِهِم وبينَ عاتقِهِ مَسيرةَ سبعينَ خَريفًا تَجري فيها أوْديةُ القَيحِ والدَّمِ قلتُ أنهارًا قالَ لا بلْ أوْديةً ثمَّ قالَ أتدرونَ ما سَعةُ جهنَّمَ قلتُ لا قالَ أجَل واللَّهِ ما تَدري حدَّثتني عائشةُ أنَّها سألَت رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ عن قولِهِ وَالْأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ فأينَ النَّاسُ يومئذٍ يا رسولَ اللَّهِ قالَ هم علَى جِسرِ جهنَّمَ) ([17])

عن عبيدالله بن مقْسم أنّه نظر إلى عبدالله بن عمر كيف يحْكِي رسولَ الله – صلّى الله عليه وسلم – قال: (يأخذُ الله عزّ وجلّ سمواته وأرضيه بيديْه فيقولُ: أنا الله – ويقبضُ أصابعهُ ويبسُطها- أنا الملكُ) حتى نظرتُ إلى المنبر يتحرّكُ من أسفل شيءٍ منه حتى إنّي لأقولُ: أساقطٌ هو برسول الله – صلّى الله عليه وسلم –؟ (24).

عن عبيدالله بن مقسم عن عبدالله بن عمر قال رأيت رسولَ الله – صلّى الله عليه وسلم – على المنبر وهو يقول: يأخذُ الجبّارُ عزّ وجلّ سمواته وأرضيه بيديْه ثمّ ذكر نحو حديث يعقوب (25).

وعوداً إلى الحديث الشّريف (24).  فقد ورد في شرح صحيح مسلم للإمام النّووي مختصراً لكلام المازري (25a ): "المراد بقوله يقبض أصابعه ويبسطها النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم -، ولهذا قال أنَّ ابن مقْسم نظر إلى عبدالله بن عمر كيف يحْكِي رسولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - ...  قال القاضي: وفي هذا الحديث ثلاثة ألفاظ يقبض ويطوي ويأخذ، كلّه بمعنى الجمع لأنَّ السّموات مبسوطة والأرضين مدحوّة وممدودة ثمّ يرجع ذلك إلى معنى الرّفع والإزالة وتبديل الأرض غير الأرض والسّموات فعاد كلّه إلى ضمِّ بعضها إلى بعضٍ ورفعها وتبديلها بغيرها.  قال: وقبض النَّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم- أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها (في الآخرة) بعد بسطها، وحكاية للمبسوط (في الدّنيا) المقبوض (في الآخرة) وهو السّموات والأرضون، لا إشارة إلى القبض والبسط الّذي هو صفة القابض والباسط سبحانه وتعالى".

وعن عبدالله بن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - فقال يا محمّد إنّا نجدُ أنّ الله يجعلُ السّموات على إصبعٍ والأرضين على إصبعٍ والشّجر على إصبع والماءَ والثّرى على إصبعٍ وسائر الخلق على إصبع فيقول أنا الملك فضحك النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذهُ تصديقاً لقول الحبر ثمّ قرأ رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر 67].  وقد خُرّجَ الحديث في عددٍ من مصادر السُّنّة (27- 31).  يؤكّدُ الحديثُ أنّ الأرضين غير الثّرى؛ حيث أنّ الثرى هو التراب.  ويتبيّن ذلك من كون الأرضين على إصبع والثرى على إصبع.  وسبق التأكيد على أنّ العبارة (تصديقا لقول الحبر) هي من كلام الرّاوي. والدليل هو أنّ الآية التي قرأها الرسول: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) كانت ردّا على قول الحبر، وتبيّن صورة مختلفة ، وأكّدت أنّ اليهود لم يقدروا اللّه حقّ قدره، وهي تنزّه اللّه عن شرك اليهود (ملحق).

تبيّن الآية الكريمة (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر 67] ما أكّدته الأحاديث السّابقة من أنّ حال الأرضين يوم القيامة هو القبض والطّيُّ، والمراد بالأرض الأرضون السّبع (32-39).  وأنَّ حالة القبض هذه لا تعود إلا يوم القيامة.  أمّا حالهنّ في الدّنيا ففتق وبسط (41)؛ بعد أن كانتا رتقاً عند بداية الخلق (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء 30].  حالة فتق الأرضين تبيّنها مجموعة الأشكال.

وتؤكّد الآيات والأحاديث أنَّ حالة الأرضين قبضٌ في بداية الخلق، وأمّا الآن فهنَّ بسط وفتق، ومن هذه النّصوص:

يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة 29].  في اللّحظة الّتي تلت الانفجار بدأ فتقُ الأرض (الأرض بمعنى جهة السُّفل وما فيها من إشعاع ودقائق أوّلية للمادة؛ أو الأرضين السّبع) (42). ويراد بجهة السّفل الاتّجاه نحو مركز الكون، ويُقصدُ بجهة العلوّ الاتّجاه نحو السّماء (40).  فإنّ كلمة (جَمِيعًا) في الآية قد تُعتبر حالاً من الأرض (بمعنى المادة المظلمة).  ويدلُّ على ذلك قوله جلّ وعلا: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء 30].  (رتقاً) أي كان الجميع متّصلاً بعضه ببعض متلاصقاً متراكماً بعضُه فوق بعضٍ في ابتداء الأمر (43-46).

وأقول: إنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً في بداية خلقهما، ثمّ فتقت السّماء الدّخانيّة في مستويات مختلفة للطاقة، لتُشكّلَ أصلاً لخلق طبقات البناء السّماوي (43، 47)، كما أنّ الأرض (المادة المظلمة الباردة) فتقت سبعاً (47، 48).  إذن ليس هنالك ما يمنع أن تكون كلمة (جَمِيعًا) حالاً من الأرض، بل لعلّها كذلك.  وإنّ كلمة (جَمِيعًا) في الآية قد تُعتبر حالاً من مَا ؛ وعندها يكون الخلق الّذي تتحدّث عنه الآيةُ: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) هو خلقُ الله - سبحانه وتعالى - وإيجاده للمادّة الأوّليّة في الأرض (بمعنى جهة السُّفل؛ أو في الأرضين) عندما كانت الأرضُ رتقاً، وهذه المادّةُ من الدقائق الأولية والإشعاع ضروريّة لمراحل الخلق الّتي جاءت متأخّرة.  لقد أصبح الكون منفذاً للإشعاع بعد بداية تخلّقه بحوالي 0.38 مليون سنة (الشكل).

وأخال الزّمخشري في تفسيره الكشّاف لا يخالف هذا لقوله: "فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحّة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السّفليّة دون الغبراء (49) كما تذكر السّماء وتراد الجهات العلويّة جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السّفليّة (50)".  وهو عين ما قاله كثيرٌ من أئمّة التّفسير: النيسابوري، والعمادي والبيضاوي (51-53).

يقول سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة 29].  تشير الآية إلى أنّ حال الأرضين عند بداية خلقهنّ هو القبض والرّتق في جهة السّفل.  وهو ما تشير إليه الآية: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء 30].  أي كان الجميع متّصلاً بعضه ببعض في ابتداء الأمر، ثمَّ فتقت السّماوات سبعاً، كما فتقت الأرضُ سبعاً (حالة فتق الأرضين تبيّنها مجموعة الأشكال).  هذا وسيعود الكون يوم القيامة إلى حالة الرّتق والقبض.

يتّضح من الأحاديث أنَّ الأرضين سبعٌ. ويتّضحُ أنّ عاقبة ظلم الأرض - أخذها بغير وجه حقّ - الخسف بمرتكبه يوم القيامة إلى الأرضين الّتي هي سبع ؛ ودليله الحديث الشريف: روى البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال النّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ - (مَن أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شيئًا بغيرِ حَقِّهِ خُسِفَ به يَومَ القِيَامَةِ إلى سَبْعِ أَرَضِينَ) (54، [18]).  الأرضون هذه حالها القبض بيد الجبار بعد الحساب يوم القيامة والناس على جسر جهنّم؛ كما يبيّن الحديث:

(قالَ ابنُ عبَّاسٍ أتَدري ما سَعةُ جهنَّمَ ؟ قلتُ : لا ، قالَ : أجَل واللَّهِ ما تدري أنَّ بينَ شَحمةِ أُذنِ أحدِهِم وبينَ عاتقِهِ مَسيرةَ سبعينَ خَريفًا تَجري فيها أوْديةُ القَيحِ والدَّمِ قلتُ أنهارًا قالَ لا بلْ أوْديةً ثمَّ قالَ أتدرونَ ما سَعةُ جهنَّمَ قلتُ لا قالَ أجَل واللَّهِ ما تَدري حدَّثتني عائشةُ أنَّها سألَت رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ عن قولِهِ وَالْأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ فأينَ النَّاسُ يومئذٍ يا رسولَ اللَّهِ قالَ هم علَى جِسرِ جهنَّمَ) ([19]) .

أي: إنَّ اللهَ سُبحانَه وتَعالى يَقبِضُ الأرَضينَ السَّبْعَ بكُلِّ أجزائِها وطبَقاتِها، وكذلك يَقبِضُ السَّمَواتِ في قَبضةِ يَدِه اليُمْنى، وكِلْتا يَدَيْه يَمينٌ سُبحانَه وتَعالى، ولهما صِفةُ الكَمالِ على ما يَلِيقُ بالربِّ الجليلِ سُبحانَه، ولا تُمثَّلُ صِفاتُه بصِفاتِ خَلْقِه؛ فليسَ كمِثْلِه شيءٌ، ولا يَعلَمُ كيفيَّتَها إلَّا هو سُبحانَه، فتعَجَّبَتْ عائِشةُ رضِيَ اللهُ عنها، وسأَلتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "فأين الناسُ يومَئذٍ يا رسولَ اللهِ؟ قال: همْ على جِسْرِ جهنَّمَ " وهُو الصِّراطُ الذي يُنصَبُ على ظَهْرِ "جَهَنَّمَ"، والمعنى: يَكونون واقِفينَ على الصِّراطِ، وهذا بَيانٌ لِمَدى سَعَةِ النَّارِ؛ حيثُ اجتمَعَتْ تلكَ الخلائقُ كلُّها على جِسْرٍ جهنَّمَ.

وكذلك روايات أحاديث قبض الأرض الّتي سبقت الإشارة إليها (24, 25, 27-31).

الفرع الرابع: الأرضون سبع

هناك أحاديث تحدّد عدد الأرضين بسبع، ومن هذه الأحاديث:

•روى الشّيخان عن ‏مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ‏أَنَّ ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏حَدَّثَهُ ‏أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فَذَكَرَ ‏لِعَائِشَةَ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏فَقَالَتْ ‏يَا ‏أَبَا سَلَمَةَ ‏اجْتَنِبْ الْأَرْضَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ (‏مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) (55-63).  وفي مسند أحمد: (‏ ‏مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ‏طُوِّقَهُ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ) (64).

•و‏عَنْ ‏مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ‏عَنْ ‏سَالِمٍ ‏عَنْ ‏أَبِيهِ ‏قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (‏مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ) (65، 55).

•وفي مسند أحمد (‏ ‏مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا خُسِفَ بِهِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ) (66).

وفي الصّحيحين عَنْ  ‏سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - يقول: (‏ ‏مَنْ ظَلَمَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا ‏طُوِّقَهُ ‏مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) ( [20] ، 55).  (‏ ‏مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) ( [21] ، 56).

•و‏عَنْه (‏ ‏مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا ‏طُوِّقَهُ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ ‏قَالَ ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) ( [22] ،58 ).

•و‏عَنْه ( ‏مَنْ ظَلَمَ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) (62).

•و‏عَنْه (وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا ‏طُوِّقَهُ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) (63 ).

‏عَنْ ‏أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ‏قَالَ ‏: ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ ‏الْغُلُولِ‏ ‏عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذِرَاعٌ مِنْ أَرْضٍ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ‏ ‏أَوْ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ ‏لِلدَّارِ فَيَقْتَسِمَانِ فَيَسْرِقُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ فَيُطَوَّقُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ) (60،61 ، [23]).

(مَن قُتِلَ دونَ مالِهِ، فهو شَهيدٌ، ومَن ظلَمَ مِنَ الأرضِ شِبرًا، طُوِّقَهُ مِن سَبعِ أرَضينَ.) ([24])

- وفي رواية ضعيفة؛ ‏عَنْ ‏يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ ‏قَالَ: ‏سَمِعْتُ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ: (أيُّما رَجلٍ ظلَمَ شِبرًا منَ الأرضِ، كلَّفَه اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ يَحفِرَه حتى يبلُغَ آخِرَ سَبعِ أرَضينَ، ثُم يُطوَّقُه إلى يومِ القيامةِ، حتى يُقْضى بينَ النَّاسِ.) (الراوي: يعلى بن مرة الثقفي ، المحدث: شعيب الأرناؤوط ، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 17571 ، خلاصة حكم المحدث: إسناده ضعيف.  التخريج: أخرجه أحمد (17571) واللفظ له، وعبد بن حميد (407)، وابن حبان  (5164))

و من أجل تحديد ماهيّة الأرضين السّبع، فإنّني سأتطرّق هنا لمناقشة حديث الغلول، وحديث الرّوح.  إنّها ولا شكّ ستسهم في فهم أحاديث الرّسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - السّابقة والّتي تتحدّث عن ظلم الأرض، وتصفه أنَّه (‏أَعْظَمُ‏ ‏الْغُلُولِ).

المطلب الثالث: حديث الغلول وحديث الرّوح

الفرع الأوّل: الغلول

(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [آل عمران  161-162].

وَنَزَلَتْ لَمَّا فُقِدَتْ قَطِيفَة حَمْرَاء يَوْم أُحُد فَقَالَ بَعْض النَّاس : لَعَلَّ النَّبِيّ أَخَذَهَا "وَمَا كَانَ" وَمَا يَنْبَغِي، "لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلّ" يَخُون فِي الْغَنِيمَة فَلَا تَظُنُّوا بِهِ ذَلِكَ وَفِي قِرَاءَة بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَنْ يُنْسَب إلَى الْغُلُول "وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْم الْقِيَامَة" حَامِلًا لَهُ عَلَى عُنُقه "ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْس" الْغَالّ وَغَيْره جَزَاء "مَا كَسَبَتْ" عَمِلَتْ "وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" شَيْئًا.

- ‏عَنْ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏‏قَالَ: ‏قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فَذَكَرَ ‏الْغُلُولَ ‏فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ قَالَ لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ‏ثُغَاءٌ ‏عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ ‏حَمْحَمَةٌ ‏يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ ‏رُغَاءٌ ‏يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ ‏رِقَاعٌ ‏تَخْفِقُ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ ‏وَقَالَ ‏أَيُّوبُ ‏عَنْ ‏أَبِي حَيَّانَ ‏فَرَسٌ لَهُ ‏حَمْحَمَةٌ ‏) (67).

لا ألقينّ: ورد في بعض الرّوايات لا ألفينّ بالفاء، أي لاأجدنّ. ثغاء: صوت الشّاة. الحمحمة: صوت أنفاس الفرس عند تقديم العلف له، وهو دون الصّهيل. الرّغاء: صوت البعير.  صامت:الذّهب والفضّة. رقاع تخفق: المراد بها الثّياب.

جاء في شرح موطأ الإمام مالك: "قال النّووي: قال أبو عبيد: الغلول هو الخيانة في المغنم والسّرقة في الغنيمة وكلّ من خان في شيء خفية فقد غلّ (68)."  ووجه الاستدلال بالغلول هو أنّ الآية الكريمة والحديث الشّريف عن الغلول يؤكّدان أنَّ من يغلل شيئاً يأت يوم القيامة يحمله على رقبته: فالّذي يغلل فرساً يحمل على رقبته يوم القيامة فرساً واحداً ولا زيادة.  وبالتالي فإنَّ حديث الغلول يؤكّد أنَّ اللّه سبحانه وتعالى يجازي مقترف السّيّئة بمقدار سيّئته، بينما نعلم أنَّه سبحانه وتعالى يضاعفُ الحسنات وينمّيها لأصحابها.

إعتماداً على ذلك، فإنّ الّذي يظلم قدر شبر من الأرض يحمله (أي الشّبر) على رقبته يوم القيامة ويكون كالطوق في عنقه.  ويقتطع له نفسُ الشّبر الّذي ظلمه من حاضنه الجاذبي، الأرضين السّبع، اللّواتي هنَّ مقبوضات ومجموعات بيد الجبار يوم القيامة.  وممّا يؤكّد صحّة هذا الرّبط بين الغلول وظلم الأرض الحديث الشريف: ‏عَنْ ‏أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ‏قَالَ ‏: ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏أَعْظَمُ ‏الْغُلُولِ ‏عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذِرَاعٌ مِنْ أَرْضٍ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ‏أَوْ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ ‏لِلدَّارِ فَيَقْتَسِمَانِ فَيَسْرِقُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ فَيُطَوَّقُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ) (60،61 ).  إذن الأرضون هنَّ فتقٌ في الدنيا (حالة فتق الأرضين تبيّنها مجموعة الأشكال)، وسيقبضهنّ الجبّار يوم القيامة.

وفيما يلي ألفاظ الحديث الذي يرويه يعلى بن مرة، وهو أقل مرتبة من ناحية السّند من الروايات السابقة :

)- من أخذ أرضًا بغيرِ حقِّها كُلِّف أن يحمِلَ ترابَها إلى المحشرِ) ([25]).

)- من ظلَم من الأرضِ شِبرًا كُلِّف أن يحفِرَه حتَّى يبلُغَ الماءَ ثمَّ يحمِلُه إلى المحشرِ) ([26]).

)- مَن أخذَ منَ الأرضِ شيئًا ظُلمًا، جاءَ يومَ القيامةِ يحملُ ترابَها إلى المَحشَرِ) ([27])

الفرع الثاني: حديث الرّوح وطبقيّةُ الأرضين

- ‏عَنِ ‏الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ‏قَالَ ‏خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ ‏الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا ‏يُلْحَدْ ‏فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ ‏يَنْكُتُ ‏فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ ‏‏أَوْ ثَلَاثًا ‏ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ ‏وَحَنُوطٌ ‏مِنْ ‏حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ‏عَلَيْهِ السَّلَام ‏حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ قَالَ فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ ‏فِي السِّقَاءِ ‏فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ ‏الْحَنُوطِ ‏وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ ‏يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى ‏يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ‏اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ ‏رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ ‏دِينِيَ الْإِسْلَامُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ ‏وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي قَالَ وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ ‏نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ ‏الْمُسُوحُ ‏فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ ‏السَّفُّودُ ‏مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ ‏‏الْمُسُوحِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ ‏جِيفَةٍ ‏وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى ‏يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى‏‏ يَلِجَ ‏‏الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ‏).  ‏فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي ‏سِجِّينٍ ‏فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ‏) [الحج 31].  ‏فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ ‏وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ ‏هَاهْ ‏هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ ‏هَاهْ ‏هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ ‏هَاهْ ‏هَاهْ لَا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا ‏وَسَمُومِهَا ‏وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ ‏وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةَ). ([28]) ‏‏حَدَّثَنَا ‏ابْنُ نُمَيْرٍ ‏حَدَّثَنَا ‏الْأَعْمَشُ ‏حَدَّثَنَا ‏الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو ‏عَنْ ‏أَبِي عُمَرَ زَاذَانَ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ‏قَالَ ‏خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ ‏الْأَنْصَارِ ‏فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا ‏يُلْحَدْ‏ ‏قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏وَجَلَسْنَا مَعَهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فَيَنْتَزِعُهَا تَتَقَطَّعُ مَعَهَا الْعُرُوقُ وَالْعَصَبُ ‏قَالَ ‏أَبِي ‏وَكَذَا قَالَ ‏زَائِدَةُ ‏حَدَّثَنَا ‏مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ‏حَدَّثَنَا ‏زَائِدَةُ ‏حَدَّثَنَا ‏سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا ‏الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو ‏حَدَّثَنَا ‏زَاذَانُ ‏قَالَ قَالَ ‏الْبَرَاءُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ ‏الْأَنْصَارِ ‏فَذَكَرَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ وَتَمَثَّلَ لَهُ رَجُلٌ حَسَنُ الثِّيَابِ حَسَنُ الْوَجْهِ وَقَالَ فِي الْكَافِرِ وَتَمَثَّلَ لَهُ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ (69).

يؤكّدُ حديثُ الرّوح أنّ السّماء بناء مكوّن من سبع طرائق أو طبقات لها أبواب تفتح وتغلق.  ويؤكّد حديثُ الرّوح أنّ الأرض (بمعنى الأرضين السّبع) هي أيضاً تتكوّن من طرائق أو طبقات (حالة فتق الأرضين تبيّنها مجموعة الأشكال).  ويؤكّد أنّ سجّيناً في الأرض السّفلى، وشاهده من حديث الرّوح هو: (فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي ‏سِجِّينٍ ‏فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى). يؤكّد الحديث أنّ الأرضين طباق وهنَّ غيرُ متجاورات، بدليل (اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي ‏سِجِّينٍ ‏فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى).  إذن هناك أرضٌ سفلى وأخرى عليا تتوسّطهما بقيّة الأرضين (الشكل).  ولعلَّ الأرض السّفلى هي الأقرب إلى النّار بدليل (فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا ‏وَسَمُومِهَا).

وجاء في الفتح الرّباني (70) أنَّ: "السجّين فعّيل من السجن وهو الضيق كما يقال فِسِّيق وشِرّيب وخِمِّير وسِكِّير، ونحو ذلك، ولهذا أعظم اللّهُ أمره فقال عزَّ من قائل: (وما أدراك ما سجِّين) أي هو أمرٌ عظيمٌ وسجّين مقيم وعذابٌ أليم، وقد فُسِّر في الحديث بأنّه في الأرض السُّفلى".  ويؤكّد صاحبُ الفتح الرّباني (70) صحّة قول ابن كثير: "والصّحيح أنّ سجّيناً مأخوذ من السّجن وهو الضّيق، فإنَّ المخلوقات كلّ ما تسافل منها ضاق، وكلّ ما تعالى منها اتّسع (الشكلفإنَّ الأفلاك السّبعة (أي السّماوات) كلُّ واحدٍ منها أوسع وأعلى من الّذي دونه، وكذلك الأرضون كلّ واحدةٍ أوسع من الّتي دونها حتّى ينتهي السّفول المطلق والمحلّ الأضيق أي المركز في وسط الأرض السّابعة (السّفلى) (الشكل)".  وفي معرض شرح الآية (أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج 31]، يقول صاحبُ الفتح الرّباني (70): "أي بعيد مهلك لمن هوى وهو ينطبق على ما يفعل بروح الكافر لأنّها ترمى من السّماء إلى ما أعدّه اللّه لها من العذاب والشّقاء، ولذلك استشهد النّبيُّ - صلّى اللّه عليه وسلّم- بالآية". ويقول الطبري: " أو هوت به الريح في مكان سحيق، يعني من بعيد ". ([29]).

ولعلَّ غاية الضّيق في النّار؛ تحت الأرض السّفلى، حيث هنالك مصير الفجّار في النّار الّتي هي أسفل سافلين (71, 72)، كما قال تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) [التين 5]، وكما قال تعالى: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) [الفرقان 13].  ويؤكّد صاحب الفتح الرّباني أنَّ البناء السّماوي يزداد رحابة وسعة كلّما انتقلنا من سماء إلى الّتي تعلوها.

وعند إمعان النّظر في روايات حديث ظلم الأرض، وفي الآيات الكريمات، يتّضح أنَّ الأرضين قد كُنّ رتقاً في بداية الخلق: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة 29وأنَّهنَّ الآن فتقٌ.  حالة فتق الأرضين تبيّنها مجموعة الأشكال، وتؤكدها الآية: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء 30].  هذا وسيرجعن يوم القيامة إلى حالة القبض (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر 67].  وبالتالي فإنَّ الّذي يظلم قدر شبر من الأرض يبعث يوم القيامة يحمله (أي يحمل شبر الأرض) على رقبته ويكون له كالطوق في عنقه (‏مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) (55-63).  ويقتطعُ له نفسُ الشّبر الّذي ظلمه من الأرضين السّبع اللّواتي هنَّ مقبوضات مجموعات بيد الجبّار يوم القيامة (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).  إذن يتأكّد من النّصوص السّابقة مجتمعةً أنَّ الأرضين سبعٌ طباق، وأنّهنَّ الآن فتقٌ تفصل مسافات بين كلّ أرضٍ والأخرى الّتي تليها (الشكل).  فحالُ الأرضين هو كحال السّماوات من حيث أنّهنَّ سبعٌ وطباق: فدليل الطّباق هو (فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي ‏سِجِّينٍ ‏فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى)، ودليله أيضاً: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق 12].  إنَّ المثليّة في الآية (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) هي كما أكّد الجمهور (15): أي وخلق سبعاً من الأرض، ويرى الجمهور أنّها سبع أرضين طباقاً بعضها فوق بعض، بين كلّ أرض وأرض مسافة كما بين السّماء والسّماء (أنظر : شكل ، شكل).

المطلب الرابع: ماهيّة الأرضين السَّبع

الفرع الأوّل: المسافة بين السّماء والأرض العليا

حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنْ عِيسَى بْنِ هِلالٍ الصَّدَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الْجُمْجُمَةِ أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ هِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا) (73، 74).

يؤكِّدُ هذا الحديث الحسن الصحيح المرفوع أنَّ مجرَّتنا قريبة نسبيّاً من البناء السّماوي الأوّل: (لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ جُمْجُمَةٍ أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ). كما ويؤكِّد أنَ طول السِّلسلة من سلاسل جهنّم كبيرٌ جدّا بالمقارنة مع البعد بين كرتنا الأرضيّة والبناء السّماوي الأوّل: (وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا) (43).

الفرع الثاني: الأرضون السّبع غير الكرة الأرضيّة

يتبيّن جليّاً من خلال بحثي: إنزال الحديد ومدّ الكرة الأرضيّة أنَّ الكرة الأرضيّة لا علاقة لها بالأرضين السّبع.  الأرضون السّبع والسّموات السّبع خلقت في البداية، أمّا الكرة الأرضيّة ومجموعتنا الشّمسيّة فخلقهما متأخّرٌ جدّاً ، وهذا ما أكّدهٌ المفسِّرون (75-78).  يؤكّد القرآن وعلم الكون وكذلك بعض كتب التفسير أنَّ خلق المجموعة الشمسيّة وخلق الكرة الأرضيّة متأخّرٌ عن خلق السّماوات والأرضين، بل إنَّ خلقهما متأخّرٌ عن خلق مجرّتنا كما يؤكّد العلماء، بل هو يتطلّب إنفجار السوبرنوفا (بحثي: مدّ الأرض ، و إنزال الحديد (78-a)).  ودليل تأخُّر خلق الشّمس هو (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) [النّازعات 27-30].  وبعد انقضاء الأيّام السّتة الخاصّة بخلق السّماوات السّبع والأرضين السّبع (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) ، تمدّدت السّماء ( رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) وتوسّع الكون فتبرَّد وجانب حالة الاتّزان الحراري الثيرموديناميكي (79) فأظلم (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا) (80).  ومن بعد (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) أي بنور النجوم ومن بعد الشّمس، ومن ثمّ تبعه (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) (أنظر بحث مدّ الأرض).

لذا يرفض بعضُ المفسِّرين وبشدّة القول بأنَّ الأرضين السّبع هي في كرتنا الأرضيّة.  ففي معرض تفسير الآية : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [البقرة 29] يقول الزّمخشري في تفسيره الكشّاف "فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحّة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السّفليّة دون الغبراء -الكرة الأرضيّة- (81) كما تذكر السّماء وتراد الجهات العلويّة جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السّفليّة (82)".  وهو عين ما قاله كثيرٌ من أئمّة التّفسير (83-85).  ولقد عقّب الألوسي (17)