تعدد الأكوان وتعاقبها في الزمان في ضوء القرءان

Multiverse and their Succession in Time Might be Inferred from Glorius QURAAN

 

 

 

جمع وترتيب

 

أ.د. حسين يوسف العمري

Hussain Yousef Omari

قسم الفيزياء / جامعة مؤتة / الأردن

rashed@mutah.edu.jo

 

 

 


الملخص

الجنّة أو النّار لا يدخلها أحدٌ دخولا تاما إلا بعد حساب الآخرة . ولكن قد تدخل بعض الأرواح الجنة، فيصيبها بعض نعيمها ، كما قد تُعرض بعض الأرواح على النار ، فيصيبها من حرّها وعذابها . ليلة المعراج رأى الرسولُ أناساً في النّار. وهذه الرؤية تغاير رؤية نسم (أرواح) أهل الجنة عن يمين آدم -عليه السلام- ونسم أهل النّار عن شمال آدم. هل هؤلاء من كون سابق، مما يشير إلى دوريّة الأكوان وتعاقبها في الزّمان؟ ولعلّ دوريّة الأكوان من مقتضى دلالة أسماء الله الحسنى؛ والتي تعلو على الزمن؛ وليس عملُ أسماء الله أو فعلها محدوداً بزمن دورة كونية واحدة: ألله هو الربُّ الخالق قبل أن يخلق هذا الكون وما فيه من خلائق، الله هو المعبود قبل أن يخلق عباده في كوننا الحالي، الله هو الربُّ الرّزاق قبل أن يخلق الأرزاق في هذا الكون الفسيح. الله هو الخالق الواحد الأحد الفرد الصمد، وما عداه فهو مخلوق، والخلق أزواج تتكرّر ولا تتفرّد . من أسمائه سبحانه: المُبْدِئُ المُعِيدُ. ومن وصفاته أو أفعاله: يحيي ويميت .

فهل يستنبط من ذلك تعاقب الأكوان على الزمان كما تتعدّد عبر فضاء المكان في الزمن الحالي (الأكوان المتوازية)؟ هل يوم القيامة حدث يفصل بين كونين متعاقبين في الزمان؟ وهل هذا من بعض دلالات الآية الكريمة: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء 104). هل يوم القيامة حدثٌ يفصل بين نهاية دورة كونية، وبداية دورة أخرى تعقبها في الزّمان: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) (إبراهيم : 48) ؟ وفي تفسير قوله تعالى: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) ، قال الحسن البصري: "تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض .". ولعلّ هذا النص واضحٌ في إشارته لأكوان متعاقبة في الزمن.

وإنّ نهاية الكون أشبه ببدايته: في البدايات كان الكون في الحالة الدّخانيّة، وسيعود إلى الحالة الدّخانيّة عند حدوث الانقلابات الكونية يوم القيامة . كانت الأمواج الصوتيّة تغمر الكون وهو في الحالة الدّخانيّة، ويوم القيامة يكون النفخ في الصور.

ستعود السماوات السبع و الأرضون السبع إلى حالة القبض التي كانت عليها عند بدء الخلق: حالة الرّتق كانت تسود الكون ابتداءً، ويوم القيامة يكون طيُّ السماوات وقبض الأرضين .

عودة الكون إلى حالة الظلمة: إنّ الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة (هنالك الحالة الدّخانية - حالة الرتق- ، وكذلك الحقبة الكونية المظلمة). ويوم القيامة يعود الكون إلى حالة الطي والقبض، وهنالك الظلمة على جسر جهنم، وظلمة النار .

 

 


الموضوعات

المبحث الأول: الأكوان

الفرع الأول: أكوان متوازية متمركزة (Parallel concentric universes)

الفرع الثاني: أكوان متوازية ومتجاورة

الفرع الثالث: وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا

المبحث الثاني: مشاهد من النار

الفرع الأول: ففتحت لي أبواب السماء، و رأيت الجنة و النار

الفرع الثاني: رَأَى النبيُّ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِه رِجَالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِضَ مِنْ نَارٍ أو من حديدٍ ، وهم الْخُطَبَاءُ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ

الفرع الثالث: لمَّا عُرِج بالنبي مر بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمِشون وجوهَهم وصدورَهم وهم الَّذين كانوا في الدنيا يأكلون لحومَ النَّاسِ ، ويقعون في أعراضِهم

الفرع الرابع: لَمَّا عَرَجَ النبيُّ نظر في النارِ فإذا قومٌ يأكلون الِجيفَ؛ فأعلمه جبريلُ أن هؤلاء الذين يأكلونَ لحومَ الناسِ

الفرع الخامس: الذين تثاقلَتْ رؤوسُهم عن الصلاةِ المكتوبةِ

الفرع السادس: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ

الفرع السابع: اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ والمساكينَ ، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الأغنياءَ والنِّساءَ يَكْفُرن العشيرَ، ويَكْفُرن الإحسانَ

الفرع الثامن: كيف رأى النبيُّ أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ قبل أن تقوم الساعة؟

المبحث الثالث: مراحل الحساب بعد الموت

المبحث الرابع : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ

الفرع الأول: خلاصة القول في الاستثناء

الفرع الثاني: تفسير الآية (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)

الفرع الثالث: الخلود في جهنم

الفرع الرابع: لابثين فيها أحقابا

الفرع الخامس: وما هم عنها بغائبين

الفرع السادس: الخلود في الجنة

الفرع السابع: الموت (المخلوق) يؤتى به على هيئة كبش

الفرع الثامن: اللانهائي والرياضيات

الفرع التاسع: العرب واللانهائي

الفرع العاشر: معاني كلمة أبداً

المبحث الخامس: هل الكون يتأرجح ويهتز ويعيد نفسه

الفرع الأول: لعلّ تعدد الأكوان وتعاقبها في الزمان من مقتضى دلالة أسماء الله الحسنى

الفرع الثاني: يحيي ويميت

الفرع الثالث: المُبْدِئُ المُعِيدُ

الفرع الرابع: النباتات لها دورات حياة تشهد على البعث بعد الموت

الفرع الخامس: بعض أسماء الله وصفاته

المبحث السادس: نهاية الكون أشبه ببدايته

الحالة الدّخانيّة

الفرع الأوّل: الحالة الدّخانيّة في بدايات تخلّق الكون

الفرع الثاني: الحالة الدّخانيّة قبل يوم القيامة

الأمواج الصوتيّة

الفرع الأوّل: الأمواج الصوتيّة الغامرة والتغاير في إشعاع الخلفيّة الكوني

الفرع الثاني: النفخ في الصور

المبحث السابع : ستعود السماوات السبع و الأرضون السبع إلى حالة القبض التي كانت عليها عند بدء الخلق

الفرع الأوّل: حالة الرّتق التي كان عليها الكون ابتداءً

الفرع الثاني: طيُّ السماوات وقبض الأرضين يوم القيامة

الفرع الثالث: أحاديث تبدّل الأرض

المبحث الثامن: عودة الكون إلى حالة الظلمة

الفرع الأوّل: إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة

الفرع الثاني: يوم الظلمة

الظلمة على جسر جهنم

الظلم ظلمات يوم القيامة

ظلمة النار

المبحث التاسع: هل يعكس مصير الملائكة مصير الكون؟ وهل بعث الملائكة وحياتهم بعد الموت يعكس بعثاً جديدا للكون؟

تتعدّد أصناف الملائكة

حملة العرش

ملائكة الموقف للحساب وملائكة الجنة وخزنة النار

الموقف للحساب

والملك صفّا صفّا

ملائكة الجنة ، وهم خزنة الجنة

خزنة النار

 

 


 

المقدمة

تعدد الأكوان وتعاقبها في الزمان هو من مقتضى دلالة أسماء الله الحسنى. ويؤكده أن الكون يوم القيامة سيعود إلى حالته الأولى من الدخان والرتق ، والظلمة (العتومية). وفيما يتعلق بخلود الكفار في النار؛ يقول ابن كثير : "ويحتمل أن المراد بـ (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ): الجنس؛ لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض ، كما قال تعالى : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) [ إبراهيم : 48 ] ؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله : (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) قال: تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض .". ولعلّ هذا النص واضح في حديثه عن أكوان متعاقبة في الزمن. ويقول القرطبي: " مَا دَامَتْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف ؛ أَيْ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وَالتَّقْدِير : وَقْت ذَلِكَ (تفسير القرطبي). وبالتالي فإنّ زمن مكث الكفار في النار يساوي زمن دورة الكون بسماواته وأرضيه. وأورد القرطبي في تفسيره: (وُقُوع الِاسْتِثْنَاء فِي الزِّيَادَة عَلَى النَّعِيم وَالْعَذَاب ، وَتَقْدِيره : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ زِيَادَة النَّعِيم لِأَهْلِ النَّعِيم ، وَزِيَادَة الْعَذَاب لِأَهْلِ الْجَحِيم . ويقول : فَالِاسْتِثْنَاء فِي الزِّيَادَة مِنْ الْخُلُود عَلَى مُدَّة كَوْن السَّمَاء وَالْأَرْض الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ ، أَيْ خَالِدِينَ فِيهَا مِقْدَار دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض ، وَذَلِكَ مُدَّة الْعَالَم ، وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْض وَقْت يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْله سُبْحَانه : " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض " [ إِبْرَاهِيم : 48 ]). وهذا القول للقرطبي واضح وصريح في الحديث عن أكوان متعاقبة في الزمن. ويتابع القرطبي قوله: (فَخَلَقَ اللَّه سُبْحَانه الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِالْجَنَّةِ ، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْم الْمِيثَاق ، فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْد فَلَهُ الْجَنَّة، وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يَخْلُد فِي النَّار بِمِقْدَارِ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض ؛ فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ؛ وَكَذَلِكَ أَهْل الْجَنَّة خُلُود فِي الْجَنَّة بِمِقْدَارِ ذَلِكَ ؛ فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَة وَقَعَ الْجَمِيع فِي مَشِيئَة اللَّه ؛ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا لَاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ " ( الدُّخَان : 39 ) فَيَخْلُد أَهْل الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامهمَا ، وَهُوَ حَقّ الرُّبُوبِيَّة بِذَلِكَ الْمِقْدَار مِنْ الْعَظَمَة ؛ ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمْ الْأَبَد فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ ؛ فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَاره أَبَدًا، وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْن أَبَدًا ؛ فَأَعْلَمَ اللَّه الْعِبَاد مِقْدَار الْخُلُود ، ثُمَّ قَالَ: " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " ).

الخلود لا يعني مالانهائية (infinity) ، كما في الآية الكريمة: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (الأعراف: 20). ودليله العبارة التالية من موقع الإسلام سؤال وجواب (الشيخ محمد صالح المنجد) ، يقول: "وعلى تسليم الخلود ، فلا يلزم منه عدم الموت ، فإن الشيطان أطمعَ آدمَ إذا أكلَ من الشجرة كي يطول عمره ويبقى فيما هو فيه من النعيم أزمانا طويلة ، كما هو حال الملائكة التي إن ماتت فإن موتها يكون لفترة يسيرة يوم القيامة فقط ، ثم لا تلبث أن تحيا مرة أخرى." ([1]). يقول القرطبي في تفسيره (7/178): " وقيل: طمع آدم في الخلود ؛ لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة " .

المبحث الأول: الأكوان

الفرع الأول: أكوان متوازية متمركزة (Parallel concentric universes)

هذه الأكوان المتوازية والمتمركزة تشير إليها الآيات القرآنية التي توضح أنّ السماوات سبع طباق مسوّاة ([2]). ومن هذه الآيات قوله تعالى:

- (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) 17] المؤمنون[ . والطّرائق هي الطّبقات بعضُها فوق بعض أو وراء بعض. ولمّا كان البناءُ خالياً من الفطور والشُّقوق فإنّهُ لا بُدَّ بناءٌ قويٌّ متماسك.

- (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) 15] نوح[. أي واحدة فوق واحدة.

وهذه الطّبقات السّبعُ مسوّاة، ذكره تعالى في مواضع متعدِّدة :

- (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) 29] سورة البقرة[. إذْ كانت السماء دخاناً، ثمّ سَوَّاهُنَّ سبع سماوات محكمات البناء مستويات السطوح تامات الخلق والتكوين (فَسَوَّاهُنَّ)، رفع بعضهنّ فوق بعض بقدرته .

- (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) 3] الملك[. أي طبقة بعد طبقة ؛ فالبناء محكم ليس فيه فطور.

وفيه أيضاً قوله تعالى:

- (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) 12] فصلت [ .

- (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) 12] الطّلاق [ .

وممّا يؤكّد أنّهنّ سبع ذوات بناء متماسك الآية الكريمة :

- (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) 12] النبأ [. يريد سبع سماوات قويّة الخلق مُحكمة البناء، ولهذا وصفها بالشِّدَّة.

ولعلّه واضحٌ التّأكيد في أكثر من موضعٍ على كون السَمَاوَاتِ سبعاً مستويات متماسكات.

وللمزيد أنظر (بناء السماء والمادة المظلمة دراسة مقارنة بين الفلك والقرآن: عمري)

الفرع الثاني: أكوان متوازية ومتجاورة

The following three figures illustrate the notion of Parallel adjacent universes

توضح الأشكال الثلاثة الآتية مفهوم الأكوان المتوازية والمتجاورة

Description: †تŠجة بحث ا„صˆر ع† €multi universes figures 2018€€

 

Description: صˆرة ذات ص„ة

 

Description: https://supernova.eso.org/static/archives/exhibitionimages/screen/1210_A_header-multiverse-CCfinal.jpg

يستحيل رصد نجوم قيمة انحرافها نحو الأحمر Z تزيد عن ألف، وذلك أنَّ هذا يرجع إلى فترة ما قبل التَّمايز بين الإشعاع والمادّة. لذا فإنّ أضخم التلسكوبات لا ترى إلا ضمن مسافة 13.7 مليار سنة ضوئية؛ بينما قد يزيد قطر الكون عن 250 ضعف قطر الكون المرئي؛ حوالي 7 تريليون سنة ضوئية ([3]).

وللمزيد أنظر المقالة:

5 Reasons We May Live in a Multiverse

https://www.space.com/18811-multiple-universes-5-theories.html

نظام الزوجية في الخلق: هل وجود أكوان متوازية (parallel universes) ، يستدعي وجود أكوان متتالية متعاقبة في الزمن.

الفرع الثالث: وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا

معاني السراج ([4]):

(سِراج: (اسم

الجمع : سُرْج و سُرُج

السِّراج : مصباح زاهر ، كلّ شيء مضيء

سِراجُ : معروف ، والشَّمْسُ ، وعَلَمٌ

وَصَلَ فِي وَهَجِ السِّرَاجِ : فِي وَهَجِ الشَّمْسِ

مصباح زاهر ، كلّ شيء مضيء : } وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا {

سراج النّهار : الشمس ، - سِراج حركة : إشارة السّير الضوئيّة . - فتيلة موقدة .
سراج : شمس .

(أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ) (نوح 15-16 ). (الشّمس سِرَاجًـا): مِصْباحًـا مُضيئا يمحُو الظلام . (فِيهِنَّ) القمر هو في السماء الدنيا وقال فِيهِنَّ لأنّ السماوات طباق: الأولى داخل الثانية، والثانية داخل الثالثة، ... والسماء السادسة داخل السابعة ([5]).

(وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ) (النبإ 13 ). يعني بالسراج: الشمس وقوله: (وَهَّاجًا) يعني: وقادا مضيئا.

يَكْتُبُ في ضَوْءِ سِرَاجٍ : مِصْبَاحُ زَيْتٍ مُكَوَّنٌ مِنْ إنَاءٍ فِي وَسَطِهِ فَتِيلَةٌ تُضِيءُ . فِي السِّرَاجِ مَا تَزَالُ بَقِيَّةٌ مِنَ الزَّيْتِ .

سراج المؤمنين : الهُدى

(تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) (الفرقان 61).

يقول الطبري:

قوله: (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا) اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا) على التوحيد، ووجهوا تأويل ذلك إلى أنه جعل فيها الشمس، وهي السراج التي عني عندهم بقوله: (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا)

كما حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: (وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) قال: السراج: الشمس.

وقرأته عامة قرّاء الكوفيين " وَجَعَلَ فِيها سُرُجا " على الجماع، كأنهم وجهوا تأويله: وجعل فيها نجوما . .. وجعلوا النجوم سرجا إذ كان يهتدى بها.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار، لكل واحدة منهما وجه مفهوم، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. انتهى كلام الطبري.

وأقول: لعلّ القراءة (وَجَعَلَ فِيها سُرُجا) تشير ضمناً إلى تعدّد ما يشبه نظام مجموعتنا الشمسية؛ أي وَجَعَلَ فِيها شموساً. وبالتالي تشير إلى تعدّد ما يشبه كرتنا الأرضية؛ وبالتالي وجود حياة عاقلة لمكلفين في أماكن من هذا الكون ؛ وليس نظامنا الشمسي وكرتنا الأرضية شيئاّ فريداً ليس له نماذج في الكون الواسع.

وأما كلمة مصابيح التي وردت في الآيات وفي معرض الحديث عن زينة السماء؛ فهي تعني النجوم والتي تشاهد (بالعين) ليلا. والنجوم لها تصنيف طيفي (Stellar Spectral classes). وجزء من هذه النجوم يشبه الشمس تماما، وبعضها أكبر وجزء منها أصغر ... .

(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصلت 12)

(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)) (الملك)

المبحث الثاني: مشاهد من النار

الفرع الأول: ففتحت لي أبواب السماء، و رأيت الجنة و النار

(أتيت بالبراق، و هو دابة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فلم نزايل ظهره أنا و جبريل، حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لنا أبواب السماء، و رأيت الجنة و النار ) ([6])

(أتيت بالبراق، و هو دابة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لي أبواب السماء، ورأيت الجنة و النار ) ([7]).

الفرع الثاني: رَأَى النبيُّ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِه رِجَالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِضَ مِنْ نَارٍ أو من حديدٍ ، وهم الْخُطَبَاءُ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ

خُطباءُ من أهلِ الدُّنيا، كانوا يأمُرونَ النَّاسَ بالبِرِّ ويَنسَوْنَ أنفُسَهم

(مرَرْتُ ليلةَ أُسْريَ بي على قومٍ تُقرَضُ شِفاهُهم بمَقاريضَ من نارٍ، قال: قُلتُ: مَن هؤلاء؟ قالوا: خُطباءُ من أهلِ الدُّنيا، ممَّن كانوا يأمُرونَ النَّاسَ بالبِرِّ ويَنسَوْنَ أنفُسَهم، وهم يَتْلونَ الكتابَ، أفلا يَعقِلونَ.) ([8]). (قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَرَرتُ ليلةَ أُسريَ بي على قومٍ تُقرَضُ شِفاهُهم بمَقاريضَ مِن نارٍ، قلتُ: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء خُطباءُ مِن أهلِ الدُّنيا، كانوا يَأمُرونَ النَّاسَ بالبِرِّ، ويَنسَوْنَ أنفُسَهم وهُم يَتلونَ الكِتابَ، أفلا يَعقِلون؟) ([9]) .

أجابَ جِبريلُ عليه السَّلامُ بقَولِه: "هؤلاءِ خُطباءُ من أهلِ الدُّنيا"، وهذه الرواية لم تقصر كونهم من أمة رسول اللهِ محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، وأمة محمّد لم تقم قيامتهم بعد. وفي الحديث تَحذيرٌ وتَرهيبٌ وزْجرٌ شديدٌ للخُطَباءِ وغيرِهم ممَّنْ يَترُكونَ البِرِّ الذي يَأمُرون به غَيرَهم، أو يَأتونَ المُنكَرَ مع نَهيهِم لغيرهم عنه .

خُطباءُ من أمَّتِك، كانوا يأمُرونَ النَّاسَ بالبِرِّ ويَنسَوْنَ أنفُسَهم

أتيتُ على سماءِ الدنيا

(أتيتُ على سماءِ الدنيا ليلةَ أُسرِيَ بي فرأيتُ فيها رجالًا تُقطَّعُ ألسنتُهم وشفاهُهم بمَقاريضَ من نارٍ فقلتُ: يا جبريلُ ما هؤلاءِ ؟ قال: هؤلاءِ خُطباءٌ من أمَّتِك .) ([10]).

هؤلاءِ خُطباءٌ من أمَّتِك : لو كان هؤلاء المعذّبون قد دخلوا النار، لدلّ الحديث صراحةً على أنّ النار في السماء الدنيا؛ وكون النار داخل السماء الدنيا معلومٌ بالضرورة، فهي أسفل الأرض السابعة. لكنّ هذه الصيغة للحديث لم تذكر صراحة أنّهم قد أدخلوا النار، وبالتالي إن لم يكونوا قد دخلوا النار بعد، فهم في حالٍ يأتيهم من حرّ النار وسمومها كما أشار حديث الروح : (... وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ ‏نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ ‏الْمُسُوحُ ‏فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ ‏السَّفُّودُ ‏مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ ‏‏الْمُسُوحِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ ‏جِيفَةٍ ‏وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى ‏يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى ‏‏ يَلِجَ ‏‏ الْجَمَلُ فِي سَمِّ ‏‏ الْخِيَاطِ‏). ‏فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي ‏سِجِّينٍ ‏فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ‏) [الحج 31]. ‏فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ ‏وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ ‏هَاهْ ‏هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ ‏هَاهْ ‏هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ ‏هَاهْ ‏هَاهْ لَا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا ‏وَسَمُومِهَا ‏وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ ‏وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةَ)).

‏فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي ‏سِجِّينٍ ‏فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) . والسماء الدنيا تحيط بالأرضين السبع. ولا شكّ أن هذا هو حالهم (فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ) ، لأنّ أمة محمد لم تقم قيامتهم، ودخولُ أهلِ النارِ النارَ لا يكون إلا بعد قيام الساعة .

(أتيتُ ليلَةَ أُسْرِيَ بي علَى رِجالٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُم بمقاريضَ من نارٍ قلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جبريلُ قال هؤلاءِ خطباءُ أمتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ الناسَ بالبرِّ وينسونَ أَنْفُسَهُمْ وهم يَتْلُونَ الْكِتابَ أفَلَا يعقِلونَ وفي روايةٍ تُقْرَضُ ألسنتُهُمْ بِمقَارِيضَ من نارٍ أوْ قال من حديدٍ وفي روايةٍ أتيتُ على سماءِ الدنيا ليلةَ أُسْرِيَ بي فرأَيْتُ فيها رجالًا تُقْطَعُ ألسنتُهم وشفاهُهم . . . .) ([11])

(رأَيْتُ ليلةَ أُسري بي رجالًا تُقرَضُ شفاهُهم بمقارضَ مِن نارٍ فقُلْتُ: مَن هؤلاء يا جبريلُ ؟ فقال: الخُطَباءُ مِن أمَّتِك يأمُرونَ النَّاسَ بالبِرِّ وينسَوْنَ أنفسَهم وهم يتلونَ الكتابَ أفلا يعقِلونَ) ([12])

(رأيتَ ليلةَ أسري بي رجالا تُقْرَضُ شفاههُم بمقاريضَ من نارٍ ، قلتُ :من هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال: هؤلاءِ خطباءٌ من أمتكَ يأمرونَ الناسَ بالبرِّ ، وينسونَ أنفسهَم وهم يتلونَ الكتابَ أفلا يعقلونَ) ([13])

(لما عُرج بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاسٍ يخمشون وجوهَهم وصدورَهم ! فقلتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال: هؤلاءِ الذين يأكلون لحومَ الناسِ ، ويقَعون في أعراضِهم) ([14])

(لما عَرجَ بي ربِّي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نحاسٍ يخمشونَ وجوهَهم وصدورَهم فقلتُ مَن هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال هؤلاءِ الذين يأكلونَ لحومَ الناسِ ويقعونَ في أعراضِهم) ([15])

(لمَّا عرجَ بي ربِّي عز وجل مررتُ بقومٍ لَهُم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمِشونَ وجوهَهُم وصَدرَهُم، فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جبريلُ قال: هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهِم .) ([16]).

(مررتُ - ليلةَ أُسري بي - بقومٍ تُقرضُ شفاهُهم بمقاريضَ من النارِ ، فقلتُ: يا جبريلُ ! من هؤلاء؟! قال: هؤلاء خطباءُ أمتِك الذين يقولون ما لا يعملون .). إسناده ضعيف لكن له طرق بعضها حسن ([17]).

الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهِم

(لما عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخْمِشون وجوهَهم وصدورَهم ، فقلتُ:من هؤلاء يا جبريلُ؟ قال:هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناسِ ، ويقعون في أعراضِهم.) ([18]).

(لَمَّا عُرِج بي مرَرْتُ بقومٍ لهم أظفارٌ مِن نُحاسٍ يخمِشونَ وجوهَهم وصدورَهم فقُلْتُ مَن هؤلاءِ يا جِبْريلُ قال هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحمَ النَّاسِ ويقَعونَ في أعراضِهم) ([19])

(لمَّا عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لَهم أظفارٌ من نحاسٍ يخمِشونَ وجوهَهم وصدورَهم فقلتُ من هؤلاءِ يا جبريلُ قال الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهِم) ([20])

(لمَّا عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لَهُم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمِشونَ وجوهَهُم وصدورَهُم فقلتُ: يا جبريلُ من هؤلاءِ ؟ قال: هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهِم) ([21])

(لما عرِج بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمشون وجوهَهم وصدورَهم فقلتُ: يا جبريلُ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحومَ الناسِ ويقعون في أعراضِهم.) ([22]).

(لمَّا عُرِج بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمِشون وجوهَهم وصدورَهم ، فقلتُ: من هؤلاء يا جبريلُ ؟ قال: هؤلاء الَّذين يأكلون لحومَ النَّاسِ ، ويقعون في أعراضِهم) ([23]).

(لما عرجَ بي ربِّي مررتُ بقومٍ لَهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمُشونَ وجوهَهم وصدورَهم فقلتُ من هؤلاءِ يا جبريلُ قالَ هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهم) ([24]).

(لمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقومٍ لهُمْ أَظْفَارٌ من نُحاسٍ ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وصُدُورَهُمْ ، فقلتُ: مَنْ هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال: هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لُحُومَ الناسِ ، ويَقَعُونَ في أَعْرَاضِهِمْ .) ([25]).

(لما عَرَجَ بي ربي ؛ مَرَرْتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ، يَخْمِشُونَ وجوهَهم وصدورَهم، فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ ! قال: هؤلاء الذين يأكلونَ لحومَ الناسِ، ويَقَعُونَ في أعراضِهِم .) ([26])

(لما عَرَجَ بي ربي عزَّ وجلَّ مرَرْتُ بقومٍ لهم أظفارٌ مِنْ نُّحَاسٍ ، يَخْمِشونَ وجوهَهم وصدورَههم ، فقلتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال: هؤلاءِ الذين يأكلونَ لحومَ الناسِ ، ويقعونَ في أعراضِهِم) ([27]).

(لَمَّا عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لَهم أظافِرُ من نُحاسٍ يخمِشونَ وجوهَهم وصدورَهم فقلتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قالَ هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهِمْ .) ([28])

(لمَّا عَرجَ بي ربِّي مررتُ بقومٍ لَهُم أظفارٌ من نُحاسٍ ، يَخمُشونَ وجوهَهُم وصدورَهُم . فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال: هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ، ويَقَعونَ في أعراضِهِم .) ([29]).

الإسلامُ دينُ الأخلاقِ الحسَنةِ، وقد أمَرَ بحِفظِ الأعْراضِ مِن أنْ تُنتَهكَ بالقولِ أو الفعلِ؛ لأنَّه ممَّا يورِثُ العَداوةَ والبَغضاءَ بينَ المسلِمينَ، وفي هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم:"لَمَّا عُرِجَ بِي"، أي: لَمَّا صُعِدَ بي إلى السماءِ ليلةَ الإسْراءِ والمعْراجِ، "مرَرتُ بِقومٍ"، وهُم أهل النارِ الذين سيدخلونها يوم القيامة، "لهمْ أظْفارٌ مِن نُحاسٍ يخمِشونَ وجوهَهم وصُدورَهم"، أي:يخدِشُونَ ويمزِّقونَ وجوهَهم وصُدورَهم بأظفارِهم، فقلتُ:"مَن هؤلاءِ يا جِبريلُ؟"، أي:ما الذي فَعلوهُ ليُجازَوْا بهذا العذابِ؟ فقالَ جِبريلُ عليهِ السَّلامُ:"هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لحُومَ الناسِ، ويَقعونَ في أعراضِهم"، أي:كأنَّ الذي يَغتابُ غَيرَه من المسلمينَ كمَن يأكلُ لحمَه، فيتَناولُونَ بالكلامِ في أعراضِهم ولا يَحفظونَهم في غِيبَتِهم، فكانَ جزاؤُه مِن جِنس عمَلِه، فيمزِّقونَ لحمَ أنفُسِهم بأظفارِهم، وقد قال اللهُ تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات:12]، وهذا يدلُّ على أنَّ الوقوعَّ في أعراضِ النَّاسِ وغِيبتَهم مِن الكبائرِ العِظامِ.. وفي الحديثِ: الترهيبُ من الغِيبةِ، والتحذيرُ الشديدُ من الوقوعِ في أعراضِ الناسِ.

على هذا الحال الذي بيّنته طرق هذا الحديث رأى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم القومَ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ يَخْمِشونَ وجوهَهم وصدورَههم. إذا كان الرّسول قد رآهم وهم في النار، فيقتضي ذلك أن يكونوا من أهل دورة كونية سابقة لدورة الكون الحالية، وذلك أنّ دخول النار يكون بعد العرض والحساب يوم القيامة. لكن طرق وروايات هذا الحديث لم تذكر وبشكل صريح أنّ النبيّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قد رآهم وهم في النار.

خطباءُ من أمتِك يأمرونَ الناسَ بالبرِّ وينسَون أنفسَهم

(مررتُ ليلةَ أسريَ بي على ناسٍ تُقرَضُ شفافهم بمقاريضَ من نارٍ، فقلتُ:يا جبريلُ ما هؤلاءِ؟ قالَ:هؤلاءِ الخطباءُ من أمَّتِكَ الَّذينَ يأمرونَ النَّاسَ بالبرِّ وينسونَ أنفسَهُم) ([30]).

(أتَيْتُ ليلةَ أُسْرِي بي على سَماءِ الدُّنيا فإذا فيها رِجالٌ تُقرَضُ ألسنتُهم وشِفاهُهم بمَقاريضَ مِن نارٍ فقُلْتُ يا جِبريلُ مَن هؤلاءِ فقال هؤلاءِ خُطَباءُ أُمَّتِكَ) ([31]) .

(رأَيْتُ ليلةَ أُسرِي بي رِجالًا تُقطَعُ ألسنتُهم بمقاريضَ مِن نارٍ فقُلْتُ يا جِبريلُ مَن هؤلاء قال هؤلاء خُطَباءُ مِن أُمَّتِكَ يأمُرونَ النَّاسَ بما لا يفعَلونَ) ([32]).

(أنَّ النبيَّ عليه السلامُ رأى خطباءَ أُمَّتِه تُقرَضُ شفاههم بمقاريضَ من نارٍ) ([33]).

(رأيتُ ليلةَ أُسري بي رجالًا تُقرضُ ألسنتُهم وشفاهُهم بمقاريضَ من نارٍ فقلتُ يا جبريلُ من هؤلاء قال هؤلاء الخطباءُ من أمَّتِك الَّذين يأمرون النَّاسَ بالبرِّ وينسَوْن أنفسَهم وهم يتلون الكتابَ أفلا يعقلون) ([34]).

(رأيت ليلةَ أُسرِيَ بي رجالًا تُقرَضُ شفاهُهم بمقاريضَ من نارٍ؟فقلت مَن هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال هؤلاءِ خطباءُ من أمتِك يأمرونَ الناسَ بالبرِّ وينسَون أنفسَهم) ([35]).

(مررتُ ليلةَ أسريَ بي بقومٍ تُقرُضُ شفاهُهم بمقاريضَ من النَّارِ فقلتُ يا جبريلُ من هؤلاءِ قالَ هؤلاءِ خُطباءُ أمَّتِك الَّذينَ يقولونَ ما لا يعملونَ) ([36]).

(مررت ليلة أسرى بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار . قال: قلت :من هؤلاء ؟ قالوا: خطباء أمتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون) ([37]).

(أتيْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي على قومٍ تُقرضُ شِفاهُهُمْ بِمَقاريضَ من نارٍ ، كلَّما قُرِضَتْ وفَتْ قُلْتُ:يا جبريلُ مَنْ هؤلاءِ ، قال: خُطَباءُ من أمتِكَ، الذينَ يقولونَ ولا يفعلونَ ويقرؤونَ كتابَ اللهِ ولا يعملونَ) ([38]).

(مررْتُ ليلةَ أُسرِيَ بي بأقوامٍ تُقرضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ من نارٍ ، قُلْتُ :من هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال: خُطَباءُ أمتِكَ الذينَ يقولونَ ما لا يفعلونَ ويقرؤونَ كتابَ اللهِ ولا يعملونَ بِه) ([39])

(أتيتُ ليلةَ أُسريَ بي على قومٍ تُقرَضُ شِفاهُهم بمقاريضَ من نارٍ ، كلما قرُضِتْ وفَتْ ، فقلتُ يا جبريلُ مَن هؤلاءِ ؟ قال: خطباءُ أُمَّتِك الذين يقولون ما لا يفعلون ، و يقرأون كتابَ اللهِ و لا يعملون به) ([40]).

(رأيتُ ليلةَ أُسري بي رجالًا تُقرضُ شِفاهُهم بمقاريضَ من النَّارِ فقلتُ من هؤلاء يا جبريلُ قال الخطباءُ من أمَّتك الَّذين يأمرون النَّاسَ بالبرِّ وينسَوْن أنفسَهم وهو يتلون الكتابَ أفلا يعقلون) ([41]).

طرق وروايات هذا الحديث تبين الحال في حياة البرزخ لخطباء من أُمَّة رسولنا محمد، وهم الذين يقولون ما لا يفعلون. فيأتيهم حرّ النار وسمومها وعذابها على شكل " تُقرَضُ شِفاهُهم بمقاريضَ من نارٍ ". إنّ دخول النار يكون بعد العرض والحساب يوم القيامة. وإن طرق وروايات هذا الحديث لم تذكر بشكل صريح أنّ النبيّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قد رآهم وهم في النار، وإنّما وردت العبارة: (تُقرضُ شِفاهُهم بمقاريضَ من النَّارِ).

الفرع الثالث: لمَّا عُرِج بالنبي مرّ بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمِشون وجوهَهم وصدورَهم وهم الَّذين كانوا في الدنيا يأكلون لحومَ النَّاسِ ، ويقعون في أعراضِهم

وقد رأى النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلّم - الجنّة وما فيها من النّعيم، وفي المقابل رأى أيضاً بعض أحوال النّاس الذين يعذّبون في نار جهنّم، ومنهم من يقعون في الغيبة، والذين يخوضون في أعراض المسلمين. وهذا ما تؤكده الأحاديث الشريفة:

1 (لمَّا عُرِج بي مررتُ بقومٍ لهم أظفارٌ من نُحاسٍ يخمِشون وجوهَهم وصدورَهم، فقلتُ: من هؤلاء يا جبريلُ ؟ قال: هؤلاء الَّذين يأكلون لحومَ النَّاسِ، ويقعون في أعراضِهم) ([42])

أنظر الحاشية للمزيد من طرق الحديث ([i]).

وقال اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12[

الفرع الرابع: لَمَّا عَرَجَ النبيُّ نظر في النارِ فإذا قومٌ يأكلون الِجيفَ؛ فأعلمه جبريلُ أن هؤلاء الذين يأكلونَ لحومَ الناسِ

1 - ليلةَ أُسرِيَ بِنبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ دخلَ الجنةَ ، فَسمعَ في جانبِها وجْسًا فقال: يا جبريلُ ، ما هذا ؟ قال: هذا بِلالٌ المؤذِّنُ ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ جاءَ إلى الناسِ : قد أفلحَ بِلالٌ، قد رأيْتُ لهُ كذا وكذا قال: فَلَقِيَهُ مُوسَى عليهِ السلامُ فَرَحَّبَ بهِ ، وقال: مرحبًا بِالنبيِّ الأُمِّيِّ ، قال: وهوَ رجلٌ آدمُ طَوِيلٌ ، سَبْطٌ شَعْرُهُ مع أُذُنَيْهِ أوْ فوقَهُما ، فقال مَنْ هذا يا جبريلُ ؟ قال: هذا مُوسَى . قال: فَمَضى ، فَلَقِيَهُ عيسَى فَرَحَّبَ بهِ ، وقال: مَنْ هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا عيسَى . قال: فمضَى ، فَلَقِيَهُ شيخٌ جَلِيلٌ متهَيَّبٌ فَرَحَّبَ بهِ وسَلَّمَ عليهِ ، و كلُّهُمْ يُسَلِّمُ عليهِ ، قال: مَنْ هذا يا جبريلُ ؟ قال: هذا أبوكَ إبراهيمُ . قال: ونظرَ في النارِ ، فإذا قومٌ يأكلونَ الجِيَفَ ، قال: مَنْ هؤلاءِ يا جبريلُ ؟ قال: هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لحمَ الناسِ : ورأى رجلًا أحمرَ أَزْرَقَ جدًّا ، قال: مَنْ هذا يا جبريلُ ؟ قال: هذا عَاقِرُ النَّاقَةِ . قال: فلمَّا أَتَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المسجدَ الأَقْصَى قامَ يصلِّي ، فالتَفَتَ ثُمَّ التَفَتَ فإِذَا النبيُّونَ أجمعونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ . فلمَّا انصرفَ جِيءَ بِقَدَحَيْنِ ، أحدُهُما عن اليَمِينِ والآخَرُ عَنِ الشِّمالِ ، في أَحَدِهما لَبَنٌ وفي الآخَرِ عَسَلٌ ، فأخذَ اللَّبَنَ فَشربَ مِنْهُ ، فقال الذي كان مَعَهُ القَدَحُ : أَصَبْتَ الفِطْرَةَ) ([43]).

2 - ليلة أسرِيَ بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دخل الجنَّةَ فسَمِعَ في جانبها وجسًا، فقال: يا جبرائيلُ، ما هذا؟ قال: هذا بلال المؤذِّن، فقال النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين جاء إلى الناس: قد أفلح بلالٌ، رأيت له كذا وكذا، فلَقِيَه موسى فرحَّب به، وقال: مرحبًا بالنبيِّ الأميِّ- قال: وهو رجل آدَمُ طويل سَبطٌ شَعرُه مع أذنيه أو فَوقها- فقال: من هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا موسى، فمضى فلَقِيَه شيخ جليلٌ متهيبٌ، فرحب به وسلَّم عليهم، وكلُّهم يسَلِّمُ عليه، قال: من هذا يا جبرائيلُ؟ قال: هذا أبوك إبراهيمُ، قال: ونظر في النارِ، فإذا قوم يأكلونَ الجِيَف، قال: من هؤلاء يا حبرائيل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحومَ النَّاسِ، ورأى رجلًا أحمَرَ أزرَقَ جِدًّا، قال: من هذا يا جبرائيلُ؟ قال: هذا عاقِرُ الناقة، فلما أتى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسجد الأقصى قام يصلِّي، فإذا النبيون أجمعون يصلُّونَ معه، فلما انصرف جيءَ بقَدَحينِ أحدُهما عن اليمينِ، والآخرُ عن الشِّمالِ، في أحدِهما لبَنٌ، وفي الآخر عسلٌ، فأخذ اللبَن فشَرِبَ منه، فقال الذي كان معه القَدَح: أصبتَ الفِطرةَ) ([44]).

3 - ليلةَ أسرِيَ بالنَّبي دخلَ الجنَّةَ فسمعَ في جانبِها وجَسًا فقالَ يا جبريلُ ما هذا فقالَ هذا بلالٌ المؤذِّنُ فقالَ النَّبي حينَ جاءَ إلى النَّاسِ قد أفلحَ بلالٌ رأيتُ لَهُ كذا وَكذا فلقيَهُ موسى عليْهِ الصلاةُ والسَّلامُ فرحَّبَ بِهِ وقالَ مرحبًا بالنَّبيِّ الأمِّيِّ قالَ وَهوَ رجلٌ آدمُ طويلٌ سَبطٌ شعرُهُ معَ أذنيْهِ أو فوقَهما فقالَ من هذا يا جبريلُ قالَ هذا موسى فمضى فلقيَهُ رجلٌ فرحَّبَ بِهِ قالَ من هذا قالَ هذا عيسى عليه السَّلامُ فمضى فلقيَهُ شيخٌ جليلٌ مهيبٌ فرحَّبَ بِهِ وسلَّمَ عليْهِ وَكلُّهم يسلِّمُ عليْهِ قالَ من هذا يا جبريلُ قالَ أبوكَ إبراهيمُ عليه السلامُ قالَ ونظرَ في النَّارِ فإذا قومٌ يأْكلونَ الجِيَفَ قالَ من هؤلاءِ يا جبريلُ قالَ هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ورأى رجلًا أحمرَ أزرقَ جِدًّا قالَ من هذا يا جبريلُ قالَ هذا عاقرُ النَّاقةِ فلمَّا أتى النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ المسجدَ الأقصى قامَ يصلِّي ثمَّ التفتَ فإذا النَّبيُّونَ أجمعونَ يصلُّونَ معَه فلمَّا انصرفَ جيءَ بقدحينِ أحدِهما عنِ اليمينِ والآخرِ عنِ الشِّمالِ في أحدِهما لبَنٌ وفي الآخرة عسلٌ فأخذَ اللَّبنَ فشربَ منْهُ فقالَ الَّذي كانَ معَهُ القدَحُ أصبتَ الفطرةَ) ([45]).

5 - ليلةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ودخل الجنةَ فسمع من جانبِها وجسًا قال: يا جبريلُ ما هذا قال: هذا بلالٌ المؤذِّنُ فقال نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حين جاء إلى الناسِ : قد أَفْلَحَ بلالٌ رأيتُ له كذا وكذا قال: فلَقِيَهُ موسَى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فَرَحَّبَ به وقال: مرحبًا بالنبيِّ الأميِّ قال: فقال وهوَ رجلٌ آدمُ طويلٌ سَبْطٌ شَعْرُهُ مع أذنيه أو فوقَهما فقال: مَن هذا يا جبريلُ قال: هذا موسَى عليه السلامُ قال: فمضَى فلقيهُ عيسَى فرحَّبَ به وقال: من هذا يا جبريلُ قال: هذا عيسَى قال: فمضى فلقيَهُ شيخٌ جليلٌ مُهيبٌ فرحَّبَ به وسلَّمَ عليه وكُلُّهم يُسلِّمُ عليه قال: من هذا يا جبريلُ قال: هذا أبوكَ إبراهيمُ قال: فنظر في النارِ فإذا قومٌ يأكلون الِجيفَ فقال: من هؤلاء يا جبريلُ قال: هؤلاء الذين يأكلونَ لحومَ الناسِ ورأى رجلًا أحمرَ أزرقَ جَعْدًا شَعْثًا إذا رأيته قال: من هذا يا جبريلُ قال: هذا عاقرُ الناقةِ قال: فلمَّا دخل النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المسجدَ الأقصَى قام يُصلِّي فالتفتَ ثم التفتَ فإذا النبيونَ أجمعونَ يُصلونَ معه فلما انصرف جِيءَ بقَدَحَيْنِ أحدِهما عن اليمينِ والآخرُ عن الشمالِ في أحدِهما لبنٌ وفي الآخرِ عسلٌ فأخذ اللبنَ فشرب منه فقال الذي كان معه القَدَحُ : أصبتَ الفِطْرَةَ) ([46]).

لكنّ الرّوايات السابقة لهذا الحديث عن عبدالله بن عباس يوجد من المحدّثين من حكم بضعفها:

المحدث : الهيثمي ، المصدر : مجمع الزوائد، الصفحة أو الرقم: 8/95 ، خلاصة حكم المحدث : فيه قابوس وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح. التخريج : أخرجه أحمد (2324)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (188)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (10/457) باختلاف يسير

المحدث : الهيتمي المكي ، المصدر : الزواجر، الصفحة أو الرقم: 2/10 ، خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح إلا مختلف فيه وثقه كثيرون

المحدث : شعيب الأرناؤوط ، المصدر : تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 2324 ، خلاصة حكم المحدث : إسناده ضعيف. التخريج : أخرجه أحمد (2324) واللفظ له، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (188)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (10/457)

المحدث : الألباني ، المصدر : ضعيف الترغيب، الصفحة أو الرقم: 1687 ، خلاصة حكم المحدث : ضعيف. التخريج : أخرجه أحمد (2324)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (10/457) واللفظ لهما، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (188) باختلاف يسير

الفرع الخامس: الذين تثاقلَتْ رؤوسُهم عن الصلاةِ المكتوبةِ

1 - ثمَّ أتى يعني النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على قَومٍ تُرضَخُ رؤوسُهم بالصَّخرِ كلَّما رُضِخَت عادت كما كانَت ولا يُفتَّرُ عنهُم من ذلِكَ شيءٌ قال: يا جبريلُ ، مَن هؤلاءِ قال: هؤلاءِ الَّذينَ تَثاقَلت رُؤوسُهم عنِ الصَّلاةِ المَكْتوبةِ) ([47]).

2 - أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُتي بفرسٍ يجعلُ كلَّ خطوةٍ معه أقصَى بصرِه فسار وسار معه جبريلُ عليه السَّلامُ فأتَى على قومٍ يزرعون في يومٍ ويحصدون في يومٍ كلَّما حصدوا عاد كما كان فقال يا جبريلُ من هؤلاء قال هؤلاء المجاهدون في سبيلِ اللهِ تُضاعَفُ لهم الحسنةُ بسبعِمائةِ ضعفٍ وما أنفقوا من شيءٍ فهو يخلفُه ثمَّ أتَى على قومٍ ترضخُ رؤوسُهم بالصَّخرِ كلَّما رضخت عادت كما كانت ولا يفترُ عنهم من ذلك شيءٌ قال يا جبريلُ من هؤلاء قال هؤلاء الَّذين تثاقلت رؤوسُهم عن الصَّلاةِ ثمَّ أتَى على قومٍ على أدبارِهم رِقاعٌ وعلى أقبالِهم رِقاعٌ يسرحون كما تسرحُ الأنعامُ إلى الضَّريعِ والزَّقُّومِ ورضفِ جهنَّمَ قال ما هؤلاء يا جبريلُ قال هؤلاء الَّذين لا يُؤدُّون صدقاتِ أموالِهم وما ظلمهم اللهُ وما اللهُ بظلَّامٍ للعبيدِ) ([48]).

وضعّف هذا الحديثَ بعضُ المحدثين:

(ثم أتى - يعني النبيَّ - (على) قومٍ تُرضَخُ رؤوسُهم بالصَّخرِ ، كلما رُضِخَتْ عادت كما كانت ، ولا يفتُر عنهم من ذلك شيءٌ . قال: يا جبريلُ ! من ( هؤلاء ؟ قال: ) هؤلاءِ الذين تثاقلَتْ رؤوسُهم عن الصلاةِ المكتوبةِ ؟ فذكر الحديث في قصةِ الإسراءِ وفرْضِ الصلاةِ) ([49]).

8 - أنَّ رسولَ اللهِ أُتِيَ بِفَرَسٍ يَجعلُ كُلَّ خُطوَةٍ مِنهُ أقْصَى بَصَرَهُ ، فسارَ وسارَ مَعهُ جِبريلُ ، فأَتَى على قَومٍ يَزرعُونَ في يومٍ ، ويَحصُدُونَ في يومٍ ، كُلَّما حَصَدُوا عادَ كَمَا كان ! فقال: يا جِبرائِيلُ ! مَنْ هؤلاءِ ؟ قال: هؤلاءِ المُجاهِدُونَ في سبيلِ اللهِ ، تُضاعَفُ لَهُمُ الحسنَةُ بِسبْعِمائةِ ضِعْفٍ ، وما أنْفَقُوا من شَيءٍ فَهُوَ يُخلِفُهُ . ثُمَّ أتَى على قَومٍ تَرضَخُ رؤُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ ، كُلَّمَا رَضَخَتْ عادَتْ كَما كانَتْ ، ولا يَفْتُرُ عنْهُمْ من ذلِكَ شَيءٌ . قال: يا جِبريلُ ! من هَؤلاءِ ؟ قال: هؤُلاءِ الَّذِينَ تَثاقَلَتْ رُؤُوسُهُمْ عنِ الصلاةِ . ثُمَّ أتَى على قوْمٍ على أدْبارِهِم رِقاعٌ ، وعلى أقْبالِهمْ رِقاعٌ ، يَسرَحُونَ كَمَا تَسْرحُ الأنْعامُ إلى الضَّرِيعِ والزَّقُّومِ ورَضْفِ جَهَنَّمَ . قال: ما هَؤلاءِ يا جِبريلُ ! قال: هؤلاءِ الذين لا يُؤَدُّونَ صَدقاتِ أمْوالِهِمْ ، ومَا ظَلَمَهُمْ اللهُ ، وما اللهُ بِظلَّامٍ لِلعبِيدِ الْحديثُ بِطُولِهِ في قِصَّةِ الإِسْراءِ وفَرْضِ الصلَاِة .) ([50]).

الفرع السادس: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ

عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هي أطْعَمَتْها ولا سَقَتْها، إذْ حَبَسَتْها، ولا هي تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ.) ([51]).

(أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ قالَ: فقالَ: واللَّهُ أعْلَمُ: لا أنْتِ أطْعَمْتِها ولا سَقَيْتِها حِينَ حَبَسْتِيها، ولا أنْتِ أرْسَلْتِها، فأكَلَتْ مِن خَشاشِ الأرْضِ.) (الراوي : عبدالله بن عمر ، المحدث : البخاري ، المصدر : صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 2365 ، خلاصة حكم المحدث : ]صحيح[ )

(دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، ولَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِن خَشَاشِ الأرْضِ .) ([52]).

تدُلُّ روايات هذا الحديث على أنَّ تعذيبَ الحيوانِ يترتَّبُ عليه العقوبةُ والنَّارُ. وفي الحديث الوعيدُ الشَّديد لِمَن عذَّبَ عبادَ الله تعالى.

(أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ، فَقَامَ فأطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فأطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فأطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فأطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ، فأطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فأطَالَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ، فأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ، فأطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فأطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقالَ: قدْ دَنَتْ مِنِّي الجَنَّةُ، حتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا، لَجِئْتُكُمْ بقِطَافٍ مِن قِطَافِهَا، ودَنَتْ مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلتُ: أَيْ رَبِّ، وأَنَا معهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ - حَسِبْتُ أنَّهُ قالَ - تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قُلتُ: ما شَأْنُ هذِه؟ قالوا: حَبَسَتْهَا حتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لا أَطْعَمَتْهَا، ولَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ - قالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أنَّهُ قالَ: مِن خَشِيشِ - أَوْ خَشَاشِ الأرْضِ.) ([53])

يقول شارح الحديث: "... ولَمَّا دنَتْ منه النَّارُ رأى امرأةً تخدِشُها هِرَّةٌ، أي: تقشُرُ جِلدَها وتجرَحُها، فسأل عن ذنبِ هذه المرأةِ الَّذي أوقَعها في هذا العذابِ، فقيل له: إنَّ هذه المرأةَ حبسَتِ الهرَّةَ حتَّى ماتت جوعًا، فلا أطعمَتْها ولا تركَتْها تأكُلُ مِن خَشَاشِ الأرضِ. ... وهذا يدُلُّ على أنَّ تعذيبَ الحيوانِ يترتَّبُ عليه العقوبةُ والنَّارُ. وفي الحديث الوعيدُ الشَّديد لِمَن عذَّبَ عبادَ الله تعالى ".

" ودَنَتْ مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلتُ: أَيْ رَبِّ، وأَنَا معهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ ، قُلتُ: ما شَأْنُ هذِه؟ قالوا: حَبَسَتْهَا حتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لا أَطْعَمَتْهَا، ولَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ ". هذا النصّ من الحديث ، لربّما أنّه يوضّح مآل وجزاء المرأة التي فعلت فعلتها في هذه الهرة ، وتقع هذه العقوبة على هذه المرأة يوم القيامة. وأمّا إذا كانت هذه المرأة في النار وقد دخلتها على الحقيقة قبل أن يخبِرنا بشأنها هذا الحديث للرسول عليه السلام، فمعنى هذا أنّ هذه المرأة من دورة كونية سابقة لدورة الكون التي نعيشها الآن.

الفرع السابع: اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ والمساكينَ ، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الأغنياءَ والنِّساءَ يَكْفُرن العشيرَ، ويَكْفُرن الإحسانَ

(انخَسَفَتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فصلَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقام قيامًا طويلًا ، نحوًا مِن قراءةِ سورةِ البقرةِ ، ثم ركَعَ ركوعًا طويلًا ، ثم رَفَعَ فقامَ قيامًا طويلًا ، وهو دونَ القيامِ الأولِ ، ثم ركَعَ ركوعًا طويلًا ، وهو دونَ الركوعِ الأولِ ، ثم سَجَدَ ، ثم قام قيامًا طويلًا ، وهو دونَ القيامِ الأولِ ، ثم ركَعَ ركوعًا طويلًا ، وهو دونَ الركوعِ الأولِ ، ثم رفَعَ فقامَ قيامًا طويلًا ، وهو دونَ القيامِ الأولِ ، ثم ركَعَ ركوعًا طويلًا ، وهو دونَ الركوعِ الأولِ ، ثم سَجَدَ ، ثم انصرَفَ وقد تَجَلَّتِ الشمسُ ، فقال صلى الله عليه وسلم :إن الشمسَ والقمرَ آيتان مِن آياتِ اللهِ ، لا يَخْسِفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه ، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللهَ . قالوا: يا رسولَ اللهِ ، رأيناك تناوَلْتَ شيئًا في مَقَامِك ، ثم رأَيناك كَعْكَعْتَ ؟ قال صلى الله عليه وسلم :إني أُرِيتُ الجنةَ ، فتناوَلْتُ عُنْقُودًا ، ولو أَصَبْتُه لأَكَلْتُم منه ما بَقِيَتِ الدنيا ، وأُرِيتُ النارَ ، فلم أرَ منظرًا كاليومِ قطُّ أَفَظَعَ ، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ . قالوا: بِمَ يا رسولَ اللهِ ؟ قال: بكفْرِهِنَّ . قيل: يَكْفُرْنَ باللهِ ؟ قال: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ ، ويَكْفُرْنَ الإحسانَ ، لو أَحْسَنْتَ إلى أحدِاهن الدهرَ كلَّه ، ثم رأَتْ منك شيئًا، قالت : ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ .) ([54]).

شرح الحديث :

يَحكي ابنُ عَبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الشَّمسَ انخَسَفَتْ عَلى عَهدِ النَّبيِّ صَلَّى الله عليه وسلَّم فَصَلَّى بهم صَلاةَ الكُسوفِ جَماعةً. فَقامَ قيامًا طَويلًا، أي: فَوَقَفَ بَعدَ تَكبيرةِ الإحرامِ وُقوفًا طَويلًا مِقدارَ الوَقتِ الَّذي يَكفي لِقِراءةِ سورةِ البَقرةِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعًا طَويلًا، ثمَّ رَفَعَ فَقامَ قيامًا طَويلًا، وهو دونَ القيامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعًا طَويلًا، وهو دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ رَفَعَ، يَعني: أنَّ كُلَّ قيامٍ ورُكوع تَقدَّم فَهو أطوَلُ مِمَّا بَعدَه، ثمَّ سَجَدَ، أي: ثمَّ سَجَدَ سَجدتَينِ، ثمَّ قامَ قيامًا طَويلًا، وهو دونَ القيامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعًا طَويلًا، وهو دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ رَفَعَ فَقامَ قيامًا طَويلًا، وهو دونَ القيامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعًا طَويلًا، وهو دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثمَّ سَجَدَ، أي: سَجَدَ سَجدتَينِ، وتَشَهَّد وسلَّم مِن صَلاتِه، ثمَّ انْصَرفَ وقَدْ تَجلَّت الشَّمسُ، أي: ظَهَرتْ، وعادَ إليها الضَّوءُ وزالَ الكُسوفُ. ثمَّ يُبيِّن صَلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللهِ لا يَنكسِفان ولا يَخسِفانِ لِمَوتِ أحَد، ولا لحَياتِه، فَإِذا رَأيتُم ذلك، فاذْكُروا اللهَ، قالوا: يا رَسولَ الله، رَأيناكَ تَناوَلتَ شَيئًا في مَقامِك، ثمَّ رَأيناكَ "كَعْكَعْتَ"، أي: تَأخَّرتَ، أو تَقَهقَرتَ. فَأجابَهم صَلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه رَأى الجنَّةَ، أي: رُؤْيا عَينٍ كُشِفَ له عنها، فَرَآها عَلى حَقيقتِها فتَناوَل في حالِ قيامِه الثَّاني مِن الرَّكعةِ الثَّانيةِ عُنقودًا، "ولَوْ أصَبتُه"، أي: ولَوْ تَمكَّنتُ مِن قَطفِه لأكَلتُم منه، أي: مِن العُنقودِ ما بَقيَت الدُّنيا. وأنَّه رَأى النَّارَ فلَم يَرَ مَنظرًا أفظَعَ وأقبَحَ وأشنَعَ وأسوَأَ منها. ورَأى أكثرَ أهلِها النِّساءَ "بِكُفرِهنَّ العَشيرَ"، أي: إحسانَ الزَّوجِ، وبِكُفرهنَّ الإِحسانَ، أي: عَدَم الاعتِرافِ بِه، أو جَحْده وإنكاره حَتَّى إنَّها تَقولُ: ما رَأيتُ مِنك خَيرًا قَطُّ إذا رَأت مِنك ما لا يُعجِبها.

في الحَديثِ: المُبادَرةُ إلى طاعةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، عِندَ حُصولِ ما يَخافُ مِنه وما يَحذَر عنه، وطَلَبُ دَفعِ البَلاءِ بذِكرِ اللهِ تَعالى وتَمجيدِه وأنواعِ طاعتِه. وفيه: مُعجِزةٌ ظاهِرةٌ لِلنَّبيِّ صَلَّى الله عليه وسلَّم، وما كانَ عليه مِن نُصحِ أُمَّتِه وتَعليمِهم ما يَنفَعهم وتَحذيرِهم ممَّا يَضُرُّهم. وفيه: مُراجَعةُ المُتَعلِّمِ لِلعالِم فيما لا يُدرِكه فَهمُه. وفيه: النَّهيُ عَن كُفرانِ الإِحسانِ. وفيه: إطلاقُ الكُفرِ عَلى جُحودِ النِّعمةِ .

(.... فقال:إنَّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ مِن آياتِ اللهِ، لا يَخسفانِ لِموتِ أحدٍ وَلا لِحياتِه، فإذا رَأيتُم ذلكَ فاذْكُروا اللهَ، قالوا يا رَسولَ اللهِ، رَأيناكَ تَناوَلتَ شَيئًا في مَقامِكَ هذا، ثُمَّ رَأيناكَ تَكعكَعتَ. فقال:إنِّي رَأيتُ الجنَّةَ أو أُريتُ الجنَّةَ، فتَناولْتُ مِنها عُنقودًا، وَلو أَخذتُه لَأكلتُم مِنه ما بَقِيَتِ الدُّنيا. ورَأيتُ النَّار فَلم أرَ كاليومِ مَنظرًا قطُّ، ورَأيتُ أَكثَر أَهلِها النِّساءَ، قالوا:لِمَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال:بِكُفرِهنَّ. قيلَ:يَكفرنَ باللهِ. قال:يَكفرُنَ العَشيرَ، ويَكفُرنَ الإحسانَ، لو أَحسنتَ إلى إِحداهنَّ الدَّهرَ، ثُمَّ رَأتْ منكَ شَيئًا، قالَت:ما رَأيتُ مِنكَ خيرًا قطُّ.) ([55]).

(.... فقال: " إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ . لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه . فإذا رأيتُم ذلك فاذكروا اللهَ " قالوا: يا رسولَ اللهِ ! رأيناك تناولتَ شيئًا في مقامِك هذا . ثم رأيناك كففتَ . فقال " إني رأيتُ الجنةَ . فتناولتُ منها عنقودًا . ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بقِيت الدنيا . ورأيتُ النارَ . فلم أرَ كاليومِ منظرًا قطُّ . ورأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ " قالوا: بم ؟ يا رسولَ اللهِ ! قال " بكُفرهنَّ " قيل :أَيكفُرْنَ باللهِ ؟ قال " بكفرِ العشيرِ . وبكفرِ الإحسانِ . لو أحسنْت إلى إحداهنَّ الدهرَ ، ثم رأتْ منك شيئًا ، قالت :ما رأيتُ منكَ خيرًا قطُّ " . وفي روايةٍ :بمثله . غير أنه قال: ثم رأيناك تكَعْكَعْتَ .) ([56]).

(.... فقال: إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ مِن آياتِ اللهِ لا يخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه فإذا رأيتُم ذلك فاذكُروا اللهَ . قالوا: يا رسولَ اللهِ رأيناكَ تناوَلتَ في مقامِكَ هذا شيئًا ، ثم رأيناكَ كأنَّكَ تكَعكَعتَ . قال: رأيتُ أو أُريتُ - الجنةَ فتناوَلتُ منها عنقودًا فلو أخَذتُه لأكلتُم [ منه ] ما بَقِيَتِ الدنيا . ورأيتُ - أو أُريتُ - النارَ فلم أرَ [ كاليومِ ] منظرًا ، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ . قالوا: ولِمَ يا رسولَ اللهِ ؟ قال: بكُفرِهِنَّ . قيل :أيَكفُرنَ باللهِ ؟ قال: يَكفُرنَ العَشيرَ ، ويَكفُرنَ الإحسانَ ، لو أحسَنتَ إلى إحداهُنَّ الدهرَ ثم رأَتْ مِنكَ شيئًا قالتْ :ما رأيتُ مِنكَ خيرًا قَطُّ) ([57]).

(... فقال: إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ مِنْ آياتِ اللهِ لا يُخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه فإذا رأيتُم ذلك فاذكُروا اللهَ قالوا: يا رسولَ اللهِ رأيناك تناولتَ شيئًا في مقامِك هذا ثم رأيناك تكَعْكَعْتَ قال: إني رأيتُ الجنةَ أو أُريتُ الجنةَ ولم يشُكَّ إسحاقُ قال: رأيتُ الجنةَ فتناولتُ منها عُنقودًا ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بَقِيَتِ الدنيا ورأيتُ النارَ فلمْ أرَ كاليومِ منظرًا أفظعَ ورأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ قالوا: لِمَ يا رسولَ اللهِ قال: بكُفْرِهنَّ قال: أَيَكْفُرْنَ باللهِ عز وجل قال: لا ولكنْ يَكْفُرْن العَشِيرَ ويِكْفُرْنَ الإحسانَ لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهرَ كلَّه ثم رأتْ منك شيئًا قالتْ :ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ) ([58]).

(.... فقالَ إنَّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللَّهِ لا يَخسِفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِهِ فإذا رأيتُم ذلِكَ فاذْكروا اللَّهَ عزَّ وجلَّ قالوا يا رسولَ اللَّهِ رأيناكَ تناولتَ شيئًا في مقامِكَ هذا ثمَّ رأيناكَ تَكعْكعتَ قالَ إنِّي رأيتُ الجنَّةَ - أُرِيتُ الجنَّةَ - فتَناولتُ منْها عنقودًا ولو أخذتُهُ لأَكلتُم منْهُ ما بقيَتِ الدُّنيا ورأيتُ النَّارَ فلم أرَ كاليومِ منظرًا قطُّ رأيتُ أَكثرَ أَهلِها النِّساءَ قالوا لِمَ يا رسولَ اللَّهِ قالَ بِكفرِهنَّ قيلَ يَكفرنَ باللَّهِ قالَ يَكفُرنَ العشيرَ ويَكفُرنَ الإحسانَ لو أحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهرَ ثمَّ رأت منْكَ شيئًا قالت ما رأيتُ منْكَ خيرًا قطُّ) ([59]).

(أُريتُ النارَ فإذا أكثرُ أهلِها النساءُ ، يَكْفُرن. قيل: أيَكْفُرن باللهِ ؟ قال: يَكْفُرن العشيرَ، ويَكْفُرن الإحسانَ، لو أحسنتَ إلى إحداهُن الدهرَ، ثم رأتْ منك شيئًا ، قالت:ما رأيتُ منك خيراً قطُّ.) ([60]).

شرح الحديث : وعَظ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النِّساءَ يومًا فقال لهنَّ: إنِّي أُريتَ النَّارَ، أي: أطلَعني اللهُ تعالى على النَّارِ وكشَف لي عنها، فرأيتُها رأيَ العينِ، فلمَّا نظرتُ إليها، وشاهدتُ مَن فيها، كان أكثرُ أهلِها النِّساءَ، فقالت إحداهنَّ: ولمَ يا رسولَ الله؟ فأجابها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقولِه: (يكفُرْنَ)، أي: إنَّما كنَّ أكثرَ أهلِ النَّارِ؛ لأنَّهنَّ يكفُرْنَ، ولم يُبيِّنْ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يكفُرْنَ بماذا؛ لتتطلَّعَ نفوسُهنَّ لمعرفةِ هذا الكفرِ الَّذي وصفَهنَّ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويشتَدَّ خوفُهنَّ، ولم يكَدِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينطِقُ بهذه الكلمةِ حتَّى قالت إحداهنَّ: أيكفُرْنَ باللهِ؟ فقال: يكفُرْنَ العَشيرَ، ويكفُرْنَ الإحسانَ، أي: يُنكِرْنَ نعمةَ الزَّوجِ وإحسانَه إليهنَّ، فلو أحسَنْتَ إلى إحداهنَّ الدَّهرَ، أي: العمرَ كلَّه، ثمَّ رأَتْ منك شيئًا واحدًا ممَّا تكرَهُ، قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ، أي: ما وجدتُ منك شيئًا ينفَعُني أو يسُرُّني طيلةَ حياتي كلِّها.

وإنَّما كان جَحْدُ النِّعمةِ حرامًا؛ لأنَّ المرأةَ إذا جحَدتْ نِعمةَ زوجِها، فقد جحَدتْ نِعمةَ اللهِ؛ لأنَّ هذه النِّعمةَ الَّتي وصلَتْ إليها مِن زوجِها هي في الحقيقةِ واصلةٌ مِن اللهِ.

والحديثُ يدلُّ على أنَّ الكفرَ كُفرانِ، وأنَّ الكفرَ قد يُطلَقُ على غيرِ الكفرِ بالله، كأنْ يُرادَ كفرُ النِّعمةِ، أي: إنكارُها. وفي الحديثِ: دلالةٌ على أنَّ الأعمالَ مِن الإيمانِ، وأنَّ الإيمان تصديقٌ وقولٌ وعملٌ؛ إذْ بالعملِ الصَّالحِ يَزيدُ، وبالعمَلِ السَّيِّئِ ينقُصُ. وخَصَّ كُفرانَ العَشيرِ مِن بين أنواعِ الذُّنوبِ لدقيقةٍ بديعةٍ، وهي قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "لو أمَرتُ أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِها"؛ فقرَن حقَّ الزَّوجِ على الزَّوجةِ بحقِّ اللهِ، فإذا كفَرتِ المرأةُ حقَّ زوجِها وقد بلَغ مِن حقِّه عليها هذه الغايةَ- كان ذلك دليلًا على تهاوُنِها بحقِّ اللهِ؛ فلذلك يُطلَقُ عليها الكفرُ؛ لكنَّه كفرٌ لا يُخرِجُ عنِ الملَّةِ .

(اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ ، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ) ([61]).

(اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أكْثَرَ أهْلِها الفُقَراءَ، واطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأَيْتُ أكْثَرَ أهْلِها النِّساءَ) ([62])

(اطَّلعتُ في الجنةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءُ ، و اطَّلعتُ في النارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النساءِ) ([63]).

(اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ ، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ) ([64]).

(اطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ واطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ) ([65]).

(اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فرَأَيْتُ أكثرَ أهلِها الضُّعفاءَ والفقراءَ واطَّلَعْتُ في النَّارِ فرأَيْتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ) ([66]).

(نظرتُ في الجنَّةِ ، فإذا أكثرُ أهلِها من الفقراءِ ، ونظرتُ في النَّارِ ، فإذا أكثرُ أهلِها النِّساءُ) ([67]).

(اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ والمساكينَ واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ) ([68]).

(اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ ، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الأغنياءَ والنِّساءَ) ([69]).

(اطّلعتُ في الجنة فرأيتُ أكثرَ أهلها الفقراءُ واطلعتُ في النارِ فرأيتُ أكثرَ أهلها الأغنياءُ والنساءُ) ([70]).

(اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فرَأَيْتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ واطَّلَعْتُ في النَّارِ فرأَيْتُ أكثرَ أهلِها الأغنياءَ) ([71]).

(اطلعت في الجنةِ فرأيت أكثرَ أهلِها الفقراءُ . واطلعت في النارِ فرأيت أكثرَ أهلِها النساءُ . وفي روايةٍ: أن النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ اطلعَ في النارِ .) ([72]).

شرح الحديث : في هذا الحَديثِ يُخبِرُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه اطَّلع في الجَنَّة ورأى أنَّ أكثرَ أهلِها الفُقراءُ، وأنَّه اطَّلع في النَّار ورأى أنَّ أكثرَ أهلها النِّساءُ؛ فهذا حديثُ بِشَارَةٍ ونِذارةٍ، فالبِشارَةُ للمُؤمنينَ مِن الفُقراءِ الَّذين صَبروا على حالِهم فبُشِّروا بالفَوْزِ العَظيمِ، والنِّذارةُ لِلنِّساءِ لِمَن كان مِنهنَّ على حافَّةِ خَطرٍ لِتستَدْرِكَ مِن أمْرِها حتَّى تَنالَ رِضَا اللهَ ورِضوانَه؛ فالفُقراءُ أَكثرُ أَهْلِ الجَنَّةِ، وليسَ الفَقْرُ أَدخَلَهُمُ الجَنَّةَ، إنَّما أَدخلَهمُ اللهُ الجَنَّةَ بِصَلاحِهم مَع الفَقرِ؛ فالفَقيرُ إِذا لَمْ يَكُنْ صالحًا فلا فَضلَ لَه في الفَقرِ.

والنِّساءُ أَكْثَرُ أهلِ النَّارِ؛ وسببُ ذلك ما جاءَ في حَديثٍ آخَرَ أنَّه لَمَّا ذَكرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ أَكثَرَ أَهْلِ النَّارِ مِنَ النِّساءِ، قَالت إِحداهُنَّ: ولِمَ يا رَسولَ اللهِ؟ فَأَجابَها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِقَولِه: يَكْفُرْنَ، أي: إنَّما كُنَّ أَكثرَ أَهلِ النَّارِ؛ لَأنَّهنَّ يَكفُرنَ، فَقالَتْ إِحداهُنَّ أيَكفُرنَ باللهِ؟ قال: يَكْفُرنَ العَشيرَ، أي: يُنْكِرنَ نِعمَةَ الزَّوجِ وإِحْسَانَه إِلَيْهِنَّ لو أَحْسَنْتَ إلى إِحداهُنَّ الدَّهرَ، أَيِ: العُمْرَ كُلَّه، ثُمَّ رَأتْ مِنكَ شَيئًا وَاحدًا مِمَّا تَكْرَهُ قالَت: مَا رأيتُ مِنك خَيرًا قَطُّ، أي: ما وَجدْتُ مِنكَ شيئًا يَنْفَعُني أو يَسُرُّني طيلَةَ حَياتي كُلِّها.

وفي الحديثِ: أنَّ الجَنَّةَ والنارَ مخلوقتانِ وموجودتانِ. وفيه: معجزةٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بإطْلاعِ اللهِ تعالى له على الجَنَّةِ والنَّارِ وهُما من الغَيبِ، ورُؤيتِه لأهلِهما. وفيه: حثُّ النِّساءِ عَلى المُحافَظةِ عَلى أَمْرِ الدِّينِ؛ لِئَلَّا يَدخُلْنَ النَّارَ.

(اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها المساكينُ ، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءُ، قالوا: لمَ يا رسولَ اللهِ ؟ قال: بكُفرهنَّ ، قيلَ :أيكفُرنَ باللهِ ؟ قال: ويكفُرنَ العَشيرَ ويكفُرنَ الإحسانَ) ([73]).

(اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها المَساكين ، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءُ) ([74]).

(اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أَكثرَ أَهلِها الفقراءَ واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أَكثرَ أَهلِها النِّساءَ) ([75]).

(اطلعْتُ في النارِ فرأيْتُ أكثرَ أهلِها النساءَ ، واطلعْتُ في الجنةِ فرأيْتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ) ([76]).

(اطَّلَعْتُ في النَّارِ فوجَدْتُ أكثرَ أهْلِها النساءَ واطَّلَعْتُ في الجنةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفقراءَ) ([77]).

(اطَّلعتُ في الجنةِ فرأيتُ أكثرَ أهلها الفقراءَ واطَّلعتُ في النارِ فرأيتُ أكثرَ أهلها النساءَ) ([78]).

(اطَّلعتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أَكثرَ أَهلِها الفقراءَ ، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أَكثرَ أَهلِها النِّساءُ) ([79]).

الفقراء الصالحون الذين رآهم الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة، وأخبرنا أنهم أكثر أهلها، إن كانوا قد دخلوها بالجسد والروح، فهم ولا شك من دورة كونية سابقة. النِّساءُ أللواتي هنّ أَكثرَ أَهلِ النَّارِ لكونهنّ يكفُرنَ العَشيرَ ويكفُرنَ الإحسانَ، إن كنّ الآن في النار فهنّ ولا شك من دورة كونية سابقة.

الفرع السابع: سؤال : كيف رأى النبيُّ أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ قبل أن تقوم الساعة

الجواب على موقع الإسلام ([80])

1- دخوله بروحه كما هو حال الأموات ، فهذا ثابت للأنبياء ، والشهداء الذين تكون أرواحهم في حاصل (حواصل) طير خضر تسرح في الجنة. وكما هو الحال في الأحاديث التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيها أنه رأى أشياء في الجنة في منامه (رؤيا النوم: تكون للروح) .

أما الجنة والنار فلا يدخلها أحد دخولا تاما إلا بعد المرحلة الثانية من الحساب ، وهي حساب الآخرة . ولكن قد تدخل بعض الأرواح الجنة ، فيصيبها بعض نعيمها ، كرامة منه سبحانه وتعالى . يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ ) رواه مالك في الموطأ (1/240) وصححه ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/614)

نسمة المؤمن : روحه . يعلق : أي يأكل ويرعى .

2- أما دخول الجنة بالجسد والروح للبشر وللجن فإنه يكون يومَ القيامة. ويستثنى من هذا ما ذكر أن آدم عليه السلام كان في الجنة قبل أن ينزل إلى الارض ، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله وغيره .

يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الحساب بعد الموت حق، وأن الجزاء يكون بعد الحساب . ثم إن هذا الحساب يكون على مرحلتين (في البرزخ، وفي الدار الآخرة).

أقول: لعل الرجال والنساء الذين رءاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في النار هم من دورات كونية سابقة. فكيف للرسول صلى الله عليه وسلم أن يميز روح الرجل من روح المرأة، والروح من أمر ربي، ولم يرها أحد من الرسل على حقيقتها. وهذا يؤكده حديث المعراج الذي وصف الأرواح بلفظة نسم، وعلى صورة أسودة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب، ممتلىء حكمة وإيمانا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما جئت إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء : افتح، قال : من هذا ؟ قال : هذا جبريل، قال : هل معك أحد ؟ قال: نعم، معي محمد صلى الله عليه وسلم، فقال : أرسل إليه ؟ قال : نعم . فلما فتح علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد، على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل : من هذا؟ قال : هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، حتى عرج بي إلى السماء الثانية، فقال لخازنها : افتح، فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح . قال أنس : فذكر : أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر : أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس : فلما مر جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم بإدريس، قال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح . فقلت : من هذا ؟ قال : هذا إدريس، ثم مررت بموسى، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت : من هذا ؟ قال : هذا موسى، ثم مررت بعيسى، فقال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قلت : من هذا ؟ قال : هذا عيسى، ثم مررت بإبراهيم، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت : من هذا ؟ قال : هذا إبراهيم صلى الله عليه وسلم . قال ابن شهاب فأخبرني ابن حزم : أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري : كانا يقولان : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام . قال ابن حزم وأنس بن مالك : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك، حتى مررت على موسى، فقال : ما فرض الله لك على أمتك ؟ قلت : فرض خمسين صلاة، قال : فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني (فراجعت) فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت : وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال : هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال : راجع ربك، فقلت : استحييت من ربي، ثم انطلق بي، حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها حبايل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك . ) (الراوي: أبو ذر الغفاري المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 349، خلاصة حكم المحدث: [صحيح]، الراوي: أبو ذر الغفاري المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3342، خلاصة حكم المحدث: [صحيح])

وهنالك الحديث الذي يذكر أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر:

(إنه لَمَّا أُصِيبَ إخوانُكم يومَ أُحُدٍ ؛ جعل اللهُ أرواحَهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ ، تَرِدُ أنهارَ الجنةِ ؛ تأكلُ من ثمارِها ، وتَأْوِي إلى قناديلَ من ذهبٍ مُعَلَّقةٍ في ظِلِّ العرشِ ، فلما وجدوا طِيبَ مَأْكَلِهِم ومَشْرَبِهِم ومَقِيلِهم ؛ قالوا : مَن يُبَلِّغُ إخوانَنا عنا أننا أحياءٌ في الجنةِ ؛ لئلا يَزْهَدوا في الجنةِ ، ولا يَنْكُلُوا عند الحربِ ؟ ! فقال اللهُ - تعالى - : أنا أُبَلِّغُهم عنكم ، فأنزل اللهُ - تعالى - : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ . . . ) . إلى آخِرِ الآياتِ .) (الراوي : عبدالله بن عباس ، المحدث : الألباني ، المصدر : تخريج مشكاة المصابيح، الصفحة أو الرقم: 3776 ، خلاصة حكم المحدث : حسن ، انظر شرح الحديث رقم 114448)

(يا جابرُ ما لي أراكَ منكسِرًا ؟ قلتُ : يا رسولَ اللَّهِ استُشْهِدَ أبي قُتِلَ يومَ أُحُدٍ، وترَكَ عيالًا ودَينًا، قالَ: ( أفلَا أبشِّرُكَ بما لقيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ ؟ ) قلتُ : بلَى يا رسولَ اللَّهِ قالَ : ما كلَّمَ اللَّهُ أحدًا قطُّ إلَّا من وراءِ حجابِه وأحيى أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا فقالَ : يا عَبدي تَمنَّ عليَّ أُعْطِكَ قالَ : يا ربِّ تُحييني فأقتلَ فيكَ ثانيةً قالَ الرَّبُّ تبارك وتعالَى : إنَّهُ قد سبقَ منِّي أنَّهم إليها لَا يُرجَعونَ قالَ : وأُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) الآيةَ) ([81])

(لمَّا أُصيبَ إخوانُكم بأُحُدٍ جعلَ اللَّهُ أرواحَهم في أجوافِ طَيرٍ خُضرٍ ترِدُ من أنهارِ الجنَّةِ وتأكلُ من ثمارِها وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ معلقةٍ في ظلِّ العرشِ فلمَّا وجدوا طيبَ مأكلِهم ومشربِهم ومقيلِهم فقالوا من يبلِّغُ إخوانَنا عنَّا أنَّا أحياءٌ في الجنَّةِ نُرزَقُ؟ لئلا يزهَدوا في الجهادِ وينكلوا عن الحربِ فقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ أنا أُبلِغُهم عنكم فأنزلَ اللَّهُ {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} الآيةَ) (الراوي : عبدالله بن عباس، المحدث: ابن الملقن، المصدر: شرح البخاري لابن الملقن، الصفحة أو الرقم: 17/403 ، خلاصة حكم المحدث: صحيح. التخريج : أخرجه أبو داود (2520)، وأحمد (2388) باختلاف يسير)

ورد في شرح الحديث:

قال جابرٌ رضِيَ اللهُ عنه: "وأُنزِلَت هذه الآيةُ" في شأنِ الشُّهداءِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171]، {وَلَا تَحْسَبَنَّ} أي: لا تَظُنَّنَّ {الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ}، أي: استُشهِدوا في سَبيلِ اللهِ {أَمْوَاتًا} أي: قد فَقَدوا الحياةَ {بَلْ أَحْيَاءٌ}، أي: لهم حياةٌ كما شاء اللهُ {عِنْدَ رَبِّهِمْ}، أي: قَريبين مِن اللهِ بما نالوه مِن الدَّرَجاتِ العُلْيا والكَرامةِ، {يُرْزَقُونَ}، أي: يَرزُقُهم اللهُ مِن أنواعِ النَّعيمِ.

واستُشكِلَ قولُه: "أحيا أباك"، مع قولِه تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمِ}؛ لأنَّ التَّقديرَ هم أحياءٌ، فكيف يُحْيي الحيَّ؟ والجوابُ؛ قيل: جَعَل اللهُ تعالى تِلكَ الرُّوحَ في جَوفِ طيرٍ خُضْرٍ، فأحيا ذلك الطَّيرَ بتِلْك الرُّوحِ؛ فصَحَّ الإحياءُ، أو أرادَ بالإحياءِ زيادةَ قوَّةِ روحِه، فشاهَدَ الحقَّ بتِلك القوَّةِ.

المبحث الثالث: مراحل الحساب بعد الموت

المرحلة الأولى : فى القبر بعد الموت . وذلك حين يأتيه الملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه ، كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة ، وهي فتنة القبر التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ منها. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ ) رواه البخاري (1049) ومسلم (584). "يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه في الموقف ؛ فيمحص في البرزخ ".

وأما الجنة أو النار فلا يدخل أيا منهما أحدٌ دخولا تاما إلا بعد المرحلة الثانية من الحساب؛ حساب الآخرة. ولكن قد تدخل بعض الأرواح الجنة، فيصيبها بعض نعيمها. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ). رواه مالك في الموطأ (1/240) وصححه ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/614)
يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه "حادي الأرواح" (48) " وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة ".

كما قد تُعرض بعض الأرواح على النار؛ فيصيبها من حرها: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) غافر/46.

وإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ) . رواه الترمذي (2308) وحسنه ، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.

المرحلة الثانية من الحساب: الحساب بعد البعث في الآخرة، وهو الذي يميز فيه بين أهل الجنة وأهل النار، ويتقاص العباد فيه المظالم بينهم (يوم الحساب) . يقول سبحانه وتعالى : ( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) (ص 53) ، ويقول سبحانه : (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) (غافر 27). ولا يدخل أحد الجنة أو النار إلا بعد هذا الحساب. وأحد الدلائل عليه من الآيات القرآنية قوله تعالى: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) (16) ) (الإنفطار) (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ) : يَصْلَى هؤلاء الفجار الجحيم يوم القيامة، يوم يُدان العباد بالأعمال، فيُجازَوْنَ بها.

وأما الأحاديث التي يذكرُ فيها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّه رأى أحدا في الجنة أو في النار، فهي على أحد وجهين :

1- إما أنها في رؤيا المنام: كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: (يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ) .

2- يكشف الله للنبي صلى الله عليه وسلم ما سيكون في الأخرة حتى يراه رأي عيان أو رأي قلب، ومنه ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من أمور في الجنة وفي النار.

يقول الحافظ النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (6/207) : " قال القاضي عياض: قال العلماء : تحتمل أنه رآهما (الجنة والنار) رؤية عين ، كشف الله تعالى عنهما ، وأزال الحجب بينه وبينهما ، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه .

قالوا: ويحتمل أن يكون رؤية علم وعرض وحي ، باطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلا ما لم يعرفه قبل ذلك .

قال القاضي : والتأويل الأول (رؤية عين) أولى وأشبه بألفاظ الحديث ، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين كتناوله صلى الله عليه وسلم العنقود ، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار " .

النتيجة: إذا كانت الأحاديث الشريفة تشير إلى وجود أناس في النار، فهل يقتضي هذا أن هؤلاء من دورة كونية قبل دورة الكون التي نعيشها؟ وبالتالي يكون هنالك دورات لهذا الكون ويفصل بين كل دورتين متتاليتين يومُ قيامةٍ وبعثٍ وحساب؟

المبحث الرابع : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ

خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض ، وذلك مدة العالم ، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه.

(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (هود 107).

الفرع الأول: خلاصة القول في الاستثناء

عن ابن عباس والحسن أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين ، من الملائكة والنبيين والمؤمنين ، حين يشفعون في أصحاب الكبائر: (فأنْطَلِقُ حتَّى أسْتَأْذِنَ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنَ لِي، فإذا رَأَيْتُ رَبِّي وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وسَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرْفَعُ رَأْسِي، فأحْمَدُهُ بتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ إلَيْهِ فإذا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ الرَّابِعَةَ، فأقُولُ ما بَقِيَ في النَّارِ إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، ووَجَبَ عليه الخُلُودُ قالَ أبو عبدِ اللَّهِ: إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعالَى: }خالِدِينَ فيها{).

ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين ، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ، وقال يوما من الدهر : لا إله إلا الله . كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا) أي الكافرين، فَفِي النَّارِ خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض ، وذلك مدة العالم ، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه. ولعلّ من مشيئة الله (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) المترتبة على سعة رحمته والتي سبقت غضبه، أنه وبعد هذا المكث الطويل للكافرين في النار، سيأتي على جهنمَ يومٌ لا يَبْقى فيها أحدٌ. وقد روي في تفسير هذه الآية عن جابر، وأبي سعيد، من الصحابة: (إلا ما شاء ربُّك إنَّ ربَّك فعَّالٌ لما يُريدُ قال: هذه الآيةُ قاضيةٌ على القرآنِ كلِّه، يقول حيثُ كان في القرآنِ : خالدينَ فيها تأتي عليهِ).

الفرع الثاني: تفسير الآية (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)

تفسير ابن كثير: (قال الإمام أبو جعفر بن جرير : من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدا قالت : " هذا دائم دوام السموات والأرض " ، وكذلك يقولون : هو باق ما اختلف الليل والنهار ، ... يعنون بذلك كلمة : " أبداً " ، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم ، فقال: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) . وبالتالي فإنّ كلمة " أبداً " لا تعني مالانهاية: فإنّ فترة تعاقب الليل والنهار بدأت بعد تخلق النظام الشمسي؛ والذي بدأ تخلقه قبل أقل من خمس مليارات سنة.

قلت : ويحتمل أن المراد بـ (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) : الجنس؛ لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض ، كما قال تعالى : (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) [ إبراهيم : 48 ] ؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله : (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) قال: تبدل سماء غير هذه السماء ، وأرض غير هذه الأرض ، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض . . وبالتالي فإنّ كلمة " أبداً " لا تعني مالانهاية، وإنما تعني طيلة فترة دورة كونية: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ).

وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) قال: لكل جنة سماء وأرض .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ما دامت الأرض أرضا ، والسماء سماء .

وقوله : (إلا ما شاء ربُّك إنَّ ربَّك فعَّالٌ لما يُريدُ) كقوله تعالى : (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) [ الأنعام : 128 ] .

" مَا دَامَتْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف ؛ أَيْ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض ، وَالتَّقْدِير : وَقْت ذَلِكَ ([82]) (أي: طيلة فترة دورة كونية). وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل هَذَا ؛ فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ الضَّحَّاك : الْمَعْنَى مَا دَامَتْ سَمَوَات الْجَنَّة وَالنَّار وَأَرْضهمَا وَالسَّمَاء كُلّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك ، وَالْأَرْض مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمك ؛ وَفِي التَّنْزِيل : " وَأَوْرَثَنَا الْأَرْض نَتَبَوَّأ مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ نَشَاء " [ الزُّمَر : 74 ] . وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ السَّمَاء وَالْأَرْض الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي الْإِخْبَار عَنْ دَوَام الشَّيْء وَتَأْبِيده ؛ كَقَوْلِهِمْ: لَا آتِيك مَا جَنَّ لَيْل، أَوْ سَالَ سَيْل ، وَمَا اِخْتَلَفَ اللَّيْل وَالنَّهَار ، وَمَا نَاحَ الْحَمَام ، وَمَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض ، وَنَحْو هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْر نِهَايَة ؛ فَأَفْهَمَهُمْ اللَّه تَخْلِيد الْكَفَرَة بِذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَ بِزَوَالِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ جَمِيع الْأَشْيَاء الْمَخْلُوقَة أَصْلهَا مِنْ نُور الْعَرْش، وَأَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي الْآخِرَة تُرَدَّانِ إِلَى النُّور الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ ؛ فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُور الْعَرْش . (تفسير القرطبي).

وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء ، على أقوال كثيرة ، حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه " زاد المسير " وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله ، في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان، والضحاك، وقتادة ، وأبي سنان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا : أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين ، حين يشفعون في أصحاب الكبائر ، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين ، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله . كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمضمون ذلك من حديث أنس ، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها . وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة .

حديث أنس: (يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ يَومَ القِيامَةِ، فيَقولونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فيَقولونَ: أنْتَ أبو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، وأَسْجَدَ لكَ مَلائِكَتَهُ، وعَلَّمَكَ أسْماءَ كُلِّ شيءٍ، فاشْفَعْ لنا عِنْدَ رَبِّكَ حتَّى يُرِيحَنا مِن مَكانِنا هذا، فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي، ائْتُوا نُوحًا، فإنَّه أوَّلُ رَسولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ الأرْضِ، فَيَأْتُونَهُ فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ سُؤالَهُ رَبَّهُ ما ليسَ له به عِلْمٌ فَيَسْتَحِي، فيَقولُ: ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَهُ فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وأَعْطاهُ التَّوْراةَ، فَيَأْتُونَهُ فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بغيرِ نَفْسٍ، فَيَسْتَحِي مِن رَبِّهِ، فيَقولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ ورَسولَهُ، وكَلِمَةَ اللَّهِ ورُوحَهُ، فيَقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فأنْطَلِقُ حتَّى أسْتَأْذِنَ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنَ لِي، فإذا رَأَيْتُ رَبِّي وقَعْتُ ساجِدًا، فَيَدَعُنِي ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وسَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأرْفَعُ رَأْسِي، فأحْمَدُهُ بتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ إلَيْهِ فإذا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ، ثُمَّ أشْفَعُ فَيَحُدُّ لي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أعُودُ الرَّابِعَةَ، فأقُولُ ما بَقِيَ في النَّارِ إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، ووَجَبَ عليه الخُلُودُ قالَ أبو عبدِ اللَّهِ: إلَّا مَن حَبَسَهُ القُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعالَى: }خالِدِينَ فيها{) ([83])

(اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِن أهْلِ البَصْرَةِ فَذَهَبْنَا إلى أنَسِ بنِ مَالِكٍ، وذَهَبْنَا معنَا بثَابِتٍ البُنَانِيِّ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ لَنَا عن حَديثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هو في قَصْرِهِ فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَّا، فأذِنَ لَنَا وهو قَاعِدٌ علَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لا تَسْأَلْهُ عن شيءٍ أوَّلَ مِن حَديثِ الشَّفَاعَةِ، فَقالَ: يا أبَا حَمْزَةَ هَؤُلَاءِ إخْوَانُكَ مِن أهْلِ البَصْرَةِ جَاؤُوكَ يَسْأَلُونَكَ عن حَديثِ الشَّفَاعَةِ، فَقالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: إذَا كانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيَقولونَ: اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، فيَقولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ علَيْكُم بإبْرَاهِيمَ فإنَّه خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ، فيَقولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ علَيْكُم بمُوسَى فإنَّه كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فيَقولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ علَيْكُم بعِيسَى فإنَّه رُوحُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ علَيْكُم بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَيَأْتُونِي، فأقُولُ: أنَا لَهَا، فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنُ لِي، ويُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أحْمَدُهُ بهَا لا تَحْضُرُنِي الآنَ، فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، وأَخِرُّ له سَاجِدًا، فيَقولُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيَقولُ: انْطَلِقْ فأخْرِجْ منها مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِن إيمَانٍ، فأنْطَلِقُ فأفْعَلُ، ثُمَّ أعُودُ، فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ له سَاجِدًا، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتِي، فيَقولُ: انْطَلِقْ فأخْرِجْ منها مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - أوْ خَرْدَلَةٍ - مِن إيمَانٍ فأخْرِجْهُ، فأنْطَلِقُ، فأفْعَلُ، ثُمَّ أعُودُ فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ له سَاجِدًا، فيَقولُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ أُمَّتي أُمَّتِي، فيَقولُ: انْطَلِقْ فأخْرِجْ مَن كانَ في قَلْبِهِ أدْنَى أدْنَى أدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمَانٍ، فأخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فأنْطَلِقُ فأفْعَلُ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِن عِندِ أنَسٍ قُلتُ لِبَعْضِ أصْحَابِنَا: لو مَرَرْنَا بالحَسَنِ وهو مُتَوَارٍ في مَنْزِلِ أبِي خَلِيفَةَ فَحَدَّثْنَاهُ بما حَدَّثَنَا أنَسُ بنُ مَالِكٍ، فأتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عليه، فأذِنَ لَنَا فَقُلْنَا له: يا أبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِن عِندِ أخِيكَ أنَسِ بنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ ما حَدَّثَنَا في الشَّفَاعَةِ، فَقالَ: هِيهْ فَحَدَّثْنَاهُ بالحَديثِ، فَانْتَهَى إلى هذا المَوْضِعِ، فَقالَ: هِيهْ، فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا علَى هذا، فَقالَ: لقَدْ حدَّثَني وهو جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فلا أدْرِي أنَسِيَ أمْ كَرِهَ أنْ تَتَّكِلُوا، قُلْنَا: يا أبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا فَضَحِكَ، وقالَ: خُلِقَ الإنْسَانُ عَجُولًا ما ذَكَرْتُهُ إلَّا وأَنَا أُرِيدُ أنْ أُحَدِّثَكُمْ حدَّثَني كما حَدَّثَكُمْ به، قالَ: ثُمَّ أعُودُ الرَّابِعَةَ فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ له سَاجِدًا، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ ائْذَنْ لي فِيمَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فيَقولُ: وعِزَّتي وجَلَالِي، وكِبْرِيَائِي وعَظَمَتي لَأُخْرِجَنَّ منها مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.) ([84])

شرح الحديث

إِذا كانَ يَومُ القيامةِ، وَجُمِعَ الخَلْقُ في المَحشَرِ، وَدَنَت الشَّمسُ مِن الرُّؤوسِ، واشتَدَّت الحَرارةُ، وَتَصَبَّبَ العَرَقُ، وَأصابَ النَّاسَ مِن الكَربِ ما أصابَهم، وَيَحكي أنَس رضي الله عنه عِندَما سَألَه بَعضُ أهلِ البَصْرةِ عَن حَديثِ الشَّفاعةِ، فَحَدَّثَهم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ: إِذا كانَ يَومُ القيامةِ "ماجَ النَّاسُ"، أي: اضْطَربوا مِن هَوْلِ ذَلك اليَوْمِ، فَأخَذوا يَلتمِسونَ الشَّفاعةَ عِندَ الأنْبياءِ واحِدًا واحِدًا، وَكُلُّ واحِد منهم يَعتذِر عَن الشَّفاعةِ قائِلًا: لَستُ أهْلًا لَها، وَيَذكُر شَيْئًا يَراه ذَنْبًا، وَيَقولُ: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا شَديدًا حتَّى يَصِلوا إلى مُحَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فيُجيبهم إلى طَلَبِهم، وَيَتَصدَّى للشَّفاعةِ، وَيَقولُ: "أنا لَها"، فَيَسْأَل صلَّى الله عليه وسلَّم الشَّفاعةَ لأُمَّتِه، قائلاً: أُمَّتي أُمَّتي، وَذلك بَعدَ أن يَخِرَّ لهً ساجِدًا وَيَأمُره رَبُّه بأن يَرفَع رَأسَه وَأن يَشْفَعَ يُشَفَّع. وَهُنا تَتَجَلَّى رَحمةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأن يَقولَ للحَبيبِ صلَّى الله عليه وسلَّم: انْطَلِق فَأخْرِج مِنها مَن كانَ في قَلبِه مِثقالُ شُعَيْرةٍ مِن إيمانٍ.

ثُمَّ يَفعَل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِثْلَما فَعَلَ سابقًا فَتَتَجَلَّى رَحمةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَحمتُه لا تَنقطِع وَيَقول للحَبيبِ صلَّى الله عليه وسلَّم: انْطَلِقْ، فَأخْرِج مَن كانَ في قَلبِه مِثقالُ "ذَرَّة".

ثُمَّ يَفعَل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِثْلَما فَعَلَ سابقًا مَرَّةً أُخرى، وَيَزيدُ الرَّحمنُ في رَحمتِه بِعِبادِه، وَيَقول لِلحَبيبِ صلَّى الله عليه وسلَّم: انْطَلِق، فَأخْرِج مَن كانَ في قَلْبِه أدْنى أدْنى أدْنى مِثْقالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ فَأَخْرِجه مِن النَّارِ.

وَزادَ الحَسَنُ البَصريُّ أنَّ أنَسًا حَدَّثَه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَفعَل مِثلَما فَعَلَ سابقًا، وَيَقول لَه الرَّحمنُ اشْفَعْ تُشَفَّع، فَيَقول: يا رَبِّ، ائْذَن لي فيمَن قالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَقول: وَعِزَّتي وَجَلالي وَكِبريائي وَعَظَمتي لَأُخرِجَنَّ مِنها مَن قالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.

وقالَ لِمَن سَألوه لا أدْري أَنَسي أَنَسٌ أن يُحدِّثَكم بِهَذا أَم كَرِهَ أن تَتَّكِلوا.

في الحَديثِ: إِثْباتُ صِفةِ الكَلامِ لله عَزَّ وَجَلَّ. وفيه: رَحمةُ اللهِ بِعِبادِه. وفيه: إثْباتُ الشَّفاعةِ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَوْمَ القيامةِ

وقد روي في تفسيرها عن جابر، وأبي سعيد، من الصحابة: (إلا ما شاء ربُّك إنَّ ربَّك فعَّالٌ لما يُريدُ قال: هذه الآيةُ قاضيةٌ على القرآنِ كلِّه، يقول حيثُ كان في القرآنِ : خالدينَ فيها تأتي عليهِ) ([85]).

وقال السدي : هي منسوخة بقوله : (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [ النساء : 57 ] . وهذا الرأي غير مقبول ؛ قال ابن جرير : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا، والمحظور مباحا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة . فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ؛ لأن هذا يفضي إلى البداء.

تفسير القرطبي

قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) ما دامت في موضع نصب على الظرف ؛ أي دوام السماوات والأرض ، والتقدير: وقت ذلك (طيلة فترة دورة كونية). واختلف في تأويل هذا؛ فقالت طائفة منهم الضحاك: المعنى ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما ، والسماء كل ما علاك فأظلك ، والأرض ما استقر عليه قدمك ؛ وفي التنزيل: وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء (الأرض بمعنى أرض الجنة). وقيل (ما دامت السماوات والأرض): أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده (أي: طيلة فترة دورة كونية)؛ كقولهم : لا آتيك ما جن ليل ، أو سال سيل ، وما اختلف الليل والنهار ، وما ناح الحمام ، وما دامت السماوات والأرض ، ونحو هذا مما يريدون به طولا (من غير نهاية!) ؛ فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك . وإن كان قد أخبر بزوال السماوات والأرض . وأرى أنّ هذا القول فيه اعتراف ضمني أنّ الخلود لا يعني اللانهاية ولا يكافئها. وبالتالي فإنّ كلمة " أبداً " لا تعني مالانهاية.

قوله تعالى : إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ في موضع نصب ؛ لأنه استثناء ليس من الأول ؛ وقد اختلف فيه على أقوال عشرة : الأولى : أنه استثناء من قوله : ففي النار كأنه قال: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من تأخير قوم عن ذلك ؛ وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر - رضي الله عنهما - . وإنما لم يقل من شاء ؛ لأن المراد العدد لا الأشخاص ؛ كقوله : ما طاب لكم . .. . الثاني : أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار ؛ وعلى هذا يكون قوله : فأما الذين شقوا عاما في الكفرة والعصاة ، ويكون الاستثناء من " خالدين " ؛ قاله قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم . وفي الصحيح قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (لَيُصِيبَنَّ أقْوامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بذُنُوبٍ أصابُوها عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الجَنَّةَ بفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقالُ لهمُ الجَهَنَّمِيُّونَ.) ([86]). الثالث : أن الاستثناء من الزفير والشهيق ؛ أي لهم فيها زفير وشهيق إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من أنواع العذاب الذي لم يذكره ، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر ، وما لم يذكر . حكاه ابن الأنباري . الرابع : قال ابن مسعود : (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) لا يموتون فيها ، ولا يخرجون منها إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم . قلت : وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل ، وتجديد الخلق . الخامس : أنّ إلا بمعنى " سوى " كما تقول في الكلام : ما معي رجل إلا زيد ، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك. قيل : فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود . السادس : أنه استثناء من الإخراج ، وهو لا يريد أن يخرجهم منها . كما تقول في الكلام : أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره ، وأنت مقيم على ذلك الفعل ؛ فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم ؛ ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها ، ذكر هذين القولين الزجاج عن أهل اللغة ، قال: ولأهل المعاني قولان آخران ، فأحد القولين : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من مقدار موقفهم على رأس قبورهم ، وللمحاسبة ، وقدر مكثهم في الدنيا ، والبرزخ ، والوقوف للحساب . والقول الآخر : وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب ، وتقديره : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من زيادة النعيم لأهل النعيم ، وزيادة العذاب لأهل الجحيم . قلت : فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا ، واختاره الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي ، أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض ، وذلك مدة العالم ، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه (وهذه العبارة صريحة في تعاقب الأكوان عبر الزمان)، وهو قوله سبحانه : " يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ " فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم ، واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة ، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق ، فمن وفى بذلك العهد فله الجنة، ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السماوات والأرض ؛ فإنما دامتا للمعاملة ؛ وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك ؛ فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله ؛ قال الله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما ، وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة ؛ ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق الأحدية ؛ فمن لقيه موحدا لأحديته بقي في داره أبدا ، ومن لقيه مشركا بأحديته إلها بقي في السجن أبدا؛ فأعلم الله العباد مقدار الخلود ، ثم قال: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها ؛ فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبدا. وقد قيل : إن إلا بمعنى الواو ، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو الثامن : والمعنى : وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا . وقد قيل في قوله تعالى : إلا الذين ظلموا أي ولا الذين ظلموا . وقال الشاعر :

وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان

أي والفرقدان . وقال أبو محمد مكي : وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون إلا بمعنى الواو ، وقد مضى في البقرة بيانه . وقيل : معناه كما شاء ربك ؛ كقوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف أي كما قد سلف ، وهو: التاسع ، العاشر: وهو أن قوله تعالى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام؛ فهو على حد قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين فهو استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك؛ كأنه قال: إن شاء ربك؛ فليس يوصف بمتصل ولا منقطع ؛ ويؤيده ويقويه قوله تعالى : عطاء غير مجذوذ ونحوه عن أبي عبيد قال: تقدمت عزيمة المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين؛ فوقع لفظ الاستثناء ، والعزيمة قد تقدمت في الخلود، قال: وهذا مثل قوله تعالى: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وقد علم أنهم يدخلونه حتما ، فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خيارا ؛ إذ المشيئة قد تقدمت ، بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام ؛ ونحوه عن الفراء . وقول - حادي عشر - : وهو أن الأشقياء هم السعداء ، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم ، والاستثناء في الموضعين راجع إليهم ؛ وبيانه أن " ما " بمعنى " من "، استثنى الله - عز وجل - من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بما معهم من الإيمان ، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة . وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني ؛ كأنه قال تعالى : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ألا يخلده فيها ، وهم الخارجون منها من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بإيمانهم وبشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء ، وبدخولهم الجنة يسمون السعداء ؛ كما روى الضحاك عن ابن عباس إذ قال: الذين سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة . وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي وأما الذين سعدوا بضم السين . وقال أبو عمرو : والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا . قال النحاس : ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية ! إذ كان هذا لحنا لا يجوز ؛ لأنه إنما يقال: سعد فلان وأسعده الله ، وأسعد مثل أمرض ؛ وإنما احتج الكسائي بقولهم : مسعود ولا حجة له فيه ؛ لأنه يقال: مكان مسعود فيه ، ثم يحذف فيه ويسمى به . وقال المهدوي : ومن ضم السين من سعدوا فهو محمول على قولهم : مسعود وهو شاذ قليل ؛ لأنه لا يقال: سعده الله ؛ إنما يقال: أسعده الله . وقال الثعلبي : سعدوا بضم السين أي رزقوا السعادة ؛ يقال: سعد وأسعد بمعنى واحد وقرأ الباقون " سعدوا " بفتح السين قياسا على شقوا واختاره أبو عبيد وأبو حاتم . وقال الجوهري : والسعادة خلاف الشقاوة ؛ تقول: منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد ، مثل سلم فهو سليم ، وسعد فهو مسعود ؛ ولا يقال فيه : مسعد ، كأنهم استغنوا عنه بمسعود . وقال القشيري أبو نصر عبد الرحيم : وقد ورد سعده الله فهو مسعود ، وأسعده الله فهو مسعد ؛ فهذا يقوي قول الكوفيين وقال سيبويه : لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان ؛ لأنه مما لا يتعدى .

تفسير الطبري

وقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) ، يعني تعالى ذكره بقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا)، (لابثين فيها) ، ويعني بقوله: (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، (أبدًا). وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض ، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: " هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار ... يعنون بذلك كله " أبدًا ". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا. وبالتالي فإنّ كلمة " أبداً " لا تعني مالانهاية.

وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه. 18572- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.

ثم قال: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد ، أنه يخرجهم من النار إذا شاء ، بعد أن أدخلهم النار. ذكر من قال ذلك:

18573- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، قال: الله أعلم بثُنَياه.

وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الجنة.
18574-
حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، والله أعلم بثَنيَّته. وفي الحديث: (لَيُصِيبَنَّ أقْوامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ، بذُنُوبٍ أصابُوها عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الجَنَّةَ بفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقالُ لهمُ الجَهَنَّمِيُّونَ.) ([87]).

حدثنا محمد بن المثني قال ، حدثنا شيبان بن فروخ قال ، حدثنا أبو هلال قال ، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) ، إلى قوله: (لما يريد) ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ ما مَسَّهُمْ مِنْها سَفْعٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فيُسَمِّيهِمْ أهْلُ الجَنَّةِ: الجَهَنَّمِيِّينَ.) ( [88]).

شرح الحديث: مِمَّا يَمُنُّ اللهُ تعالى به على بَعضِ أهلِ التَّوحِيد-وإنْ كانوا استَحَقُّوا دخولَ النارِ بمعاصِيهم-: أنْ يُخرِجَهم منها بعدما يَمَسُّهم منها سَفْعٌ، أي: تَغيِيرٌ في لَوْنِ جُلودِهم للسُّمْرة بسببِ حرارة النارِ وحرْقِها لهم؛ يُقال: سَفعَتْه النَّارُ: إذا لفَحَتْه لَفْحًا يَسيرًا، فغيَّرتْ لونَ البَشَرةِ. فيُدخِلهم الله تعالى الجنَّةَ برحمتِه، فيُسمِّيهم أهلُ الجنَّةِ مِمَّنْ سَبقهم إليها: الجَهَنَّمِيِّينَ؛ نِسبةً لِجَهَنَّمَ، وهذه التَّسميَّةُ ليستْ تَنقيصًا لهم، بل هي استذكارٌ؛ ليَزيدوا فرحًا على فرَحٍ، وابتهاجًا على ابتهاجٍ، ولِيَعلموا أنَّهم عُتقاءُ اللهِ تعالى.

وأقول : إنّ سفعة النار هذه " سَفعَتْه النَّارُ: إذا لفَحَتْه لَفْحًا يَسيرًا" لا يستساغ أن تكون هي المقصودة في الآية الكريمة: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ). فظاهرٌ جليّاً أنّ العذاب الذي تذكره الآية الكريمة يليق بالكفار؛ بينما سفعة النار " سَفعَتْه النَّارُ: إذا لفَحَتْه لَفْحًا يَسيرًا" تليق بالمؤمنين الذين رجحت سيئاتهم.

18576- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، قال: استثناء في أهل التوحيد.

18577- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ)، إلى قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.

18578- حدثني المثني قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ، (سورة النبأ: 23) ، وقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، أنهما في أهل التوحيد.

وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: (إلا ما شاء ربك) ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ ) ، (إلا ما شاء ربك)، لا من " الخلود ".

*ذكر من قال ذلك: 18579- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد ، يعني الخدري ، أو : عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في قوله: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن (خَالِدِينَ فِيهَا)، تأتي عليه ، قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.

(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) (هود 107).

وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.

*ذكر من قال ذلك : 18580- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها ، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا. وفي الحديث: (عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهما قال يأتي على النارِ زمانٌ تُخفقُ أبوابُها ليس فيها أحدٌ يعني منَ الموحِّدِينَ) ([89]).

(وقد ذكر هذا القرطبي في تفسيره: " قال ابن مسعود : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض لا يموتون فيها ، ولا يخرجون منها إلا ما شاء ربك وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ، ثم يجدد خلقهم . قلت : وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل ، وتجديد الخلق ".)

18581- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.

وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض .قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة ، وجائز أن تكون في النقصان.

*ذكر من قال ذلك: 18582- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) ، فقرأ حتى بلغ: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

* قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك ، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك ، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة ، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها ، مع صحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا ، وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: " لا يدخل الجنة فاسق ، ولا النار مؤمن "، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم ، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا فسد هذان الوجهان ، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.

ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله .

وقوله: (إن ربك فعال لما يريد) ، يقول تعالى ذكره: إن ربك ، يا محمد ، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره ، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه ، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ.

الفرع الثالث: الخلود في جهنم

اللّه سبحانه هو الأول لاشيء قبله، وهو الآخِر لا شيء بعده، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولهُ الكمال المطلق أللانهائي. ولا رادّ لأمره ؛ وله المشيئة المطلقة:

(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس 82)

ويقول سبحانه: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (سورة البروج).

وخلود الكافرين في النار تحكمه المشيئة المطلقة في قوله سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) (هود 107)

وبالتالي فإنّ الزعم أو القول بعدم وجود تتابع زماني للأكوان هو حدّ وتقييد لمشيئة الله المطلقة.

(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَ&#