بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمُّ التسليم على خير الخلق الرّسول الكريم، محمد بن عبداللّه، خاتم الرّسل والنبيين، بعثهُ اللهُ في الأميين (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).
أما بعد، فهذه محاولة للكتابة في ظلال مدلولات الآية الكريمة: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الجاثية - 13) .
(13) And He has subjected to you whatever is in the heavens and whatever is on the earth - all from Him. Indeed, in that are signs for a people who give thought.
ويقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) (لقمان: 20 )
مَا: اسم موصول لغير العاقل، ويشير إلى شيء غير معيّن .
الذي: اسم موصول للمفرد المذكر، للعاقل وغير العاقل، ويشير إلى شيء معيّن .
الكون كتاب الله المنظور والدّال على الرّبّ الخالق سبحانه وتعالى، الرّبّ المعبود الله المتفرّد بالكمال والجلال سبحانه. هذا الكون هو البيت المحكم المتكامل لكلّ الخلائق لتعيش وتحيا فيه. وهو في ذات الوقت أعظم وأكمل مختبر، كيف لا وقد خلقه الله ليكون على قدر لانهائي من العظمة (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)، ولتتقزم أمامَه كافّةُ مختبرات العلوم البشرية على مرِّ الزمان وسائر المكان. وعلاوة على ذلك، فإنّ التسخيرَ لهذا الكونِ يكونُ على شقّين: تسخيرٌ يجلي العقيدة ويخدم قضية الإيمان بالله رباً خالقاً معبوداً له الأسماء الحسنى والصفات العلى ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير لا تخفى عليه خافية سبحانه وتعالى، مالك الملك العزيز في عليائه الواسع القادر القدير لا يعجزه شيء، أمره بين الكاف والنون: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (يس 82)، (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (القمر 50)، (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (النحل 40)، (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذّاريات 47). وهذه الآية الأخيرة تشير إلى حقبة التضخم الكوني (cosmic inflation) بقُدْرة (power) لا نهائيّة تُجلّي كمالَ عظمةِ وقدرةِ الخالقِ سبحانهُ وتعالى .
وقضية الإيمان هذه مسخرٌ لها ويخدمها كلُّ ما فِي السَّمَاوَاتِ وكلُّ مَا فِي الْأَرْضِ من خلائق ونعم (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً): السماوات السبع الطباق، الأرضين السبع (المادة الكونية المظلمة وغير الباريونية)، المجرات بجميع أنواعها وأشكالها ([1])، النجوم بجميع أنواعها وأصنافها الطيفية، الثقوب السوداء بجميع أنواعها، الكواكب بجميع صنوفها ([2])، الملائكة بكلّ صنوفهم وأنواعهم، جميع أصناف الخلائق المكلفة العاقلة من إنس وجن ونحوه وغيرها مما لا نعلمه: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (يس 36)، جميع صنوف الحيوانات والنباتات، جميع العناصر أو المركَّبات، جميع الظواهر الكونية والطبيعية، كل هذا يخدم قضية الإيمان والتوحيد. والشقّ الثاني من التسخير هو التسخير الماديّ، فهذا الكون وكلّ ما فيه غاية في الدقة بما يلائمُ الحياة (finely-tuned Universe): (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر 49)، (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان 2).
على نطاق الكون الواسع المتوسع خلق اللهُ المادةَ المظلمة (Dark matter) الحاضن الجاذبي لجميع مجرات الكون، وهي مادة مبهمة ليست كالمادة الباريونية المعروفة (عمري، الأرضون السّبع لغز المادّة المظلمة). حاليّاً تشكل الطاقة المظلمة (Dark energy) ما يقرب من70% من مكونات الكون، ويبدو أنها ترتبط مع الفراغ الكوني، ويتمُّ توزيعها بالتساوي في جميع أنحاء الكون، وليس فقط في فضاء المكان ولكن لربما أيضا مع الزمان: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) (الرحمن 8-7).
يقول تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (49-47 الذّاريات سورة رقم 51). فالكون يتوسّع بقوّة الله وقدرته سبحانه، وهي ما يسميه علماء الكون بالطاقة المظلمة (عمري، 2002، بناء السماء). يوسّع اللهُ سبحانه وتعالى بناءَ السّماء، فيتعاظم الفراغُ في الكون، وتزداد الطاقة المظلمة. فينتج عنه فرش ومهاد الأرضين (المادّة المظلمة التي تحضن جاذبيّا مجرّات الكون). وبالتالي تتباعد المسافات بين المجرّات. ولولا هذه الطاقة المظلمة والمادة المظلمة لما وجد هذا الكون، ولما تخلّقت النجوم والمجرات، ولما خُلقت مجموعتنا الشمسية، ولما كان لنا وجودٌ على الأرض (عمري، 2024، خلق الكون) .
القيمة (النسبة) الحاليّة للطاقة المظلمة هي70% ([3]). والله هو الذي يوسع بقدرته وبقوّته بناء السَّمَاء: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) ] 48-47 الذاريات[. وإنّ مجموع رقمي هاتين الآيتين (95) يساوي القيمة العددية الحالية (95%) لمجموع نسبتي الطاقة المظلمة والمادة المظلمة في مكونات الكون. وإنّ النسبة الحاليّة للطاقة المظلمة (70%) تساوي نسبة عدد آيات القرآن التي تذكر بعض أسماء الله أو صفاته أو فيها ضميرٌ عائدٌ إلى اللّه؛ وذلك في (85 سورة من سور القرآن)، وهي عدا تلك السور التي موضوعها الرئيسي هو يوم القيامة؛ حيث تتفطّر السَّمَاء وتنشقّ وتطوى وتنقطع من الحفظ الرّباني يوم القيامة ([4]). ولا عجب فإنّ الله هو الذي يوسع (لَمُوسِعُونَ) بقوته (بِأَيْيدٍ) بناء السَّمَاء: (وَالسمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ). والسَّمَاءُ - بمعنى البناء - محكمةٌ تخلو من الفطور والفروج والشّقوق: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)) (سورة الملك). (عمري، 2002، بناء السماء).
قال الفيزيائي بول ديفيز: "هناك اتفاق واسع الآن بين الفيزيائيين وعلماء الكون على أن الكون من عدة نواحٍ" مضبوط بدقة "للحياة". ومع ذلك، تابع، "الاستنتاج لا يقتصر على أن الكون قد تم ضبطه ليناسب الحياة؛ بل إنه تم ضبطه وفقًا للبنات البناء والبيئات التي تتطلبها الحياة ". ([5])
إن فرضية تأكيد الكون الدقيق هي أن تغييرًا طفيفًا في العديد من الثوابت الفيزيائية من شأنه أن يجعل الكون مختلفًا جذريًا ([6]). ويقول ستيفن هوكينج: "تحتوي قوانين العلم، كما نعرفها حاليًا، على العديد من الأرقام الأساسية، مثل مقدار الشحنة الكهربائية للإلكترون ونسبة كتلة البروتون والإلكترون. ... الحقيقة اللافتة للنظر هي أن قيم هذه الأرقام تبدو وكأنها قد تم تعديلها بدقة لإتاحة تطور الحياة ".([7])
|
In The Road to Reality, physicist Roger Penrose estimates that the odds of the initial low entropy state of our universe occurring by chance alone are on the order of 1 in (10)1230. This ratio is vastly beyond our powers of comprehension. Since we know a life-bearing universe is intrinsically interesting, this ratio should be more than enough to raise the question: Why does such a universe exist? If someone is unmoved by this ratio, then they probably won’t be persuaded by additional examples of fine-tuning. |
في كتابه الطريق إلى الحقيقة، يقدر الفيزيائي روجر بنروز أن احتمالات حدوث حالة الانتروبيا الأولية المنخفضة لكوننا عن طريق الصدفة وحدها هي في حدود1 من (10)1230. ويقول في صفحة (729): "هذه النسبة تتجاوز إلى حد كبير قدراتنا على الإدراك. نظرا لأننا نعلم أن الكون الحامل للحياة مثير للاهتمام في جوهره، يجب أن تكون هذه النسبة أكثر من كافية لإثارة السؤال: لماذا يوجد مثل هذا الكون؟ إذا لم يتأثر شخص ما بهذه النسبة، فمن المحتمل ألا يتم إقناعه بأمثلة إضافية للضبط الدقيق." ([8])
|
مجرتنا واسعة قطرها 106 ألف سنة ضوئية، وهذه السعة ضرورية حتى يتحقق وجود مجموعتنا الشمسية على مسافة آمنة (26.5 ألف سنة ضوئية) من الثقب الأسود العملاق الموجود في مركزها؛ وبالتالي فإنّ هذه السعة من مستلزمات التسخير وكماله، مما يعكس ويجلّي صفات الخالق سبحانه: العليم، الرحيم، اللطيف، الحكيم، الخبير، الواسع، القدير.
المجرة واسعة مما يجعل مجموعتنا الشمسية على مسافة آمنة من الثقوب السوداء النجمية المنتشرة في مجرتنا وفي جميع المجرات. حتى تاريخ كتابة هذه المقالة، فإنّ أقرب ثقب أسود نجمي إلى الأرض هو ثقب أسود ذو كتلة نجمية على بعد 1600 سنة ضوئية يسمى Gaia BH1 ([9]). سعة المجرة تجعل مجموعتنا الشمسية على مسافة آمنة من انفجارات السوبرنوفا الضرورية لتخلق العناصر الثقيلة ([10])، وبالتالي تخلق نظائر لمجموعتنا الشّمسية. وعليه فإنّ هذه السعة من مستلزمات كمال التسخير، مما يجلي الكمال المطلق لصفات الربّ الخالق سبحانه وتعالى (عمري، من حِكمِ خلْق الكون واسعاً) .
أندروميا (المرأة المسلسلة) هي أقرب مجرة إلى الأرض، وتبعد عنا 2.537 سنة ضوئية. إنّ المسافات الشاسعة بين المجرات تجعلنا على مسافة آمنة من المجرات ذات النوى النشطة. وهذا يحقق التسخير المادّي، كما يجلي لنا عقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته، فهو الرّبُّ اللطيف بعباده الخبير العليم الحكيم سبحانه، أبْعَدَ عنّا كلّ هذه الأهوال القاتلة الماحقة وصرفها بأن جعل مجموعتنا الشمسية نقطة في كون واسع: يقدر القطر الحالي للكون المرئي بحوالي 93 مليار سنة ضوئية، بينما يقدر قطر الكون داخل البناء السماوي الأول بحوالي 7 تريليون سنة ضوئية! هذه السعة المهولة تُجلّي الكمال المطلق للربّ اللطيف الخالق مالك الملك سبحانه في عليائه: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة 255). وفي الأثر: (ما السمواتُ السبعُ في الكرسيِّ إلا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، و فضلُ العرشِ على الكرسيِّ كفضلِ تلك الفلاةِ على تلك الحلْقةِ) ([11]) .
إذاً كمالُ التسخير هو أنّ كل شيء في هذا الكون هو بالقدر والقيمة التي حددها اللطيف العليم الخبير الخالق، وذلك بما يخدم أن أصبح هذا الكون صالحا ومناسبا للحياة. كمالُ التسخير هو أنّ كل الخلائق تحكمها نواميس اقتضتها إرادةُ الله، وعلى الكيفية والقدْر الذي أذن به الله سبحانه: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ) (النحل 49)، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) (الإسراء 44). وليس كمالُ التسخير أن يكون لكُلٍّ معجزةٌ كما معجزةُ المعراج لرسولنا محمد. كمالُ التسخير أنّ التلسكوبات اليومَ تسبرُ أعماقَ الجزء المرئي من الكون، ولا تجاوزه، لأن مجاوزته تتطلب تغيير القوانين والنواميس التي أرادَها اللهُ لهذا الكون. وليس هنالك أكمل ولا أنسب مما قدّره اللهُ وأراده: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر49 ).
التقدير قبل الخلق تشير إليه الأحاديث الشريفة. وفيما يلي ألفاظ الحديث الصحيح الذي يرويه عبدالله بن عمرو:
(كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ. وفي روايةٍ: بِهذا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، غيرَ أنَّهُما لَمْ يَذْكُرَا: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ) ([12])
(كتبَ اللَّهُ مَقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلُقَ السَّمواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سنةٍ، قالَ: وعرشُهُ علَى الماءِ) ([13])
(قدَّرَ اللهُ مقاديرَ الخلائقَ قبلَ أنْ يَخلقَ السَّماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ وعرشُهُ على الماءِ) ([14])
(قدَّرَ اللهُ المقاديرَ قبلَ أنْ يخلقَ السماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفِ سنةٍ) ([15])
(كتب اللهُ تعالى مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يخلُقَ السماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ وعرشُهُ على الماءِ) ([16])
والتقدير المبكر على نطاق الكون تشير له الآيات: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [فصلت 9-12].
وعلى نطاق الكون سخّرَ اللهُ الملائكة لخدمة العباد، وأصنافهم عديدة جداً (عمري، أزواج (أصناف) الملائكة): جبريل الملك الموكل بالوحي، وهنالك خزنةُ الجنّة أعدَّها اللهُ للمتقين من عباده، وخزنةُ النّار يُخوّف اللهُ بها العصاةَ عسى أن يتوبوا، وميكائيلُ مسؤولٌ عن نَسَمِ (أرواح) المؤمنين، وهو الملك الموكل بأرزاق العباد، وملَكُ الموتِ بكلِّ مؤمنٍ رفيقٌ، وملائكة تدبير الأمر، وخزنة السّماء، وخزنة الأرضِ، مَلَكٌ من الملائكةِ مُوَكَّلٌ بالسَّحَابِ: (فَالزَّاجِرَات زَجْرًا) (الصّافات 2)، هي الملائكة تَزْجُر السَّحَاب ([17]). وملائكة الجبال، ملائكة الرعاية الرّبانية للشأن الإنساني: ملائكة التسديد والتوفيق، ملائكة الاستغفار، الملائكة السياحون الذين يسيحون يتبعون مجالس الذكر، الملائكة الذين يتعاقبون فينا (يَتَعاقَبونَ فيكُم ملائِكَةٌ بالليلِ وملائِكةٌ بالنهارِ ...)، الملائكة الموكلون بالأجنّة، الملائكة المعقبات الحفظة الذين يحفظون الإنسان بأمر الله.
وأما على نطاق الكرة الأرضية، وموقعها المميز بالنسبة للشمس ولسائر الكواكب، وتهيئتها بذاتها (طبقاتها الأربع، درعها المغناطيسي، جبالها، غلافها الجوي وطبقاته)، ماؤها في الأعماق (700 كم تحت سطح الأرض) وماؤها في البحار والأنهار، فالدّقة والتقدير ربانيّ (غاية في الكمال والجمال): (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك 15). وفقا لمعظم التوقعات، سيكون مدار الأرض مستقرا نسبيا على مدى فترات طويلة ([18]) .
القمر: ومن لطف الله أنّ القمر يتحرك حاليّاً مبتعدا (عن الأرض) بسرعة 3.8 سم سنوياً. حاليّاً متوسط نصف قطر مدار القمر حول الأرض 384 ألف كيلومتر، وقد وصل إلى هذا المدار بعد رحلة طويلة ومثيرة. تخلّق قمرُ الأرض قبل نحو 4.5 مليار عام على إثر تصادم هائل بين كوكبنا وشقيق في حجم المريخ، وذلك وفقًا للنظرية الرائدة. وألقى التصادُم الهائلُ بالحطام في مدارٍ حول الأرض الفتيّة، ومن دوامة الحطام اندمج القمر. القيمة الحالية لمتوسط المسافة القمرية (المسافة بين الأرض والقمر) هي 60.32 نصف قطر أرضي. تزداد هذه المسافة مع مرور الزمن، مما يعني أن القمر كان في الماضي أقرب إلى الأرض. وهناك أدلة جيولوجية على أنّ متوسط المسافة القمرية كان حوالي 52 نصف قطر أرضي خلال عصر ما قبل الكمبري؛ أي قبل حوالي 2500 مليون سنة. يُعتقدُ أنّ القمرَ تكوّن بعيدا عن الأرض بمسافة قدرها 30 ألف كيلومتر، لكنه يبعد عنها الآن في المتوسط 384 ألف كيلومتر. لقد تراجع القمر حوالي 100 ألف كيلومتر في المليار سنة السابقة فقط، وذلك بسبب القوى المدّيّة التي تمارسها أرضنا: على مدى مليارات السنين القليلة الماضية، كانت جاذبية القمر تثير المدّ والجزر في محيطات الأرض، بينما تحاول الأرضُ السريعة أن تسحبها قَبْلَ القمر الذي يدور ببطء. والنتيجة هي أن القمر يتم دفعه بعيداً عن الأرض بمقدار 3.8 سنتيمتر سنوياً، ويتباطؤ دوران كوكبنا.
إذا ترك القمر دون قيد فإن القمر سيستمر في تراجعه حتى تصبح زمن دورته حول الأرض 47 يوما. ثم يحافظ كل من الأرض والقمر على نفس الوجوه باتجاه بعضهما البعض وبشكل دائم لأن دوران الأرض حول نفسها سوف يتباطأ أيضًا إلى دورة واحدة كل 47 يومًا.
السؤال هو: ماذا لو كان القمر يقترب من الأرض؟ الجواب: الآية من سورة القمر (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر49 )، وفي أحاديث صحيحة، ومنها ما روته أمُّنا عائشة: (أخذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيدي فنظرَ إلى القمرِ فقالَ: يا عائشةُ استعيذي باللَّهِ من شرِّ غاسقٍ إذا وقبَ هذا غاسقٌ إذا وقبَ) ([19]). (تَعوَّذي باللهِ من شَرِّ هذا الغاسِقِ إذا وَقَبَ.) ([20]). (استعيذي باللهِ من هذا يعني القمرَ فإنَّه الغاسقُ إذا وقب) ([21]). فهذا القمر مظلمٌ مدمّرٌ لو أنه ينزل ويقترب من الأرض (إذا وَقَبَ)، لكنّه من لطف الله أنّ القمرَ في تباعد من الأرض. وهذا الحديث دليل من أدلّة نبؤة وصدق الرسول محمد - صلى الله عليه وسلّم - وأنّه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى ([22]) .
الكون بأكمله سخره الإله الرب الخالق الرحيم خدمة ورزقا لهذا الإنسان، يقول سبحانه: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (سبأ 24). تبيّنُ الآيةُ أنّ الرّزق من السَّمَاوَاتِ (بصيغة الجمع لا الإفراد): (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .
الاستخلاف في الأرض
إنّ من لطف الله سبحانه وتعالى أنْ بيّنَ للمكلَّفين واجبَهم ومهمّتَهم المنوطة بهم، فهم مستخلَفون في الأرض زوّدهم اللهُ بالعقل والعلم وحثّهم على التفكّر وأمرهم بالإيمان وعمارة الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) (البقرة).
وحتى لا يكونَ للناس حجّةٌ، فلقد أرسل اللهُ الرّسل والأنبياء تترى وعلى مرّ الزمان والمكان: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء 165). ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر 24)، إلى أن بُعث الرسول الخاتم نبينا محمد عليه وعلى سائر رسُلِ الله أفضل الصلاة وأتم التسليم. وإنّ الرّسل والأنبياء هم شهداء الله على خلقه: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) (النحل 84). وفي الحديث: (قالَ لي النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أُنْزِلَ، قالَ: نَعَمْ فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حتَّى أتَيْتُ إلى هذِه الآيَةِ: {فَكيفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بشَهِيدٍ، وجِئْنا بكَ علَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا { (النساء: 41)، قالَ: حَسْبُكَ الآنَ فالْتَفَتُّ إلَيْهِ، فإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ.) ([23]).
( وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا): الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم هو الشهيد على هذه الأمة. ويقول تعالى: (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر 24)، فالرسل والأنبياء هم شهداء الله على الخلق. وأمّة محمد هم شهداء الله في الأرض من بعد الرّسل ([24]).
وإن آيات القرآن وسوره في العقيدة وقضايا الإيمان كثيرةٌ جداً، حتى أنّه لا يخطر لك أي سؤال عقدي إلا وتجد جوابه في آية أو آيات من القرآن، وتجده كذلك في الأحاديث الثابتة الصحيحة عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلّم. وإنّ من تمام وكمال الحُجّة التي تقيمُها آياتُ القرآن، أنّ معظمَ وغالبيةَ الظواهرِ الفيزيائيةِ والكونيةِ تتطرق لها آية أو آيات من القرآن الكريم. فيكون بيانُ القرآنِ الكتابِ المقروءِ والمسموعِ متناغماً تماماً ومنسجماً مع المشهدِ المرصودِ في الكون المنظور: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). لذا حثّنا القرآنُ على دراسة الكون: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت 20-19)، (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) (آل عمران 191). وفي هذا يقول العلماء: (Our Place in the Cosmos Is Designed for Discovery).
القرآن كلامُ الله خالقِ الأكوانِ، العالمِ بما خلقَ: (تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا) (طه 4). (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان 6). (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ) (الحجّ 70).
آياتُ القرآن الكونيّة تصفُ وبدقّة ما يكتشفه علماءُ الكون والفيزياء، مما يؤكد لنا أنّ القرآن كلامُ الله الواحد الأحد الربّ الخالق لا يعزب عنه مثقالُ ذرة في السماوات ولا في الأرض، فهو وحده المستحق للعبادة، فلا تنبغي العبادة والذل إلا له سبحانه، أيّدَ رُسُلَه بالمعجزات الباهرات الدّالات على صدقهم: فمثلا رسولنا محمد تؤيّده المعجزاتُ الباهرات (القرآن والوحي، ورحلة المعراج بسرعة انتقال هائلة مليارات أضعاف سرعة الضوء، وهذا لا يكون إلا بقدرة الله أللانهائية). وعيسى عليه السلام يحي الموتى بإذن الله، ولم يكن هذا لأحدٍ غيرَهُ من خلق الله، ويكلّم النّاس في المهد وصبيّاً وكهلا. وإبراهيم عليه السلام، جعلَ اللهُ عليه النّار بردًا وسلاماً، فهذه أدلّة عقلية ومشاهدة واضحة ودامغة على صدق رسُلِ الله.
وقد بين لنا هذا الدينُ العلاقةَ بين الخالق والمخلوق، وفصّلها في جميع جوانب العقيدة والعبادات الشعائرية، وإنّ نصوص التشرع في هذا الدين قد بيّنت لنا القوانين الناظمة للحياة على الأرض. وممّا يصحّحُ مسارَ التسخيرِ والاستخلافِ العلمُ والتَفَكُّرُ والّذيْن أمرَ بهما هذا الدينُ منذ بداية تنزُّل القرآن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق 1)، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر 9 )، (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). وإنّ العملَ مقرونٌ مع الإيمان في معظم آيات القرآن الكريم، وهو ممّا يُصَحّحُ مسار التسخير والاستخلاف، وفيما يلي بعض من هذه الآيات:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا ) (مريم 96)، (ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ ) (الرعد 29)، (وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ) (العنكبوت 58)، (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ) (البينة 7)، ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (يونس 9) (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) (الإسراء 9).
نلاحظ وللأسف أن أمّتنا متأخرةٌ على صعيد العلم الطبيعي، وغيرُنا من الأمم يسبرُ غور الفضاء والكون ليقدّم للعلم مادّة زاخرةً تساعدنا في فهم الآيات الكونية في القرآن الكريم: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ). نلاحظ وللأسف أن أمّتنا متأخرةٌ في مجال الهندسة والعلوم التطبيقية والتصنيع، وبقدْر ما تتقدّمُ الأممُ في هذا المجال تحصدُ الثمارَ من التسخير المادي للكون: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ)، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك 15) .
على صعيد الجانب الإيماني الدعويّ من الاستخلاف فإنّ الأمة الإسلامية اليومَ لا تقوم بواجبها تجاه البشرية! نلاحظ وللأسف أن أمّتنا متأخرةٌ على صعيد تبليغ هذا الدين: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة 143). وأما غيرُها من الأمم فجزءٌ كبير من مجهوداتهم في مجال تصنيع أسلحة الدّمار! فأصبحت سبباً في شقاء الأمم واستعباد الشعوب وسلب ثرواتها وإرادتها! بل وخنقها في عقيدتها! حتى أصبحنا نشاهدُ يوميّا ونسمعُ الدعاية للشذوذ وتسويقه بل وشرعنته! نشاهدُ ونسمعُ عن تشريد شعوبٍ كاملةٍ من أرضها ليقطنَها شذّاذُ الآفاق! الذين أصبحوا فوقَ القانونِ والعرفِ بحيث تُجرِّمُ القوانينُ الجائرةُ من يتحدّثُ عن فسادِهم في الأرض! وأمّا الشعوبُ المسلمةُ فهي وللأسفِ ممزّقةٌ جهودُها مبعثرة لا تعرف الجدّ ولا الأولويات، تحيدُ اليومَ عن المسار الذي يجعلها في طريق الاستخلاف
What do “fine-tuning” and the “multiverse” say about God? ([25])
يتفق العلماء من جميع وجهات النظر العالمية على أن الثوابت الفيزيائية لكوننا وظروف الكون المبكر مضبوطة بشكل رائع موائم للحياة. تتنبأ نظريات متعددة في الفيزياء بأن كوننا قد يكون واحدًا من العديد من الأكوان، وهي ما يعرف بفكرة الكون المتعدد (multiverse). إن الضبط الدقيق هو دليل على وجود الله، وتؤكده الرسالات السماوية: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر 49)، (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان 2). ويجادل بعضُ الملحدين بأن الأكوان المتعددة تحلُّ محلّ الله. هذا وإنّ كوننا المثمر ينسجم مع فهم أتباع الرسالات السماوية عن الله على أنه الخالقُ لعالَمٍ صالحٍ للحياة. عندما يُنظر للمسألة من خلال عيون وعقول أهل العلم والإيمان، نرى إلهًا يصنع كونًا وفيرًا ومعقدًا يتضمن موطننا (الأرض) التي تتوافر فيها كلّ أسباب الحياة. حتى لو شرحت نظرياتُ الأكوان المتعددة الكيفية العلمية لبداية كوننا، ففي النهاية فإن الكون المتعدد نفسَه سيظلُّ من خلق الله. ولا يمكن للتفسيرات العلمية أن تقدم تصورا يفترض عدم وجود الله الخالق، بل إنّ التفسيرات العلمية تزيد من تعجبنا ومدحنا لله الخالق المتصف بالعلم والحكمة والقدرة والكمال المطلق.
يشير الضبط الدقيق (Fine-tuning) إلى الدقة المذهلة للثوابت الفيزيائية وللظروف المبكّرة للكون. لشرح كيفية وجود كوكب صالح للسكن مثل الأرض، يجب ضبط هذه الثوابت الأساسية على القيم الصحيحة فقط (مثل ضبط تردد دارة الإستقبال في جهاز الراديو للعثور على محطة الإرسال المناسبة فقط). إذا كان للكون ثوابت فيزيائية بقيم مختلفة قليلاً، فلن يتمكن الكون ببساطة من دعم وتوفير أسباب الحياة: سوف يتوسع بسرعة كبيرة جدًا فلا تتخلق ذرات المادة ولا النجوم ولا الحياة، أو لن يشكل أبدًا ذرات كربون، أو لن يصنع أبدًا جزيئات معقدة مثل الحمض النووي.
Fine-tuning refers to “just right” propertiesOur universe has several properties that are set to precise values, and slight changes to those values would prevent life as we know it. Here are three examples. |
يشير الضبط الدقيق إلى الخصائص "الصحيحة تمامًا": يحتوي عالمنا على العديد من الخصائص التي تم ضبطها على قيم دقيقة، وإنّ أيّة تغييرات طفيفة في هذه القيم ستمنع ظهور الحياة التي نعرفها ونشاهدها. وفيما يلي ثلاثة أمثلة. |
1. The strength of gravityWhen the Big Bang occurred billions of years ago, the matter in the universe was uniformly distributed. There were no stars, planets or galaxies—just particles floating about in the dark void of space. As the universe expanded outwards from the Big Bang, gravity pulled ever-so-gently on the matter, gathering it into clumps that eventually became stars and galaxies. But gravity had to have just the right force—if it was a bit stronger, it would have pulled all the atoms together into one big ball. The Big Bang—and our prospects—would have ended quickly in a Big Crunch. And if gravity was a bit weaker, the expanding universe would have distributed the atoms so widely that they would never have been gathered into stars and galaxies. The strength of gravity has to be exactly right for stars to form. But what do we mean by “exactly”? Well, it turns out that if we change the universal gravitational constant by even a tiny fraction of a percent, the universe becomes so different that there are no stars, galaxies, or planets. And with no planets, there would be no life. Change the value slightly, and the universe moves along a very different path. And remarkably, every one of these different paths leads to a universe without life in it. Our universe is friendly to life, but only because the past 13.8 billion years have unfolded in a particular way that led to a habitable planet with liquid water and rich chemistry. |
1. قوة الجاذبية حدث الانفجار العظيم قبل حوالي 13.8 مليار سنة، قليلا بعيد الانفجار كانت المادة في الكون موزعة بشكل منتظم. لم تكن هناك نجوم أو كواكب أو مجرات - فقط إشعاع وجسيمات أولية تطفو في الفراغ المظلم للفضاء. مع توسع الكون إلى الخارج منذ لحظة الانفجار العظيم، سحبت الجاذبية (خاصة جاذبية المادة المظلمة -Dark matter) المادة الباريوية بلطف شديد، وجمعتها في تكتّلات أصبحت في النهاية نجومًا ومجرّات. لكن يجب أن تمتلك الجاذبية القوة الصحيحة فقط - لو كانت أقوى قليلاً، لكانت قد جمعت كل الذرات معًا في كرة واحدة كبيرة: لكان الانفجار العظيم - ومآل الكون - سينتهي بسرعة في إنسحاق كبير. ولو كانت الجاذبية أضعف قليلاً، لكان الكون المتوسع قد نشر الذّرات على نطاق واسع لدرجة أنها لم تكن لتتجمع من أجل تشكّل النجوم والمجرات. يجب أن تكون قوة الجاذبية مناسبة تمامًا لتكوين النجوم. لكن ماذا نعني بكلمة "بالضبط"؟ حسنًا، اتضح أننا إذا غيرنا ثابت الجاذبية الكوني حتى ولو بجزء ضئيل من النسبة المئوية، لأصبح الكونُ مختلفًا تمامًا بحيث لا توجد فيه نجوم أو مجرات أو كواكب، وبالتالي لن تكون هناك حياة. غيّر القيمة قليلاً، سينتقل الكون في مسار مختلف تمامًا. ومن اللافت للنظر أن كل مسار من هذه المسارات المختلفة يؤدي إلى كون لا حياة فيه. كوننا صديق للحياة، ولكن فقط لأن الـ 13.8 مليار سنة الماضية قد انقضت بطريقة معينة ودقيقة أدّت إلى تخلق كوكب صالح للسكن فيه مياه سائلة وكيمياء غنية. |
2. The formation of carbonCarbon is the element upon which all known life is based. Carbon atoms form in the cores of stars by fusion reactions. In these reactions, three helium atoms collide and fuse together to make a carbon atom. However, in order for that fusion reaction to work, the energy levels must match up in just the right way, or the three helium atoms would bounce off of each other before they could fuse. To create this unusual match-up of energies, two physical forces (the strong and electromagnetic forces) must cooperate in just the right way. The slightest change to either the strong or electromagnetic forces would alter the energy levels, resulting in greatly reduced production of carbon. The values are tuned so that carbon is produced efficiently, leading to abundant amounts of an element we need for life. |
2. تكوين الكربون الكربون هو العنصر الذي تقوم عليه كل أشكال الحياة المعروفة. تتشكل ذرات الكربون في قلب النجوم عن طريق تفاعلات الاندماج النووي. في هذه التفاعلات، تصطدم ثلاث ذرات هيليوم وتندمج معًا لتكوين ذرة كربون. ومع ذلك، لكي يعمل تفاعل الاندماج هذا، يجب أن تتطابق مستويات الطاقة بالطريقة الصحيحة تمامًا، وبخلاف ذلك ترتد ذرات الهيليوم الثلاث عن بعضها البعض قبل أن تتمكن من الاندماج. لإنشاء هذا التوافق غير العادي للطاقات، يجب أن تتعاون قوتان فيزيائيتان (القوة النووية القوية والقوى الكهرومغناطيسية) بالطريقة الصحيحة تمامًا. إن أدنى تغيير في القوى النووية القوية أو الكهرومغناطيسية من شأنه أن يغير مستويات الطاقة، مما يؤدي إلى انخفاض كبير في إنتاج الكربون. يتم ضبط القيم بحيث يتم إنتاج الكربون بكفاءة، مما يؤدي إلى كميات وفيرة من عنصر الكربون والذي نحتاجه للحياة. |
3. The stability of DNAEvery atom has a nucleus of protons and neutrons and a cloud of electrons swirling around it. When an atom binds with another atom to make a molecule, the charged protons and electrons interact to hold them together. The mass of a proton is nearly 2,000 times the mass of the electron (1,836.15267389 times, to be precise). But if this ratio changed by only a small amount, the stability of many common chemicals would be compromised. In the end, this would prevent the formation of many molecules, including DNA, the building blocks of life. As theologian and scientist Alister McGrath has pointed out, [The entire biological] evolutionary process depends upon the unusual chemistry of carbon, which allows it to bond to itself, as well as other elements, creating highly complex molecules that are stable over prevailing terrestrial temperatures, and are capable of conveying genetic information (especially DNA). These are just a few examples. Evidence for fine-tuning is recognized by physicists and astronomers of all religions and worldviews, and has been for decades. As agnostic Steven Weinberg, a Nobel Laureate in Physics, wrote: (…how surprising it is that the laws of nature and the initial conditions of the universe should allow for the existence of beings who could observe it. Life as we know it would be impossible if any one of several physical quantities had slightly different values.) |
3. استقرار الحمض النووي تحتوي كل ذرة على نواة من البروتونات والنيوترونات، وعلى سحابة من الإلكترونات تدور حولها. عندما ترتبط ذرة مع ذرة أخرى لتكوين جزيء، تتفاعل البروتونات والإلكترونات المشحونة لتعمل على تماسك ذرات الجزيء. كتلة البروتون 1,836.15267389 مرة ضعف كتلة الإلكترون. ولكن إذا تغيرت هذه النسبة بمقدار ضئيل فقط، فسيتم زعزعة استقرار العديد من المواد الكيميائية الشائعة. في النهاية، سيمنع هذا تكوين العديد من الجزيئات، بما في ذلك الحمض النووي، اللبنات الأساسية للحياة. كما أشار عالم اللاهوت والعالم أليستر ماكقراث (McGrath)، تعتمد العملية التطورية [البيولوجية] بأكملها على الكيمياء غير العادية للكربون، والتي تسمح له بالارتباط بنفسه، بالإضافة إلى ارتباطه بالعناصر الأخرى، مما يخلق جزيئات شديدة التعقيد تكون مستقرة على درجات الحرارة السائدة في الأرض، وتكون هذه الجزيئات قادرة على نقل المعلومات الجينية (خاصةً جزيئات الحمض النووي). هذه فقط أمثلة قليلة. يعترف الفيزيائيون وعلماء الفلك من جميع الأديان ووجهات النظر العالمية بأدلة الضبط الدقيق، وهي موجودة منذ عقود. كما كتب ستيفن واينبرج، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء: (... كم هو مدهش أن قوانين الطبيعة والظروف الأولية للكون يجب أن تسمح بوجود كائنات (الإنسان مثلاً) يمكنها مراقبة الكون ([26]). الحياة كما نعرفها ستكون مستحيلة إذا كان لأي من الكميات الفيزيائية قيم مختلفة قليلاً ([27]). |
أقوال المفسرين في موضوع الآية الكريمة ([28])
(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
جاء في الوسيط لطنطاوي: " ( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) المذكور من تسخير البحر وما فى السماوات والأرض لكم ( لآيَاتٍ ) ساطعات، وعلامات واضحات، ودلائل بيّنات، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وفضله ( لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) في هذه النعم، ويحسنون شكرها. وخص المتفكرين بالذكر، لأنهم هم الذين ينتفعون بما بين أيديهم من نعم، إذ بالتفكر السليم ينتقل العاقل من مرحلة الظن، إلى مرحلة اليقين، التى يجزم معها بأن المستحق للعبادة والحمد، إنما هو الله رب العالمين."
جاء في تفسير السعدي: "{ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ } أي: من فضله وإحسانه، وهذا شامل لأجرام السماوات والأرض ولِمَا أودعَ اللهُ فيهما من الشمس والقمر والكواكب وأنواع الحيوانات وأصناف الأشجار والثمرات وأجناس المعادن ([29]) وغير ذلك مما هو معد لمصالح بني آدم ومصالح ما هو من ضروراته، فهذا يوجب عليهم أن يبذلوا غاية جهدهم في شكر نعمته وأن تتغلغل أفكارهم في تدبر آياته وحكمه ولهذا قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وجملة ذلك أنّ خلْقَها وتدبيرها وتسخيرها دال على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرته، وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنعة وحسن الخِلْقة دال على كمال حكمته وعلمه، وما فيها من السعة والعظمة والكثرة دال على سعة ملكه وسلطانه، وما فيها من التخصيصات والأشياء المتضادات دليل على أنه ([30]) الفعال لما يريد، وما فيها من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية دليل على سعة رحمته، وشمول فضله وإحسانه وبديع لطفه وبره، وكل ذلك دالٌّ على أنه وحده المألوه المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له وأنّ رسله صادقون فيما جاءوا به، فهذه أدلة عقلية واضحة لا تقبل ريبا ولا شكّاً."
- التفسير الميسر: "وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ من شمس وقمر ونجوم، وكلَّ مَا فِي الْأَرْضِ من دابة وشجر وسفن وغير ذلك لمنافعكم، جميع هذه النعم منةٌ من الله وحدَهُ أنعمَ بها عليكم، وفضلٌ منه تَفضَّل به، فإياه فاعبدوا، ولا تجعلوا له شريكًا. إنَّ فيما سخره الله لكم لعلامات ودلالات على وحدانية الله لقوم يتفكرون في آيات الله وحججه وأدلته، فيعتبرون بها."
يقول البغوي: "(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ومعنى تسخيرها أنه خلقها لمنافعنا. فهو (الكون وما فيه) مسخر لنا من حيث إنا ننتفع به ( جَمِيعًا مِّنْهُ) فلا تجعلوا لله أندادا، قال ابن عباس: " جَمِيعًا مِّنْهُ "، كل ذلك رحمة منه. قال الزجاج: كل ذلك تفضل منه وإحسان. (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)."
يقول ابن كثير: " (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: من الكواكب والجبال، والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به، أي: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه؛ ولهذا قال: (جَمِيعًا مِّنْهُ) أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ) [ النحل: 53 ]. "
يقول القرطبى: " وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ؛ يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام. وقرأ ابن عباس والجحدري وغيرهما (جَمِيعًا مِنَّةً) بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء، منصوبا على المصدر. قال أبو عمرو: وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها ( مِنَّةً) أي: تفضلا وكرما ([31]). وعن مسلمة بن محارب أيضا (جَمِيعًا منه) على إضافة المن إلى هاء الكناية. وهو عند أبي حاتم خبر ابتداء محذوف، أي: ذلك، أو هو منه. وقراءة الجماعة ظاهرة. إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "
يقول الطبرى: "يقول تعالى ذكره: ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ) من شمس وقمر ونجوم ( وَمَا فِي الأرْضِ ) من دابة وشجر وجبل وجماد وسفن لمنافعكم ومصالحكم ( جَمِيعًا مِنْهُ ). يقول تعالى ذكره: جميع ما ذكرت لكم أيها الناس من هذه النعم، نعمٌ عليكم من الله أنعم بها عليكم، وفضل منه تفضّل به عليكم، فإياه فاحمدوا لا غيرَه، لأنه لم يشركه في إنعام هذه النعم عليكم شريك، بل تفرّد بإنعامها عليكم وجميعها منه، ومن نعمه فلا تجعلوا له في شكركم له شريكا بل أفردوه بالشكر والعبادة، وأخلصوا له الألوهة، فإنه لا إله لكم سواه. ... وقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يقول تعالى ذكره: إن في تسخير الله لكم ما أنبأكم أيها الناس أنه سخره لكم فى هاتين الآيتين (لآيَاتٍ) يقول: لعلامات ودلالات على أنه لا إله لكم غيره، الذي أنعم عليكم هذه النعم، وسخر لكم هذه الأشياء التي لا يقدر على تسخيرها غيره لقوم يتفكرون في آيات الله وحججه وأدلته، فيعتبرون بها ويتعظون إذا تدبروها، وفكَّروا فيها."
يقول ابن عاشور: " ... {مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} عام مخصوص بما تحصل للناس فائدة من وجوده: كالشمس (نحتاجها) للضياء، والمطر (نحتاجه) للشراب، أو من بعض أحواله: كالكواكب للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، والشجر للاستظلال (وكذلك الثمارُ أكل)، والأنعام للركوب والحرث ونحو ذلك. .... {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. أي في ذلك المذكور من تسخير البحر وتسخير ما في السموات والأرض دلائل على تفرد الله بالإلهية فهي وإن كانت منناً يحق أن يشكرها الناس فإنها أيضاً دلائل إذا تفكر فيها المنعَمُ عليهم اهتدوا بها، فحصلت لهم منها ملائمات جسمانية ومعارف نفسانية، وبهذا الاعتبار كانت في عداد الآيات المذكورةِ قبلها من قوله: { إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين } [ الجاثية: 3 ]، وإنما أُخرت عنها لأنها ذكرت في معرض الامتنان بأنها نعم، ثم عُقبت بالتنبيه على أنها أيضاً دلائل على تفرد الله بالخلق .
وأوثر التفكر بالذكر في آخر صفات المستدلين بالآيات، لأن الفكر هو منبع الإيمان والإيقان والعلم المتقدمة في قوله: {لآيات للمؤمنين} [الجاثية: 3] {آياتٌ لقوم يوقنون} [الجاثية: 4] {آياتٌ لقوم يعقلون} [ الجاثية: 5 ]. "
المصادر
القرآن الكريم
كتب السّنة المطهّرة
المراجع (غير الموجودة في الحاشية)
1) تفاسير القرآن الكريم.
2) عمري، حسين يوسف راشد، أزواج (أصناف) الملائكة.
https://eijaz.mutah.edu.jo/Angels.htm
3) عمري، حسين يوسف راشد، من حِكمِ خلْق الكون واسعاً. على الرابط:
https://eijaz.mutah.edu.jo/VastUniverse.htm
4) عمري، حسين يوسف راشد، الأرضون السّبع لغز المادّة المظلمة، مجلّة كليّة المعارف الجامعة، الأنبار، (2004)، العدد السادس، ص 10.
https://eijaz.mutah.edu.jo/sevenardhoan.htm
5) عمري، حسين يوسف راشد، 2002، بناء السماء والمادة المظلمة الباردة دراسة مقارنة بين الفلك والقرآن، مؤتة للبحوث والدّراسات (سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعيّة)، المجلد السابع عشر، العدد السادس، ص 187 – 211. https://eijaz.mutah.edu.jo/samaacdm.htm
6) عمري، حسين يوسف، محاضرة: بناء السماء والطاقة المظلمة والمادة المظلمة
https://eijaz.mutah.edu.jo/samadarkmattandenergy.htm
7) عمري، حسين يوسف راشد، خلق الكون بين الآيات القرآنيّة والحقائق العلميّة. مؤتة للبحوث والدّراسات، سلسلة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، 2004. المجلد 19، العدد 4، ص 11 –41.
http://eijaz.mutah.edu.jo/univcreation.htm
8) عمري، حسين يوسف، معالم قرآنية في الفيزياء والكون، الوراق للنشر والتوزيع (عمان - الأردن الطبعة الأولى 2017 م (.
[1] There are four distinct types of galaxies in the universe, elliptical, spiral, barred spiral, and irregular. Although these are the four main types, there are various types of galaxies and the way in which they are classified is by their shape.
هناك أربعة أنواع رئيسية متمايزة من المجرات في الكون: المجرات الإهليلجية بيضاوية، المجرات الحلزونية لولبية، لولبية دفينة مشدودة، والمجرات غير المنتظمة. إلا أنّ هنالك أنواعًا مختلفة من المجرات وطريقة تصنيفها حسب شكلها.
[2] Gas Giant. A giant planet composed mainly of gas.
Super-Earth. A potentially rocky world, larger than Earth.
Neptune-like. Gaseous worlds around the size of Neptune.
Terrestrial. A rocky world outside our solar system.
https://exoplanets.nasa.gov/what-is-an-exoplanet/planet-types/overview/
[3]) Dark energy permeates all of space and tends to increase the rate of expansion of the universe. Dark energy is the most accepted theory to explain recent observations and experiments that the universe appears to be expanding at an accelerating rate. In the standard model of cosmology, dark energy currently accounts for 70% of the total mass-energy of the universe.(http://en.wikipedia.org/wiki/Dark_energy).
[4] عمري، 2017 : معالم قرآنية في الفيزياء والكون، بحث القرآن يحدد النسب للطاقة المظلمة والمادتين المظلمة والعادية، ص 495
[5] Smith, W. S., Smith, J. S., & Verducci, D., eds., Eco-Phenomenology: Life, Human Life, Post-Human Life in the Harmony of the Cosmos (Berlin/Heidelberg: Springer, 2018), pp. 131–32
[6] أنظر المرجع على الرابط:
https://www.discovery.org/m/2020/06/Fine-Tuning-Parameters-Jay-Richards.pdf
[7] Stephen Hawking, 1988. A Brief History of Time, Bantam Books, ISBN 0-553-05340-X, pp. 7, 125.
[8] Roger Penrose. THE ROAD TO REALITY A Complete Guide to the Laws of the Universe. Published by Jonathan Cape 2004, 2 4 6 8 10 9 7 5 3 1.
[9] The closest black hole to Earth is a stellar mass black hole just 1,600 lightyears away called Gaia BH1. The black hole has set a new record for the closest known black hole to Earth. Its presence was revealed after ESA's Gaia space telescope observed the unusual motion of its stellar companion, a Sun-like star:
(https://www.skyatnightmagazine.com/news/closest-black-hole-to-earth/ )
[10] من المحتمل أن يكون أقرب مستعر أعظم تم تسجيله في التاريخ هو بقايا المكتشف عام 1998 والي تم العثور عليها من انفجار حدث قبل 800 عام، على مسافة حوالي 700 سنة ضوئية. وفقًا للمعلومات المتاحة، كان أحدث مستعر أعظم داخل مجرتنا هو مستعر أعظم كيبلر الذي حدث قبل 400 عام.
يُعتقد أن المستعرات الأعظمية الواقعة في دائرة نصف قطرها 50 سنة ضوئية من الأرض تقع في "منطقة القتل" للأرض، مما يهدد الحياة ويسبب انقراضات جماعية.
[11] الراوي : أبو ذر الغفاري، المحدث : الألباني، المصدر : السلسلة الصحيحة، الصفحة أو الرقم : 109، خلاصة حكم المحدث : صحيح [لطرقه]. التخريج : أخرجه ابن أبي شيبة في ((العرش)) (58) واللفظ له، وابن حبان (361)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/167) مطولاً
[12] المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم 2653، خلاصة حكم المحدث: صحيح
[13] الراوي : عبدالله بن عمرو، المحدث : الألباني، المصدر : شرح الطحاوية، الصفحة أو الرقم: 265، خلاصة حكم المحدث: صحيح. التخريج : أخرجه مسلم (2653)، انظر شرح الحديث رقم 83824
[14] المحدث: ابن القيم - المصدر: اجتماع الجيوش الإسلامية - الصفحة أو الرقم 142، خلاصة حكم المحدث: ثابت
[15] المحدث: محمد جار الله الصعدي – المصدر: النوافح العطرة - الصفحة أو الرقم 224، خلاصة حكم المحدث: صحيح
[16] المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم 4474، خلاصة حكم المحدث: صحيح. التخريج: أخرجه مسلم (2653) باختلاف يسير
[17] (أقبلتْ يهودُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالوا يا أبا القاسمِ نسألُك عن أشياءَ إن أجَبْتنا فيها اتَّبعناك وصدَّقناك وآمنَّا بك قال فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيلُ على نفسِه قالوا اللهُ على ما نقولُ وكيلٌ قالوا أخبِرْنا عن علامةِ النبيِّ قال تنامُ عيناه ولا ينامُ قلبُه قالوا فأخبِرْنا كيف تُؤَنَّثُ المرأةُ وكيف تُذكَّرُ قال يلتقي الماءانِ فإن علا ماءُ المرأةِ ماءَ الرجلِ أُنِّثتْ وإن علا ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ أُذكِرَتْ قالوا صدقتَ فأخبِرْنا عن الرَّعدِ ما هو؟ قال الرعدُ : ملَكٌ من الملائكةِ مُوكَّلٌ بالسَّحابِ بيدَيه أو في يدِه مِخراقٌ من نارٍ يزجرُ به السحابَ والصوتُ الذي يُسمعُ منه زَجْرُهُ السَّحابَ إذا زجَرَه حتى ينتهيَ إلى حيث أمرَه) (الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم 4/191، خلاصة حكم المحدث: صحيح)
[18] Gribbin, John (2004). Deep simplicity : bringing order to chaos and complexity (1st U.S. ed.). New York: Random House. ISBN 978-1-4000-6256-0.
[19] الراوي : عائشة أم المؤمنين، المحدث : ابن حجر العسقلاني، المصدر : تخريج مشكاة المصابيح، الصفحة أو الرقم: 3/24، خلاصة حكم المحدث : [حسن كما قال في المقدمة]
[20] الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: شعيب الأرناؤوط، المصدر: تخريج المسند، الصفحة أو الرقم: 24323، خلاصة حكم المحدث : حسن. التخريج : أخرجه الترمذي (3366)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10138)، وأحمد (24323) واللفظ له
[21] الراوي : عائشة أم المؤمنين، المحدث : الألباني، المصدر : السلسلة الصحيحة، الصفحة أو الرقم : 372، خلاصة حكم المحدث : صحيح. التخريج : أخرجه الترمذي (3366)، وأحمد (25844)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (10137)، انظر شرح الحديث رقم 80033
[23] الراوي : عبدالله بن مسعود، المحدث : البخاري، المصدر : صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 5050، خلاصة حكم المحدث : (صحيح) . التخريج : أخرجه البخاري (5050) واللفظ له، ومسلم (800)
[26] يقول تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)
[27] (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر49 )، (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان 2).
[29] تتخلّقُ المعادنُ من خلال انفجارات السوبرنوفا
[30] الواحد الأحد الفرد الصمد المتفرّد بالجلال والكمال المطلق سبحانه، وما عداه فهو مخلوق، وجميع المخلوقات يحكمها نظام الزوحية (عمري، 2017 : معالم قرآنية في الفيزياء والكون: الإعجاز الفيزيائي في آية خلق الأزواج، ص 319 ؛ الإعجاز الرياضياتي في آية خلق الأزواج، ص 347 )
[31] وهي قراءة شاذة كما ورد في الميسر في القراءات الأربعة عشر، تأليف محمد فهد خاروف، الناشر: دار ابن كثير و دار الكلم الطيب (دمشق - بيروت)، الطبعة الأولى (1416 هـ - 1995م)، صفحة 499 .